مجلّة المشرق الرقميّة >> العدد العاشر >> مقالات >> نظرات وعبارات لأنسنة الفنّ الإيقونوغرافيّ
عواء، لوحة من لوحات الدكتورة باميلا شرابيه
عواء، لوحة من لوحات الدكتورة باميلا شرابيه
نظرات وعبارات لأنسنة الفنّ الإيقونوغرافيّ
الدكتورة باميلا شرابيه | مقالات

 أيقونة كلمة يونانية ومعناها الأول صورة أو رسم أو شبه. لدى الأيقونة المسيحية التقليدية في جنوب غرب آسيا العديد من الوظائف مثل التعليم الديني (الأيقونة كتاب مقدس ملون) والصلاة والعبادة، والعديد من المعاني الروحية وخاصةً : الأيقونة نافذة على الأبدية. ومن ميزات الفن الايقونوغرافي التقليدي (بيزنطي، روسي، فنون بطريركية انطاكية...) أنه لا يهتم كثيراً بإظهار شكل القدّيس أو القدّيسة الحقيقيّ بل بصورته الخالدة، ولذلك ترسم ملامح الوجوه الايقونوغرافية باتّباع قواعد محددة مثل العينين الواسعتين المفتوحتين اللتين تحدّقان إلى أعمال الخالق والأنف الطويل الرفيع الذي يستنشق رائحة الجنّة.  أعرض في هذه المقالة مقدمة مختصرة عن أسلوبي الأيقونوغرافي الذي يفكك بعض القواعد الأيقونوغرافية التقليدية ويدعو إلى أنسنة الأيقونة. كما يتضمّن عيّنات من الأيقونات التي رسمتها وقد تم عرضها في الجامعة الأمريكية  في دبي بشهر نيسان ٢٠١٧.

1 - الفنّ الإيقونوغرافيّ التقليدي وقواعد رسم الوجوه

إعتدت على رسم الأيقونات أو الصور المقدسة وترميمها في التسعينيّات من القرن الماضي وأوائل ال ٢٠٠٠ باتّباع التقاليد اللاهوتية الايقونوغرافية في جنوب غرب آسيا. وفقا لهذه التقاليد، كل أيقونة تذكّرنا، نحن البشر، أنه بغضّ النظر عن العالم الذي نعيش فيه، هناك أيضا العالم الآخر. تظهر الأيقونة التقليدية طبيعة محوّلة وأجسادًا جديدة، غير مادية، مضيئة، تماما مثل جسد يسوع المسيح بعد قيامته، ولا تظهر "العيوب الجسدية"، مثل التشويه أو علامات الشيخوخة. كذلك، يجب أن تتجنّب كتابة الأيقونة تصوير الألم والمعاناة وأن لا تضع لنفسها هدف إحداث تأثير عاطفي على المشاهد.

تسلّط كتابة الأيقونة  التقليدية الضوء على الوجوه، وتشمل القواعد الايقونوغرافية الجبين العالية للتعبير عن قوة الروح والحكمة؛ أنوف طويلة ونحيفة تعبّر عن شعور بالرشاقة إذ لم يعد القدّيس والقدّيسة يشمّ رائحة العالم المادي، بل البخور في ملكوت الله؛ الشفاه التي تكون مغلقة، معبّرة عن التأمل الحقيقي الذي يتطلب الصمت التام؛ والعيون الكبيرة التي تحدّق في الجنّة. إنّ خصائص الوجه في الأيقونة التقليدية هي الروحانية كما الألوان التي تستعمل مثل الأحمر الذي يرمز إلى الشهادة أوالحياة؛ الأسود الذي هو لون الموت والتخلي عن القيم الدنيوية، واليأس عندما يفقد الإنسان الأمل في الخلاص؛ الذهب الذي يشير إلى بهاء الجنة والأبيض الذي يرمز إلى الضوء الغير المخلوق من الله. وتستخدم كلّ هذه القواعد وغيرها للتعبير عن التغيير الروحي الذي يحدث للجسد البشري. في الأيقونة التقليدية، نرى شخصا لا يكافح مع العواطف الدنيوية، بل قد تغلّب عليها، شخصًا لا يسعى إلى المملكة السماوية ولكن قد وصل إليها.

2 - من التقليدية إلى أنسنة الفنّ الإيقونوغرافي

لقد ولدت وترعرعت في لبنان الذي مزّقته الحرب والهويات المتصارعة. كانت الفنون تمثل منذ طفولتي وسيلة للهروب والتسامي والشفاء والتجاوز، وهذا ما وجدت في الايقونة التقليدية في بداية مسيرتي الفنية التي تحولت فيما بعد إلى تعبير عن تجارب يومية ومشاعر ولقاءات. ومن الرسم التقليدي، انتقلت إلى مزج التقليدية وغير التقليدية  (على سبيل المثال، غالبا ما أزيل الجبين والأذن، والأنف ليس دائما ممدودا ولا الشفاه مختومة، وغالبا ما يمثل الأسود في لوحاتي خلاص البشر)، والجمع بين مختلف التقنيات والمسارات الروحية، وأشكال التعبير الثقافي، والروايات التاريخية والإهتمامات الاجتماعية والسياسية .أرى أعمالي الفنية جسورا بين التقليد والابتكار، والتقارب والاختلاف، والاستمرارية والانقطاع، والصوت والصمت، تتجاوز غيتو الانتماء، والحدود الثابتة، والانقسامات، ونفي الاختلافات.

أنا لا أفكّك تماما التقاليد مثل المفكّر والباحث الأكاديمي والمؤرّخ الجزائري الراحل محمد أركون(2). في رأي أركون، تفكيك الفئات والمفاهيم التقليدية أمر لا غنى عنه لإنقاذ الذات وتحرير الثقافة والدين والمجتمع.  كما أراه، التفكيك هو في الواقع لا بد منه، ولكنّ تعلّم دروس قيّمة من الماضي أمر حتمي أيضًا. وبالتالي أرسم وأكتب لمواجهة النسيان التاريخي واستعادة الذاكرة . في نظري، تمثّل الوجوه مولّدات الذاكرة. إنّ الوجوه التي أرسمها هي أبواب للروح، ولكنها تروي قصصًا عن الحياة والنضالات اليومية. فهي بالتأكيد تنقل العواطف والمشاعر الدنيوية والذاكرات الفردية والجماعية. تعبّر هذه الوجوه عن المسكوت وغير المسكوت في آن واحد وتعيد النظرفي ما يحدد بالضعف البشري والعيوب البشرية وخاصةً عيوب الجسد. وتذكّرنا هذه الوجوه أننا مدعوّون جميعًا، بإمكانات وقيود إنسانيتنا، إلى تحسين الذات وأوضاع مجتمعاتنا.

لانّها دعوتي لأنسنة الفنّ الايقونوغرافي التي أعتبرها أساساً لبناء جسور متجددة بين العالم المرئي والعالم غير المرئي، وبين المقدّس والمدنّس. وقد عرّف محمود أركون الأنسنة في كتابه نزعة الأنسنة في الفكر العربي (٢٠٠٧)  بأنّها إضفاء صفات إنسانية على الجماد أو غيره ممّن ابتعد عن التشخيص الإنسانوي، إما بمخاطبتها خطاباً إنسانياً بالنداء، أو بإسناد فعل أو صفة عليها. ولكن قد تطرح عملية الأنسنة الأسئلة التالية: من هو الإنسان في حاضر يتخبّط بين العولمة والمحلية، وبين صراع وتلاقي الهويات الدينية والإثنية والاجتماعية والسياسية؟ ما هي خصائص الطبيعة البشرية  والإنسانية في عصر التكنولوجيا؟ وهل هناك خصائص ثابتة أو هي متنوّعة وديناميكية؟ وما دور الفنّ وخاصةً الفن الديني إن لم يكن يناشد الإنسان بكامل صفاته وصراعاته وواقعه وعذابه؟

عيّنة من لوحات الدكتورة باميلا شرابيه وشعر الدكتورة نادية ورده.
وقد عرضت هذه اللوحات في الجامعة الأميركيّة في دبي شهر نيسان ٢٠١٧ مع مشاركة
الدكتور والشاعر عمر صبّاغ الذي قدّم شعراً باللغة الإنكليزية(3). للمزيد من المعلومات عن المعرض
:

https://pamelachrabiehblog.com/engaging-gazes-exhibition-2017/
and
http://www.aud.edu/news_events/en/view/1585/current_upcoming/visual-culture-forum--dr-pamela-chrabieh

بوح

لا بوح يليق بي

لا بحر يستقبلني

لا برّ ولا سماء

أنا الدمعة التي غاضت في ركام الروح حين فاض الماء!

حزن

حزن لترويض الأيام
يكفي أن تلامسه نظرات فَقْدٍ لكي يعبرنا شهقة تسري في الشغاف …
طويل هو ألمي،  يدعوني إلى بَرْزَخ ما وراء الليل وخلف الخيال…
سأستجيب له، سأنقش ندوب عمري على جدار الروح، وسأموت ألف مرّة ولن أنام!

قيامة

أنا العورة التي حُجبت

أنا القصيدة التي مُزّقت

أنا الصرخة التي خُنقت

أنا الترنيمة التي حُرِّمَت

أنا الحياة التي دُفنت

وأنا التي سُئلت بأيّ ذنب قتلت؟

أنا الموؤدة التي (الآن) بُعثت

قامت وتمرّدت!

سبات

 

جرح واشتياق

نبض بلا ذاكرة

قلبي في سبات

قصير هو عمر الحبّ

وطويل هو النسيان!!

عواء

 

أرضي يباب

لا روح فيها

سكنتها الذئاب

فزع

أحدّق في موتي

لا سبيل إلى النجاة

أرى سكين إبراهيم

لا كبش في الطريق

قتلتني الحياة!

أمل

إنّه الماضي يحجبني عن نفسي، يجرجرني نحو الغياب... وهذا الحاضر يعتقل أمسي يدفنه هناك! ما لهذا الزمن يراودني عن غدي، يغويني بهجرة مع الطيور والفراشات. طوبى لنساء مثلي ينتظرن الحياة عند كلّ فجر وفي كلّ مساء.

 
   

حول العنوان:  نظرات وعبارات عنوان تقدمت به الأستاذة والشاعرة در. نادية ورده

الدكتورة باميلا شرابيه،  أستاذة علوم الشرق الأوسط في الجامعة الأميركية في دبي؛ باحثة، كاتبة، فنّانة وناشطة اجتماعيّة.

(2) The Unthought in Contemporary Islamic Thought, 2002.

(3)  “Engaging Gazes Generating Poetry” Exhibition, Rotunda Gallery, American University in Dubai, April 5-29, 2017 (Paintings by Dr. Pamela Chrabieh, Arabic Poetry by Dr. Nadia Wardeh, English Poetry by Dr. Omar Sabbagh). Organized by the Visual Communication Department.

 

بحث
مطبوعات دار المشرق
النشرة الدوريّة
صدر حديثاً
تابعوا العدد الثالث من مجلّة المشرق الروحيّة
عن مقدّمة المؤلِّف: "تتنوّع‭ ‬نصوص‭ ‬الإنجيل‭ ‬التي‭ ‬نوردها‭ ‬في‭ ‬الكتاب،‭ ‬فتبدأ‭ ‬من‭ ‬ميلاد‭ ‬يسوع‭ ‬وتنتهي‭ ‬بموته‭ ‬وقيامته‭ ‬وحلول‭ ‬الروح‭ ‬...
الجزء السابع من سلسلة مؤلّفة من سبع قصص تربويّة أبطالها رامي وسُهى ​:  - رامي يُصحِّح فِعله - نسأل قبل أن نأخذ. - سُهى تُفرِّح أمّها - نقبل تحمّل...
الجزء السادس من سلسلة مؤلّفة من سبع قصص تربويّة أبطالها رامي وسُهى ​:  - رامي يُصحِّح فِعله - نسأل قبل أن نأخذ. - سُهى تُفرِّح أمّها - نقبل تحمّل...
الجزء الخامس من سلسلة مؤلّفة من سبع قصص تربويّة أبطالها رامي وسُهى ​:  - رامي يُصحِّح فِعله - نسأل قبل أن نأخذ. - سُهى تُفرِّح أمّها - نقبل تحمّل...
الجزء الرابع من سلسلة مؤلّفة من سبع قصص تربويّة أبطالها رامي وسُهى ​:  - رامي يُصحِّح فِعله - نسأل قبل أن نأخذ. - سُهى تُفرِّح أمّها - نقبل تحمّل...
الجزء الثالث من سلسلة مؤلّفة من سبع قصص تربويّة أبطالها رامي وسُهى ​:  - رامي يُصحِّح فِعله - نسأل قبل أن نأخذ. - سُهى تُفرِّح أمّها - نقبل تحمّل...
الجزء الثاني من سلسلة مؤلّفة من سبع قصص تربويّة أبطالها رامي وسُهى ​:  - رامي يُصحِّح فِعله - نسأل قبل أن نأخذ. * سُهى تُفرِّح أمّها - نقبل تحمّل...
الجزء الأوّل من سلسلة مؤلّفة من سبع قصص تربويّة أبطالها رامي وسُهى ​:  * رامي يُصحِّح فِعله - نسأل قبل أن نأخذ. - سُهى تُفرِّح أمّها - نقبل تحمّل...
يشتمل المنهج على ستّة محاور: ١. المحور الأوّل: أرنوب في الصفّ ٢. المحور الثاني: شادي في المدرسة ٣. المحور الثالث: رباب والبالونات ٤. المحور الرابع:...