مجلّة المشرق الرقميّة >> العدد الثامن >> بحوث >> بحثًا عن رؤية سياسيّة للعالم العربيّ*
Credit: Reuteurs
Credit: Reuteurs
بحثًا عن رؤية سياسيّة للعالم العربيّ*
كريم صادق** | بحوث

وضعٌ سياسيٌّ إشكاليّ 

أطاحت الانتفاضات العربيّة في بعض البلدان بحكّامٍ مستبدّين، وفي كلّ مكان عبَّرت هذه الانتفاضات عن التطلعات الديموقراطيّة للمجال العامّ العربيّ. ويمثل هذا الوضع فرصةً غير مسبوقةٍ لكسر حلقةٍ طويلة من الاستبداد والقمع، وفرصةً للشعوب العربية من أجل الحصول على حقها في تقرير المصير السياسي. وفي حين أن هناك تشاركًا على نطاقٍ واسع في التطلعات الديموقراطيّة في مرحلة ما بعد الانتفاضة  في العالم العربيّ، إلّا أنّ الخلافات تكثر حول معناها وشروط تحقيقها. فعند بعضهم، إنّ ضخّ سياسة بمبادئ وأسس  إسلامية - أي ممارسة سياسة إسلامية - هو الأساس للتحرُّر ولتحقيق المساواة والحرية والعدالة. ولكن، عند بعضهم الآخر، فإنّ مثل هذا الضخّ يبشّر بالانحطاط إلى نسخة إسلاميّة للاستبداد. ومن أجل إنصاف هذا الواقع الاجتماعي، يجب أخذ الاحتمالات التحرّريّة والسلطويّة للسياسة الإسلاميّة بالاعتبار.

يوضّح هذا الوضع السياسي الإشكالي واقع افتقار العالم العربي ما بعد الانتفاضة إلى التزامٍ مشترك برؤية سياسية مشتركة. ولا ينبغي التقليل من شأن الفائدة البراغماتية من تطوير رؤية كهذه.  لنأخذ، على سبيل المثال، المتحاورين المتنافسين الذين يتطلعون إلى حرية التعبير ولكنهم يختلفون حول كيفية تحديدها – كمثال على ذلك، إذا ما كان من الواجب حماية المجموعات النازية الجديدة أو منتجي فِلم "براءة المسلمين" (بالإنكليزية: Innocence of Muslims) كمسألة مبدئية. 

في غياب التزام مشترك برؤية سياسية، قد ينتهي الأمر بالأطراف المتنازعة بتحديد هويتها كل طرف وفق  خصائصه، ما قد يؤدّي إلى أن ينظر كل طرف إلى الآخر باعتباره تهديدًا لهويته. ولكن، إذا ما ذهبت ولاءات المتحاورين نحو رؤية سياسية شاملة بشكل  حقيقي، فبإمكانهم أن يروا بعضهم بعضًا لا كتهديداتٍ بل كشركاء في مشروعٍ مشترك. وبهذه الطريقة، يمكن خلافَهم أن يكون دافعاً للتعاون في إيجاد حلٍّ لمشكلةٍ مشتركة.  فبدون نموذجٍ اجتماعيٍّ وسياسيٍّ شاملٍ أصيلٍ ومقبولٍ من المتدينين المسلمين والعلمانيِّين، وكذلك من غير المسلمين، فإن الخلاف السياسي على الأرجح سيؤدي إلى المزيد من التفتيت الاجتماعي بدلًا من التضامن الاجتماعي.

وتقع مسؤولية تطوير مثل هذا النموذج، في المقام الأول، على المثقفين. وتهدف هذه الورقة إلى إحراز تقدم في هذا الاتجاه. تستند هذه الورقة على عمل المفكر السياسي الإسلامي التونسي وزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، لتوضيح بعض المصادر الذاتية للتقاليد الإسلامية التي يمكن أن تؤدّي دورًا أساسيًّا في تطوير نموذجٍ سياسيٍّ أصيلٍ وشامل لمرحلة ما بعد انتفاضة العالم العربي . ويستحق نهج الغنوشي في النقاشات بشأن التوافق بين الإسلام والديموقراطيّة تسليط الضوء عليه حيث إنّه لا يرفض ولا يتبنى بالجملة مفاهيم أو نماذج الديموقراطيّة والحداثة الغربيّة من دون تمحيص. ويسمح له انخراطه في التقاليد الغربية مع حفاظه على موطئ قدم مستنير وقوي في التقاليد الإسلاميّة في آنٍ واحد أن يساهم في معالجة المخاوف التي يشعر بها الكثير من المسلمين بشأن بقاء الهوية الإسلامية في العالم الحديث، من جهة، والمخاوف التي تراود العديد من المسلمين وغير المسلمين بشأن السياسة الإسلامية باعتبارها غير ديموقراطيّة، واستبعاديّة. ويتعامل هذا الاشتباك مع الغنوشي كمفكرٍ اجتماعي وسياسي لديه ما يقوله حول العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع في جدل مستمر وضروري جدًّا حول مكانة الدين في السياسة بوجهٍ عامّ، ومكانة الإسلام في مرحلة ما بعد الانتفاضة العربيّة بوجهٍ خاصّ.[1]

 وعلى افتراض أن المثل الأعلى السياسي في مرحلة ما بعد الانتفاضة ينبغي (أ) أن يكون ديموقراطيًّا في طبيعته، و (ب) يشمل بعنايته الأحزاب والمصالح الإسلاميّة – لأنها انعكاسٌ لجمهورٍ اجتماعيّ وسياسيّ رئيسيّ، تصبح الإجابة على الأحجية القديمة ملحة: هل هناك انسجامٌ بين الإسلام والديموقراطيّة؟ لا يكمن التحدي في فكّ هذ الأحجّية وحسب، ولكن في القيام بذلك بطريقة بنّاءة. و ليس الجدل حول ما إذا كانت المُثل الديموقراطيّة في الحريّة والمساواة تتناغم مع نظرة إسلاميّة كونيّة، ولكن حول معناها وشروط تحققها في السياق الاجتماعيّ العربيّ. ولمعالجة هذا التحدي على نحو الديموقراطيّة ملائم، يجب تجنب نقيضين عديمي الفائدة إن لم نقل فارغيْن من المحتوى. 

على أحد طرفي  النقيض، يمكننا الحفاظ على فهمٍ متين لدولة إسلاميّة ديموقراطيّة انتخابيًّا (لنفكر بدولة على طراز النموذج الإيراني). قد تكون الديموقراطيّة الانتخابيّة ضروريّةً ولكنّها بالتأكيد ليست كافيةً من أجل تحقيق المُثل العليا الديموقراطيّة على نحوِ كاملٍ وسليم. فلا يجري التلاعب بالانتخابات فحسب، ولكن يتم تسييس قضايا الحقوق والسلطة بطرقٍ مثيرة للانقسام. وتكمن هذه الأسباب وغيرها، وراء التحول الجذري في النظرية الديموقراطيّة الغربية بعيدًا عن الانتخابات الديموقراطيّة ونحو المجال العام الديموقراطيّ.[2] وعلى الرغم من الاختلافات بين الديموقراطيّين الراديكاليّين، فإن تأسيس مجال عام ديموقراطي بشكلٍ حيوي ومنفتح وحر والحفاظ عليه يعتبر مطلبًا ضروريًّا. وفي حين أن الترتيبات السياسية الدينية بغطاءٍ ديموقراطيّ قد ترضي الإسلاميين، إلا أنها لن ترضي غير المسلمين والمسلمين العلمانيّين.

وكبديلٍ لذلك، وهذا هو الحد الأقصى الثاني، يمكننا تبنِّي الشرط الأشدّ صرامة للديموقراطيّة الجذريّة في إطار ترتيبٍ سياسيٍّ علماني وحزبٍ إسلامي في السلطة (لنفكر بدولة على طراز النموذج التركي). وهنا يعتبر هذا مفهومًا هشًّا لدولة إسلامية ديموقراطيّة بشكل جذري. فهي إسلاميةٌ فقط ظاهريًّا، وهي بالتالي، لن ترضي أولئك الذين يعتبرون السياسة وسيلةً لتحقيق دينهم. وفي حين أنَّ ترتيبًا علمانيًّا ديموقراطيّا جذريًّا بغطاء إسلاميّ قد يرضي غير المسلمين والعلمانيّين المسلمين، فإنه لن يرضي الإسلاميين. ومن أجل معالجة هذا التحدي بشكل مرضٍ نحن بحاجةٍ إلى وضع ترتيباتٍ سياسية ديموقراطيّة بما يكفي وإسلاميّة بما يكفي في آنٍ واحد.

دعنا نبدأ من الطرف الأوّل للتحدي: نموذج "ديموقراطي بما يكفي." عند تطوير نموذجٍ سياسيّ للعالم العربي، علينا أن نطمح لتأسيس نموذجٍ ديموقراطي تتشكل فيه الإرادة السياسية في منافساتٍ حرة وعامة، حيث تُقنع الأطراف المتنافسة بعضها ببعض بقيمة وأهميّة وجهة نظر كل منها، وكيف يمكن أخذها بالاعتبار من خلال إيجاد حلول للمشاكل المشتركة. وينبغي للترتيبات السياسية في مرحلة ما بعد الثورة على الأقل أن تنشئ المنتديات العامة التي يمكن أن تضمن السير الجيد لمعركة التنافس والمحافظة عليها. وسيتجلى للعيان الطرف الثاني للتحدي وهو نموذجٌ "إسلامي بما يكفي" كلما تقدمنا في الشرح. 

الاعتراف العلنيّ بالهويّة الإسلاميّة

قبل الانتفاضات، كانت السياسة الإسلامية مستبعدةً بصورةٍ منهجية وبقوة من المجال العام، وحفَّز هذا الأمر بدوره النضال من أجل الاعتراف العلني بالهوية الإسلامية. وقد هدف هذا الصراع في المقام الأول إلى الحصول على الاعتراف القانوني.[3] فالغنوشي، على سبيل المثال، يوضّح أن التحدي الذي واجهته الحركة الإسلامية "يتمثل في إقناع ’الآخر‘ أي الأنظمة الحاكمة بمبدأ ’سيادة الشعب‘ وبحق الإسلاميين - تمامًا مثل بقية المجموعات السياسية الأخرى- في تأليف الأحزاب السياسية، والانخراط في الأنشطة السياسية والتنافس من أجل السلطة أو المشاركة في السلطة عبر الوسائل الديموقراطيّة."[4] هنا، كانت الدعوة التحررية للسياسة الإسلامية دعوةً إلى الاعتراف بها كمشاركٍ اجتماعي وسياسي متساو. ولكن، الاعتراف القانوني، لم يعد يحتل مرحلةً مركزية في أعقاب  انتفاضة العالم العربي. فالأحزاب الإسلامية، سواء في تونس أو في مصر، هي التي تهيمن على المشهد السياسي. هل يعني هذا أن الدعوة التحررية  للسياسة الإسلامية تمَّت تلبيتها بصورة نهائية؟ لا، ليس بالضرورة.  فأي تصور إسلامي على نحو نموذجي للسياسة يجب أن يقبل بسلطة النص (القرآن والسنّة).[5] علاوةً على ذلك، فإنّ أيّ مشاركة حقيقية في الشأن العام على نحو نموذجي إسلامي تتمسك بأشكال التفكير التي تأخذ النص على أنه المصدر المطلق للمعرفة والحقيقة. ليست الدعوةُ التحررية للسياسة الإسلامية دعوةً لمشاركة الأحزاب الإسلامية في الانتخابات فحسب، ولكنها دعوةٌ لإدراج قبول النص أساسًا شرعيًّا لممارسة السياسة. وبهذه الطريقة فقط يمكننا أن نفتح الأبواب لممارسةٍ اجتماعية وسياسية ذات طابع إسلاميّ تضخ في الحياة العامة المبادئ والقيم وطرق التفكير الإسلامية. لننظر، على سبيل المثال، إلى ذلك الجانب من صراع الغنوشي السياسي الذي يذهب إلى ما هو أبعد من التخلص من التدابير القمعية للدولة، وتطلعه لدخول الحداثة من خلال أبواب الإسلام. وفي هذا الصدد، كتب الغنوشي: "بدلاً من الحداثة المزيفة، يسعى الإسلاميون اليوم إلى حداثة أصيلة، تلك التي تنبع من الداخل، حداثةٌ تستجيب للاحتياجات المحلية وتتفق مع الثقافة المحلية ونظام القيم المحلي."[6]

ومن أجل أن يصبح المسلمون الملتزمون والصادقون فاعلين سياسيًّا، وبالتالي السماح للصوت الإسلامي الحقيقي في أن يصبح مسموعًا ويعبر عن الحاجات والقيم المحلية، ينبغي إدراج أشكال المنطق الإسلامي في المنطق العامّ.

ومن الأهمية بمكان أن نأخذ في الاعتبار أن بإمكان المرء أن يعترف بسلطة النص أساسًا شرعيًّا لممارسة السياسة، من دون الاعتراف بقيمة جميع الأشكال والأنواع التي صاغ فيها المسلمون قبولهم لسلطة النصّ عبر التاريخ وبحقيقتها أو صحّتها! المسألة هي الاعتراف بشرط إمكانية وجود أيّ سياسة إسلامية أصيلة – سياسة ملتزمة بالنص في جميع مجالات الوجود الإنساني.[7]

المأزق هو كيفية دمج المنطق الإسلامي – المنطق الذي يقبل بالنص مصدرًا مطلقًا للمعرفة والحقيقة – في المنطق العامّ من دون التقليل من شأن الأداء الجيد لتشكيل الإرادة الديموقراطيّ في المجال العام. هنا تنشأ المخاوف على مستوى كل من المواطنة والدولة.[8] ألن يجعل القبول بسلطة النص المواطنين المسلمين يفكرون ويتصرفون بطريقة سلطوية مع المتنافسين في المناقشات العامة؟ حالة المنافق الديني لا تعنينا هنا.  بدلًا من ذلك، فإن ما ننظر إليه هو شخص مؤمنٌ متوافقٌ مع ذاته قادرٌ على المشاركة في الحياة السياسية من دون استخدام المنطق الاستبدادي. هذا بشأن المواطنة؛ وعلى مستوى الدولة، إذا استطاعت السياسة الإسلامية أن تجمع أغلبية وتفوز ديموقراطيًّا بالسلطة السياسيّة، ألن يؤدّي قبولها بسلطة النصّ إلى سنّ سياسات تحفظ وتعزز نظرةً إسلاميّة كونيّة على حساب الآخرين؟

إن الحفاظ على مجال عامّ ديموقراطيّ لا يتطلب أن يتصرف المسلمون بطريقة غير سلطوية عند إجراء المناقشات العامّة وحسب، ولكنه يتطلب أن تكون الحكومة الإسلامية التي تسعى إلى الحفاظ على نظرة كونية للعالم الإسلامي وعلى تعزيز هذه النظرة قادرة على الحفاظ على مجالٍ عامٍ شاملٍ للجميع بحيث لا يقوض الاستقلال السياسي للأفراد والأقليات من خلال سن سياسات لإنشاء مجال عام استبعادي. في هذا الإطار، فإن عمل الغنوشي مفيد بوجهٍ خاصّ. فنموذجه للدولة الإسلامية يضع على طاولة البحث المصادر الداخلية للتقاليد الإسلامية التي يمكن أن تقِيَ من تهمتي السلطويّة. دعونا ننتقل إلى هذه المصادر.

المواطنة الاستبدادية

سوف تخنق أشكال المنطق الذي يقبل بسلطة النص، بالضرورة المناقشات العامة ليس نتيجة إيمان المسلمين بأن الله هو مصدر سلطة لا يرقى إليه الشك، ولكن نتيجة أولئك الذين يمارسون هذا الاعتقاد باعتباره يضع حدًّا للمحادثة. أن تكون مؤمنا لا يعني أنه يجب عليك النظر إلى أولئك الذين لا يتفقون مع معتقداتك على أنهم سفهاء أو غير قادرين على تقديم مساهمات مشروعة في الخطاب العام. ومثل هذا الرأي يتحقق فقط عندما يفترض المواطنون المتدينون افتراضًا معرفيًّا آخر مفاده أن لديهم إمكانية الوصول إلى المعرفة المطلقة، ويعتبرون مراجع السلطة الإلهية كافيةً لفرض آرائهم على الآخرين بغض النظر عمَّا يفكر فيه هؤلاء الآخرون.

كي نرى كيف ينظر الغنوشي إلى العلاقة بين السلطة الإلهية والبشرية، يتوجب علينا النظر إلى مفهومه للاجتهاد (عملية ونتائج تفسير النص).[9]

يمثل النص السلطة الإلهية.  لذلك، فإنه مصدر الحق والحقيقة بالمعنى الجامع، العالمي، والذي لا يرقى إليه الشك. لدينا إمكانية الوصول إلى وجهة نظر صحيحة أخلاقيًّا في شكل نصّ، والذي يتوجب على المسلمين فهمه وتطبيقه والعيش بموجبه. وفي حين أن توجيهات النص مجردة وعالمية، فإن الحياة البشرية ملموسة ومتغيرة؛ وبالتالي يخلق هذا فجوةً بين العام العالمي والخاص الملموس. ووظيفة الاجتهاد هي تجسير هذه الفجوة. "تحويل الكتاب إلى أمة هو جوهر مهمة العلماء، وهي مهمة أضجم و أعسر من أن تنهض بها الجهو الفردية"[10] كما يوضح الغنوشي. وبالنظر إلى الطبيعة المتغيرة للحياة الاجتماعية، يجب أن يكون الاجتهاد مرنًا. ولكن الاجتهاد قابل للمراجعة ويحتمل الخطأ بما أنه لا يمكنه الوصول إلى مرتبة المعرفة اليقينية.

ولكن مرونة الاجتهاد وقابليته للمراجعة لا يقوّضان صحة النص الكونية. النصّ عامّ وكامل، والتفسيرات الإنسانية خاصة وغير كاملة. وينبغي أن يكون هناك دائما وعي بالفجوة التي لا يمكن تجسيرها ولا يمكن عدم أخذها في الاعتبار بين شريعة الله وجميع محاولات الإنسان الفعلية لفهمها وتفسيرها وتطبيقها.[11] هذا الوعي حاسم في عدم السماح للنقص البشري بالسيطرة على الكمال الإلهي والتكلم باسمه من أجل السيطرة على الآخرين وقمعهم.  القيام بذلك، من وجهة نظر إسلامية، يرقى إلى الاستبداد.[12]

إضافةً إلى ذلك، وبالقدر نفسه من الأهمية إن لم يكن أكثر، فإن مرونة الاجتهاد و قابليته للمراجعة لا يعني أن "كل شيء مباح". يجب أن يرتكز الاجتهاد على أساس المصادر الإسلامية، وهناك مجموعاتٌ متطورةٌ جدًّا من الممارسات والقواعد التي تصبح فيها تفسيرات النص ذات مغزى ويجب تقييمها ومقارنتها بها. 

وليس الاجتهاد مرنًا وقابلًا للمراجعة فحسب، بل هو شامل للجميع. ووفقًا للغنوشي، أوكل الله للبشر مهمة وسلطة تحقيق العدل والخير والحرية وفقًا للنصّ. ويلزم القيام بذلك المسلمين الالتزام بمبدأ الشورى، والذي هو موضع سلطة البشر. فالشورى هي "العمود الفقريّ في سلطان الأمة، ونهوضها بأمانة الحكم على أساس المشاركة والتعاون والمسؤولية" (الحريات 109).  ويبني الغنوشي على مبدأ الشورى ليعطي المجتمع الإسلامي دورًا في عملية الاجتهاد –تفعيل وتجسيد النص في سياق اجتماعيٍّ وتاريخيٍّ معين. ولأفراد المجتمع الكلمة الفصل في تحديد ما إذا كان الفقهاء قد نجحوا في فهم وتلبية احتياجاتهم ومصالحهم. فيجب أن يكون هناك  تناغمٌ بين فهم الفقهاء للنص، من جهة، وأن يتناسب هذا الفهم مع الفهم الذاتي للمجتمع، بما في ذلك التوقعات والحدس الراسخ  والمعياري للأعضاء الاجتماعيين، من جهة أخرى.  بهذا المعنى، فإن عملية الاجتهاد هي عملية شاملة للجميع.[13]

من خلال قبول أو رفض نتيجة معينة من نتائج الاجتهاد، لا يؤثّر الأعضاء الاجتماعيون في صحّة القانون والمبادئ  الإلهيّة نفسها، فلدى الفقهاء مكانةٌ متميزة في فهم معنى النص ومعرفته؛ هم الخبراء. ولكن تفسيراتهم تستهدف الأعضاء الاجتماعيّين وتتحقّق فقط في سياق اجتماعي - ثقافي معين له حقيقته، وتاريخه وخصوصياته (الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والبيئية، الخ). وبالتالي، فإن نجاح تفسير القانون الإلهي لا يمكن تحديده بشكل مستقل عن المواطنين الذين من أجلهم جاءت هذه التفسيرات والذين ستأخذ شكلها وتنفذ من خلالهم- خلاف ذلك، كيف يمكن أن يتحول الكتاب إلى أمة؟ ووفقا للغنوشي فإن "تحويل الكتاب إلى أمة هو جوهر مهمة العلماء" (الحريات 297-298).

باختصار، يمكن المواطن المسلم الصادق تقبّل سلطة النصّ التي لا يرقى إليها الشك من دون السماح للمرتبة العالمية والموضوعية للتوجيهات بالتحول إلى تفاهمات إنسانية وتطبيق تلك التوجيهات. لا ينبغي استخدام قبول سلطة النص كأداةٍ لوضع حد للنقاش في المناقشات العامة لأن عملية تفسير الإرادة الإلهية هي بحد ذاتها، نتاج جهد بشري، غير معصوم من الخطأ ومرن. وعلاوة على ذلك، لا تنتهي هذه العملية من التفسير مع عقلنة الفقيه للقوانين على أساس النصّ.

وغرض هذه العقلنة هو المجتمع، ويجب أن يكون هذا المجتمع مستعدًّا وقادرًّا على تحقيقها على أرض الواقع. وختامًا، ولهذا أهمية حاسمة، فإن المجتمع، وليس الفقهاء، هو الذي يحدد فيما إذا كان تفسيرٌ معين يتناسب بوئام مع خلفية فهمه الذاتي. وبالنظر إلى عملية الاجتهاد ووظيفتها ومكانتها المعرفية، ينبغي لنا أن نتوقع أن يقبل المسلم المنسجم مع ذاته والذي يستوعب مفهوم الاجتهاد على أنه أنه مفهومٌ مرن وقابل للمراجعة وشامل، بسلطة النصّ من دون أن يقاد إلى التفكير أو التصرف بطريقة سلطوية في المجال العامّ.

 

الحفاظ على مجالٍ عامّ جامع

ولكنّ هذا لا يكفي.  فالمحافظة على مجالٍ عامّ ديموقراطيّ لا تتطلّب فقط أن يتصرف المسلمون بطريقة غير سلطويّة عند إجراء المناقشات العامة، ولكن تتطلّب أيضًا أن تحافظ الدولة الإسلامية التي تسعى إلى الحفاظ على رؤيةٍ كونيّةٍ عالميّة وتشجيعها على مجال عام شامل للجميع لا يقوض فيه الاستقلال السياسي للأقليات.  ومرّة أخرى، يقدّم إلينا عمل الغنوشي موارد ملائمة.

ليس لدى الغنوشي تصور واضح أو محدد بشكلٍ رقيق للمجال العام.  ولكن فهمه للشورى ينطبق على رقعةٍ واسعة من الطيف الاجتماعي والسياسي. ولا ينطبق مبدأ الشورى على الآليات والإجراءات الرسمية لاتّخاذ القرار وتشكيل الإرادة فحسب، ولكنّه ينطبق على الأعراف الاجتماعية والعادات على المستوى ما قبل السياسي: الشورى هي مبدأٌ إجرائيّ وهي أيضا مبدأ للتفاعل الاجتماعي (الحريات 190-191). ولذلك، فإن خصائص الشورى - المشاركة والتعاون والمسؤولية - تصب في الطيف الاجتماعي والسياسي برمته بما في ذلك التفاعل في المجال العام والمنطق العام. والسؤال في نظرنا: كيف ستتجلّى هذه الخصائص عندما يتعلّق الأمر بتحديد هوية الجماعات والأقليات؟

تُعتبر المواطنة في نموذج الغنوشي للدولة الإسلامية مفتوحةً للناس من جميع المذاهب وتقوم على الولاء للدولة (حريات 137). ويقر الغنوشي بنقطة هامة وهي أن القبول بعقيدة شخص ما يعني الاعتراف بحقه في الدفاع عنها وإظهار المزايا التي تميّزها من غيرها وعيوب العقائد المختلفة عنها. هذا هو السبب وراء سماح الغنوشي للمواطنين غير المسلمين بتبشير المسلمين ومحاولة إقناعهم بالانضمام لعقيدتهم. وبوجهٍ أعمّ، فإنّ المواطنين من جميع الأديان، وكذلك الملحدين، مدعوُّون إلى المشاركة في النقاشات العامة للدفاع عن وجهات نظرهم، وانتقاد الآخرين، وما إلى ذلك (الحريات 292).  وفي هذا المعنى، يعترف نموذج الغنوشي علنًا بجميع هويات الجماعة من خلال تأمين الفرصة لكل مجموعة للتعبير علنًا عن هويتها في المناقشات العامة. وهذه ليست فرصة فارغة من المحتوى. يترك الغنوشي الباب مشرعا على مصراعيه لغير المسلمين لتنظيم  أنفسهم بالطريقة التي يرونها مناسبة من أجل ضمان بقائهم والدفاع عن وجودهم. وبهذه الطريقة، تصبح فرصة المجموعات للتعبير عن هوياتها ممارسةً لحقها في تقرير المصير السياسي. فعلى سبيل المثال، يمكن غيرَ المسلمين أن يؤلّفوا أحزابًا سياسية وأن يؤسسوا صحفًا ومجلات وغيرها من أشكال التعبير من دون الحاجة إلى الحصول على ترخيص (الحريات، 300). ويكمن عمق موقف الغنوشي هنا في  الدور التنظيمي الذي يعطيه للأحزاب السياسية، سواء كانت دينية أو غير دينية. وإذا لم ينتظم المجتمع تبقى مبادئ الشورى وفعل الخير والنهي عن المنكر شعارات تفتقر إلى جهاز يسمح لها بأن تصبح قوة للتحقق ومراقبة السلطة التي تمثله. "الحقيقة أنه في غياب جهاز لتنظيم الجماهير، كي يحولها إلى سلطة، اختل التوازن بين الحاكم والمحكوم" (الحريات، 296).

ثمّ يتمّ إشراك المجموعات كافّة في المناقشات العامّة. ولكن، إذا كان على هذه المجموعات الالتزام بقواعد صارمة بشأن ما يمكن مناقشته وما لا يمكن مناقشته في هذه الحوارات، أو بقواعد بشأن ما يعتبر منطقًا جيدًا أو صحيحًا، تكون عندها تعددية الغنوشي الحزبية الشاملة للجميع عمليةً تجميلية أكثر من كونها عمليةً موضوعية.  أستدعي مما سبق ذكره كيف أنّ إشراك الأحزاب الإسلامية في المناقشات العامة مع استبعاد الأشكال الإسلامية من المنطق يتعارض مع هدف الاعتراف العلني بالهوية الإسلامية. ويعتمد نجاح المنطق العام الشامل للجميع في نموذج الغنوشي في الإعتراف بهويات الجماعة على الحدود التي يضعها على المنطق العام وعلى توافر إطار مستقل عن النصّ يمكن هذه المجموعات الرجوع اليه من أجل التشكيك في الأحكام الإسلاميّة ومراجعتها. 

القيد الذي يفرضه الغنوشي على المنطق العام هو ضرورة "التزام الجميع بالآداب العامة في الحوار" (الحريات، 293).ومن المؤسف أنه لم يتوسع بشرح ما يعنيه بالضبط بـ "الآداب العامة في الحوار" بأكثر من كونها تستبعد الإكراه والقوة – على المشاركين في الحوار العام التواصل بعضهم مع بعض باحترام وعلى أساس حوارات هدفها إقناع الآخرين بدلا من التشهير بهم أو إرغامهم.[14] ومع ذلك، فمن الواضح أن الحدود التي يفرضها لا تستهدف محتوى المنطق العام، ولكنها تستهدف الطرق التي يجري فيها المنطق العام. وهذه نقطة حاسمة. ما نفتقر إليه هو وجود إطار مرجعي موحد. 

ويعتبر اعتماد الغنوشي على المصلحة (المصلحة العامة والرفاه) هو الأكثر فائدة هنا. فالمصلحة واحدة من مبادئ التشريع والتفسير في الفقه الإسلامي. وتاريخ المصلحة غني ومعقد ولكن الفكرة الأساسية واضحة: الغرض من الوحي الإلهي هو تحسين وتحقيق مصلحة الإنسان والرفاه في هذه الحياة وما بعدها.[15]  ويتبع الغنوشي تصنيف الشاطبي لمتطلبات المصلحة: الضرورية، الحاجية، والتحسنية. ونظرًا إلى أغراضنا، سنقيّد تركيزنا على المتطلّبات الأساسية، أيْ تلك "التي بدونها يمكن أن تدمّر الحياة، وهذه تشمل حماية الدين، والنفس، والعقل، والنسل أو العرض أو النسب، والمال."[16]

مع المصلحة، يتم تجاوز حرفية النص منهجيًّا. يمكن التشكيك في الأحكام النصية نفسها بمعنى أنه في ظل ظروف معينة ليس هناك واجب ديني يفرض طاعة نص محدد لتعزيز الفائدة للإنسان وتجنب الأذى.[17] والنتيجة السياسية للمصلحة هي أنه بإمكانها أن تكون بمثابة إطار مستقل عن النص للتشكيك في الأحكام الشرعية ومراجعتها.على سبيل المثال، إذا ما قدمت مجموعة من غير المسلمين قضية بأن هذا الحكم أو ذاك ينتهك حماية احتياجاتها الأساسية، فإنه يجب إمَّا تغيير هذا الحكم أو إعفاء هذه المجموعة من الالتزام به. وللتأكد، فإن الصحة المعيارية لإطار المصلحة تختلف بين المواطنين في الدولة الإسلامية.  فخلافًا للمسلمين، فإن الأقليات غير المسلمة غير مطلوب منها وغير متوقع منها أيضا أن تقبل شريعة الله لأن "الشريعة بالنسبة إليهم ليست شيئا آخر غير كونها قانونًا منظمًا للجماعة السياسية" (الحريات 105).  وبعبارةٍ أخرى، يمكن أن يكون هناك إجماعٌ متداخل (Overlapping consensus)[18] حول إطار المصلحة، أي أنه يمكن الدوائر الاجتماعية المختلفة الاعتماد على إطار المصلحة والالتزام به لأسبابهم الخاصّة. 

وباختصار، فإن مبدأ الشورى في نموذج الغنوشي للدولة الإسلامية يتضمن مفهومًا للمنطق العام تعبر المجموعات بموجبه علنًا عن هوياتها، وتنتظم في أحزاب سياسية للحفاظ على هوياتها وأساليب حياتها وتأكيدها. ولا يستبعد أحدٌ من المنطق العام على أساس مضمون وجهات نظره ولكن فقط على أساس الطريقة التي يحمي فيها وجهات نظره ويعززها. وأخيرًا، عندما تطعن المجموعات المختلفة بأحكام الدولة الإسلامية وسياساتها، فإنها لا تحتاج إلى أن تفعل ذلك بالرجوع إلى النص. بدلًا من ذلك يمكن أن تشير إلى إطار المصلحة. وإذا كان لنا أن نجمع بين مفاهيم الغنوشي في الاجتهاد، والشورى، والمصلحة كإطار للمنطق العام، نحصل على فهم غير سلطوي للسياسة الإسلامية بملامح ديموقراطيّة راديكالية قوية. ويعد هذا إنجازًا كبيرًا في حل اللغز القديم حول مدى توافق الإسلام والديموقراطيّة.

ولكن، لا شيء مما قيل حتى الآن يدل على أن هذا الفهم للسياسة الإسلامية لا يمكن أن يكون سلطويًّا. يحتوي نموذج الغنوشي للدولة الإسلامية على موارد مهمة لمكافحة الاستبدادية، ولكن هل يحتوي أيضا على ميزات تجعله عرضةً للاستبدادية؟ هل يمكن نموذجَه أن يعمل كرؤية سياسيّة لمرحلة ما بعد انتفاضة العالم العربي؟

 التعددية والتضامن والحفاظ على الطابع الإسلامي للدولة

تلتزم الدولة الإسلامية بطابعها الإسلامي. فبدون مثل هذا الالتزام، لن يكون هناك إحساسٌ قوي بأن هذه الدولة هي دولةٌ إسلامية. أحد الشروط التي يضعها الغنوشي على الأحزاب السياسية هو أنها يجب عليها أن "تعترف بالدولة" –وهو يعني الطابع الإسلامي للدولة - من أجل الحصول على الحماية القانونية. الفكرة هنا هي أن الأحزاب السياسية لا يمكن أن يكون هدفها التخلص من أساس المجتمع (الحريات 294): الإسلام. هذه الأنواع من القيود لها علاقة أكثر بالنية الكامنة وراء منطق الأشخاص –في مواجهة محتوى وطريقة منطقهم. بهذا المعنى، يكون الإسلام كأساس للتضامن الاجتماعي في الدولة الإسلامية أيضا أحد حدود المنطق العام. ولكن ذلك يثير المشاكل. دعنا ننظر في موقف الغنوشي من الردة حيث يكون حده القائم على النية فيما يتعلق بالمنطق العام هو الأوضح.

يرى الغنوشي أن الردة في الدولة الإسلامية ليست جريمة عقيدية بل هي جريمة سياسية. وكجريمة سياسية، يجب أن تعاقب الردة من قبل السلطات السياسية فقط إذا ما اكتسبت زخمًا كبيرًا كجزء من محاولة منظمة لإسقاط النظام الإسلامي أو أصبحت جزءًا من حملة لتقويض القاعدة التأسيسية للدولة والمجتمع.  يؤكد الغنوشي صراحة أنه من وجهة نظر لاهوتية، ولغياب البعد السياسي، لن تعاقب الردة من قبل السلطات على الرغم من أنه سينظر لها اجتماعيًّا بنظرة استصغار، وبالتالي ستسيطر عليها بوجهٍ غير مباشر غالبيةُ الأعضاء الاجتماعيين في المجتمع الإسلامي (الحريات، 50). ويعتمد حجم "العقاب الاجتماعي" على السياق؛ قد تختلف مستويات الاحتمال لدى المجتمعات الإسلامية في هذا الصدد. ولكن العقاب الاجتماعي ليس هو ما يزعج.  السمة الاكثر إزعاجاً في الحد القائم على النية يتعلق بمعايير تحديد متى يصل التعبير العلني عن الردة زخمًا وتنظيما يستدعي العقاب من قبل السلطات السياسية. إذ تخضع النوايا لتفسيرات متباينة وقابلة للتكييف عند القياس والتحقق. ويمثل أي حدٍّ قائم على النية على المنطق العام تهديدًا خطيرًا للمجال العام الشامل للجميع.

من أجل منع فهم المنطق العام، الذي قمنا بتطويره على أساس عمل الغنوشي، من التحول إلى مجال عام إقصائي، فإنه لا يكفي تصميم قائمة معايير واضحة وعامة ويمكن التحقق منها لما يمكن اعتباره  هجومًا على التماسك الاجتماعي للمجتمع الإسلامي. يجب إسقاط الحد القائم على النية بالكامل. 

ولكن القيام بذلك ليس سهلًا كما قد يتصوّر بعضهم. على الرغم من أن الغنوشي يدعم التعددية، إلا أنه واضح في التأكيد أن الدولة الإسلامية تلتزم بوجه أساسي بالوحدة الإسلامية (الحريات 236).  لكن التعددية والوحدة هما في حالة توتر. ففي حين تميل الوحدة والتضامن نحو الإقصاء تميل التعددية نحو الإدماج. ومن المفترض أن يجلب الاعتراف بالطابع الإسلامي للدولة التضامن فيما يهدف الحد القائم على النية على الحفاظ عليه. وبوجود التعددية الحزبية والتوتر بين التضامن والتعددية فإن الاستغناء عن الحد القائم على النية سيعمل فعليًّا على تمييع الطابع الإسلامي للدولة. هل بإمكان الدولة الإسلامية أن تحافظ على تعدديتها على الرغم من التزامها بالتضامن؟

أكثر ما يقوله الغنوشي دلالة بهذا الصدد هو إنه من "الأوفق أن تُفهم الوحدة الإسلامية لا على أنها وحدةٌ بسيطة وإنما وحدة ينتجها التنوع عبر النص والشورى أو الالتزام والحرية" (الحريات 256-257). على الرغم من الغموض الذي يحيط بهذا التفسير، إنّه يحمل دلالات. وتتلخص الفكرة الأساسيّة في أن التضامن والتعدديّة لا يجب أن يكونا في حالة توتر. في الواقع يجب أن يكمّلَ أحدُهما الآخر.  إضافة إلى ذلك، لا يجب أن يفسر التضامن بالانسجام والتجانس حيث لا يوجد اختلاف في الآراء ووجهات النظر أو قد يكون هناك اختلاف بسيط فيها، إلخ. هذه هي الوحدة البسيطة. إذًا يتصور الغنوشي نوعًا ما من الوحدة المعقدة ويجب أن "ينتجها التنوع عبر النص والشورى أو الالتزام والحريّة."

ولكن كيف لنا أن نفهم هذا الادعاء؟ ما الذي يتوجب على مواطني الدولة الإسلامية الالتزام به تحديدًا ولماذ؟ على الجميع، حدًّا أدنى، الاعتراف بالدولة بوصفها السلطة المكلفة بتنفيذ القانون والحفاظ على آليات الشورى وتعزيزها. ولكن هذه الآليات ليست أكثر من إجراءاتٍ ديموقراطيّة لتشكيل الإرادة وبالتالي، فهي بحد ذاتها غير قادرةٍ على الحفاظ على الطابع الإسلامي للدولة. وليس هناك ما هو إسلامي على نحو مميز بشأن هذه الإجراءات. وإذاما اقترحنا بطريقةٍ أخرى معالجة النص باعتباره الدستور، سيتم الحفاظ  على الطابع الإسلامي. المشكلة هي أنه في مثل هكذا سيناريو تتحول تفسيرات النص بشكل فعّال إلى قانونٍ وضعيّ من منظور السياسة الإسلاميّة، والتي نتعامل معها، فهذا الأمر يثير المشاكل لسببين.

أولًا، إنّ جعْلَ تفسيرات النصّ  قانونًا وضعيًّا يعني ضمنًا جعلها جامدة وغير مرنة، وقابلة للتنفيذ بغض النظر عن نظرة المسلمين وشعورهم تجاهها. ولكن لا يمكن المسلم أن يختار تفسيراتٍ متنافسة أخرى وربما لا تتفق مع تفسيرات النصّ وحسب، بل ويمكنه في أيّ لحظة أن يقرر رفض الإسلام في مجمله. الردة كجريمة عقيدية يعاقب عليها الله ويتحمل وزرها الشخص المعني فقط. تحويل تفسير النص إلى قانون وضعي قد يقوض حرية الدين للمسلمين أنفسهم من خلال جعلها إلزامية. 

ثانيًا، لا يمكن القبول بالنص كدستور لأنه من المفترض أن يجعل الدستورُ الناسَ شعبًا.  في أحسن الأحوال يمكن أن يكون لغير المسلمين إجماعٌ متداخلٌ في إطار المصلحة، والتي لا ينبغي أن تتساوى مع النص.

وبالتالي، فإن الاعتراف بالطابع الإسلامي للدولة يمكن الوفاء به لا من طريق تبني النص كدستور، ولا بمجرد الاعتماد على الآليات الإجرائية للشورى. الدولة الإسلامية هي دولة الله والشعب، ودولة النص والشورى، وبدون وسيلة لفهم هذا القول المأثور لن نكون قادرين على أن نفهم كثيرًا مفهوم الدولة ذات الطابع الإسلامي من دون التقليل من شأن الميزات الديموقراطيّة الجذرية المناهضة للاستبدادية.  لهذا الغرض، دعونا ننظر في الاقتراح التالي: الدولة الإسلامية دولة محددة بالنص - هي ترتيب سياسي يتم التحقق من نتائجه السياسية مقارنةً بالنصّ. 

لنفكر بديموقراطيّة دستورية لها محكمة عليا، وبرلمان، وما إلى ذلك.  ولنطلق عليها اسم "النظام السياسي". ينتج النظام السياسي القوانين والسياسات، الخ. إلى جانبها، هناك ما سنسميه "نظام ديني" – وتحديدا نظام إسلامي يضم الفقهاء الذين يشتقون التفسيرات على أساس النص وغيرها من الآليات الديموقراطيّة الأخرى التي تضمن التغذية الراجعة باتجاهين بين الفقهاء والجماعة الإسلامية، والذي له القول الفصل في تحديد نجاح التفسيرات المختلفة في التقاط سياقاتها الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والتاريخية. عندما يتم مناقشة أو سن قانون أو سياسة يقول النظام الإسلامي قوله وإذا اتضح أن هذا القانون أو السياسة ينتهك بوضوح كيفية اختيار الغالبية العظمى من المجتمع (في هذه الحالة المسلمين) لتجسيد النص، يجب عندها تغيير القانون أو التخلي عنه.

في حين يقدم هذا فهمًا أدقّ لما يعنيه أن نعترف بالطابع الإسلامي للدولة فلا يمكننا التوقف هنا. لماذا يتوجب على جميع المواطنين تأييد التزام مشترك بالنص باعتباره حدًّا للنتائج السياسية؟ صحيح أن بإمكان غير المسلمين تشكيل أحزاب سياسية، وتنظيم دوائرهم الاجتماعية، وسيتم التعبير عن هوياتهم كمجموعات واحترامها، ولكن ما العمل إذا ما فرض النظام الديني الإسلامي حدودًا لا تطاق عليهم، كمجموعات أو كأفراد؟ فمن غير المعقول أن نتوقع من غير المسلمين قبول مثل هذا الحد مع عدم وجود ضمانات لبقائهم وازدهارهم وحريتهم. التحدي المطروح إذًا هو: كيفية الحد من النظام الديني بدون تقويض الطابع الإسلامي للدولة؟

بالاعتماد على مناقشتنا حتى الآن، فإن مفهوم السياسة الإسلامية الذي نقوم بتطويره يقبل بالفعل ضمنا شروط الاعتراف[19] من أجل السير الحسن للحياة البشرية. ويشير كلٌّ من تعامل الغنوشي مع الأقليات غير المسلمة، وتصوره لتعددية المجموعة، والدور الحاسم الذي تلعبه الأحزاب السياسية في الدولة الإسلامية بوضوح إلى أنه يقبل ببعض الأشكال المعقدة من الاعتراف. وكذلك، ولهذا الأمر آثار على نطاق أوسع، يلتزم الغنوشي بالمصلحة، والمصلحة معنية برفاه البشر. تمامًا مثلما قد تؤثر الاكتشافات مثلاً حول جسم الإنسان وصحته على ما يفضي إلى المصلحة، كذلك فإن إدراك أن ظروف اعتراف معينة يجب أن تستوفى من أجل أن يكون الأفراد قادرين على تشكيل الهويات وأن يكونوا مستقلين ينبغي أيضا أن يؤثر على أن يفضي إلى أن المصلحة السياسة الإسلامية هي بالفعل التزامٌ بإطار من الاعتراف. ولكن، الأمر الحاسم الذي ما زال غائبا هو مأسسة هذا الإطار. لذلك، هناك حاجة إلى إضافة "نظام اعتراف" ثالث. 

ما لدينا إذًا هو تسوية سياسية ثلاثية. نظام سياسي يولّد نتائج سياسية، ونظام إسلامي يضمن عدم تجاوز هذه النتائج عتبةً متحركة تحددها الجماعة الإسلامية التي تشكل الأغلبية، ونظام اعتراف يضمن أنّ حدود النظام الإسلامي لا تنزل تحت عتبة حدٍّ أدنى متحركة.  تخضع جميع الأنظمة الثلاثة إلى آليّات ديموقراطيّة جذريّة. الالتزام بهذا النظام الثلاثي هو التزامٌ بالإجراءات الديموقراطيّة، هو التزام بالنصّ بوصفه الحد الأعلى وبشروط الاعتراف بالنتائج السياسيّة حدًّا أدنى. بهذه الطريقة يمكن المسلمين أن يروا ممارساتهم السياسية باعتبارها وسيلةً لتحقيق دينهم، ويمكن غيرَ المسلمين أن ينموا ويزدهروا كجماعاتٍ وأفراد وفي الوقت نفسه يحدُّون ممّا قد يمكن أن تفعله الغالبية بهم. وبإمكان مثل هذا النظام كسب التزام جميع المواطنين.

*  آرشز كوارترليArches Quarterly ، عدد رقم 6، شتاء العام 2012.
ترجمة النصّ من اللّغة الإنكليزيّة للعربيّة: مؤسّسة روزا لكسمبورغ.

** باحث ومحاضر جامعي حاصل على دكتوراه في الفلسفة من جامعة جورج تاون.

 

[1] هكذا، تضع هذه الورقة جانبا مسألة ما إذا كان النموذج الإسلامي للغنوشي هو "حقا" إسلامي، ولا تتناول الغنوشي كشخص، ولا خطابه السياسي، ولا بيانات حزبه السياسية وآدائه. 

[2] كوهين، جوشوا وجون آرشون فونغ (2004)."الديموقراطيّة الراديكالية". Swiss Political Science Review. 10:4: الصفحات 23-34.

[3] في  الديموقراطيّة الإسلامية: الصراع من أجل الاعتراف وحدوده جادلت من أجل الاتصال بين الاعتراف والإمكانية التحررية للسياسة الإسلامية.  ركزت على نظرية أكسيل هونيث النقدية القائمة على الاعتراف ومطلب الغنوشي الاعتراف بالهوية الإسلامية. لا تتناول هذه الورقة بشكل مباشر نموذج الاعتراف على الرغم من أنها تعتمد عليه بوجهٍ غير مباشر.

[4] الغنوشي، راشد (1998). المشاركة في حكومة غير إسلامية. الإسلام الليبرالي: كتاب موارد. تحرير شارلز كورزمان، نيو يورك. أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، ص95.

[5] تتبع هذه الورقة الغنوشي في فهم النص والذي يشمل القرآن والسنة. ما يهم، لأغراض هذه الورقة هو أن النص، يشير إلى المصدر النهائي للحقيقة والصحة في الإسلام، المتوفر لنا في شكل النص.

[6] الغنوشي، راشد (2000). العلمانية في المغرب العربي. الإسلام والعلمانية في  الشرق الأوسط.تحرير اسبوزيتو وجون وتميمي، عزام. مطبعة جامعة نيو يورك، أكسفورد، ص: 100.

[7] يفسر الفشل في أخذ الاحتمال التحرري للسياسة الأسلامية بالإعتبار بوجهٍ ملائم، جزئيًّا على الأقل، استمرار شعبية المزيد من الإصدارات الأصوليّة للسياسية الإسلامية في مرحلة ما بعد انتفاضة العالم العربي.

[8] مناقشتي للسلطوية على مستوى المواطنة تعتمد على فكرة مايف كوك عن "المواطنة الاستبدادية".في  الديموقراطيّة الإسلامية: الصراع من أجل الإعتراف وحدوده تعاملت مع مفاهيم كوك في "المواطنة الاستبدادية"، و "الموقف الاستبدادي"، و "العقلانية المتموضعةsituated rationality "، ودمجتهم ضمن تمييز أوسع بين العملي والنظري: راجع: كوك، مايف (2007). دولة علمانية لمجتمع ما بعد علماني؟ النظرية السياسية ما بعد المتافيزقية ومكان الدين. كوك، مايف (2006). إعادة تقيدم المجتمع الجيد، كامبريدج: مطبعة إم أي تي.

[9] يشير الاجتهاد إلى الأساليب القانونية في التفسير والتعليل التي يستمد من خلالها المجتهد أو يعقلن القانون على أساس القرآن، والسنة  و/أو الإجماع، وأيضا تقييم القاضي للممارسات العرفية لما لها من أثر على القضية المرفوعة أمامه.  الحلاق، وائل، (2009)، مقدمة في القانون الإسلامي.  نيو يورك، مطبعة جامعة كامبريدج، ص173.

[10] الغنوشي، راشد (1993) الحريات العامة في الدولة الإسلامية، الطبعة الأولى، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الصفحات 297-298.وسيشار إليه بـ (الحريات).

[11] خرائط التمييز هذه عن التمييز الذي تقوم به مايف كوك بين العالمية الستاتيكية والدينامية.مرجع سابق.كوك (2006) إعادة تقديم... ص20.

[12] راجع: أبو الفضل (1997)  الاستبداد والمرجعية في الخطاب الإسلامي. دار طيبة؛ وأيضا كتابه (2009)."السلطة الإسلامية " اتجاهات جديدة في الفكر الإسلامي. تحرير كاري فوكت، ولينا لارسن وكريستيان مو، لندن: آي بي توريس.

[13] يميز الغنوشي بين الأمة السياسية والعقائدية. فهو غامض في استخدامه لهذا المصطلح، ولكن، ولأغراض هذه الورقة، يمكننا التمسك بمصطلح الأمة العقائدية.

[14] في  الديموقراطيّة الإسلامية: النضال من أجل الاعتراف وحدوده توسعت حول ما قد تعنيه "الآداب العامة للحوار" من خلال الاعتماد على مفهوم جيمس يوهمان وهنري ريتشاردسون للكياسة الديموقراطيّة في كتابهما "الليبرالية، الديموقراطيّة التداولية، والأسباب التي يمكن للجميع أن يقبلها، مجلة الفلسفة السياسية المجلد 17، رقم 3، (2009)، الصفحات.253-275

[15] لتصنيف الطرق المختلفة التي استخدمت فيها المصلحة ودمجت في النظرية القانونية في الفترة الوسطى من الإسلام، راجع الصفحات193-197 في فليتسيتاس أوبويس، "المصلحة في النظرية القانونية الإسلامية المعاصرة، الشريعة الإسلامية والمجتمع" و12.2.

[16] المرجع نفسه، الغنوشي (1998). "المشاركة في حكومة غير إسلامية"، ص: 91.

[17] المرجع نفسه، لمثال حول كيفية توظيف الغنوشي للمصلحة لتكييف شريعة الله واستيعاب احتياجات المسلمين.

[18] راولز، جون (2005)."فكرة التوافق المتداخل." جون راولز. الليبرالية السياسية. نيو يورك: مطبعة جامعة كولومبيا.

[19] لاعتبارات الحيز المتاح، لم تسهب هذه الورقة في تفصيلات شروط الاعتراف.في "الديموقراطيّة الإسلامية: الصراع من أجل الاعتراف وحدوده" استفدت من نموذج اعتراف أكسيل هونيث لمثل هذه الظروف، في حين بينت حدودها واقترحت كيف يمكن توسيع نطاقها واستكمالها من أجل الفهم المعياري والاستجابة لطلب الاعتراف العام بالهوية الإسلامية.

بحث
مطبوعات دار المشرق
النشرة الدوريّة
صدر حديثاً
عن مقدّمة الكاتب: "ليس من الميسور للمتبدئين أو لتلامذة الأكليريكيّات أن يقفوا على كنوز مصنّف ضخم، مكتوب باللاتينيّة (معجم بروكلمان) ومعتمد على...
عن مقدّمة الكاتب: "لقد نشأ هذا اللاهوت في روسيا، وتحديدًا في روسيا القيصريّة الّتي كانت تسحق الشعب وتحمي الكنيسة، وتابع نضاله في روسيا السوفياتيّة...
من مقدّمة الكاتبين: "هناك مغالاة في شخصيّة شمشمون وقوّته وحبّه. وهنك حتّى هزل! ونتساءل كيف لهذه القصّة أن تندمج في تدبير الله؟ إنّ الفصول من ١٣ حتّى...
عن مقدّمة الكاتب: "أزمة السنة ١٨٨٢، أو "مسألة لويس"، كما يدعوها بعضهم، بالكلّيّة السوريّة الإنجيليّة، محطّة بارزة في تاريخ الجامعة الأميركيّة في...
 عن مقدّمة الكاتب: "إنّي آمل أن يسدّ هذا الكتاب الفراغ الراهن، وأن يلبّي رغبة المهتمّين بالإطلاع على قصّة التعليم والمدارس في بشمزين على حقيقتها، وأن...
"يتألّف الكتاب من مقدّمة، وجدول المحتويات، وجدول المراجع، والفهرس العامّ، وستّة وأربعين فصلًا موزّعين على تسعة أبواب هي التالية: الباب الأوّل: العهد...
عن مقدّمة الكاتب: "اخترت عهد الانتداب الفرنسيّ بالذّات موضوعًا لهذه الدراسة لثلاثة أسباب: أوّلًا: لأنّ الأزمة اللبنانيّة الراهنة الناجمة بالدرجة...
"تقتضي الكتابة على المؤرخ والمربّي شفيق جحا، صاحب المقالات المنشورة في هذا الكتاب، استدعاء مساره النهضويّ التنويريّ، والتوقّف إزاء شخصيّة العالم...
نقدّم إليكم مجلّتنا الروحيّة الرقميّة في عددها الثاني، وقد خصّصنا هذا العدد للرّوحانيّة الإغناطيّة، حيث تحتفل الكنيسة بعيد القدّيس إغناطيوس دي لويولا...
نقدّم إليكم مجلّتنا الروحيّة الرقميّة في عددها الثاني، وقد خصّصنا هذا العدد للرّوحانيّة الإغناطيّة، حيث تحتفل الكنيسة بعيد القدّيس إغناطيوس دي لويولا...