article_cover_image

لا أستطيع أن أعزل دم فلسطين عن دم يسوع. أنا مع فلسطين الجريحة لأنّني آتٍ من جنبه.

author_article_image

الأب سليم دكّاش اليسوعيّ

المطران جورج خضر وصل إلى المئويّة من العمر!

في الواقع، ترك المطران جورج خضر بصمات لا تُمحى على العمر، من فكر عميق في اللّاهوت والرّعاية والحوار المسيحيّ - المسيحيّ، والعلاقة مع الإسلام، والأدب، والوطنيّة، والسّياسة. كرّمته كنيسته والمقرّبون إلّا أنّ كثيرين، من حلقات مختلفة، أرادوا أن يكرّموا المطران المِعطاء للجميع من دون حساب، مثل الجامعة اليسوعيّة الّتي نظّم معهد الدّراسات الإسلاميّة - المسيحيّة فيها حلقة دراسيّة لتكريم الآتي من الأفق الكنسيّ الأرثوذكسيّ، فذلك يعني أنّ فكرَ هذه القامة الجليلة، في مئويّتها من العمر، قد تخطّى حدود هذه الجماعة أو تلك، ليُستقبل في الرّدهات الأكاديميّة لاسترجاع تلك الثّوابت والحقائق والخطوط العميقة الّتي صاغها صاحب الكلمة القويّة.


كثيرةٌ هي الصّفات الّتي يحملها صاحب التّكريم في مئويّته الأولى.

إنّه مطران الحرّيّة، إذ لم يَحِدْ عن معاني أغنية الحبّ والحرّيّة الّتي في قلب الله، والظَّفَر لا يكون إلّا بالحرّيّة وإن كانت مطعونة. يقول: "في الصّليب يَغدو أحدنا حبيب الآخَر بعدما أحبّنا يسوع أوّلًا واستجَبنا لِحُبِّه بالطّاعَة، أي في الإصغاءِ لحُبِّهِ ومبادلتِه الحُبَّ بالحُبّ. وإن خَضَعْتَ لِبَشر، فلْتَتوَفّر لديك الدّلالات على أنّهم خاضعونَ لِربِّهِم". وعند سيادته، الحرّيّة تتأسّس على فنّ الإصغاء ليسوع، أي للحَقِّ والحبّ فنعرف كيف أنّ الطّاعة لله هي سبب السّلام، وعندما نخضع للحقّ فنحن لسنا عبيدًا لأحد وكلّ علاقةٍ لنا مع النّاس يحكمها قول الإسلام "لا إله إلّا الله" وهو قولنا جميعًا.


وفي هذه الأيّام الّتي نستعيد فيها فلسطينَ الجريحة، نتذكّر أنّ جورج خضر عُرِفَ بأنّه مؤسّس اللّاهوت العربيّ حول فلسطين، حيث تطرّق مرّاتٍ ومرّات إلى القضيّة الفلسطينيّة منذ ستّينيّات القرن الماضي، فصَدَرَ له كتاب تحت عنوان فلسطين المستعادَة (1969)، وآخر تحت عنوان القدس (2003)، قدّم له الشّاعر الفلسطينيّ محمود درويش. القضيّة الفلسطينيّة عنده قضيّة أخلاقيّة أساسًا حيث إنّ إسرائيل حُبِلَ بها بالإثم ووُلِدَت بالخطيئة، ورَفْضُ الكيان الإسرائيليّ هو رفضٌ روحيّ، رفْضٌ للظّلم ولا مصالحة والظّلم. وإذا كانت فلسطين تحمل رمز القدسيّات، فإنّ القدسيّة الأولى الّتي لا بدّ من الدّفاع عنها هو الشّعب الفلسطينيّ، ومن هنا فإنّ همّه الأوّل، النّابع من موقف الإنجيل، هو الإنسان الفلسطينيّ، فلا استعادة للأرض من دون استعادة للإنسان وشرفه. المطران خضر يربط ما بين دم يسوع ودم فلسطين فيقول: "لا أستطيع أن أعزل دم فلسطين عن دم يسوع. أنا مع فلسطين الجريحة لأنّني آتٍ من جنبه. وليس هناك من دارٍ للمسيحيّة، بل هناك دار المسيح فقط، ودار المسيح هي كلّ مكان يُهتَفُ فيه باسم يسوع المسيح".


ومِن الأبواب الّتي اشتغل فيها موضوع الرّعاية، واقعُ أنّ سيادته الّذي بَرعَ في صياغةِ الأفكار وفي حياكتِها التّجريديّة، وفي بسطه المقامات الصّوفيّة، يبقى وقبل أيّ شيء آخَر خادمًا للكلمة الإلهيّة بين شعبه، ومن أجل شعبه، ليتكوّن شيئًا فشيئًا بحسبِ مُقتضياتِ الإنجيل. يقول سيادة المطران: "نحن الكهنة، مبرّر وجودنا هو غسل الأرجل، أرجل المساكين والمهمّشين، وحتّى أرجل المتكبّرين الّذين هم بحاجة إلى مَن يَغسِل قلوبهم وأفكارهم ليعودوا إلى الصّواب وإلى الطّيبة والتّواضع". إنّ هاجس أبونا جورج وهمّه الأوّل، إن كان في حركة الشّبيبة الأرثوذكسيّة النّهضويّة، الّتي لم تكن مجرّد حركة كشفيّة وتقَويّة بل تعليميّة وفكريّة أيضًا، أو في الرّعايا الّتي خدمها، وكذلك على رأسِ أبرشيّته، كان أن يكون خادمًا للوجوه الثّلاثة الّتي تتكوّن منها الرّعاية، أي الكلمة والأسرار والفقراء، وأن يَكشِفَ الكلمة لنفسه وللآخرين. فقِيَمُ الكنيسة الأرثوذكسيّة الّتي عندها العهد الجديد وأن تكون موصوفة فيه إلى مستوى هذا الكتاب، ذلك كان مسعاه وغايته، ولذلك نراه مفكّرًا وكاتبًا وواعظًا ومعلّمًا، لتتناول الجماعة المسيحيّة الكلمة الواحدة، والكأس الواحدة فتكون شاهدة للمسيح يسوع الحيّ المنتصِر على الخطيئة وعلى الموت.

ولا بدّ هنا من أن نذكر لقاءاتنا في الثّمانينيّات من القرن الماضي، لقاءاتنا المنتظمَة اللّاهوتيّة مع سيادته في بلاترس قبرص حول بعض القضايا الإيمانيّة المشتَرَكَة مثل التّعبير عن الثّالوث المقدّس بلغة العصر عربيًّا، وكان فيها المطران جورج إلى جانب الصّديق الرّئيس طارق متري المحرّك الرّئيسيّ للمجادلة الفكريّة المسكونيّة. وأذكر أيضًا لقاءاتنا مع الأب يواكيم مبارك والأستاذ ميشال أسمر مؤسّس النّدوة اللّبنانيّة، حيث كان الحديث يتمدّد من مركزيّة الشّهادة اللّبنانيّة ليسوع المسيح وكنيسته إلى إنطاكية والجامعة وللجميع في تعدّديّتهم وتلاقيهم.


لا أقول ماذا بقي من فكر جورج خضر، بل أسأل أين أصبح فكر هذا اللّاهوتيّ الكبير في جسد الكنيسة المشرقيّة؟ إنّ بعضَ المتشائمين يقولون إنّ المشروع فَشِل، إلّا أنّ أيّ مشروع مرّ بكلمة الله وتغذّى منها لا يعرف الفشل، بل إنّ الحياة في الله هي صراع وكفاح ومجاهدة للقاء الحبيب.


جورج خضر، عِشتَ كبيرًا في قلبكَ وعاطفتِكَ، كبيرًا من أجل كنيسة السّيّد!

أعطاكَ الله العمرَ المديد.




الأب سليم دكّاش اليسوعيّ: رئيس تحرير مجلّة المشرق. رئيس جامعة القدّيس يوسف. رئيس رابطة جامعات لبنان. عضو في الاتّحاد الدّوليّ للجامعات (منذ العام 2016). حائز دكتوراه في العلوم التّربويّة من جامعة ستراسبورغ – فرنسا (2011)، ودكتوراه في الآداب-الفلسفة من جامعة بانتيون-السّوربون 1 (1988). يدرّس فلسفة الدّين والحوار بين الأديان والرّوحانيّة السّريانيّة في كلّيّة العلوم الدّينيّة في الجامعة اليسوعيّة.

[email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق