article_cover_image
author_article_image

الأب غي سركيس

القسّ البروفسور عيسى دياب - الأرض في الكتاب المقدّس، بين الاستغلال الصّهيونيّ والقراءة اللّاهوتيّة

نقف مصدومين إزاء اعتداء غادر يتعرّض له الشّعب الفلسطينيّ في غزّة. فالإسرائيليّون، غيرَ مبالين، يقتلون الأطفال والنّساء والمسنّين، ويقضون على كلّ مقوّمات الحياة والمؤسّسات المدنيّة فيها، وسْط ثباتِ المجتمع الدّوليّ على صمتِه المتواطئ. لم تعد العيون الطّاهرة قادرةً على مشاهدة صورٍ تتجاوز ما تتصوّره المخيّلة من الشّرّ والقساوة. نبحث عن دوافع هذه التّصرّفات الوحشيّة، وما يرافقها من تحليلات وأحيانًا تبريرات في الإعلام بوسائله كافّة، فنبقى في حيرةٍ من دناءة الإنسان (القاتل ثمّ الصّامت)، حتّى بتنا نشكّك في إنسانيّة هذا الإنسان وبشريّته العاجزة عن أيّ ردّ فعل مستنكر أو رادع.

في خضمّ هذه الوقائع الأليمة يصدر كتاب الدّكتور عيسى دياب ليتناول موضوع  قبض التّيّارات الصّهيونيّة على أرض فلسطين ارتكازًا على الكتاب المقدّس، فيحثّنا على الذّهاب إلى جذور الظّلم، وعدم الاكتفاء بالعوارض الرّاهنة.

هو حائز شهادات دكتوراه في اللّاهوت المسيحيّ، وفي تاريخ الدّيانات السّاميّة القديمة، وفي ثقافات ومجتمعات العالم العربيّ الإسلاميّ. يحاضر القسّ البروفسور عيسى دياب في جامعات عديدة في الدّراسات الدّينيّة، والدّراسات السّاميّة، والدّراسات الإسلاميّة- المسيحيّة، وتاريخ اليهوديّة وتعاليمها. له كتاباتٌ وأبحاثٌ كثيرة، ومنها: الأصوليّة والتّعصّب والعنف في الإسلام والمسيحيّة (دار المشرق، ٢٠١٢)، مدخل إلى تاريخ اليهوديّة وتعاليمها (دار المشرق، ٢٠١٣)، البيئة في الدّيانات الإبراهيميّة (دار المشرق، ٢٠١٦).


يتكوّن الكتاب من فصولٍ سبعة تتوزّع على محاور ثلاثة أساسيّة، بالإضافة إلى المقدّمة العامّة والفصل الأوّل للتّعريف بالمصطلحات الرّئيسيّة ومنها "الصّهيونيّة"، وركنها الجامع هو "المطالبة بأرض إسرائيل كوطن قوميّ لليهود" (ص. ١٦)، ومفهوم "التّاريخ" في الكتاب المقدّس الّذي"لا يهتمّ بصحّة الأحداث التّاريخيّة بقدر ما يهتمّ بالمعاني اللّاهوتيّة" (ص. ٢٦). فالمؤلِّف يكترث للقارئ غير المتخصّص، فيلجأ إلى لغةٍ واضحة للجميع ويسهر على إقفال كلّ فصلٍ بخُلاصةٍ بسيطة وشاملة في آنٍ واحد.

في المحور الأوّل (وهو الأطول: من الفصل الثّاني إلى الخامس)، يجول المؤلِّفُ في صفحات الكتاب المقدّس بعهدَيه للتّوسّع في مفهوم العهد الّذي يعرضه الله على الشّعب والوعد بالأرض بشرط أنْ يلتزم هذا الأخير بالعبادة الحقّة وبالطّاعة للوصايا (ص. ٣٣). في مرحلةٍ أولى يتوقّف عند إبراهيم الّذي وُعد بنسلٍ يُعطى أرض كنعان، ثمّ موسى، ومعه "أصبح العبرانيّون شعبًا يُدعى بني إسرائيل" (ص. ٤٢)، وأخيرًا الملك داود وقد أقام الله معه ومع نسله علاقةً أبويّة. وفي كلّ مرّة، تحقّق وعدُ الله بما يتعلّق بالأرض.

في مرحلةٍ ثانية، يتوقّف عند زمن السّبي الّذي يعود سببه إلى خطيئة الإنسان. في تلك الفترة، الّتي انتقل فيها بنو إسرائيل إلى اليهوديّة وتخلّصوا نهائيًّا من تعدّد الآلهة (ص. ٦٧)، نشط أنبياؤها (إرميا، حزقيال، إشعياء الثّاني، حجّي، زكريّا، مَلاخي، إلخ.) مبشّرين بالعهد الجديد وبالعودة إلى الأرض وإعادة بناء الهيكل المُدمَّر وبيوت النّاس. في المنفى "تعزّز لاهوت الأرض والقوميّة في فترة السّبي، فلم تَعُد أرض إسرائيل مجرّد أرض، بل صارت عطيّة يهوه" (ص.٧٢-٧٣)، وتحوّلت أورشليم إلى رمزٍ روحيّ (ص.٧٨). في العام ٥١٥ ق.م. دشّن العائدون من السّبي هيكل أورشليم بفرحٍ عظيم. وأهمّ ما وَرَد في هذا الفصل، شَرحُ المؤلّف خواصّ "الفنّ الرّؤيويّ"، ذلك لأنّ تفسيره الحرفيّ وعدم احترام رمزيّته يُفضيان إلى مواقف مأساويّة.

ثمّ يتوسّع المؤلِّف بمفهوم العهد في "حقبة الهيكل الثّاني" (٥١٥ ق.م. إلى ٧٠ م.)، فيها احتلّ الهيكل مكانًا مهمًّا وبانت الرّوح القوميّة وبرز مفهوم "المسيح" الّذي سيُنقذ الشّعبَ اليهوديّ مفتتحًا العصر المسيحانيّ القائم على الرّخاء الاقتصاديّ والبركات الرّوحيّة (ص.١٤٤)، لكنّهم في المقابل لم يسلكوا في العدل والرّحمة والإحسان، كما نصحهم الله.

يختم المؤلِّفُ جولَتَه الكتابيّة مع يسوع المسيح الّذي اتّسم بالفقر والوداعة والتّواضع، داعيًا إلى الانفتاح إلى الشّموليّة ومقدِّمًا خلاصًا روحيًّا، فـ "قرّر اليهود إزالته مِن الوجود" (ص. ١٥٠). أعلن عن دمار الهيكل، حَكَمَ على الدّيانة اليهوديّة – الّتي أضحت "مظهرًا من دون جوهر" (وليم باركلي) – باليباس إلى الأبد، وأعطى خلاصًا روحيًّا وأبديًّا، لا أرضًا جغرافيّة، فبقي العهد قائمًا من خلال الكنيسة المؤلَّفة من كلّ الشّعوب. ويتوسّع المؤلِّف في مفهوم "اللّاهوت الاستبداليّ"، وهو تيّارٌ يؤكّد أنّ "الكنيسة المسيحيّة خَلَفَت شعب إسرائيل كشعب الله بصورة نهائيّة وحاسمة" (ص. ١٦٢)، فلم تبطل غاية العهد، وهي خلاص العالم، بل تحقّقت بيسوع المسيح.


في المحور الثّاني، يعرض الكاتب دراسةً تاريخيّة ولاهوتيّة عن "المسيحيّة الصّهيونيّة" الّتي تحاول إحياء مفهوم العهد بصورتِه الماديّة، والّتي تبنّت "لاهوت الحقبات". بانت في بدايات القرن التّاسع عشر في الأوساط المسيحيّة الإنجيليّة البريطانيّة وورّدها أصحابُها إلى الولايات المتّحدة حيث رحّبت بيئةٌ حاضِنة بأفكارها. فَهِمَ مناصروها الوعودَ الواردة في خطابات الأنبياء فهمًا مادّيًّا وحرفيًّا (امتلاك اليهود الأرض وإعادة بناء الهيكل، مُحاصرة اليهود الّذين يستنجدون بالمسيح فيأتي لنُصرتِهم ولافتتاح "المُلك الألفيّ): لن يأتي المسيح ثانيةً إذًا، ما لم يرجع اليهود إلى الأرض. جرت التّوأمة بين هذا الفكر اللّاهوتيّ المسيحيّ الإنجيليّ والفكر الصّهيونيّ الّذي ظهر لاحقًا (تأسُّس الحركة الصّهيونيّة في العام ١٨٩٧)، وأثّرا في الحكومات الغربيّة، فدفعا مثلًا حكومة بريطانيا إلى إصدار وعد بلفور في العام ١٩١٧. ثمّ ينتقد المؤلِّف بدقّةٍ أسسَ تفسير "المسيحيّة الصّهيونيّة" نصوص الكتاب المقدَّس، وأكثر ما لفت انتباهي هو الإشارة إلى الأسباب الأخلاقيّة لرفض إلهٍ يدعم شعبًا "اغتصب أرض شعبٍ آخر" (ص. ٢٢٢).


في المحور الأخير، وهو أقرب إلى الخاتمة أو الوصيّة، يتعمّق المؤلِف في البعد اللّاهوتيّ لمفهوم الأرض في الكتاب المقدَّس، وهو مكوِّنٌ أساسيّ من مكوّنات العهد (ص. ٢٢٢). ليست الأرضُ بقعةً جغرافيّة أو عقيدةً سياسيّة، بل "الفضاء الّذي يلتقي فيه شعب الله بالله" (ص. ٢٢٦). فالأرض الّتي وعد بها الله هي ملكوت الله الّذي يرثُه الحزانى والودعاء والجياع إلى البرّ والفقراء بالرّوح من كلّ أمّة.

إنّ كتاب القسّ البروفسور عيسى دياب ثمينٌ للمكتبة العربيّة، إذ يقدّم للقارئ المشرقيّ مقاربةً جوهريّة لفهم الصّراع الإسرائيليّ- الفلسطينيّ. ففيما يكتفي الكثيرون بتحليل الوقائع السّياسيّة والعسكريّة، يكشف الكاتب عن أنّ جوهر القضيّة قائمٌ على قراءة لاهوتيّة للكتاب المقدَّس تستند إلى الحرفيّة والماديّة. كما نُدرك سبب تأثير "الصّهيونيّة المسيحيّة" في خيارات الولايات المتّحدة السّياسيّة في هذا الصّراع، ولا بدّ من الإشارة إلى شجاعة الكاتب، وهو المنتمي إلى الكنيسة البروتستانتيّة المُصلِحة، في التّصدّي للاهوت المسيحيّين المتصهينين المنتمين إلى تيّاراتٍ إنجيليّة. إنّ هذا الكتاب احتجاجٌ على اعتبار النّصوص المقدّسة سجلًّا عقاريًّا لتسويغ القبض على الأرض، وهو بالتّالي يدفعنا إلى مواجهة الإجحاف في أصلِهِ للقضاء على تبعاته.

أودّ الإشارة في هذا الإطار إلى نقطةٍ واحدة. فيما ركّز المؤلِّف على سياق الكتاب لتفسير النّصوص في العهد القديم، سلا عن هذا الأمر في مقاربة الأناجيل. فعلماءُ الكتاب المقدّس يُجمعون على أنّ الصّراعات بين يسوع والفرِّيسيّين هي في غالبيّتها انعكاسٌ للتّوتّر الحاصل بين هؤلاء والرّسل. ثمّ يتحدّث المؤلِّف عن صراعٍ بين يسوع واليهود، فيما كان التّوتّر بينه وبين فئةٍ من اليهود، ولو كانت ربّما الفئة الأكبر. فلا ننسى أنّ تلاميذه وأتباعه الأوائل أتَوا من رحم الدّيانة اليهوديّة. ففي رأيي، تقدَّم أحيانًا الموقفُ اللّاهوتيّ على الموقف العلميّ في الفصل الخامس عن العهد المتحقّق بيسوع المسيح.

إنّ قراءة هذا الكتاب، المتعدِّد الأبعاد (لاهوتيّة، كتابيّة، سياسيّة، تاريخيّة...)، رحلةٌ ممتعة. يجتسّ القارئ فيها مواقف المؤلِّف العلنيّة والضّمنيّة، البعيدة في آنٍ واحد عن العشوائيّة والحياد الرّماديّ. فهو يستقبح التّفاسير الصّهيونيّة للنّصوص الدّينيّة، ويُعيب على الإسلام المتطرّف ممارسة العنف، إذ يقدّم للفريق الآخر المبرّرات الّتي يبحث عنها. وأختم بمشهدٍ يرد في صفحات الكتاب، يَظهر من خلاله مُرادُ القسّ دياب: بخلاف ما يظنّه الكثيرون، كان إسحاق وإسماعيل متّفقَين ومتعاونَين، والدّليل على ذلك "أنّهما حضرا معًا عند موت إبراهيم أبيهما ودفناه معًا" (تكوين ٢٥، ٩) (ص. ٣٨-٣٩).




القسّ البروفسور عيسى دياب

الأرض في الكتاب المقدّس، بين الاستغلال الصّهيونيّ والقراءة اللّاهوتيّة

ط.1، 264 ص.، بيروت: دار المشرق، 2023

(ISBN: 978-2-7214-5657-1)





الأب غي سركيس: حائز درجة الدّكتوراه في اللّاهوت من الجامعة اليسوعيّة الغريغوريّة الحبريّة (روما). أستاذ متفرّغ في جامعة القدّيس يوسف، وأستاذ محاضر في جامعة الحكمة. وهو كاهن في أبرشيّة بيروت المارونيّة. له مجموعة من المؤلّفات الدّينيّة والتّأمليّة والفكريّة فياللّاهوت المسيحيّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميّ المسيحيّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسّلام... لمن؟، أؤمن... وأعترف، وقراءة معاصرة في الإيمان المسيحيّ، وإيمان في حالة بحث، والنّشاط اللّاهوتيّ في المسيحيّة.)

[email protected]

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق