قراءة في بيان المجمع الفاتيكانيّ الثّاني في الحريّة الدّينيّة بعد ستّين عامًا على صدوره
مقدّمـة
لم يكن إعلان البيان في الحرّيّة الدّينيّة، وعنوانه الرّسميّ "كرامة الإنسان" ، حدثًا عاديًّا. فقد أثار جدلًا طويلًا داخل الكنيسة الكاثوليكيّة وخارجها بشأن صحّته ومبرّراته ونتائجه. ويشهد حجم الوثائق الّتي تتّصل بنقاش البيان في إطار أعمال المجمع الفاتيكانيّ الثّاني على حراجة موضوعه. فالمداخلات الشّفهيّة بلغت اثنتَين وستّين، والخَطّيّة ما يُقارب المائة، وتميَّزت بالحدَّة. غير أنّ التّصويت الّذي جرى حينذاك بناءً على طلب البابا بولس السّادس أتى لمصلحة البيان. فقد حصل النّصّ المجمعيّ في صيغته الرّاهنة على ألف وتسعمائة وسبعة وتسعين صوتًا مؤيّدًا، ومائتَين وأربعة وعشرين صوتًا معارضًا . وفي الواقع، رأى بعضهم في البيان خروجًا على العقيدة الكاثوليكيّة الواضحة والثّابتة، إنْ في ما خصّ "الخلاص" أو علاقة الكنيسة بالدّولة، وهي علاقة لها مكانتها أيضًا في العمل من أجل خلاص البشر. في حين أنّ بعضهم الآخر اعتبره تجديدًا لا بدّ منه لفكر الكنيسة اللّاهوتيّ، في زمنٍ كانت حقوق الإنسان تكتسب مكانة أقوى في سياسات الدّول، وتسود العالمَ نزاعات ومخاوف بشأن الاستعمار وانتشار التّيّارات الشّموليّة.
في رأي المحافظين في الكنيسة، لم يكن يمكن تصوّر حرّيّة دينيّة إلّا للضّمير الشّخصيّ المستنير بما تعلنه الكنيسة شريعةً إلهيّة وشريعةً طبيعيّة، فلا خلاص خارج الكنيسة المؤتمنة وحدها على الوحي الحقّ. أمّا مَن هُم خارج الكنيسة، أي غير الكاثوليك، فلا يمكن إكراههم على اعتناق الإيمان الّذي يفترض قرارًا شخصيًّا حرًّا. لذا، يمكن التّسامح تجاه ممارسة عباداتهم، من دون توفير الإمكانيّات لهم لنشر معتقداتهم. وانطلاقًا من هذا التّفكير التّقليديّ، كان للكنيسة نظرتها بشأن دور الدّولة. فمن واجب الدّولة الّتي تعترف برسالة الكنيسة، أن تُعلن الكاثوليكيّة ديانتها الرّسميّة، وأن تسمح للكنيسة بالقيام برسالتها في حال لم تكن الدّولة تلك كاثوليكيّة. وغنيّ عن القول إنّ هذا الموقف التّقليديّ يُظهر برغماتيّة تبقى غير مبرّرة لاهوتيًّا وبعيدة كلّ البُعد عن المساواة والعدالة، إذ يبدو التّسامح المشروط ضروريًّا عندما تسمح الظّروف بذلك، والتّسامح الكامل مطلوبًا عندما لا تكون الكنيسة في موقع قويّ.
غير أنّ السّلطة الكنسيّة وجدت نفسها مدعوّة منذ القرن التّاسع عشر، الّذي شهد تحوّلات كبيرة جدًّا في أوروبّا في ما خصّ علاقة الدّول بالكنيسة، وتصاعد التّيّارات اللّيبراليّة والاشتراكيّة وأثرها على الكنيسة والمؤمنين الكاثوليك، ومن ثمّ نتائج الأنظمة التّوتاليتاريّة الحديثة الكارثيّة على البشريّة، إلى إعادة النّظر في فهمها عقيدَتها ودورها. فالأنظمة الّتي بدأت تعتنق العلمانيّة رسمت حدودًا لدور الكنيسة في المجتمع شأنَ التّيّارات اللّيبراليّة عمومًا، كما برزت تيّارات فكريّة داخل الكنيسة نفسها تدعو إلى الانفتاح على التّنوّع الدّينيّ والسّياسيّ الّذي يفرض نفسه، وعلى حقوق الإنسان الّتي اكتسبت أهمّيّة دوليّة متصاعدة في أعقاب جرائم الأنظمة التّوتاليتاريّة، والمبادئ الدّيموقراطيّة، والعمل الدّؤوب من أجل الحركة المسكونيّة، بغية تصوّر وحدة الكنيسة تصوّرًا جديدًا بعيدًا عن فكرة التّماثل ومركزيّة السّلطة. ولا يمثّل هذا الموقف مجرَّد ردّ فعل إيجابيّ على أمر واقع فحسب، بل يندرج ضمن صميم لاهوت الكنيسة الّذي ينادي بخلاص الإنسان وبحياةٍ أفضل له. لذا، يأتي البيان في الحرّيّة الدّينيّة ليتوّج مسار تغيير غير سهلٍ سلكته الكنيسة. على أنّ أهداف البيان المذكور الأساسيّة لا تنحصر في زمان صدوره، بل لا تزال صالحة وبشدّة في أيّامنا.
أوّلًا - أهداف البيان الأساسيّة
يضع آباء المجمع في الواجهة كرامة الإنسان وحقّه في الحرّيّة: "إنّ كرامة الشّخص البشريّ هي موضوع وعي الضّمير المتزايد يومًا بعد يوم في عصرنا، كما يتزايد أيضًا عدد الّذين يطالبون بحقّ الإنسان في أن يتصرّف بمحض إرادته واختياره الحرّ، وليس تحت ضغطٍ أو إكراه، مهتديًا في ذلك بما يمليه عليه الواجب" (رقم 1). وهذا الموقف يلتقي وحقوقَ الإنسان الّتي يُدرج فيها الحقّ في الحرّيّة الدّينيّة: "يُعلن هذا المجمع الفاتيكانيّ أنّ الحرّيّة الدّينيّة حقٌّ للشّخص الإنسانيّ. وهذه الحرّيّة تقومُ بأنْ يكون جميع النّاس بمعزلٍ عن الضّغط سواءٌ أتى من الأفراد أو من الهيئات الاجتماعيّة أو أتى من أيّ سلطة بشريّة، وهكذا ففي أمور الدِّين لا يجوزُ لأحدٍ أن يُكرَهَ على عمل يُخالفُ ضميرَه، ولا أن يُمنَعَ من العمل، في نِطاق المعقول، وفاقًا لضميره، سواءٌ كان عمله في السّرّ أو علانيّةً، وسواءٌ كان فرديًّا أو جماعيًّا. وهو إلى ذلكَ يُعلنُ أنّ حقّ الحرّيّة الدّينيّة متأصِّل في كرامة الشّخص البشريّ نَفْسِها، كما ورد ذلك في كلام الوحي الإلهيّ وأوضحه العقلُ نفسه. وفي إطار النّظام القانونيّ للمجتمع يجب أن يُعْتَرَف بحقّ الشّخص البشريّ هذا في الحرّيّة الدّينيّة بحيثُ يصبحُ حقًّا مدنيًّا" (رقم 2).
ويفترض بالدّول والمجموعات والمؤسّسات، بما في ذلك الكنائس والأفراد، أن يعملوا من أجل نشر هذه الحرّيّة والعمل على تحقيقها: "إنَّ الخير العامّ للمجتمع هو توافر المناخ ليُصبح دافعًا للإنسان في حياته الاجتماعيّة، حتّى يصل إلى كماله الذّاتيّ بأسهل وأكمل وسيلة، وهذا يتحقَّق في المقام الأوّل بحماية حقوق الشّخص الإنسانيّ وواجباته. والسّهرُ على حقّ الحرّيّة الدّينيّة وحمايتُه يقعان على عاتق المواطنين والجماعات والسّلطات المدنيّة والكنسيّة وعلى باقي التّجمّعات الدّينيّة، ولكلّ واحدٍ منهجهُ الّذي يناسبهُ في أداء واجباته نحو الخير العامّ" (رقم 6).
لا يتّصل الأمر إذًا بالمطالبة بحرّيّة المسيحيّين الدينيّة من دون سواهم، ولا بالإقرار بهذا الحقّ لمختلف الأديان فحسب، بل أصبحت هذه الحرّيّة من حقّ كلّ إنسان، وقد باتت الكنيسة تنظر إليه بصفته كائنًا ناضجًا قادرًا على البحث عن الحقيقة، والعيش تبعًا لقناعاته ضمن حدود النّظام العامّ. وقد يتطلّب هذا التّشديد على حقّ الإنسان باتّباع ضميره إعادة النّظر في علاقة الكنيسة بالدّولة. فالكنيسة أقصت بالكامل ميلها القديم إلى فهم السّلطة السّياسيّة بصفتها ذراعَ الكنيسة في نشر الإنجيل والحفاظ على الإيمان الحقّ، ونادت بحياد السّلطة إزاء شؤون الدِّين، ودورها في الحفاظ على حقوق الإنسان: "والواجب الأساسيّ للسّلطات المدنيّة هو صيانةُ حقوق الإنسان الّتي لا يجوزُ المساس بها وحفظُها، وتحمُّلُ مسئوليّة حماية الحرّيّة الدّينيّة لجميع المواطنين بجدّية، ضمانًا لنموّ حياتهم الدّينيّة ذاتها، وذلك بما تسنّه من قوانين عادلة أو بما تتّخذه من وسائل أخرى قويّة، بحيث يستطيع المواطنون ممارسة حقّهم الدّينيّ وتأدية واجبهم في ذلك فعلًا، لكي يستمتع المجتمعُ بثمار العدل والسّلام النّابعَين من وفاءِ الإنسان لله ومشيئته المقدّسة" (رقم 6). لذا، في السّياق عينه، إذا كان ثمّة ارتباط للسّلطة السّياسيّة بدين معيَّن في ظروف خاصّة، "فإنّه لمن الضّروريّ أن تعرف هذا النّظام حقوق باقي الطّوائف والمواطنين في ممارسة دينهم من دون تمييز. أخيرًا يجب على السّلطات المدنيّة أن تسهر على ألّا تُمسَّ المساواةُ الشّرعيّة، وهي من صميمِ خير المجتمع العامّ، بين كلّ المواطنين تجاه القانون، ومن ثَمَّ لا يجوزُ للسّلطات العامّة أن تفرض على المواطنين اعتناق أيّ مذهبٍ دينيّ أو نبذ دينهم تحت تهديد القوّة في أيّة صورةٍ أو بوسائل أخرى أو أن تمنع أيّ فردٍ من الانضمام إلى أيّة جماعة دينيّة أو الخروج منها" (رقم 6).
وفي الوقت عينه، يرسم البيان حدودًا للحرّيّة المذكورة تتمثّل بحقوق الآخرين واحترام الخير العامّ: "يُمارَس حقّ الحرّيّة الدّينيّة في نطاق المجتمع الإنسانيّ، ولا بُدَّ من قواعد تُنظِّم هذه الممارسة. فممارسة أيّة حرّيّة ينبغي أن تتضمَّن مبدأ المسؤوليّة تجاه الفرد والمجتمع، وهذا المبدأ الأخلاقيّ يُلزِم كلّ إنسان أو هيئة اجتماعيّة مراعاة حقوق الغير والواجبات نحو الآخرين والخير العامّ" (رقم 7)؛ كما واحترام النّظام العامّ: "ولذا، يتوجّه هذا المجمع إلى الجميع، وبنوع خاصّ إلى مَن يحملون مسؤوليّة تربية الآخرين، ويحثّهم على إعداد الرّجال الّذين – في احترامهم للنّظام الأدبيّ، يُقدِّرونَ الطّاعة للسّلطة الشّرعيّة ويَحرصونَ على الحرّيّة الأصيلة، رجال يُقدِّرون – من خلال نور الحقيقة – الأمور بأنفسهم ويسلكون بروح المسؤوليّة الكامن فيهم ويسعون إلى كلّ ما هو حقٌّ وعدل – ويتعاونون برغبةٍ منهم مع الآخرين. فمن ثمار الحرّيّة الدّينيّة ومن أهدافها إذًا أن تكون عونًا للنّاس ليعملوا، في إحساسٍ أعظم بالمسؤوليّة، على أداءِ واجباتهم في خضمّ الحياة الاجتماعيّة" (رقم 8).
ثانيًا - التّحدّيات اللّاهوتيّة
من الأسئلة العسيرة الّتي واجَهها آباء المجمع في أثناء نقاشهم البيان في الحرّيّة الدّينيّة هو كيف يمكن الاستمرار في اعتبار الكنيسة أنّها تحمل الحقيقة، إذا سلَّمت بحرّيّة كلّ إنسان في اعتناق الدِّين الّذي يريده؟ وبكلام آخر، ما دامت الكنيسة مؤتمنة على حقيقة الخلاص ورسم الطّريق إليه، ألا يعني الابتعاد عنها ضلالًا؟ وكيف يمكنها في أعقاب مثل هذا البيان أن تُعطي المؤمنين الكاثوليك وصايا وتعاليم تتّصل بحياتهم الأخلاقيّة والاجتماعيّة؟
ليس غريبًا إذًا أن يكون البيان المذكور قد تطلَّب نقاشات مستفيضة وتسبَّب بحالاتِ شدّ. غير أنّ النّتائج تُلاقي بالكامل روحَ الإنجيل كما يُعبِّر عنها نصّ البيان نفسه. فليس في الأمر من مساومة على الحقيقة الّتي تحملها الكنيسة، ولا على دورها ودور المؤمنين: "ويجب على المؤمنين بالمسيح أن يتعمَّقوا بهمّةٍ في تعاليم الكنيسة المقدّسة، الصّادقة، لتنشئة ضميرهم. والكنيسةُ الكاثوليكيّة، وفقًا لإرادة المسيح، هي معلّمة الحقيقة، وتتمثّل مهمّتها في التّعبير عن تلك الحقيقة الّتي هي المسيح، وفي التّعليم الصّحيح للغير، وبما لها من سُلطان. فهي تُقرُّ وتُثبتُ في الوقت نفسه النّظام الأدبيّ النّابع من طبيعة الإنسان نفسها. وبالتّالي، على المسيحيّين أن يلتقوا بمن هم خارج الكنيسة في حكمةٍ باذلين جهدهم "بالرّوح القدس والمحبّة بلا رياء وبكلمة الحقّ" (2 قور 6، 6–7) لنَشْرِ نور الحياة بكلّ تصميم وشجاعةٍ رسوليّةٍ حتّى لو دعا الأمرُ إلى سفك الدّماء" (رقم 14). والمسيح نفسُه يُظهر كيف يجب العمل من أجل حقيقة الخلاص: "إنّ المسيح معلّمنا وسيّدنا، الوديع والمتواضع القلب، اجتَذَبَ الرّسلَ بصبر ودعاهم إليه، وأيَّد تعاليمه وثبَّتها بالمعجزات لِيُحرِّك ويقوّي إيمان سامعيه لا ليفرض عليهم أيَّ ضغط. أجل لقد عاتبهم لقلَّة إيمانهم – غير أنَّه ترك لله أن يُجازي يوم الدّينونة. وحين أرسل تلاميذه إلى العالم قال لهم:
".. مَن آمنَ واعتمدَ يخلُص ومَن لم يؤمن يُدان.." (مر 16، 16) ومع علمه بأمر الزّؤان في وسط الحنطة، فإنّه يأمر هو ذاته بأن يُترك الاثنان، أي الحنطة والزؤان، لينبتا معًا حتّى يوم الحصاد في نهاية الدّهر" (رقم 11). وقد سار رسُل المسيح على الدّرب نفسه، موفِّقين بين إعلان الخلاص واحترام ضمير الإنسان: "تَعَلَّمَ الرّسلُ من كلام المسيح واقتدوا به، فتَرَسَّموا خُطاه، فلم يلجأوا في فجر حياة الكنيسة إلى طرُق العنف ولا إلى وسائل الدّهاء الّتي لا تليق بالإنجيل، ليحملوا النّاس على الاعتراف به إلهًا، وإنَّما لجأوا قبل كلِّ شيء إلى قوّة كلمة الله، وأعلنوا بشجاعة تدابير الله المخلِّصة... وفي الوقت نفسه كان موقفهم تجاه الضّعفاء يتَّسم بالاحترام حتّى مَن كان منهم يعيش في ضلال، وأعلنوا أنّ "كلّ واحدٍ منّا سيُؤدّي حسابًا لله عن نفسه" (رومة 14، 12)، وأنّه مُلزَم بطاعة ضميره الذّاتيّ، واجتهد الرّسلُ دائمًا للسّير على نهج المسيح فشهدوا لحقائق الله" (رقم 11).
بات واضحًا إذًا أنّ إعلان حقيقة الخلاص لا يُفرض؛ ذلك أنّ "الحقيقة لا تُفرض إلّا بقوّتها الذّاتيّة الّتي تنساب إلى العقل بقوّةٍ ووداعةٍ متعادلتين" (رقم 1). وبالتّالي، فإنّ حرّيّة الضّمير شرط لا غنى عنه لكيما يستطيع الإنسان أن يبحث عن الحقيقة ويجدها ويعتنقها. وينتج من هذا التّأكيد أنّ الإنسان مُلزَم أن يبحث بمسؤوليّة عن الحقيقة وأن يعتنقها عندما يجدها. كما تتّضح، في ضوء التّأكيد نفسه، ضرورة حياد السّلطة السّياسيّة تجاه حرّيّة الضّمير، بمعنى أنّه لا يمكن تلك السّلطة أن تفرض أيّ حقيقة دينيّة. وباختصار، إنّ الحرّيّة الدّينيّة "حقّ لكلّ شخص بشريّ" (رقم 2).
وأعاد البابا يوحنّا بولس الثّاني، في رسالته لمناسبة اليوم العالميّ للسّلام في العام 1990، التّشديد على مضامين البيان المجمعيّ: "لا يحقّ لأيّ سلطة بشريّة التّدخّل في ضمير أيّ شخص. فالضّمير هو الشّاهد على تسامي الإنسان، حتّى في مواجهة المجتمع. لذا، فهو غير قابل للانتهاك. ومع ذلك، فهو ليس مطلقًا بحيث يوضع فوق الحقيقة والخطأ؛ بل إنّ طبيعته الحميمة تفترض مسبقًا وجود علاقة بالحقيقة الموضوعيّة، الشّاملة والمتساوية للجميع، والّتي يمكن الجميع، بل ويجب عليهم، البحث عنها. إنّ حرّيّة الضّمير تجد مبرّرها في هذه العلاقة بالحقيقة الموضوعيّة، بصفتها شرطًا ضروريًّا للبحث عن الحقيقة الجديرة بالإنسان، وللتّقيّد بالحقيقة بعد معرفتها بشكل كافٍ" .
استنتاجات
ممّا لا شكّ فيه أنّ البيان المجمعيّ يُقدِّم فهمًا معاصرًا لموضوع الحرّيّة الدّينيّة في ضوء التّطوّرات الإنسانيّة الحديثة، والمسائل الأخلاقيّة الأساسيّة الّتي تطرحها تلك التّطوّرات. وهو يسمح للكنيسة، أوَّلًا، بأن تجدِّد شهادتها للحقيقة الّتي تحملها على نحوٍ يخاطبُ ذهنيّة العالم المعاصر ومتطلّباته وحاجاته، ولا سيّما حقوق الإنسان الّتي تعمل الكنيسة والعديد من الكاثوليك في سبيلها بالتّعاون مع قوى مجتمعيّة ودينيّة أخرى تؤمن بتلك الحقوق. ومن ثمّ، في الوقت نفسه، يُسلِّم هذا البيان بواقع العالم التّعدّديّ، من دون أن يعني ذلك المساومة على الحقيقة الّتي تؤتمن الكنيسةُ عليها، ألا وهي "أنّ الدّيانة الحقيقيّة الوحيدة تقوم في الكنيسة الكاثوليكيّة الرّسوليّة الّتي عهد إليها السّيّدُ المسيح بمهمّة نشرها بين جميع الأمم" (رقم 1). فالتّمسّك بالحقيقة لا يعني أبدًا رفض الآخر أو إدانته أو مجادلته؛ بل هي تقع ضمن واقع تعدّديّ يفترض الاحترام والتّعاون الصّادق من أجل عالم تسوده العدالة والسّلام. فالكنيسة تدرك أخطاء الماضي في هذا الشّأن، وتعترف بها، وتستخلص العِبر منها: "قد وَجدت أحيانًا في حياة شعب الله على الأرض، وأثناء تقلُّباتِ التّاريخ البشريّ، أساليبَ في السّلوك لا تتَّفِقُ دائمًا وروح الإنجيل بل تُخالفه. إلّا أنَّ الكنيسة برغم ذلك لا تفتأ دائمًا تعلِّم أنّ الإنسان لا يُكرَهُ على الإيمان كرهًا" (رقم 12).
وغنيّ عن القول إنّه إزاء الأوضاع البشريّة الرّاهنة، ولا سيّما عندنا في الشّرق، الّتي تشهد تصاعد التّيّارات والأحزاب السّياسيّة والدّينيّة المتطرّفة، فضلًا عن تطوّر تقنيّات التّواصل في مناخ العولمة الّتي تؤدّي، في الوقت نفسه، إلى ترابط الشّعوب والمجتمعات، وتوسيع مخاطر المواجهات العقائديّة المختلفة، يحافظ البيان المجمعيّ على أهمّيّته بصفته مصدرًا يُلهم أصحاب النّوايا الصّالحة تحاشي الانزلاق في الإيديولوجيّات المتنوّعة، ويحثّ على التّنافس من أجل الخير والسّلام.
الأب صلاح أبو جوده اليسوعيّ: النّائب الأوّل لرئيس جامعة القدّيس يوسف وعميد كليّة العلوم الدّينيّة في الجامعة نفسها.
ثبت المراجع
• Collectif, La liberté religieuse dans le Judaïsme, le Christianisme et l’Islam, Paris: Editions du Cerf, 1981.
• Hamer (J.) et Congar (Y.) (Dir.), La Liberté religieuse: déclaration ‘Dignitatis humanae personae’, Paris : Editions du Cerf, 1967.
• Murray J.C. et al., La liberté religieuse, exigence spirituelle et problème politique, Paris: Centurion, 1965.
• https://www.vaticannews.va/fr/vatican/news/2020-06/dignitatis-humanae-liberte-religieuse-pape-concile-vatican-ii.html
• https://www.persee.fr/doc/rscir_0035-2217_2000_num_74_2_3532
• https://www.vatican.va/archive/hist_councils/ii_vatican_council/documents/vat-ii_decl_
19651207_dignitatis-humanae_ar.html
• https://www.vatican.va/content/john-paul-ii/fr/messages/peace/documents/hf_jp-ii_mes_
08121990_xxiv-world-day-for-peace.html#:~:text=En%20cherchant%20ensemble%20la%20v%C3%A9rit%C3%A9,selon%20le%20dessein%20de%20Dieu
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق