article_cover_image
author_article_image

الأب غي سركيس

اللاهوت والجمال. مداخل عقائديَّة


بعد أنْ احتلَّ الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ مركز الريادة عند نشره كتابًا في اللغة العربيَّة عن علاقة المؤمن بالبيئة (أوراق بيئيَّة، دار المشرق، ٢٠١١)، ها هو يقدِّم إلينا الكتاب الأوَّل الذي يُكتب بالعربيَّة عن موضوع الجمال في اللاهوت المسيحيّ (ص. ٨). هو، في آنٍ واحد، عن "لاهوت الجمال"، أي المسار الذي ينطلق من الجمال الحسِّيّ ليرتقي تدريجيًّا إلى الألوهة، منبع الجمال؛ وعن "جمال اللاهوت"، أي المسار الذي ينطلق من حقائق الإيمان والعقائد للتوجُّه غوصًا نحو العمق، فيتخطَّى مستويات الحرف والرمز متقرِّبًا من الألوهة (ص. ٧). ركَّزت الكنيسة سابقًا على الحقيقة (العقائد) والخير (الأدبيَّة)، إلى أنْ تعمَّق لاهوتيُّو الغرب ابتداءً من القرن العشرين بأبعاد الجمال ومكانته في الحياة المسيحيَّة في عالمٍ فقد روحَه واستحوذ عليه التلوُّثُ البيئيّ وهيمنةُ المال والإفراطُ في الاستهلاك.

يتألَّف الكتاب من مداخل شيِّقة، نسلسل بعضَها مُشيرِين إلى بعض الأفكار والاستشهادات الجذَّابة، فالكتاب يتميَّز في مضمونه وصياغته. يستهلُّه الكاتبُ بالجمال الحسِّيّ، كما ورد في الكتاب المُقدَّس الذي تبنَّى الأسلوب الشعريّ، إذْ لم تكن الغاية منه "إعلام العقول بل تغيير القلوب" (ص. ١٨)، موصيًا ببناء الهيكل وارتداء الكهنة الملابسَ المصمَّمة لإضفاء الجمال لأنَّ "الجمال بنظر الله لا يرتبط بالفعَّاليَّة بقدر ما يرتبط بالمجَّانيّة" (ص. ١٤). ويتوسَّع بتأثير الفلاسفة أفلاطون وأرسطو وأفلوطين على اللاهوتيِّين المتألِّقين، فشدَّد الأوَّل على ارتباط الجمال بالحبّ، والثاني على الغاية من الجمال للاستدلال على الواحد، والثالث على تفوُّق الجمال الذي يهب نفسه بلا انقطاع من دون أنْ ينقص (ص. ٢٦-٣٤). ثمّ يتوسَّع في جمال النصِّ المقدَّس والخطاب اللاهوتيّ لتأكيد "عدم إمكانيَّة الفصل بين الشكل والمضمون" (ص. ٣٩) وضرورة الانتقال من الرغبة في فهم الحقيقة عن الله إلى الالتقاء به. ويتعمَّق في جمال علاقة أقانيم الثالوث في فكر أوغسطينوس وبونافنتورا، وفي جماله في التدبير الخلاصيّ في كتابات الواعِظ جوناثان إدواردز، فتجسيدِه في حياة المؤمنين إذْ "مَن يتأمَّل الجمال يصبح جميلًا"
(ص. ٨٦) ويجمِّل العالم الذي يعيش فيه. يذكر أيضًا عناصر الجمال في الخليقة وهي "مثل كتابٍ عظيم يخبرنا عن عظمة الله وجماله" (ص. ٩٥) متأمِّلًا في رواية الخلق، وفي جمال الإنسان المخلوق على صورة الله المتميِّز بالسموِّ والكرامة والمسؤوليَّة، مقدِّمًا قراءة أنثروبولوجيَّة عن الجمال الأصليّ، المفقود والمُستعاد. ثمَّ يتوقَّف عند جمال الابن في تجسُّده الذي ألغى المسافة بين الألوهة والبشر
(ص. ١٣٨)، فاكتشفنا فيه حقيقة كياننا؛ وعند جماله على الصليب الذي هو من فئة الجلال فيه "يضمُّنا إلى حياة الثالوث الداخليَّة" (ص. ١٧٣)؛ وعند جماله في قيامة جسده الذي احتفظ بعلامات جروحه، وتمتَّع بخصائص جديدة هي "التألُّق، والرقَّة، وخفَّة الحركة، وعدم التأثُّر" (١٨٧). يختتم الكاتب الجولة بالغوص في جمال الروح القدُس الذي يُجمِّل حقيقة المسيح ويُحييها ويكشفها ويمنح المحبَّة والوَحدة.

مؤلَّف رائد، يستمتع القارئ وهو يتمعَّن بصفحاته. استشهد فيه الأب حلَّاق بمفكِّرين كبار كأيدان نكيولز، غيرهارد فون راد، هانس أورس فون بالتزار، نيكولاس برداييف، شارل جورنيه، إيمانويل كانط، وهاري لي. كما قدَّم في الملحق وثائق كنسيَّة للبابوَين يوحنَّا بولس الثاني وبنديكتوس السادس عشر وللمجلس البابويّ للثقافة. أخيرًا تعهَّد بطرح كتابٍ ثانٍ يتناول فيه لاهوتيِّين تحدَّثوا عن الجمال
(ص. ٨)، ونحن بانتظار الوفاء بالوعد.



العقيدة المسيحيَّة

الأب سامي حلَّاق اليسوعيّ

اللاهوت والجمال. مداخل عقائديَّة

ط.1، 328 ص. بيروت: دار المشرق. ٢٠٢٤

ISBN: 978-2-7214-5673-1





  الأب غي سركيس: حائز درجة الدكتوراه في اللاهوت من الجامعة اليسوعيَّة الغريغوريَّة الحبريَّة (روما). أستاذٌ محاضر في جامعتَي القدِّيس يوسف، والحكمة. وهو كاهن في أبرشيَّة بيروت المارونيَّة. له مجموعة من المؤلَّفات الدينيَّة والتأمليَّة والفكريَّة في اللاهوت المسيحيّ، وحوار الأديان والحوار الإسلاميّ المسيحيّ، وبعضها من إصدار دار المشرق (نوبل للسلام... لمن؟، أؤمن... وأعترف، قراءة معاصرة في الإيمان المسيحيّ، وإيمان في حالة بحث-  النشاط اللاهوتيّ في المسيحيَّة، ودروس من الهرطقات، وحديثًا، البابا فرنسيس «صاحب الفطنة والسذاجة» جولةٌ في فكره اللاهوتيّ).

[email protected]


تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق