article_cover_image
author_article_image

الأب غي سركيس

البطريرك الدويهي منارة ليتورجيَّة. دراسة تحليليَّة


في هذا الكتاب، يهدف الراهبُ ومدير المعهد الفنِّيِّ الأنطونيِّ، مُؤسِّس نقابة الإيكونوغرافيِّين في لبنان ورئيسها، شربل بو عبُّود، إلى تحليل بنية البطريرك إسطفان الدويهي الفكريَّة واللاهوتيَّة والفلسفيَّة (ص. ١٥)، وإلى مقاربة شخصيَّته من زاوية هويَّته الليتورجيَّة (ص. ٦٣).

يتألَّف الكتاب من فصولٍ ستَّة عشر، إلَّا أنَّه يتكوَّن من محاور أربعة ومُلحقٍ، بالإضافة إلى المُقدِّمة والخاتمة. في المحور الأوَّل (الفصلان: الأوَّل والثاني)، تعمَّق المُؤلِّفُ في مفهوم "الليتورجيا" في فكر البطريرك الدويهي، مُستنتِجًا أنَّها أكثر من طقوسٍ خارجيَّة، لا بل هي "التعبير الحيُّ عن إيمان الكنيسة" (ص. ١٩) و"امتداد فعَّال لتدبير الخلاص" (ص. ٢٣)، و"مسيرة روحيَّة تهدف إلى تقديس الإنسان" (ص. ٢٨)، و"حاملةُ اللاهوت" (ص. ٣٢) من خلال تعليم العقيدة وحماية الإيمان من الانحراف؛ ثمَّ يُلخِّص مضمون كتاب منارة الأقداس في جزئَيه الأوَّل والثاني، حيث يشرح البطريرك أجزاء القُدَّاس وصلواته واللباس الكهنوتيّ، مُشيرًا، مثلًا، إلى أنَّ الكاهن المُحتفِل بالأسرار "لا يرتدي اللباس فحسب، بل يدخل حالةً جديدة، فلِبْسُ الحُلَّة ليس لتزيين الجسد، بل لتقديس الخدمة وإعلان السرّ" (ص. ٤٩).

في المحور الثاني (الفصول: الثالث حتَّى الثامن)، توقَّف عند المحطَّات الخمس الأساسيَّة في تنشئة البطريرك الدويهي الليتورجيَّة: من المنزل الوالديّ، إلى الدراسة في روما التي نشَّأته على فهم الطقوس وتحليلها والتأمُّل بها منهجيًّا، وعلى ثبات قناعاته بأنَّ الإصلاح الليتورجيَّ في جوهره إصلاحٌ للوعي الكنسيّ، إلى الخدمة الكهنوتيَّة في مدينة حلب، حيث انتقل من التكوين النظريِّ إلى المُمارسة الراعويَّة المُباشرة، إلى الخدمة الأسقفيَّة في أبرشيَّة قبرص حيث وزَّع الأسرار وعلَّم العقائد والمبادئ، وأتمَّ الإصلاحات مُقرِّبًا بين الذاكرة والإبداع، ونظَّم الحياة الكنسيَّة مُوفِّقًا بين الثبات في المبادئ والمرونة في الاستجابة للظروف المُتغيِّرة، وإلى اعتلاء سدَّة البطريركيَّة.

في المحور الثالث (الفصول: التاسع حتَّى الرابع عشر)، توقَّف، في بادئ الأمر، على ميزات مشروع الإصلاح الليتورجيِّ في فكر البطريرك الدويهي، ثمَّ على إشكاليَّاتٍ ثلاث طُرحت في ذاك الزمن، مُحاوِلًا مُعالجتها من خلال "تفاعل ديناميٍّ بين التقليد الكنسيِّ والسلطة التعليميَّة والعقل اللاهوتيِّ التحليليّ" (ص. ١٢٩)، وكانت إحداها مسألة استعمال اللغة العربيَّة في العبادة. دافع البطريرك الدويهي عن اللغة السريانيَّة بوصفها مُترسّخة في الوعي الأنطاكيّ،ِ وحافظة العمق التراثيِّ ووعاء الذاكرة الرسوليَّة، لكنَّه في المُقابل أكَّد أنَّ اللغة العربيَّة تؤدِّي وظيفة تعليميَّة وتفسيريَّة وتجديدًا للحضور الفاعل في الزمن المُعاصر، فجمَع بين الأمانة للتقليد والوعي بمُتطلِّبات الواقع التاريخيّ (ص. ١٥٥).

في المحور الأخير (الفصل الخامس عشر)، ذكر أنَّ البطريرك الدويهي شكَّل علامة فارقة في تاريخ الليتورجيا المارونيَّة، فأصبحت مؤلَّفاته نقطة ارتكاز، ولحظة انعطاف حاسمة في التاريخ الطقسيِّ المارونيّ، فبفضلها انتقلت الكنيسة المارونيَّة من "الزمن الطقسيِّ المُتعدِّد" إلى "الزمن الليتورجيِّ المُنظَّم" (ص. ٢١٦). وكان هذا الفصل بمثابة مُلحقٍ لسيرة حياة البطريرك الدويهي.

يُساهِم كتاب الراهب شربل بو عبُّود في التعرُّف على مفهوم الليتورجيا في فكر البطريرك إسطفان الدويهي وإلى المحطَّات المؤثِّرة في هذا الفكر. إنَّه كتابٌ غنيٌّ للراغبين في التعمُّق بأهمِّيَّة الإصلاحات الليتورجيَّة التي أتمَّها هذا "البطريرك الكبير" فشكَّل مُنعطفًا أساسيًّا في تاريخ الكنيسة المارونيَّة. كما قدَّم المُؤلِّف الكثير من الأمثلة والنماذج لتوضيح الأسس التي اعتمدها البطريرك الدويهي في تحاليله واقتراحاته وقراراته. اتَّصفت اللغة بالبساطة والدقَّة، واتَّخذت وجهًا شعريًّا جذَّابًا. تكرَّرت بعضُ الأفكار، ولكن باعتدال، فأتت بمثابة تذكير.

ونراه يُكثر "أسلوب الاستدراك والإضراب" (ἐπανόρθωσις, epanórthōsis)، أي العبارات المبنيَّة على الشكل الآتي: "ليس... وحسب؛ بل هو..."؛ أو "لم يكن مُجرَّد...؛ بل كان"، فانخفضت فعَّاليَّتُها لدى القرَّاء. وربَّما كان من الأفضل توزيع الكتاب على المحاور التي عرضناها بدل تقسيمها إلى فصولٍ ستَّة عشر، بخاصَّةٍ أنَّ بعضها لم يتجاوز الصفحات الأربع.

في الختام، أقترح الفقرة الآتية ليتمكَّن قارئ الكتاب من تذوُّق مضمونه، وتلمُّس أهمِّيَّة الليتورجيا في الحياة المسيحيَّة: "الليتورجيا هي المكان الذي تتقاطع فيه الأنطولوجيا والذاكرة، والرمز والحضور، والتقليد والإصلاح، والهويَّة والانفتاح. لقد فهم العبادة بوصفها فعل الكنيسة المؤسِّس لذاتها، حيث يتجسَّد الإيمان في زمنٍ خلاصيٍّ دائم، وحيث يتحوَّل التاريخ إلى مسرح حضور الله" (ص. ٢١٨).




 

شربل بو عبُّود

البطريرك الدويهي منارة ليتورجيَّة.
دراسة تحليليَّة

ط.1، 228 صفحة، بيروت: دار المشرق، 2026

ISBN: 978-2-7214-5703-5




تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق