Photo by Charles Constantine

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور سمير الخوري*

التعليم رسالة تسييد الأنسان من التلقين والإلزام الى التمكين والإلتزام

  1. - التعليم عملية  تشاركية: من التنصل الى التضامن
  •  إسهام مؤسسات المجتمع
  •  طبيعة الإسهامات المجتمعية
  •  النظرة الإجتماعية الى الإنسان
  1. - المعلّم: مهمة الأنفس الأنيقة.             من الفوقية الى المعية
  •  عقدة إبراهيم أم  التعاطف الرحيم ؟      خفاشية / أم خدمة
  •  توصيف المعلم
  •  تقويم دور المعلم
  •  التربية على الخوف  أم على الحرية ؟
  1. - المتعلّم: دينامية الترقي: من التبعية الى الإستقلالية
  •  إنسان محبط ام مقايم؟
  •  إنسان خائف مرتبك أم حر واثق؟
  1. - التعليم فعل أنسنة الثقافة: من الإنهزام الى الإقدام
  •  تنشئة على التشرنق أم على الإلتزام
  •  إشاعة الغش أم  تعميم الصدقية ؟
  •  تطبيع العنف أم بناء المسالمة ؟
  1. - التعليم ثقافة شعب لا ثقافة سلطة

التعليم رسالة تسييد الأنسان

من التلقين والإلزام الى التمكين والإلتزام

تمهيد أفهومي

يجري التعليم enseignement، بمعناه العام، على عمليات  تداول المعرفة savoir والمعلومية connaissance . ويمكن تصنيفه، وفق ميدانه وطبيعته، الى مستويات عدة، تتراوح ما بين التعليم البسيط الإبتدائي، وصولا الى ذاك العالي المتخصص، ينقله، تراتبياً، معلّم enseignant عارف به، الى متعلّم يتطلبه ويسعى اليه، ضمن مؤسسة مبتكرة او نظامية، إكتملت بنيتها، عبر تاريخ المجتمعات الثقافي،  هي المدرسة او ما يحاكيها.

يضم التعليم، مهما كان مستواه وصنفه وميدانه، قطاع التعلّم apprentissage ، وهو قطاع يكتنز تكنيات تجري على مجموعة من الأواليات، تصب كلها في عمليات إكتساب المعرفة والمهارات العملية، يقوم بها مدرّب  apprenantكفوء تجاه متدرب يتأهل للتمكن منها. يستعين المدرب، في حسن أداء مهامه، بسلسلة من نظريات التعلّم، أهمها : المحاكاة، والترابط، والترداد، والتجربة، والتفسير...

يلتقي التعليم والتعلم، على مشترك أساسي،  قوامة التراتبية الهيرركية، في نقل المهارات المعرفية المعلومية، في خط سير أحدي الإتجاه: من مطلع عليها الى جاهل بها.  ويتمثلا مستتلياته، فيما خص: مسوغات  النقل، وضبطه، وتقويم  إستيعاب متلقيه. بهذا المشرك وتلك المستتليات، يتمايز التعليم عن التربية.  كما تظهره مقارنات الجدول -1-

  1. التعليم. يجري التعليم على مضامين  حيادية، مقرونة ببراهين عقلية ثبوتية،  تنقل عامودياً بإتجاه واحد، تحققها منظورية هندسة مقاعد صف الدراسة. المهم نوعية علم المعلم لا شخصه. قدرة المتعلم على إستيعاب المعرفة وهضمها لا خياراته. طابع التاثير التعليمي، هنا، هو معياري، نمطي. يبقى على السلطات العامة تحقيق ديموقراطية التعليم عبر تأمين كلفة التعليم والزاميته.
  2. التربية. بالمقابل، تطال التربية  شهادة عيش القيم، يشير اليها المربي،  ويكشفها، كفعل خيار وثوقي إعتقادي، يعرضه أفقياً، أمام المتربي مريدِه، كما بين متساوين أمام القيمة إياها. المهم شخصية المربي قبل حكمته، وشخص المتربي قبل خبرته. وتبقى، في الحالتين،  صدقية الملتزم وجدية إلتزامه،  هي رافعة الرقي الإنساني. يتخذ التأثير هنا طابع التأثير المعرفي القيمي الحياتي الحر. يتعين على الدولة ضمان حق المواطنين في خيار فلسفة  التربية على القيم.  من المؤكد أن كل تعليم  يتضمن حيزاً من التربية، كامناً فيه، وكل تربية تستدعي قسطا من التعليم ملازم لها. 

جدول -1-  مقارنة تواصل التعليم والتربية بحسب خصائص كل منهما

أيكون التعليم عملية تشاركية بين مؤسسات المجتمع، إم تراه عملية ستف  معارف أُخذت من مسارب مختلفة ؟  أيبقى المعلم متحصنا بالفوقية المؤسسية، أم تراه يتجلى بالمعية التفهمية ؟ أعلى المتعلم الإمتثال  والإتباع أم تراه ينفذ الى التملص والإستقلالية؟ أيستمر التعليم عمليات إستنساخ  وإجترار ونقل، ام يتحول عملية إبداع ونقد وعقل؟

1 - التعليم عملية  تشاركية: من التنصل الى التضامن

1-1- درجة إسهام مؤسسات المجتمع

تتضافر، لحسن قيام الكائن البشري بفعل تقرير مصيره، عوامل ثلاثة، متفاوتة القوة الفاعلة، ومتقلبة الأولة، في حسم أمر الرؤيا والرؤية، (رسم -1- لوحة -1-)، هي: خيار الذات، ومؤثرات المحيط الإجتماعي الثقافي، وطبيعة الموروث الحياوي. يمكن رصف  هذه العوامل في سلم التخيير/ التسيير، ما بين الحتمية القاهرة، الخاصة بالموروث الحياوي الجيني والوراثي، ذاك المعطى للفرد بمجرد ولادته بفرادة تكوينه البيولوجي الموصوف. وصولا الى مِكنة الشخص في صناعة قراره الحر، بهدف تقرير مصيره ، مروراً بمحتملية تسهيلات، منشطة او لاجمة، يوفرها المحيط الثقافي للفرد: فالموروث الطبيعي ليس قدراً: أنه يعرض ذاته كمحدودية، بقدر ما  يختزن  من طاقات كامنة  تنتظر حسن إبرازها وتوظيفها. وكذلك الثقافة، فهي ليست سجنا خانقاً: إنها إرث هائل، تراكمت فيه تقاليد الأجداد المكتسبة، تلك التي، إن صُنّمت وقُدسنت، أقعدت الفرد وسطّحته، شأن حالة مجتمعات الإنغلاق، المحافِظة الأصولية الماضوية.ن المجتمعات المغلقة السلفية  وإن تنسبنت وتطورت، وفرّت للفرد أمكانية إنطلاقته بها وتحرره، شأن الحال في مجتمعات الإنفتاح والحداثة والأصالة والمستقبلية. أما فعل إرادة الفرد في التفكير والتقرير والتدبير، فهو رهن نضجيته وإستقلاليته، إما أنه خارجاني external، فيسيّره الآخرون مغمض العينين، ويسْرون به كما القاصر، إذ يقعدونه بالموروث الحياوي، ويعلبوه بالموروث الثقافي. وإما أنه داخلاني  internal، يختبر بنفسه، ينظر، ويختار (راجع جدول-7-) يحوّل الإعاقات  وقود طاقة ناشبة، ويحوّل معلبات الثقافة، منصة تحرّر وإنطلاقة.          

رسم -1- مقومات فعل تقرير المصير

 

http://www.darelmachreq.com/imageissues/v7/sk/b1.jpg

يمكن إفراد  ثلاثة  مؤسسات أساسية في  سياق عملية التعليم (أنظر رسم -2- لوحة1]، التي يتأثر بها الإنسان عبر مراحل حياته، هي: العيلة، والمدرسة، وسائر المؤسسات المجتمعية [ الجيرة، القربى، الحي والشارع، الرفقة، البيئة، الدين، الحزب، السوق، المشغل، السلطة السياسية...]. لكل من هذه الثلاثة  دوره وثقل تأثيره  في تكوين الشخص، وعمق هذا التأثير، وإستدامته... بعملية تثقيل إحصائي مناسبة، إستنادا الى وقائع أبحاث ميدانية، يصح إيلاء الأولة، بشكل تنازلي، الى العيلة [مؤسسة متحدية اولية حياتية] فالمدرسة [ مؤسسة ثانوية منظمة]  فالمجتمعيات [مؤسسات معقلنة منتظمة ترشيدية]. يظهر الرسم -2- لوحة -2-  درجة إسهام مؤسسات المجتمع الثلاثة في عملية التعليم، محتسَبة بالنسب المئوية، على الشكل التالي:

رسم -2- درجة إسهام  مؤسسات المجتمع الثلاثة في عملية التعليم

 
  1. العيلة.

تشكل العيلة بمجمل تقاطع إسهاماتها مع سائر المؤسسات، العامل المؤثر الأول في عملية التربية، يوازي [80/(6+9+10+7) ] =40 % من مجمل المؤثرات. يعادل وقع العيلة بمفردها (6%) ضعف وقع المدرسة (3%). وستة أضعاف سائر المجتمعيات. حيثما تتعارض الخيارات والمرجعيات القيمية، فالتأثير الأقوى  يعود للعيلة

  1. المدرسة.

تتمتع المدرسة بسائر تقاطعها مع إسهامات المؤسسات الأخرى، بما نسبته 32% من مجمل التأثيرات. تفوق نسبة تأثيرها التعليمي ثلاثة أضعاف المجتمعيات. على أن تأثير المدرسة والمجتمعيات معاً (1+3+4=8%) يفوق، نظريا، ما للعيلة منفردة، من تاُثير .  يفوق وقع المدرسة والعيلة مجتمعين (18%)، وقع المدرسة والمجتمعيات معاً (14%) ووقع المدرسة والمجتمعيات معا (8%)،

  1. المجتمعيات.

للمؤسسات المجتمعية  بمجملها، ثقل يوازي 28% من التأثير التعليمي. فما من مؤثرات توفرها المجتمعيات، أو تتسبب بها [أنشطة، أشرطة، أفلام، تسالي، معلومات، منبهات، تواصليات رقمية او الكترونية...] تكون سلبية او مضرة او مفسدة او حيادية ، إن  تلقفتها العيلة، والأبوان تخصيصاً، وواكبا  بنيهما، في حسن مطالعتها،  وفهمها، والتعامل معها وتأجيب  positiverالخيّر فيها.

يمكن القول  بأنه: بمقدار ما تتلاقى مؤسسات المجتمع الثلاثة، على  التشارك سوية، كل من موقعها وميدانها، في بناء الإنسان الحر المستقل، وبمقدار ما تسترشد، في عملها، بالقيم العليا  إياها، بمقدار ذلك، يتم النجاح في عملية التعليم، وتتكلل بالفرح الروحي، لكل من المعلم والمتعلم وللجماعة، على حدٍ سواء

1-2-  طبيعة إسهام مؤسسات المجتمع في عملية التعلّم

لكل من مؤسسات المجتمع الثلاثة، خصائصها المميزة، في عملية التعليم، التي يتلقاها الإنسان، (أنظر الجدول -2-)، تغنيه، ويغنى بها. ويروح يؤآلف بينها، بتركيب شخصي  فريد، به يمايز نفسه، يتموضع، ويتعامل مع الآخرين، فعلاً وإنفعالاً.

جدول -2- طبيعة مهام مؤسسات المجتمع الثلاثة في عملية التعليم

العيلة:

تشكل العيلة مساحة حميمة، فيها يكشف الإنسان عن بعض خصوصياته، دونما إجتياحية لحميمية كُنه معبد ضميره، ويكتشف هويته الجنسية والشخصية في دينامية إنتمائه المتحدي الى عيلته ومجتمعه وقومه. إنها ميدان أيديولوجيا التنشئة والنماء معاً. يشيع فيها البعد العلائقي  العاطفي الممهور بمجانية الحب، وبشفافية المحبوبية، وبالتعاطف الأخوي. هنا يتدرب الإنسان على  صناعة الحكم القيمي والأدبي، ويكتسب  الحكمة، وحسن التصرف. تقوم مهمة العيلة، الجوهرية، على شخصنة الإنسان، وعلى تذهينه بفرادته، وبكرامته الإنسانية، وبحريته الكيانية، التى توهله  للنضوج الشخصي، وحسن تقرير مصيره، سيد ذاته. 

  1. المدرسة:

تشكل المدرسة مساحة خاصة محددة المعالم، تتحرك بمنطق  تكنولوجيا التعليم والتدريب، وإكتساب المعلومات والعلم. فيها يتدرج العقلاني لإدراك المعرفي، والتأهل لتحويل المعلومات الى  معرفة مفيدية. توفر المدرسة  أدوات الفهم، والتمرس بالتفكير المنطقي.  تقوم مهمة المدرسة الأساسية على أنسنة علاقات الرفقة والزمالة، مقدمة لأنسة العلاقات الإجتماعية، المتعلقة بالفرد، إنطلاقا من تحصيله  القدرة على المبادرة والتعاون، وروح المسؤولية،  روح الفريق، وسياق التفاوض،  وتدجين العنف، ومأسسة فض النزاعات،  والإلتزام، والإحترامية، والوعد/التنفيذ،...

  1. المجتمعيات:

تشكل المجتمعيات، دوائر الساحة العامة، المتلاصقة والمتداخلة في إختصاصاتها. يتلاقي فيها الناس ويتعاونوا وفق هندسة  إستراتيجية لصناعة تاريخهم المشترك، وتحصيل ترقيهم في سلّم الحضارة. يشترعون ويمشرعون، يخططون ويبرمجون ويمرحلون، وفق قوانين ونظم، يبدعونها ويطورونها الى ما لا نهاية. وفيها يكتسبون الخبرات المؤهلة  لقيادة الجماعة، ولإدارة  المؤسسات العامة، من اجل تحقيق الذات معا بالتساوي والتكافل على المستوى السياسي. تصب مهمة المجتمعيات في بناء  المواطنة، وإرساء الديموقراطية التشاركية، بأخلاقية الحرية وبأدوات السلام، من أجل تسييد الإنسان على عالمه، وفي عالمه، في الساحة العامة وقد أضحت مساحة تعددية، عالمانية laïcité  المنحى، إنسانية المشرب، إنفتاحية الحركة، 

يمكن القول، بأنه: بمقدار ما تقوم كل من مؤسسات المجتمع هذه الثلاثة، بمهامها الخاصة بها، في شخصنة الفرد، وأنسنة المجتمع، ومواطنة الإنسان، وبمقدار ما  تُعدّ الإنسان ليصبح مواطناً مثقفاً منتجاً ومشاركاً، وبمقدار ما تؤهله  للتعامل الإحترامي الديموقراطي، بمقدار ذلك تصون بنيان المجتمع العالماني، وتسرع سلامة التطور الثقافي والتطوير الحضاري، لخير الجميع، أفرادا وجماعات ومتحدات.

1-3- مقارنة النظرة الى الانسان في مؤسسات المجتمع وفي العيلة

تتلاقي كل من مؤسسات المجتمع، بما فيه المدرسة، من جهة، ومؤسسة العيلة من جهة مقابلة، في التأثير على المتعلم، وإن بدرجات متباينة. وقد  أبانت مجمل الأبحاث الميدانية وتلك العيادية،  أن للعيلة التأثير الأقوى والأعمق.  فهل تتشارك المؤسسات في النظرة إياها الى إنسانها؟ وما أهمية فارقية  النظرة هذه؟  تظهر معطيات الجدول -3-، فارقية التعامل مع الإنسان في هذين الصنفين من المؤسسات: العيلة وسائرالمجتمعيات

  1. العيلة:

تعطي العيلة الأولة لشخصنة  الفرد، ولنماء شخصه ولنضوج شخصيته، بصرف النظر عن واقع مؤهلاته ومحدودية قدراته وخسعية مقدراته. أنها تهتم بكلية الإنسان من حيث هو إنسان. تنضج إنسانيته بحبها لذاته. تميزّ بين الفاعل وفعله: تحب شخص الفاعل دون قيد، وتحكم على فعله. لا ترزله بسبب فعلته. إنه  مميز لديها، لا بديل عنه ولا عديل له. يتفارح الكل معاً في العيلة. يتصارحوا. يتحاننوا. يتصالحوا. يتخادموا  ويتشاكروا. هدف العيلة بناء هوية الفرد وتثبيت إنتمائه المجتمعي. وغايتها بناء شخص راشد حر سيّد مسؤول

  1. المجتمعيات:

تولي مؤسسات  المجتمع الأولة لقدرة الإنسان على العمل، بمحتكم إنتاجيته ومردود ربحية نشاطه. تهتم لمهارات الفرد، في عملية منافسة باردة لاشفقة فيها ولا رحمة، ولا فرصة ثانية. تنمي كفاآته المهنية. وإلا إستبدل  العامل بأفضل منه. أنه مجرد رقم في الآلة الإدارية  الإنتاجية. هدفها إعداد  فرد منتج ناجح ،  وغايتها ربحيتها من كفأته على  العمل.

جدول -3- فارقية التعامل مع الإنسان في مؤسسة العيلة ومؤسسات المجتمع

ما من داعٍ يبرر تبادل الأدوار بين العيلة والمؤسسات المجتمعية او تسطيحها او تعطيل اي منها . ومن الخطاء الإعتقاد بإمكانية القضاء على علائقية العيلة، لصالح  عقلانية سائر المؤسسات [ كذا فشلت  توقعات  جمهورية أفلاطون في تهميش العيلة وتفريغ  مضمونها، في العصر القديم، ومثله سقطت مشرعات الشيوعية في إزالة مؤسسة العيلة كإحدى أهم مخلفات الفكر  البورجوازي، في العصور الحديثة]. يصح القول، بأنه، بمقدار ما تشعر العيلة بنيها، علائقياً affectivement،  بمحبوبتها لهم ولذواتهم، وتؤهلهم للتعاطف مع الآخرين، وبمقدار ما تدرب مؤسسات المجتمع ناسها، عملياً وعملانياً  effectivement،  على إنضباطية  العمل المهني، وجدية أدائه، بمقدار ذلك تتم عملية التعليم بفاعلية وبسلام مجتمعي، يرادف  دمقرطة المجتمع، وترسيخ المواطنة في دولة الحق.

بمقدار ما يتعقلن التشارك بين المؤسسات الإجتماعية لحسن أداء  عملية التربية، وبمقدار ما تنتظم الجهود الهادفة الى إيجادة نوعية التعليم، بمقدار ذلك، يتم التحوّل من  واقع التنصل والتنكر الحاصل بين المؤسسات، وبخاصة بين العيلة والمدرسة، المؤدي الى بعثرة  الطاقات وهدر الجهود  وضياع الأكلاف والوقت، الى موقع التضامن والمعنية الآيل الى تفعيل إستنهاض  العزائم، بروح الإستقلالية والإنتمائية في آن، والى ترقي المواطن ومجتمعه، والى تسريع إستقدام الممستقبلات      

2 - المعلم: مهمة الأنفس الأنيقة.  من الفوقية الى المعية

يعتبر المعلم، الركن الأساسي في مؤسسة التعليم. مهنته، هى مهمة الأنفس الأنيقة، في دأبها تذهين الآخرين، بأهمية فهم الحقيقة، في كل أمر، ضناً بالسبيل العلمي اليها، وبكرامة الساعي فيها، ينتشلها من بلادة المسلمات والمسبقات، برافعة البحث الناقد. عليه يعول المجتمع وناسه، عمليا، لا لسلامة  نقل المعارف  والعلم، وحسب، بل، وقبل  هذا النقل، لحسن التواصل السوي، الذي يقيمه مع طالبي العلم، بمناسبة مدهم به وتأهيلهم له. إن التعليم بالمثل الذاتي الحي، هو إعمق تأثير من التعليم "بالحكي الكلامي". أيكون المعلم منفراً عن المعرفة  ام مشوقاً اليها؟ أيبقى بحالة فوقية، يتكرم بمعارف، يمليها على قاصرين جهلة، أم يتحول الى حالة مَعيّة تفهّمية، تسهل عليه عملية الإفهام، من أجل بث فرح المعرفة ونشر عدوى الفضول العلمي، لدى مريديه، وتذهينهم بالصدقية والمسالمة؟

2-1- المعلم: من واقع عقدة إبراهيم الى رافعة التعاطف الرحيم

بقدر ما لدور المعلم من أهمية في مؤسسة التعليم، بقدر ذلك، يترافق مع الخطر الكامن في الدور إياه،  والمتربص بشخص القائم به، يسربله كما بسترة أخوت camisole، فيها، يمتهن المعلّم الخفاشية vampirisme، أسلوب ممارسة "سلطة تعليمية"، تلتلهم عافية المتعلم، لا محالة، فيما تزغل العلاقة التربوية،  الصحيحية، التي كان من المطلوب إنماؤها، لجعل المدرسة  "مساحة نبض الحياة، وبيئة فرح  المعرفة". التعليم خدمة، لا خفاشية. هو فعل تحرير، لا فعل الينة. هو تمثُّل المسالمة لا إمتهان العنف. هو التحلي بالصدقية، لا توسل الغش والخداع.  هي حركة إبداع، لا خمول إستتباع. أنها صناعة تسييد، لاصنعة إعتباد. يتأتى الخطر الداهم، في ممارسة سلطة التعليم، من جراء تطبيع  normaliserنماذج "علاقة السلطة" ما بين أمير  ومأمور،  زعيم ومستزلم، سيد وعبد، تلك العلاقة المغلوطة  الما دون إحترامية والما قبل ديموقراطية، السارية في  مؤسسات المجتمع المشرقي. يضاعف خطر الجنوح الى التسلطية، مجرد إستنساخ هكذا تسلبط سلطاني قاهر مقعد، بعد طليه بمساحيق العقلنة التعليمية، وإدراجه في  سياق نظم المدرسة، وتبريره بها.  من المتوقع أن يسري التبرير المزعوم، هذا، مادة مقنعة، للتسليم بتسلّطنات  كل صاحب سلطة، في المجتمع [سلطة بيتية، دينية، الهية، سياسية، حزبية، إقتصادية، ثقافية...]، عوض أن تكون المدرسة، مساحة نقدية، ناقدة ومطوِّرة،  بمقتضى قيم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،  تدفع  الى مراجعة كل  نسق سلطة عنترية،  بإتجاه سلطة الخدمة الخدومة. [ من المؤسف افتقار معجم اللغة العربية الى أفاهيم concept تحسم أمر الإلتباسات العليلة ما بين السلطة كفعل سلطانpouvoir   من حيث  هي مجموعة صلاحيات حقوقية منوطة بمكانة status ما، في بنية  التنظيم المؤسسي، يمارسها صاحب السلطان بتأثير معياري  normatif إكراهي. وبين أفهوم السلطة كسلطة "أدبية" autorité، الخاصة بكل محب، يتولى مهمة إستنهاض الآخرين وتسريع بلوغية نضجهم، بتثبيت سييديتهم الحرة، يتعاطاها بتأثير معرفي cognitif . يعرض الجدول -4-  تشخيص التعليم في حفافي شوارات  الخطر، ويفرد إنموذجين لنوعية ممارسة المعلم  سلطته التعليمية هي: إنموذجية عقدة إبراهيم، والتعاطف الرحيم. إن ما يصح لتصنيف سلوكات المعلم هنا، يصح لتوصيف  ممارسة السلطة لدى كل من يتولها، في أي من مؤسسات المجتمع وعلى أي من مستوياتها.

جدول -4-  التعليم وفق سياق عقدة إبراهيم والتعاطف الرحييم

ليست عقدة إبراهيم، من حيث هي تضحية الآمر [كل صاحب سلطة]، بالمأمور، كرمى لمشروعه، حادثةً طارئة في العلاقات بين الناس، ولا هي عرضيةّ في المجتمع. إنها بنيويّة مُلازمة للسلطة. لذا، فهي لا عمريّة، بعكس عقدة أوديب المحددة بمرحلة عمرية معيّنة. تشمل عقدة إبراهيم، كل صاحب سلطة، وتصيب الجميع، إذ إنه ما من إنسان، إلا ويرى نفسه، حقيقة أو تخيلاً، صاحب سلطة ما، او ذي قدرة  او تفوّق ما، في ممارسة تأثير سلطوي معياري محدد، على  من حوله. يعامل من هم دونه مرتبة، بمقتضى عقدته الإبراهيمية الخفاشيّة، ملتهمة العافيّة. لا يتردد عن التضحية بهم، فعلياً أو رمزياً، بقدر ما يعتبرهم كعائق، واقعي أو متوقع، أو هم كمغاير خطِرٍ، يحول دون تحققيق ذاته، أو أنه يعرقل إنجاز مشروعه، أو إنه يفضح محدوديته او عجزه، بمجرد مغيايرته. لذا يحوًل صاحب السلطة مرؤوسيه، الى أضاحٍ ذبيحيّة victime sacrificielle لإنجاح مشروعه. تصلح عقدة إبراهيم، مفتاحاً تحليلياً، لمقاربة ظاهرة التسلطيّة في المجتمع العائلي، والمدني، والديني:

  1. عقدة المعلم الإبراهيمية

تفرض السلطة التعليمية نفسهاً ، سلطة طاغية مرعبة مخيفة. يرهب جانبها الإبن الإبنة، المرؤس والمأمور، التلميذ التلميذة، ويجانبها، خشية تقلبات مزاج المعلم، لغير صالحه. تجري التسلطية متمنطقة، بتأثير لها، على الآخرين، معياري الزامي إملائي. والويل للذي لا يمتثل. لها على الآخر مشروعاً ملزماً وجوباً، عنوانه الينبغيات القسرية، تبقيه بحالة رضاعة وقصور،  ولا تتيح له إتخاذ  أي مبادرة  تذكر. تفرض رؤية ورأى صاحب السلطة الذي، لضيق صدره، لا يطيق سماع الراي الآخر: لا مساءلته ولا معارضته ولا نقده. بتصرفه  هذا، يشيع التسلطي ، مساحة أحدية تأحيدية، يتقصّد قيامها، في الصف. فيها، يُكره الأخرين على الإصطفاف القطعاني وعلى الإمتثال، والدعاء له بطول العمر، والحمدلة  "لسماحته". كل دين، او تعليم او اوتعامل، يخشى حرية الإنسان، إن هو إلا إيديولوجية تسلطن وقهر، تدعي الرقي ، فيما هي تعدّ للناس، هول سجن "مقدسنٍ"...

  1. تعاطف المعلم الرحيم

يعرض المعلم ذاته، سلطة مُحِبّة متعاطفة، متفهمة خدومة. يسعى بإحترامية كلية، في التوجّه وفي الأداء. يتحسس التلميذ، ومثله الإبن والمرؤوس والحزبي والمواطن،  لطف مقاربتها، يستجيب بحب، لتقاربها المتواضع. يعتمد المعلم المتعاطف التأثير المعرفي الإقتراحي، به يستثير التزام المتعلم، ذاك الذي يتجاوب بطيبة خاطر. ليس لسلطة المعلم مشروعاً تمليه على التلميذ التلميذة. بل االتلميذ الحر السيّد والمُمَسأل، هو هو مشروع تعاطفية المعلم. حسبه الفرح بنضوجية ورشدية تلميذه، الذي أصبح له، أن يختار ويقرر مساره مسيرته ومصيره. يحرص صاحب السلطة التعاطفية الخدومة، على إقامة مساحة مجتمعية تعددية. يجهد لحمايتها ولتحصينها، بتشارك الجميع، بدءً من  الإختبارات المدرسية الصفّية، من أجل تحقيق الذات معاً، بإحترامية، تقتضيها قيم التعددية، وتستدعيها العالمانية laïcité الداعية الى تثبيت سييدية الإنسان. الحب، [مهما كان المبادر به: الله، الأبوان، المعلم، الصديق، الرفيق...] هو، في صميمه، قضية حرية: بأن يستجيب المحبوب لمُحبّه، أو ان يرفضه، فيما يبقى المُحب على حبه، دون تمنين أو إبتزاز...

يتخطى المعلم المعلمة، عقدة تسلّطيته الإبراهيمية، تلك الإجتياحية المستطغية، بقبول إستقلالية تلميذه تلميذته . وبقبول مغايرته وإندفاعه نحو تحقيق ذاته بحرية. بذا التخطي  يبلغ المعلم، شهامة  "الكِبَر" الأدبي الشخصي الفتّان. ويثبت تمتعة بالتربية الحقة (راجع  جدول -6-9- ورسم -3-) المفرحة والمحيية، له، ولتلامذته، وللمحيطين به. يحترم المعلم حرية المتعلم الناشئة ومشرعته، إحترام المتعلم له ولمقاصده. يبقى أن "حنو قلوب  الأباء على الأبناء" (ملا3/213، لو 1/17)، هو أحد أهم علامات المجيء المسيحاني، بل  وحلول الحضور الفصحي، وبلوغ حالة ديموقراطية التواصل. يمكن القول، بأنه: بمقدار تحول المعلم المعلمة، في ممارسته سلطته التعليمية في كافة مراحل التعليم، من نمطية  تتحكم بها "عقدة إبراهيم"، الى إنموذجية التعاطف  التفهمي الحنون، بمقدار ذلك، يتحقق صدق دعوة  المتعلم الى الحرية، المنفتحة على البلوغية، والمندفعة  الى حياة المواطنة، وحسن تقرير المصير. إنها علامة بلوغ زمن حقوق الإنسان.

2-2-  توصيف المعلم بحسب عنايته بشخص التلميذ واهتمامه بالتعليم

إي صنف  من المعلمين هو ذاك الذي ينقل  المعرفة، مؤسسياً، الى طالبيها؟ الواقع، أنه يمكن إفراد نماذج أربعة (أنظر جدول -5-)، من المكلفين بالتعليم،  تفضي اليها، إحداثيات إثنينية bidichotomique الفرز، تتعلق بالإهتمام  المعطى للتلميذ  ولمضمون مواد التعليم [ يستعين المبحث هنا، بنتائج بحث ميداني، أجريته  بالإشتراك مع  د. ماري خوري، في ثانوية مار الياس، غزير، للراهبات الأنطونيات بمناسبة يوبيل الثانوية الفضي 2007، نشرته الثانوية،  تحت عنوان "تمكين الأجيال"]:

جدول -5- إحداثيا توصيف المعلم

المربي. يمتاز المربي بعنايته الكبيرة بشخص التلميذ وبإهتمام مرتفع بالتعليم. أنه يمتهن خلق المعرفة، والتأكد من حسن إستيعابها من قبل متلقيها

المرشد. يتميّز المرشد بعناية كبيرة بالتلميذ، مع إهتمام بسيط بالتعليم. إنه محفز  لتطلب المعرفة، يعطي الأولة لإجتهاد التلميذ (ة)

المدرس. يبدي المدرس عناية بسيطة بالتلميذ، وإهتمام عال بالتعليم. إنه منكبّ على نقد المعرفة، وإيضاحها

الملقن. للملقن بعض عناية بالتلميذ، وإهتمام منخفض بالتعليم، تحضيرا والقاءً  ومتابعة. إنه يتعاطى نقل المعرفة، حسبه تأدية واجبه، والتواجد حيثما متفق عليه

2-3- تقويم دور المعلم المعلمة

طال بحث "تمكين الأجيال" 390 تلميذا تلمميذة، 40 معلما معلمة. طرحت عليهم أسئلة تقويم دور المعلم  إياها. فكانت النتائج  على ما تظهره معطيات الجدول -6- [أحتسبت الأجوبة بالنسب المئوية لكل  من من الفئتين على حدة]:

جدول -6- تقويم المعلم من قبل التلامذة ومعلميهم (مار الياس –غزير 2007)

يعتبر 75%  من المعلمين أنهم يولون تلامذتهم عناية كبيرة، من بينهم 47%  يقومون بدور المربي، يشاركهم في التقويم عينه 55% من تلامذتهم. تتطابق  النسب بين الفئتين على  تقويم دور المرشد (28%) لدى معلميهم

فيما يعتبر 15 % من التلامذة أن معلميهم مجرد ملقنين، ينتفي دور الملقن من قاموس تقويم المعلمين لذواتهم (0%).

يبدو أن التلامذة هم أكثر تحسسا  لنوعية أداء معلميهم، على ضعف عناية هؤلاء  بهم (30%)، يقابله إدراك كبير لدى المعلمين، ب÷مية  العماية المزدوجة بالتلامذة كما وبالتعليم (47%)

حتى ما لا يكون الجسم التعليمي أقرب الى القدوة، بل أقرب الى قدوة المربي، بقدر ما تعنى المدرسة بجودة إنتقاء أفرادها [لقيمة شخصهم التربوية قبل مهارتهم العلمية، وقبل إسترخاص بدل أتعابهم]، وتوفير إستدامة تأهيلهم التربوي، وتشاركية لجان اولياء الطلبة، ولحظ تقويمات التلامذة، مما يرقى بالمؤسسة التعليمية الى مصاف المتحد التربوي، ذاك النشيط الناشط، الموكولة اليه رسالة " تمكين الأجيال"؟ !

2-4- من التربية على الخوف، الى التربية على الحرية

يظهر الرسم -3- فارقية التربية بين أداة الخوف والتخويف ومنطق الحرية

  1. التربية على الخوف.

قوام التربية على الخوف، قولات أربعة، بسيطة سريعة قاطعة. لا مجال فيها  يترك  للمتربي المتعلم المتتلمذ لكي ينساها أو يتناساها [ تلميذ(ة)، إبن(ة)، غر، مبتدء، طالب، مريد، موعوظ،  مرؤس، مامور... فرداً كان أو جماعة]. والويل له إن فعل. هي:  إسمع. إحفظ. ردد. ونـفّـذ. يعقب هذه  الأربعة،  تقويم المعلّم، الصارم. يليه الجزاء الحاسم : ثواباً أو عقاباً. يرقى المتربي بمقدار إمتثاله وتقيده بما يّملىيه عليه سيادة معلمه. وإلا تعرّض للرذل والإفراد، في  حالات أربع: قيامه بالمبادرة، بالنقد، بالرفض، بالردة. تعد هكذا تربية، لعناترة السلطة ولزيرانها، إجيالا من الجماهير  الطيعة المطواعة القطعانية. تحسن إداء حركتين  لعمل أوحد: قوام وجه الحركة الأولى،  التصفيق والهوبرة والتكبير، للمعبودات السماوية ولظلها المنظور على الأرض. وقوام وجه الحركة الثانية، الرجم  واللعن والتكفير، لأعداء الربوات السلطانية، تلك التي تهيم في الفضاء أو تدب على الأرض  أو تقبع في ما تحت الأرض. إنها أجيال مهيأة  للجهل والعصبية، والإرهاب،  تحت شعارات المطلق الإطلاقية : ديانة مطلقة، إيديولوجية مطلقة، نظرية و مطالعة مطلقة، رأي وحكم مطلق... تسارع الى أبلسة  المغاير، والى شيطنة المغايرة تمهيدا لتكفيرها.  

  1. التربية على الحرية.

قوام التربية على الحرية، متبادليتها  التامة بين المربي والمتربي، ضمن علاقات إحترامية لكرامة  الطرفين. يوسع كلٌ من المتلاقيين،  الوقت للتصادق والصداقة، والوقت، لإنضاج الفكر والقناعات والموافقة الحرة. يعرض  المربي، رجل الإيمان بالله بالإنسان وبالقيم، ما عندياته. يستوضحه محاوره، عنها. يستفسره مغمضاتها وغائياتها. يقنع ببعضها  او بها. يدخلنها و"يهضمها". يعيد إنتاجها على طرقته. "يأوّنها". يعلن امام نفسه وامام المربي، إلتزامه بالقيم. يعد التمسك بها. يجهد لإنفاذها. بإمكان  طرفا  التربية، في إي  وقت شاآ،  الإنفكاك عن القيمة ومنظومتها، محاجتها  ورفضها. والتحول عنها الى غيرها، أو الى اللا- قيمة. ما من قوة ترهبهما لتكرههما على أي خيار. ولا من خوف يتهددهما لقمع  حرية الضمير الأدبي لديهما. يفسر سقوط فعل نظام القوة، وتلاشي مفعول نظام الخوف، هنا، عنصران متلازمان بإحكام، هما: حرية الإنسان الكيانية، ومعطوبية القيم الجوهرية.  يرى المربي والمتربي،  في كلٍ من مراحل عملية  التدرج صوب القيم [إيمانية، أخلاقية، إنسانية...]، تأهباً للتشاهق بها، وإرتقاء الذات مع الآخرين في المجتمع، مكافاة روحية سامية. المكافأة هنا هي ثمرة إستولدها الإنسان الحر، في جوانيته، بقدر ما انضجتها جدية جهده المبذول التزاما. إنه يجهد ليكون  مواطنا حرا في دولة ديموقراطية.

يرتكز كلٌ من أنموذجي التربية،  الى  نظرة أنتروبوجية أناسية خاصة به: التربية على الخوف، هي مدمجة بصورة الإنسان الموصوف بمَلكَة الذاكرة و بمحوريتها في اٌلإستيعادة والإستنساخ والنقل والتكرار، في حلقة مغلقة يحكمها شعار: "سمعاً وطاعةً مولاي، بأمرك سيدي". أما التربية على الحرية، فهي طالعة من صورة الإنسان المتكيّن في الحرية، بكل أبعادها الوجودية :  عقل التفكير، خيال حلم التصورات، حرية الضمير، حرية المعتقد، الرأي، القرار، حرية التفكير، التدبير، التغيير... إنها حرية كيانية ملازمة لكرامة الكائن البشري المطلقة. بهذه الحرية والكرامة يغدو الإنسان "على صورة الله كمثاله"، بل ويصبح "خليفة الله في الأرض".

3- التعلّم دينامية الترقي: من التبعية الى الإستقلالية

لئن تلازمت عقدة إبراهيم المتحكمة بدور المعلم (راجع جدول-4-)، مع  إستسهاله فرض "التربية على الخوف" بالترعيب، والتهويل، والوعيد والتشديد والتهديد (راجع رسم-3-)، المريحة له ولأنظمة  التسلطنات، ولنظم تأطير جماهيرالإستكانة المشرقية، فإن قيم التعاطف الرحيم الفاعلة في دور المعلم، تترافق مع إعتناقه مبادىء "التربية على الحرية"، المشدودة  الى المعطوبية fragilité تلك الصميمية في القيمة والملازمة لتعامل  الناس الآحرار بحرية، وقبولهم بمقتضيات الحرية وبمفاعيلها، ضناً بحقيقة الحرية  وبحقيقيتها.  تدفع  هكذا تربية الى الرقي الإنساني، والى التقدم في سلم الحضارات، لتأطير شعب المبادرات الإبداعية، المصر على صناعة  تاريخه بكل مقوماته الثقافية. ينعكس أسلوب التعليم، على مدارك المتعلم وعلى سلوكاته، أهو محبط ام مقايم؟ أيتمرغ في ربقة الخوف أم ينطلق ليحلّق في فضاآت الحرية؟

3-1- المتعلم التلميذ الطالب المواطن: إنسان محبط ام مقايم؟

هناك أحدى وقفتين تجاه الأحداث وموقفين منها، تسهل ملاحظتها لدى الإنسان الفرد، في سلوكاته اليومية، البسيطة، وتلك المصيرية، كما لدى الجماعة، بل  وفي ميدان المروث الثقافي  والمتبعات التقليدية، وفي الذهنيات العامة، كما تلخصه معطيات الجدول -7-        

  1. أنموذج الإنسان المحبط .

يتميز الإنسان المحبط المنكسر، بإدراك سلبي  تشاؤمي للأحداث ولمجرياتها، تلك التي تصيبه فيتشظى بها، او تلك التي تتوالى فصولها أمامه، فيتأذى بمنظوريتها. يروح يقاربها بتذنيب  ذاتي مقعد: يقينه أن الحدث سببه جواني في الأنا، وهو بحالة ثبات مكرر، وله طابع إجمالي  معمم. إنْ فشل التلميذ، في مادة ما أو أخفق في مهمة ما، مثلا، يروح يؤكد أنه المسؤول الأوحد عن فشله، فيجرّم نفسه بفشله، وهاكه يفشل على الدوام في كل  ما قد يقوم به. أنه القدر المقدر له، والمكتوب الذي "كتب عليه"، ولا قدرة له على التفلت من الحتميات المحتومة، أصَدرت الأوامر /النواهي عن تدبير معبودات السماء، ام عن تصميم عناترة الأرض. إنه إنسان الجماهير المرعوبة، جماهير الفرجة، المصابة بالذعر الأبكم panique muette والمستكينة الى العجز المكتسبimpuissance apprise ، تلك المستسلمة لفتاوى المتلاعبين manipulateur رجال دين او دنيا، أمراء الحرب ام الهدنة، المرئيون منهم ام الماورائيون...

جدول -7- انموذجا المواقف تجاه الأحداث المؤلمة

  1. أنموذج الإنسان المقايم

     يمتاز الإنسان المقايم resilience المقاوم résistance ، بإدراك إيجابي  تأجيبي للأمور وللأحداث. يثق بذاته، يحبها. يبرىء نفسه الى حد كبير من وفرة مسببات الأحداث الإحتمالية، بمقولات موضوعية رصينة دونما تهرب صبياني من اية مسؤولية. يقرن مجريات الأحداث بعواملها البرانية، يحددها في الزمكان، فهي حصرية بحيثياتها، غير ثابتة في معاودة تكرارها. يدرك التلميذ فشلة في مادة دراسية ما، مثلاً، فيعطي الأهمية لحيثيات  إمتحانه بها،  وإنْ فشل مرة، في مادة دراسية ما، فلسوف لن يفشل مرة أخرى، لا فيها، ولا بسواها.

يمكن القول بأنه: بمقدار ما تتضافر مجهودات مؤسسات المجتمع والعيلة والمدرسة لتأوين قيم حقوق الإنسان، وبمقدار ما تجهد لتحويل إنسانها من حالة الإحباط الإنهزامي، الى قومة المقايمة والمقاومة، بمقدار ذاك، ينهزم الإنكسار والعجز، أمام الإنتصار والعزم، بتصميم رصين، من قبل الإنسان الحر " القيامي"، المتماهي  بمسيح القيامة، مؤمن به كان هذا  القيامي، ام ليس بعد. إنه السبيل  القويم للإتيان بالمعجزة الشخصية والمجتمعية في بناء وطن الإنسان الحر، في دولة الحق والعدل والفرح،  بالأخوة والمساواة.

3-2- مقارنة  الإنسان الخائف  والإنسان الحر

كما يرتبط موقف الإنسان من الإحداث (راجع جدول-7-)، بمتساقطات إتجاهات التعليم، وبمفاعيل أسلوب أداء المعلّم، كذلك يرتبط صنف الإنسان، محصلة ذاك التعليم، على ما تختزله معطيات الجدول -8-، وفيه أنموذجان : إنسان الخوف وإنسان الحرية . 

جدول -8- خصائص إنسان الخوف وإنسان الحرية

  1. إنسان الخوف المرعوب.

يمتاز إنسان الخوف المرعوب، بالإنهزامية البنيوية، والهروب من مسؤلية المبادرة. يهرول الى الإحتمائية والإستزلام. يتذلل لمن يخيفه. يستسلم للعجز المكتسب.  يلتهم ثقافة التقية  ويتفنن بالباطنية في التخادع والتماكر والثعلبة الأدبية. يتقن سلوك الواقعية السياسية ومسالكها. يغير مبادئه بسرعة تغيير مواقفه. وشعاره: "من قويت شوكته وجبت إطاعته".  "حسبي حماية رأسي". إنه يتمرغ في التفاهة البشرية، يميت ضميره الخلقي ميتة وجدانه الإنساني، وغياب حسه المجتمعي، وغيبوبة وعيه الوطني. 

  1. إنسان الحرية الواثق

يتفوق إنسان الحرية بالثقة بالنفس  وبإنسانية الآخرين. يثق بهم قبل أن يستوثق منهم. يستبطن روح المسؤولية وممسألة الذات. يبادر، ليقينه أن المبادرة هي  الحد الفصل بين العبد والحر. كذا هي حال النقد، والتجروء، والتتفكير، والتقرير، والتغيير، وحرية الضمير، والمجاهرة، والرفض، والمعارضة... يمشرع ويشترع ويشرّع بمقدار ما يعي أنه سيد مصيره المطلق. يلتزم بصدقية. يقاوم بشرف. يضحي بمرؤة. يصمد بوفاء. يكسر طوق التعجيز بالإعجاز. إنه والحق أكثرية. وشعاره " ليس هناك من يخيف، بل هناك من يخاف" وصاحب الحرية  يأبى مذلة الخوف والتخويفيين. أيما زعيم لعب  على وتر الخوف، لضمان إحتمائية جماهيره القطعانية به، إن هو سوى ضعيف النفس،  أستقوى على الضعفاء، وخادعهم بتعنتراته، فأنطلت عليهم خدعته.  أما الحر، فحسبه تخليص الآخرين وتحريرهم، ليخلص هو ويتحرر.

التربية الحقة هي فعل الخروج من دائرة الخوف، بل  والخروج عليها، الى رحابة فضاء الحرية، تمهيدا لعيش نعمتها، ولزف فرحها للناس. يمكن القول ، أنه:

  1. بمقدار ما تُسقط التربية  الخوفَ  ومفاعيله عن كاهل إنسانها،  حيثما هناك علاقة تواصل بين الناس، بمقدار ذلك، تسقط معتمات الرعدة المقعدة،  وينتفي الإرتعاب المميت، لتتفجر ينابيع الممكنات، وتتدفق إبداعات الإنسان السيد الحر، وتتضاعف منجزات مجتمعه الإنساني الإحترامي.
  2. وبمقدار ما تقضى التربية عبر مؤسسات التعليم  ومسالكه، على مسوغات التسليم والإمتثال والخضوع، وتسقط مبررات الإتباع والإنقياد والتبعية لآيٍ من بعاليم المنظور واللا منظور، وبمقدار ما تذهن الناس بقيم الحرية، وتحصنهم بمناعة إعتناق الحرية ومنظومة قيمها، وتزخرهم بنبل ممارسة الحرية، بمقدار ذلك، يقوى الإنسان،  في  مشرق  مسكون بالماورائيات، مسحوق تحت وطأتها، على  الإيتيان بثورة مزدوجة  البتلات والمستويات:
  • ثورة بوجه تسلطن ماروائيات "حكم الشريعة" الممطلقة absolutiser،  تلك النوموقراطية  nomocratie المفروضة على  المجتمع، المقدسنة sacralisé بنسبتها الى الله المشترع theonomie. وإبدالها بإرساء  إدارة شريعة الذات autonomie المؤدية الى "حكم إرادة الناس" anthropocratie
  • وثورة بوجه تسلط  زعامات المجتمع، تلك المونوقراطية،   monocratie المتسلبطة على الأفراد والمتحدات، والإستعاضة عنها بإقامة حكم الشعب والديموقراطية democratie، التي  يشق بها الناس، طريق إستقدام المستحيلات من رحم الممكنات

4 - التعليم فعل أنسنة الثقافة: من الإنهزام الى الإقدام

أنسنة الثقافة، هي مرونتها في التكييف والتغيير، وطواعيتها في الإستيعاب والتطوير، ضناً بالحفاظ على روح الأصالة فيها. إنها عمليات فكرية إرادية، يجروء فيها بنوها وبانوها، على نزع القدسنة  désacraliserعن مضامينها، ونزع القدرية  défataliserعن مسارها. تكمن الأصالة  الثقافية في الأمانة للتقليد، لا في  إجترار موروثات الماضي، وعبادة رمادها، بل في تأوين قيم الموروثات وإضرام نارها.  وحدهم بنو الحرية، عشاق قيمها، مستولدو سلامها، هم بناؤو أنسنة الثقافة، ومهندسو مرقاتها الى الأسمى والأرقى. أيعد التعليم الناشئة، في لبنان، على التشرنق الإستتباعي، ام على الإلتزام التحرري ؟. أيتغاضى عن إشاعة النفاق والغش، ام يصر على  دخلنة الصدق والصدقية؟.  ايسهّل تطبيع العنف ويكرسه، أم يكبح العدائية بمناعة المسالمة ؟.

4-1- تنشئة على التشرنق أم على الإلتزام

من نسق تبريرات الإنسان وعلاقاته  وسلوكاته، تعرفونه. فكل من علامات هذه الأبعاد الثلاثة [المعرفي، العلائقي، والعملي]، تشي عن هوية الإنسان (راجع رسم -1-3-) وعن ماهية محصلة تعلمه وتربيته (راجع جدول -7-8-). أتراه دخلن قواعد رعدة الإتباع والإنصياع، وطبّع عامل الخوف والإنهزام ومتفرعات إنشطاراته على المستويات الفكرية والمجتمعية والسياسية، فحوّل الإنتساب الى أي من المؤسسات [دين، عقيدة، حزب، نادي] فعل أنضواء إحتمائي، وفعل تلطي مستجير. وحوّل الإنتماء الى جماعة [أسرة، قوم، وطن] فعل  تشرنق إنصهاري، وفعل تخندق تعصبي ؟. تتكشف في كلتا الحالتين هاتين، حالة  القصور والتبعية، بقدر ما يفتضح أمر ركاكة الولاء المزيف، من جهة، وتنكشف من جهة ثانية، حالة الركود المزرية، التي تحْجُر حاضر المجتمعات المشرقية، في قمقم مخلفات ماضٍ معتتم، صُنّمت فيه الحضارة، في نواميس مقدسناته، وحنّطت في حروف قواميسها، وحُجر عليها، هناك. وهذا هو، بالتمام، ما تبتغيه كثرة من أنظمة حكم المشرق، ويرتضيه جمٌ من الزعماء الحزبيين، الدينيين والمدنيين، فيها. وهذا ما يعاني منه الشعب ونخبه، وتناهضه الأحزاب الديموقراطية العالمانية.  والخيارات إياها تبان في التصرفات العامة   في الإنتماء (جدول -9-)، كما في تلك الخاصة، عبر الغش والعنف (جدول -10-11-12-). تظهر معطيات الجدول -9-، خصائص أنموذجي دينامية الإنتماء: التشرنق والمعنية.

  1. إنسان دينامية التشرنق

يهرول إنسان دينامية التشرنق، الى الإحتماء، بداعي الإغتذاء وبدافع الإستقواء. تتقاذفه  حالة القصور والطفولية الدائمة، صوب التمرغ بلا أخلاقية الواقعية السياسية. إنه ضعيف يلتحف بالأكثرية التي يريدها "ساحقة"، ليستتر وراءها، وليستر بها ضعفه ويموّه خوفه. إنه إنبطاحي أمام متعنتر علا صوته وغلظ سوطه. يصور زعيمه  معبودا. ويتعبد له، على شاكلة المعبود السماوي. يصفه  بالأكبر الأعلم الأقدر...حامي حماه. يتشرنق حوله. الويل لمن "يرشق المعبود بوردة". إنه، بطيبة خاطر، ممتثل، مزعن، منصاع، مستسلم. إنه زلم، زبون، مرتزق، متكسّب، صاحب ولاء مزيف. يخدر المتشرنق ضميره. يميته.ينفذ أوامر اميره في النحر والإنتحار. إنه قطعاني عاجز. يصرخ بهلع المرعوب: "بالروح بالدم" أفديك يا معبود، لخشيته اليتم والتيتم إن غاب عنه هكذا معبود،او نقم عليه.

تشيع الصرخات المفجوعة إياهاعلى السنة "الجماهير" المشرقية، وتتمدد من العشيرة الى الشارع، وتصب في المذهب والحزب والسياسة. وهذه الثلاث الأخيرة هي أقرب الى إعادة إستنساخ الحالة العشائرية البدائية، منها الى المؤسسات العقلانية الوضعية النظامية...

  1. إنسان دينامية المعنية

يندفع إنسان دينامية المعنية، بقيم الأمانة للعهد، حد السخاء بالذات. إنه بحالة رشدية فهم، وإستقلالية خيار، وسيدية قرار، وحرية إنتماء وولاء. يتسلح بالواقعية القيمية "أنا والحق أكثرية". وبها يقارع الصعاب. يقينه أن الفشل ليس مميتاً، إنما المميت في الفشل هو الإنهزام أمامه (راجع جدول -7-8-). إنه مُمسأل، مبادر، غيري، منفتح، محاور، مشارك مقاوم بأخلاقية الحرية. مصمم على صنع تاريخ متحده  الوطني، بأدوات السلام، وبالتشارك مع مواطنيه. يعرف القيم. يعتنق منظومتها. ينتمي الى جماعة منظمة، يشاركها رؤيتها وقضيتها المحقة. إنه تشاركي، ديموقراطي. يحترم هرمية متحده ورئيسه الهيرركي، ذاك الذي ساهم في إنتخابه، لكونه المعبّر عن خيارات المجموعة. يقيم علاقة زمالة ورفقة وشراكة إحترامية. إنها علاقة مواطنة ومساواة في الكرامة والحرية ومشتقاتها  من الحقوق والواجبات. المعني، هو إنسان حر، ملتزم، ناقد، مقدام، عنفواني، خلاق وخلوق،: لأنه سيد حر.

جدول -9-  دينامية التشرنق والمعنية بحسب خصائص كل منها

 يمكن القول، أنه: بمقدار ما تعد مؤسسات التعليم، ذاك التلقائي والنظامي والمنثور،عبر قنوات تواصلاتها وإيصالاتها، الإنسان، طالب التعلم، للتعرف الى  عالم قيم حقوق الإنسان، وبمقدار ما تنمي لديه روح المبادرة، وروحية عمل الفريق، وروحانية التشارك، بمقدار ذلك يتمكن هكذا إنسان، على التحرر من لجام التشرنق،  وإعتناق رابط معنية الإلتزام، كفعل حرية، تليق بكرامة الإنسان وبسييديته، في مجتمع متسالم، ودولة مستقلة

4-2- إشاعة الغش أم تعميم الصدقية؟

         التعليم هو  عملية تأوين "الكلمة" [حقيقة، فكر، معرفة، فهم، خطاب، منطق، عقل عقلانية،] ووليدها، مستولد حروفها، ورسولها. ينشر نفحته في كل مرافق الحياة المجتمعية، لتعيشها كل مؤسسة، ولتبلّغها بدورها الآخرين، طبق عبقرية دورها. تتميز الكلمة بسلسلة من الفضائل إهمها، إثنتان، تلازمانها، تسهل ملاحظتها، عملانياً وتطبيقياً، في مؤسسات التعليم والتربية، إما بالمعاناة من غيابها ومعالجته، وإما بالتمكن منها والنجاح في تثبيتها، هي:

  1.    الصدق كنقيض للغش،
  2. والسلمية كنقيض للعنف.

مهمة المدرسة الجوهرية، هي خدمة الكلمة. تتلازم "الكلمة"، في التواصل الإنساني، بالضرورة، مع الصدق والصدقية. الكذب بكل مشتقاته هو نقيض الكلمة التي لا تقبل الغش والنفاق والخداع  وكل مرادفاته الحقوقية والأخلاقية: لا تتقبّل، لا المهادنة أو السماحة، لا المرافقة أو "المسايرة"، ولا المساكنة او التعايش. التعليم المدرسي  كما التربية البيتية، هي إطار كشف حقيقة الكلمة وتلمس حقيقية القيم.  إنها قناة نقلها،  ومناسبة تمثلها، وميدان إختبارها، وحيثية أنسنتها، وبيئة شخصنتها، وعربون تمثلها، ومرتكز التماهي بها، ومنصة الإحتكام اليها، وقوس تقويم التعامل بها وبمقتضاها. وللتلميذ (ة)، او الإبن(ة)، أن يفخر بإنتمائه الى هذه الأسرة وتلك المدرسة، وللمجتمع أن يفاخر  بهاتين المؤسستين

مهمة التعليم، بجميع مؤسساته ومؤدياته، وبخاصة في المدرسة والجامعة، هي إعلاء  الحقيقة، وتثمين صدقية الساعي اليها. فلا تهاون قط مع اية علامة غش، يقتضي  التصدي لها وحسن معالجة متعاطيها [ إنتحال نص او صفة،، سرقة فصل، او مقالة أو شيء، تزوير إمضاء، او إسم، او بطاقة، او مستند، او ختم، تصريح كاذب، زغل،  إتهام، تجنٍ...] إنها جملة من عمليات الغش- الكذب، البسيطة، يعرف صانعها فسادها، لذا يتعين إيقافه، وإيقاظه، ووضع حدٍ لإشاعة الغش. اما المدمن عليها باتولوجياً، فيتعين إخضاعه لجلسات نفس علاجية مناسبة، حتى تستقيم الأمور وتعم الصدقية.

هناك  صنف آخر من عمليات الغش المركّب، تفرزه إما أواليات الخوف المُقعد (راجع جدول -4-8- 9- ورسم -3-)، وإما أواليات الإكراه الزاجر (أنظر جدول -10- 11-)، هو الغش الظرفي والغش البنيوي

  1. الغش الظرفي. إنه ذاك  الدجل، المداهنة، التملق، المصانعة، المدالسة، المخاتلة، والتزلف... الذي يتدحرج اليه، ويتدرج فيه،  المتكسب  والتابع، وشاعر البلاط، ومثقف السلطة، وحارس الهيكل، وآكل خبز السلطان. هؤلاء يعتاشون من الغش الظرفي، ويعتاشون عليه، بمسوغ خوف يخافونه، "وذعر أبكم" يتملكهم، ورعب أكول، ينهشهم: يفترش خفايا ضمائرهم ويفترس خلايا أبدانهم، وبغشه يتآكلون من داخلهم، إنهم "أموات"، تتقاذفهم الأنواء، ولمّا يدفنوا بعد...
  2. الغش البنيوي. إنه ذاك الخبث، النفاق، والرياء،  والخداع، والفريسية، والتماكر، الباطنية، التقية، اللغة المزدوجة، المُظاهرة، والتحايل... الذي يندرج فيه من ضاقت به سبل ممارسة "حرية الضمير"، تحت ملحاحية ضعط حد سيف "حكم الشريعة" او سيف "إرادة السلطان". فحيثما  لا فصل بين الدين والدولة، ولا فرق بين شرع الله وبين شرع الناس، بحيث يبدو كل مروق على أحد الشرعين، هو هو مروق عليهما معاً، يستوجب الإقتصاص من المنتهك، هناك ينشاء بالضرورة، الخبث البنيوي، لمداورة  الإكراه الزاجر، حتى ولو بان فشله العملي والإستراتيجي.

    جدول -10- القيمة ومعاييرها بحسب خصائص كل منها

تلتقي مؤسسات المجتمع ومؤسسات التعليم على نقل القيم Valeur مقرونة الى معاييرها normes الثقافية. لئن كانت القيمة ذاك التصور الفكري المثالي، الكثيف المعنى (أنظر جدول -10-)، التي تعتمده الجماعة مرجعا  عملانياً، للحكم على الأمور والأعمال والأشيا، على إن القيمة تمتاز بالثبات والعالمية، وتتطلب التعمق في فهمها والتامل بها. فإن المعايير، بالمقابل هي التجسيمات التطبيقية [ قانون، تقاليد، عرف، عادات، ديانة، شعائر، زي، مطبخ، هندسة، طقس، رتبة]، للقيمة الواحدة، كوحدات قياس إجرائي وعملي، على إن المعايير تمتاز بالمحدودية  والحصرية والظرفية الثقافية، والتحول التطويري المستدام. ومثل ذلك، فكرة قيمة الإحترام وإكرام الأبوين. هي قيمة عابرة  الزمان والمكان والثقافات. مارسها الجد والأب والإبن والحفيد، ولكل من هؤلا، تجسيد مختلف لأداء الإكرام إياه، يتواءم مع  تطور  البيئة الثقافية، التي منها إستمد رموزه الإجتماعية، وإستعار طقوسه الأنتروبولوجية. ومثله، فكرة قيمة الجمال، في الملبس، عبر تطورات الأزياء الخاصة بكل جيل،  بل وبكل فصل من السنة، تتالت فيه، على تطلب جمال الهندام والملبس، كل من الجدة والإبنة والحفيدة. تحققه كل منهن على طريقتها. فإن بقي الزي إياه، ترتديه الجدة وحفيدة حفيدتها،  فمعنى ذلك أن الجمال تحنّط، والزي تصنّم، والفكر إعتتم، والمجتمع إنغلق، والإنسان إختنق في رتابة النقل  ومستنقع الجمود. فلا تطوّر، ولا تطوير، ولا من يطورون او يتطورون. يجري التطور على المعايير ويصح فيها فقط، لا على القيمة.  وعليه، يمكن القول بأنه :

  1. بقدر ما  يُلصق المجتمع القيمة بإحدى معاييرها، ويدغمهما بإحكام. فينمطهما سوية، ويقدسنهما معا.  وينأى بهما عن المس وإعادة النظر او حتى عن الإجتهاد، بقدر ذلك، يحكم هكذا مجتمع ديني او مدني، على ذاته، بالإنغلاق، والجمود، والقعود، والماضوية السلفية. ويضاعف إحتمال الإستعانة بالبطش التكفيري وبالقهر الجهادي، لعدم "فك الربط" المحكم بين القيمة ومعاييرها،  بل لإحكام الدمج الصهري بتحويل روح القيمة حرف شريعة،  مما يستجرّ الإكراهات، يستدخل الذعر المؤدي الى الغش والنفاق، وإمتهان الكرامة. لمجرد غياب الحرية
  2. بقدر ما يتم إدغام الدين بالدولة،  والروحيات بالزمنيات، وينجز التطابق شبه الكلي بين مؤسسة الدين وشرعه، ومؤسسة الدولة وقوانينها، وبقدر ما يتحوّل النقل بديلا للعقل، ويصبح البوليس مطاوعاً، والمفتي قاضيٍ، ويشتق الإلزام الإجتماعي، وجوباً، من الإلزام الديني. بقدر ذلك، تذوب الساحة العامة في الخاصة. وتنتفي حرية الضمير لصالح الخبث البنيوي.

تظهر معطيات الجدول -11- إحداثيات نماذج سلوكات الإنسان، في إطار  تحنيط القيمة بمعاييرها في حالة إنتفاء الحرية، وفي حرية تطوير المعايير المستدام.

جدول -11- نماذج الإنسان وفق الموقف من القيمة و معاييرها

  1. المبدع، المصلح المطوّر المجدد، هو ذاك القانع بالقيمة، والراغب بتغيير معاييرها في مجتمع حر، يحق رغبته بصدق وبسلام
  2. الثائر المعولم اللا إمتثالي، هو ذاك المطالب بتعميق فهم القيمة والساعي الى تبديل معاييرها في مجتمع ضنين بالحرية، ينجز ثورته بحدٍ أدنى من الكلفة الإجتماعية 
  3. الإمتثالي المتزمت الأصولي، هو ذاك المتعربط بالقيمة وبمعاييرها، يخشى على نفسه من تغيير أي منها، أو هو عاجز عن مواءمة القيمة مع متطلبات تحديث معاييرها، قد ينزلق بسهولة عالية، صوب التعصبية التكفيرية، يتماهى  بمعبود أصوليته، ليشرعن إرهابه الجهادي، ودك مواطىء المغايرات والمغيارين الإنجاس 
  4. المنافق المتخبثن الطقوسي، هو ذاك الذي لا قبل له،  على زحزحة تحجير المعايير عن تحنيط القيمة في قبر حروفها، في مجتمع قهار،  يخشى ممارسة الحرية. إنه يدفع من كرامته ثمن عجزه عن المجاهرة بحرية ضميره، وبذلك، يفوت على مجتمعه إحتمال الإصلاح والتغيير والتطوير ورقي الأنسنة 

يمكن القول، إنه بمقدار ما يذهّن المعلم التعاطفي (راجع جدول-4-)، الإنسان، طالب المعرفة، بماهية القيم، ويعرفة بأهمية إستلهامها في دقائق  يومياته، وبمقدار ما يحسن تنشئته على تمييز المعايير ومعرفة وظيفتها، وتأهيله لتطوير صناعتها ومواءمتها لمتطلبات  زمانه، بمقدار ذالك، يقوى الإنسان على تمثل حريته السيّدية بصدقية، ويندفع  مع مواطنيه الأحرار، لإصلاح واقع مجتمعه، الديني والمدني، وتسريع تطويره بالحق في سلم الأنسنة.    

4-2- تطبيع العنف أم  بناء المسالمة؟

تترافق "الكلمة"، في عمليات التواصل الإنساني، بالضرورة، مع المسالمة  والسلمية، الساعية بأدوات لطف السلام، وبروح الإحترامية [مكالمة، محاورة، محاجة، مناقشة، مخاطبة، محادثة، مراسلة، مرافعة، مقاضاة، ممانعة، معارضة، إقتراح، نقد، إنتخاب...]. العنف بكل روافدة ومشتقاته، هو نقيض الكلمة، التي لا تتقبل  العدائية، والعدوانية، والكراهية وجميع مرادفاتها العلائقية والأخلاقية والسياسية والأمنية والإقتصادي. ليس العنف قدراً محتوماً، ولا هو  أحد رواسب الموروثات الجينة، إسستبقاه  التطور من الأصول  الإنسانوية. بل أنه التعبير عن طاقة إنفعالية تفلتت من سيطرة الإنسان الإرادية، او هو أفلتها. فما من يدعي، عجزه عن ضبط نوازع العنف لديه، ويكون كلامه صادقا صحيحاً. إن أخطر ما في العنف، هو إبتذاله banaliser تمهيداً لتطبيعه normaliser ، وتخدير الضمير الأدبي بهدف شرعنة ممارسته. تقوم  مهمة دور التعليم، وإجهزتها البشرية والحقوقية، على تدريب إنسانهم ليقوى على التحكم بنوبات عنف تنتابه، او يصيبه أذاها، من جهة. وتأهيله، من جهة ثانية، لتوظيف  فنون  التفاوض في حل المآزم. يقابله،  مأسسة حل النزاعات، نظامياً، قبل إستفحال العنف من جراء  غياب هذه المأسسة. فالحكم المؤسسي، المعوّل عليه والمعمول به في المجتمعات المتحضرة، في ما خص  العنف،  هو أجدى  وأفعل وأسلم من العنف الثأري او التطهيري، الساري المفعول في شريعة الغاب،  كما وفي "إدارة التوحش"

يطال العنف بكل روافده وأساليبه ومواده وأدواته [غلاظة، قسوة، خشونة، قتل، نحر، وحشية، قهر، إرهاب]، ميادين متعددة، يمكن تصنيفها  على الشكل التالي، عنف لفظي، جسدي، جنسي، إقتصادي، بيئي، سمعي، بصري، روائحي. تجري مفاعله  في البيت، كما في المدرسة والشارع. العنف يأس من قدرة الأنا  على إقناع الأنت، بقوة الكلمة والمنطق والحق، وعلى إمهال الآخر للتقرير [ إعطاء وقت كاف للصداقة، للتفكير، للإ نضاج]،  واللجوء بالتالي، الى القهر  لإنتزاع الموافقة.

تشكل  المسالمة نصراً أخلاقياً، وسمواً روحياً، ورُقيا حضارياً في سلّم الأنسنة، بل المسالمة والسلام، هي التماهي بطبيعة عمل الله ، لا بل،  بتحديد دقيق، إن السلام هو خاصة طبيعة متبادلية reciprocite عمل الثالوث  في المسيحية، لأن فعل السلام، والقول به، يصح فقط بين شخصين أو أكثر. فهو يصح في شخص الأب والأبن الكلمة، والروح القدس في وحدانية الثالوث unitheisme trinitaire في المسيحية، لا في الأحدنة والإحدانية الإلهية monotheisme . المسالمة هي نقيض العنف، بما تزخر به، من ثقة بالذات وبإنسانية الآخر، وبما تكتنزه من تمثل المعطوبية fragilité عنصرا ملازما لكل قيمة، تجري في صلب التواصل الإنساني، بين  أناس أحرار، مدعويين ليبقوا أحراراً. المسالمة عرضة للمعطوبية، لكونها تصح في الحرية وتصحبها، اما العنف فلا، لكونه لآغٍ لأية حرية. تبرز معطيات الجدول -12-، تمفصل الخطاب الكلمة، وفق بنية العنف والمسالمة

جدول -12- طابع لغة العنف ولغة المسالمة

  1. إنتهاج لغة العنف.

يتطابق إنتهاج لغة العنف،  مع مصادرة الحقيقة من قبل العنفي، ومع تصميمه فرض مساحة تأحيدية، بالقوة [تضخيم عضل، تكبير الصوت، غهتياج حركي، تدجج بالسلاح..]، فيها يصهر  الجميع، ويلغي وجود إي مغايرة. ويرصف الكل تسطيحياً، "كأسنان المشط"، في إإتمارهم بأحدية الشريعة المطلقة، التي أمر بها مشترعها المعبود، وإمتثل لها شارعها. يظهر العنف القاتل، في إستعمال صيغ لغوية معطلة للفكر، زاغلة للمنطق، لاغية  الإحتمالات، ماحية التشكيك، ماحقة النقد، ومنها مثلاً:

  1. الإستثناء الحصري: لا حل  للمسألة (م) إلا بإستعمال (ٍس)
  2. الإثنينية الطفولية dichotomization. كل الأمور هي بالضرورة أحد إثنين، لا ثالث لهما: أبيض/ أسود، مؤمن/ كافر، خير/ شر، طاهر/ نجس، دارإسلام/ دار حرب،
  3. أفعال المبالغة والمفاضلة: الأكبر، الأعلم، الأفهم، الأقدر، الأقوى، الأمكر... لئن كانت المقارنة علامة ذكاء فطِن متفحصٍ متأنٍ، فالمفاضلة هي مؤشر باتولوجيا الفكر والحكم وبخاصة إن إفتقرت الى وحدة قياس موضوعية عقلانية : خير أمة، قوامة.
  4. الممطلقة والتعميم. تعميم حالة الجزء أوالعينة الكيفية ، على الكل أو المجموعة. الغرب فاسد فاسق. المرأة شر كلها، معتقدي معتقد مطلق، ديانتي مطلقة، مذهبي هو الحق كله ...
  5. الينبغيات الأمّارة  التكليفية: تتصدر الينبغيات الخطاب الوعظوي  الأخلاقوي التذنيبي، ذاك الإستطفالي الإستتباعي والتوعدي
  1. إعتماد لغة المسالمة

يتعانق إعتماد لغة المسالمة، مع السعي الرصين الى مقاربة الحقيقة، ومع التأهب الروحي لكيما "تمتلك الحقيقة" كيان الساعي اليها، لا لكي يمتلكها هو، كبضاعة حتى ولو كانت من صنف الكنوز النادرة. يفرحه  إقامة مساحة تعددية، تتسع للجميع بالمساواة على حدٍ سواء. فيها يعترف الكل، ليس فقط بحق المغايرة في الثقافة، بل بحق المشاركة في إنتاج عالم ثقافي، يكون صناعة الكل بفضل مساهمات كل منهم. وفيها تصان الهوية الإجتماعية الثقافية لكل جماعة، في وحدة الهوية السياسية الوطنية. بحيث  يجيد المواطنون، بسلام،  إدارة توترات الهويات الثقافية المتعددة، وإدراجها تحت مظلة الهوية السياسية الواحدة. تتمدد روح المسالمة في الإشكال اللغوية للخطيب السلمي، بحيث تتلاقي بمجملها مع  المنهجية العلمية حتى  التتطابق  شبه التام مع محصلاتها، ومنها، مثلاً:

  1. الفرضيات الإحتمالية: للمشكلة الواحدة عدة تفسيرات إحتمالية، وعدة مسببات ومسوغات، ولها كم  واسع من الفهم والمستتليات
  2. منحى الكثارى: للراي الآخر  مكانته، بل للآراء غناها تستجره الساحة الديموقراطية، وتستدره لمقارعة الفكر بالفكر. التعددية قيمة، الوحدة في التعددية هي القيمة، لا التأحيد
  3. منطق نسبوي. النسبوية هي خاصة بالسبل الى الحقيقة، لا بالحقيقة المطلقة  إياها. لئن صادرت الديانة المطلقة religion absolue، الحقيقة، مثلا، طبق  مقتضيات لغة العنف (راجع أعلاه)، وحرمت الله من قول آخر يزيده، وحرّمت على الإنسان إضافة إي فاصلة، فديانة المطلق religion de l’absolu ، تتوقع إلهامات روحية متجددة، وتدعو الإنسان الحر الى إستلهامها وتأوينها actualiser بإستمرار في يوميات حياته
  4. منطوق التخصيص: يحسن المسالم التمييز الحسم ما بين الفعل وفاعله، ما بين الجزء والكل، "فلا يؤخذ الكل بجريرة البعض".  فلا يصح التعميم المتسرع الإنفعالي. ولا تصح مطلقة  الظرفيات المقرونة الى حيثياتها الثثقافية
  5. توصيف المقارنات. يكتفي المسالم، بدقة التوصيف، بدافع تواضعه  العلمي، وبسبب إحتراميته محاوره، و وبمسوغ تثمينه الحقيقة، ويرتاح الى عبقرية إجراء المقارنات، يلزمها ويلتزم بها، فلا  يتعداها الى المفاضلة، ولا يشفع المفاضلة بالتشفي أو الإستعلاء او الإزدراء والتكفير

الغش والعنف، هما رزيلتان تناقضان فضيلتي الصدق والمسالمة، الخاصتين بعالم "الكلمة"، تلك الكلمة، المتماهية بالحقيقة "المحرّرة"،  والمشخصنة، لكونها تتخذ وجه إنسان، ما إن "يتكالم" بها الناس الأحرار، ليتفاهموا ويتصالحوا، ليتخادموا ويتحايوا، وليتشاركوا ويشاكروا. فإن إقتضى من  مؤسسات المجتمع، أن تتنبه، وتلتقط هاتين الآفتين، وتولي العناية كلها، لمتعاطيهما. وإن  جاز للمدرسة، إعطاء "فرصة أخرى" [ ثانية وثالثة]، لكلٍ من أهل المدرسة [ معلم (ة)، تلميذ(ة) او إداري (ية)]، ليُصلح ما به و يصطلح. فلا يجوز للجامعة، إعطاء "فرصة ثانية"، لأي من أهل الجامعة [ أساتذة، طلبة، إداريون]، إن  هو ضّبط بحالة غش  او عنف، وثبتت المضبطة تأديبياً. يتعين على الجامعة، في هذه الحال، إعتماد "السماحة درجة صفر"، فيما يتعلق بهاتين النقيصتين، وإجراء المقتضى.

يمكن القول، أنه:

  1. بمقدار ما تتصدى مؤسسات التعليم لمظاهر الغش والعنف، المنساب الى "حماها"، وبمقدار ما تدرب الناشئة على قيم الصدق  والسلمية، في ربوعها، وبمقدار ما  تحسن القيام  بأفعال التعلّم والمجازاة والمكافآت، بمقدار ذلك، تعدّ للتاريخ، إنساناً حراً، كريماً إحترامياً، هو مؤهل للنضوج والممسألة والإستقلالية الذاتية، قادر على المشرعة والإقدام، وعلى تقرير مصيره بفخر وشرف
  2. بمقدار ما تتشارك المؤسسات المجتمعية في الإعداد التربوي، المسكوب في عمليات التعليم، وبمقدار ما تتشارك في إعلاء قيم  "حقوق الإنسان" وفق منظومة لغوية معيارية ومعرفية، دونما التباس، أو تجهيل او تلغيز، وبمقدار ما يوفر، كل منها، للنشىء الجديد، مِكنة الفعل ومعنى الفعل والرغبة فيه،  بمقدار ذلك، يتأمن للمجتمع شباب طليعته، ويتأمن  للوطن خُلّص مواطنيه، في التآخي والتساوي والتشارك في فرح نبل التضامن الأجتماعي، وعنفوان  نماء وطن الإنسان، لبنان.
  3. بمقدار التحول من مشاعر الواقع الوطني  الى مصاف  الوعي الوطني، وبمقدار ما تصبح قيم الحرية والكرامة، منارة مسلمات وجدانية، تطال حركة مؤسسات المجتمع وفعل أفراده، وبمقدار ما  تنساب منظومة قيمة  القيم في دقائق عملية التعليم، بمقدار ذلك، يتم التحوّل من التلقين والإلزام، اللصيق بتشييد مزرعة، الى فضاء التمكين والإلتزام، الخليق ببناء الإنسان الحر، في وطن حرية الإنسان.

5 - التعليم ثقافة شعب لا ثقافة سلطة

يتعين على الشعب، بكل أفراده ونخبه،  إن شاء الحرية  والسلام، جوهراً لماهية ألقضية اللبنانية الدهرية، أن يسارع لتسريع إنجاز رسالة التعليم القصوى بتسييد الإنسان. يستولد الإنسان السيّد، الفرح، بمجرد تمثله أخلاقية الحرية، والعمل بأدوات السلام. ومع الفرح، يقوى بمشاركة  مواطنيه، على إنجاز مهام مصيرية ثلاث أساسية، مترافقة مترابطة، هي هي، التي تشكل، بإنتفاءها او إختلالها او إعتلالها،  مصدر مآزم المشرق ومأساة المشرقيين، منذ سرجون الأكادي، باني أول نظام سلطة "دولة": قوامها:

  1. تسييد الذات وتقرير  المصير بمسؤولية هادفة. فالشخص البشري قيمة كرامة مطلقة
  2. تذخير المجتمع بمناعة القيم، وبمنعة حقوق الإنسان. فالمجتمع قيمة وللجماعة حقوق.
  3. تحقيق الذات معاً، على المستوى السياسي، بالتساوي للجميع، في دولة عالمنية النهج ديموقراطية المنهجية. الكيان الوطني قيمة.

يشكل مضمون القضية اللبنانية، الذي يتعهده التعليم، جوهر قضية الإنسان، تحت كل سماء. ففي إنفاذ رسالة التعليم،  تحقيق  سييدية الإنسان. وبهذه السييدية  تتحقق القضية اللبنانية، رمزاً لما  يتوق اليه  أبناء المشرق، ومقدمة منظورة ملموسة، لنجاحات طموحاتهم، بل ولطموحات شعوب  العالم، التعددية، في التلاقي والتصالح والتآخي، بحرية  وبسلام. 

* دكتور في العلوم الاجتماعيّة. له عدّة مقالات ودراسات علميّة.

 

 

 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق