Photo by Charles Constantine

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة دنيا حشيمه بو خليل*

آثار أهوال المجاعة على النشء في المجتمعات

تعدّدت المحاضرات والأبحاث التي تناولت موضوع المجاعات في العالم بدءاً من عصر البتوليميّين في بلاد الفراعنة وامتداداً إلى أيّامنا المعاصرة: إنّها حالة معيبة متأتّية من شحّ الموارد الغذائيّة ونقص في القدرة الشرائيّة لدى فئة كبيرة من الشعب المقيم في بلد معيّن، تحتّم المرض والتشرّد والانحلال الاجتماعيّ وصولاً إلى الموت المبرّح. قد يطول الحديث في المجاعة وتتشعّب الحقول وسع التجمّعات البشريّة ونوعها، لذا أتوقّف في طرحي هذا على آثار أهوال المجاعة على النشء في المجتمعات، ذلك الفرد المجتمعيّ البشريّ الذي يؤلّفُ بيت القصيد أوّلاً وآخراً.

لقد انتظم الوجود البشريّ في أسر عرّف عنها العالم الاجتماعيّ "بارسونز" بكونها الخليّة الاجتماعيّة الأولى للإنسان، حيث يقوم التنظيم العلائقيّ بين الأفراد على التبادل العاطفيّ وعلى إرساء روح المشاركة. تتحلّى هذه المشاركة بظاهرة إعتناق القيم والأدوار لدى الأطفال والشبيبة. فوظيفة العائلة تكمن إذاً في نقل قيم المجتمع من جيل إلى آخر بواسطة أدوار ومسؤوليّات الأهل داخل المجموعة الأسريّة والمجتمع، فتسهم أساساً في تكوين شخصيّة الفرد ووضعه، نتكلّم هنا على علاقة متبادلة يكون على إثرها أعضاء الأسرة في حالة من التوازن الحميد أو بحالة من الضياع الناتج من الجوع الذي يتجسّد بالظواهر الاجتماعيّة التالية:

الانحراف – إنّه التصرّف الخارج عن قواعد اجتماعيّة يمارسها الأفراد ويعتبرونها نماذج الخير والشرّ. نتكلّم في هذا السياق على أعراف وتقاليد متداولة ومقبولة في مجتمع معيّن تشكّل القالب الخارجيّ المقبول والمنمّق الذي غالباً ما يحمل في طيّاته شوائب تشكّل الأسباب الجوهريّة والغير معلنة للانحراف والجريمة.

إنّ سوء المعاملة كما فقدان الثقة بين الولد وذويه هما السببان الأساسيّان للانحراف إذ يفقد هذا الأخير القدرة على مقاومة المغريات. ويكوّن نزاع وعدم استقرار الوالدين حقل انحراف خصب يثمر أناساً يميلون إلى الانتقام والدمار كما أنّ من شأن الأوضاع السكنيّة المذرية، إضافة إلى المداخيل المتدنّية، خلق تشنّج كيان الأسرة وتصدّعه، إذ نشهد في أكواخ حزام البؤس، تحوّل شعار المحبّة والطمأنينة إلى شعار البغض والقلق. هنا حيث القذارة التي يلجأ إليها الولد لينام في حالة من الاختلاط المعيب والمحرّم مع أفراد عائلته.

النزاعات المسلّحة

لقد أدّت ظاهرة حمل السلاح لدى الأحداث إلى شعور بالقوّة وبالاستقلاليّة المكتسبة بصورة مفاجئة خارج رقابة الأهل سعياً وراء لقمة العيش. لقد أدّى هذا الواقع إلى الصراع مع محيط الأحداث كما جعل هوّة كبيرة تفصل بين القيم الأخلاقيّة التي غرستها الأمّ في قلوب أطفالها وبين صدمات الحرب المؤلمة، بين العائلة والشارع حيث الغلبة تبقى لهذا الأخير على حساب العائلة والمدرسة.

فالعنف هو قوّة شديدة، متعسّفة وطائشة ترغم الآخر على الانصياع لمشيئتها، أي مشيئة العدوّ الموجود والواجب عدم مجاراته كي لا يدخل الفرد والمجتمع في دوّامة جهنّميّة تعيد إنتاج نفسها. فالمطلوب هو مقاومة العنف من أجل استتباب العدالة. وما الحروب بصورة عامّة، إذا نظرنا إليها من زاوية العقل والضمير والحضارة الإنسانيّة، إلاّ تقهقر لسنّة التطوّر العامّ، إذ تعطي الأولويّة للقوّة المادّيّة حيث يُفترض أن يكون الفعل للعقل والمنطق والحقّ.

ويزيد من خطورة تلك الحروب أنّ العنف يظلّ على تفاقم من سيّئ إلى أسوأ، حتّى يصبح الشرّ شائعاً ممّا يؤثّر في الظواهر الاجتماعيّة عامّةً. 

فإنّ اكتظاظ المدن وترييفها، والنقص في مستوى الخدمات، يكوّنان عناصر مشجّعة لتوليد العنف الاجتماعيّ، فيعيش الفقراء مثلاً في أكواخ تؤلّف عامّةً حزام بؤس حول المدن الكبرى، ما يؤثّر في تنظيم العلاقات الإنسانيّة، ويولّد شعوراً بالحرمان السلبيّ والهدّام.

الافتقار للشعور بالأمان

يتجسّد هذا الشعور بإمكانيّة الولد على "المبادرة الحرّة" كي يشعر بقبول الآخر له. فالمطلوب إذاً الخروج من سيطرة، ومراقبة، وتلقّي إرشادات الراشدين وتعليماتهم، وألاّ يكون "كما يجب" أي مثاليًّا ومماثلاً لتصرّف البالغين بينما المطلوب هو مساعدة النشء كي يصبح راشداً وحائزاً على شخصيّة نامية وواعية قائمة على النقد والتخطيط للأفضل.

ينطلق الولد إذاً من حالة من الثقة بالنفس القائمة على إشباع حاجته إلى الحركة والنشاط وما سمّاه "فليمينغ" "حاجة المغامرة" أي الحاجة إلى الاختبار والتجربة كي يعي وجوده ككائن في العالم، وأن يكتشف مؤهّلاته وإمكانيّاته، وأن يتعلّم كيفيّة استعمالها توصّلاً إلى السيطرة على قدراته وضبط انفعالاته وقدرته على التمييز.

يستطيع الفرد، من خلال هذه القدرة الحميدة، أن يفصل بين الواقع والوهم، بين الحقيقة والخيال، بين الخير والشرّ، بين الممكن والغير ممكن. تلك الصفات هي من الأهمّيّة بمكان يجعلنا نسعى لحمايتها بردع أيّة وسيلة إعلاميّة كالسينما والتلفيزيون، أو أيّة وسيلة تكنولوجيّة سمعيّة وبصريّة كالإنترنت، والتي قد توقع بالطفل وبالشابّ يوميًّا في شرك نفسيّ وعقليّ، يجعله عاجزاً عن التمييز الصحيح.

الانحلال الأُسَريّ

لقد حدّدنا سابقًا معنى كلمة أسرة ونقترح الآن تحديد الأدوار داخلها كي نفهم معنى الانحلال الأسريّ؛ نقول إنّ الأدوار تختلف بحسب المجتمعات. فالتقليديّة منها تعيش نمطاً يقضي بتوزيع الأدوار في الأسرة بحيث يمتلك الرجل الأب السلطة الأسريّة والمرجع الماليّ لميزانيّتها، بينما تقوم الأمّ بمسؤوليّات

تربويّة وعاطفيّة وغذائيّة وبيئيّة سليمة، تتجسّد بوجودها شبه الدائم في منزلها. يرتكز هذا الوجود على قدرتها على الاستماع والتوجيه حيناً، وعلى السكوت والتبصّر حيناً آخر في إطار العلاقة المثلّثة المسؤولة عن التواصل بين الأهل وأولادهم على شكل حلقة مقفلة.

أمّا النمط الحديث فيحتّم على الزوجة والزوج والأولاد تغييراً في التقاليد والعادات انطلاقاً من المساواة في الأدوار خاصّةً أنّ المرأة غالباً ما تتغيّب عن المنزل للعمل. هذا الغياب المترافق مع الشحّة في الموادّ الغذائيّة والتقاعص في العناية التربويّة والجسديّة، من شأنه إفراغ المنزل طوال النهار من المقوّمات الإيجابيّة وإحلال مكانها المقوّمات السلبيّة والتي تضع الأولاد والشبيبة في جوّ من القلق والضياع والممارسات الشاذّة. هكذا تصبح أوقات التلاقي الأسريّة والأجواء الآمنة وجيزة، ما يشجّع الأولاد على

العيش خارج النواة الأسريّة حيث تصبح العلاقات العاطفيّة اختياريّة لا إجباريّة؛ كما تشحّ العلاقات الروحيّة والاخلاقيّة التي من شيمها أن تكون إجباريّة، فهي توازي الطقوس أهمّيّةً من جهة خلق أجواء الدين والأخلاق من معرفة وترداد الصلوات اليوميّة والتجمّعات الروحيّة في الأحياء السكنيّة وفي محافل الصلاة الجاهزة لاستقبال المصلّين. إنّها علاقات سامية تنمّي الحسّ الجماعيّ والتعلّم الدينيّ السليم، وترسّخ العلاقات العاطفيّة بين المجموعات كافّةً.

أمّا النقص في حرارة العلاقات العاطفيّة فهو يؤدّي إلى تدنّي الدوافع التي تساند الإنسان في كفاحه المعيشيّ، ممّا يبرّر اللجوء إلى العنف أو ما نسمّيه نزاع البقاء الغريزيّ المسؤول عن كفاح إنسان المناطق الساخنة بهدف الاحتماء من الممارسات القمعيّة والتنافسيّة الشرسة السائدة.

 ونتساءل نهايةً، هل إذا وُجد الخبز يحيا النشء؟

إنّ غياب الحنان ووجود الحرمان العاطفيّ يولّدان نقصاً بالأمان وبالاستقرار وبالبهجة؛ فغالباً ما نرى طفلاً لا ينام أو يلعب أو يبتسم، وقد يصعب عليه تعلّم النطق، كما يغلبه الكسل في مرحلة التحصيل المدرسيّ فيكون منقبضاً ويعيش بعزلة شبه تامّة، لا يعرف للاستقرار معنى، كما نجده شديد القلق مع حالة من عدم مبالاة انفعاليّة. فهو يرفض الشفقة بل ينشد محبّة وحبّ والديه وينتظر إظهار فرحهما بوجوده وسعادتهما ببنوّته، ذلك أنّه يستقي شعوره بالأمان من شعوره بقيمته الذاتيّة، فهو يعطي نفسَه القيمة التي يعطيه إيّاها أهله ويبادر إلى إظهار حبّه لوالدَيْه. إنّه بحاجة إلى هذه العلاقة التي تكون ناجحة بقدر قبولهما وترحيبهما بالخدمات كما يجدر بهما الإسناد له ببعض المسؤوليّات الصغيرة، بحيث يشعر بالثقة والتقدير لكفاآته، وينمّي الرادع المجسّد لقوّة الأنا الذاتيّة الموجّهة إلى كلّ تصرّف اجتماعيّ سويّ؛ يحارب هذا الرادع الانصياع والرضوخ لقوى الشرّ السلبيّة كالعنف الناتج من الحرمان والجوع المدمّرَين كرامةَ الإنسان.

* باحثة وأستاذة جامعيّة. حائزة دكتوراه دولة في علم اجتماع الزواج والأسرة.

 

 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق