لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ*

العنف السياسيّ أشكاله من المادّيّ إلى الرمزيّ

يمسّ موضوع "العنف السياسيّ" صميم ما شهدته الساحة العربيّة من أحداث بدءًا بانطلاقة ما بات يُسمَّى بــ "الربيع العربيّ"، حتّى حراك المجتمع المدنيّ في لبنان الذي بدأ في آب 2015. ولكنّ مفهوم "العنف السياسيّ" إشكاليّ؛ إذ ليس من تعريف شامل متعارف عليه، وبالتالي، ليس من حدود واضحة له. نسعى في هذه إلى المقالة التوسّع في الموضوع، فنتناول، بدايةً، مسألة تعريف "العنف السياسيّ"؛ ومن ثمّ، بعده الرمزيّ؛ وأخيرًا، الخطاب السياسيّ الطائفيّ اللبنانيّ بصفته شكلاً من أشكال العنف الرمزيّ.

أوّلاً: في تعريف "العنف السياسيّ"

بالرغم من تعدّد تعريفات "العنف السياسيّ" في أوساط علماء الاجتماع والسياسة، فإنّ ثمّة معيارًا مشتركًا يمكن استنتاجه من الدراسات الاجتماعيّة والتاريخيّة، وخلاصته أنّ العنف السياسيّ يعني استخدامًا متعمّدًا للقوّة أو لكلّ الوسائل المتاحة لتحقيق أهداف سياسيّة على حساب إلحاق الأذى أو الدمار الماديّ، مهما اختلفت تلك الأهداف وتنوّعت القوى التي تسعى في إثرها[1]. وبهذا المعنى، فإنّ العنف السياسيّ عمل يمكن أن يجري خارج القواعد القانونيّة، أقائمين على السلطة كان فاعلوه أم معارضيهم. وعلى سبيل المثال، يمكن الممسكين بالسلطة اللجوء إلى العنف السياسيّ عن طريق توظيف القوى الأمنيّة وسائر قدرات الحكم لقمع المعارضين من خلال حلّ أحزابهم أو سجنهم أو نفيهم أو حتّى تصفيتهم الجسديّة. كما يمكن معارضي السلطة اللجوء إلى العنف السياسيّ من خلال التظاهرات العنفيّة أو التمرّد أو الثورة تحت شعارات مختلفة منها ما هو محقّ مثل العدالة الاجتماعيّة والمشاركة في الحكم وتحقيق الديموقراطيّة، ومنها ما يخفي تحت الشعارات السامية مصالح شخصيّة وفئويّة، ومجرّد صراع على السلطة.

أمّا مسألة شرعيّة العنف السياسيّ أو عدمها، فالآراء تنقسم عمومًا قسمَيْن: قسم أوّل، يُسلِّم بضرورته بصفته وسيلة تؤدّي إلى قيام نظام اجتماعيّ وسياسيّ عادل في حال كان النظام القائم فاقد التوازن وظالمـًا. وبكلام آخر، في حالة النظام المتسلّط أو المنحرف، ليس العنف السياسيّ مبرّرًا فحسب، بل ضروريّ أيضًا. وقسم ثانٍ، يرى في هذا العنف عملاً فاقد الشرعيّة كونه يخرج على القوانين السارية، ويمكن أن يؤول إلى تدمير النظام الاجتماعيّ والسياسيّ، وإلى عدم الاستقرار والحرب الأهليّة. ولكن، في كِلتا الحالتَين، يجب استثناء البُعد الشخصيّ أو الفئويّ في الكلام على الموضوع. وبكلام آخر، لا يمكن النقاش بشأن شرعيّة العنف السياسيّ أو عدم شرعيّته أن يشمل بأيّ حال من الأحوال المصالح الشخصيّة أو الفئويّة؛ فهذه المصالح غير مبرّرة أخلاقيًّا ووطنيًّا في الحقل العامّ. لذا، فإنّ النقاش لا بدّ أن ينحصر في الأطر الموضوعيّة، أي التي تبغي الخير العامّ. وعلى هذا المستوى، ليس من السهل التوصّل إلى تفاهم مشترك بين علماء الاجتماع والسياسة بشأن الموضوع، إذ يجب الأخذ بعين الاعتبار عدّة عوامل أهمّها: إذا كان النظام القائم قابلاً للتحسين من خلال الآليّة الديموقراطيّة أم لا؛ وإذا كانت المعارضة منظّمة ولها مشروع واضح ومبرّر في ضوء القوانين والشرائع الدوليّة، وليس ثمّة مخاطر للانزلاق إلى انهيار الدولة أو الحرب الأهليّة، في حال اللجوء إلى العنف السياسيّ.

ثانيًا: في تعريف "العنف الرمزيّ"

  غير أنّ ثمّة مَن يتكلّمون على عنف رمزيّ أيضًا، إذ لا يحصرون العنف ببعده الماديّ فقط[2]. لا يقتصر العنف الرمزيّ على وعي الناس سياسيًّا حقيقةَ كونهم ضحيّة الاستغلال فحسب – أي عندما يصبح هؤلاء الناس مدركين سياسيًّا أنّ الوضع الذي يعيشونه ما عاد يُطاق - بل يشمل أيضًا الخطاب والتصرّفات التي عن قصد تؤدّي إلى تحطيم الآخر نفسيًّا أو تعتدي على العناصر التي تكوِّن هويَّة الآخر أو كيانه[3]، بقدر ما يؤذي هذه العناصرَ نفسَها العنفُ الماديّ الذي هو أيضًا يترك آثاره التدميريّة النفسيّة. لذا، فإنّ "مفهوم "العنف الرمزيّ" ضروريّ. إذ إنّه يسمح بأخذ الجراح التي لحقت بالهويّة بعين الاعتبار، ولا يهمّ إن كانت تلك الجراح نتيجة أعمال ماديّة أم لا. وفي الواقع، فإنّ العنف الرمزيّ يولّد ديناميّته الخاصّة، فإمّا يُضفي على العنف الجسديّ معناه السياسيّ والنفسيّ الحقيقيّ، وإمّا يُنتج آثارًا مؤلمة على نحوٍ مستقلّ. وهو العنف نفسه الذي يُلقي معناه الأعمقَ على وجه الضحيّة الأساسيّ وقد تُحاك حوله الإسقاطات التي تؤثّر بشدّة في الحقلَين الاجتماعيّ والسياسيّ"[4].

  وفي السياق عينه، يمكن العنف الرمزيّ أن يتّخذ شكل خطاب أو سياسة أو آراء وأنماط سلوك وخيارات تفرض نفسها فرضًا على أفرادٍ أو مجموعة اجتماعيّة. فالعنف الرمزيّ، في هذه الحالة، يُترجم بنزعة الأفراد أو المجموعة، على نحوٍ واعٍ أو لا واعٍ، بأن يجدوا أنفسهم مكرهين على تبنّي عناصر الخطاب أو السياسية المذكورة، لكي يكونوا مندمجين في بيئتهم ومقبولين فيها. وممّا لا شكّ فيه أنّ قوّة التقليد في هذا النوع من العنف تلقي بظلالها بشدّة على تكوين الذهنيّات، بحيث تخلق تطابقًا شديدًا على طرق التفكير والتصرّف لدى الأفراد أو المجموعة المستهدفة[5].

ثالثًا: الخطاب السياسيّ الطائفيّ اللبنانيّ بصفته شكلاً من أشكال العنف الرمزيّ

  يمثّل النظام الطائفيّ اللبنانيّ منطلقًا لخطاب سياسيّ يُولّد عنفًا رمزيًّا بامتياز. فبالرغم من أنّ الدستور ينصّ في مادّته التاسعة على واجب الدولة أن تكفل "حريّة الشعائر الدينيّة تحت حمايتها على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العامّ"، وبالرغم من أنّ المادّة 317 من "قانون العقوبات" تعاقب على "كلّ عمل وكلّ كتابة وكلّ خطاب يقصد منها أو ينتج عنها إثارة النعرات المذهبيّة أو العنصريّة أو الحضّ على النزاع بين الطوائف ومختلف عناصر الأمّة"، فإنّ التعاطي السياسيّ يتمّ على أساس طائفيّ، الأمر الذي يحثّ مرجعيّات سياسيّة عديدة على عدم التردّد في تأجيج المشاعر الطائفيّة بطريقة تخدم مصالحها الخاصّة التي تُخضع لها في الغالب مصالح طوائفها، وتحصرُ فيها البُعدَ الوطنيّ. وقد أدّت طريقة التعاطي السياسيّ هذه إلى شلّ عمل القضاء في ما خصّ "إثارة النعرات المذهبيّة"، و"الإخلال في النظام العامّ"، وحوّلت الدولة إلى ما يشبه مقاطعات طائفيّة ومذهبيّة تتنازع في ما بينها، وتتصارع المرجعيّات السياسيّة داخل كلّ منها من أجل الإمساك بحصريّة التمثيل.

لقد بات الانحراف في استخدام حريّة التعبير التي يكفلها الدستور ممكنًا بل سهلاً، إذ يمكن أيّ مرجعيّة سياسيّة اللجوء إلى التحريض الطائفيّ بحجّة حماية مصالح طائفتها. وممّا لا شكّ فيه أنّ مثل هذا الخطاب التحريضيّ يقوّي الأحكام المسبقة والآراء المقولبة في أعضاء الطوائف الأخرى أو أنصار مرجعيّاتها، ويجد في وسائل الإعلام المصطبغة هي أيضًا بألوانٍ طائفيّة ومذهبيّة، وسيلةً لتعميم الاتّهامات وقوالب الأحكام وتضخيم الخبرات الصغيرة السلبيّة أو حتّى الأوهام المنسوجة. ولا عجب أن يتحوّل هذا العنف الرمزيّ عند استفحاله إلى عنف ماديّ، إذ إنّ تناميه السريع في تربة خصبة يؤدّي إلى خروجه عن السيطرة.

يبدو أنّ التمييز بين ما هو دينيّ وما هو طائفيّ ضروريًّا للخروج من تلك الحلقة المفرغة. فمن شأن هذا التمييز أن يحرّر الدِّين من قبضة الخطاب الطائفيّ، إذ يفضح نهجه الاستغلاليّ المهيمن، وبالتالي، يساهم في الفصل بين الوطنيّ والطائفيّ، وفي تعزيز خطاب لاطائفيّ متحرّر من العصبيّة الطائفيّة والمذهبيّة.

* مدير دار المشرق ومجلّة المشرق.

 

[1] Cf. Charles Tilly, The Contentious French, Harvard University Press, 1986; Philippe Braud, Violences politiques, Seuil, Paris, 2004.

[2]   Cf. Pierre Bourdieu, Le sens pratique, Edition Minuit, Paris, 1980 :
http://monoskop.org/images/8/8c/Bourdieu_Pierre_Le_sens_pratique_1980.pdf

[3] Cf. Braud, Violences politiques, pp. 162-163.

[4] Ibid., p. 162.

[5] Cf. Cyril Tarquinio, «La violence politique», in: Cahiers de psychologie politique, n°5 :
 http://lodel.irevues.inist.fr/cahierspsychologiepolitique/index.php?id=1300
يتكلّم المؤلِّف في هذا الإطار على عنف "الرقابة الاجتماعيّة".

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق