لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

عبدالله حجّار*

أغاثا كريستي وحلب والتوثيق

أغاثا كريستي (1890-1976)  

ولِدَت أغاثا ماري كلاريسا ميلّر في العام 1890 بإنكلترا. كان والدها أميريكيًّا يعمل في البورصة، وهي صغرى إخوتها الثلاثة. عمِلت ممرّضة في أثناء الحرب العالميّة الأولى، وتزوّجت الطيّار أرشي كريستي في سلاح الطيران الملكيّ، وأنجبت منه ابنتها الوحيدة روزالِند التي ولِدَت في العام 1919. ألّفت في أثناء زواجها ستّةَ كتب وعدّة قصص، وطلبت الطلاق من زوجها في العام 1928، عندما علمت أنّه على علاقة بامرأة أخرى، وعُرِفت منذئذٍ باسم أغاثا كريستي.


تعرّفت إلى الشابّ ماكس ملوان (1904-1978) مساعد رئيس بعثة التنقيب في زيارة لصديقَيْها السير ليونارد وولي وزوجته في أثناء عملهما في العراق، وأعجِبَ الواحد بالآخر، وتزوّجا في العام 1930. ورافقته في تنقيباته اللاحقة بالعراق (نمرود) وسورية في الثلاثينيّات من القرن العشرين، وكانت تقوم بمهمّات التصوير مع البعثة. وإذ كانت تُسأل عن غرابة الحياة التي عاشتها مع زوجها في التنقيب، قرّرت أن تجيب بكتابها الممتع تعال حدّثني كيف تعيش، الذي كتبته في أثناء الحرب العالميّة الثانية وصدر في العام 1946.

أعمال أغاثا:

كتبت أغاثا 66 قصّة بوليسيّة وأكثر من 15 مجموعة قصص قصيرة، وعددًا من المسرحيّات أهمّها مسرحيّة مصيدة الفأر Mousetrap التي لا تزال تُمثَّل (وحاليّاً على السفراء في لندن) منذ 25 تشرين الثاني (نوفمبر) 1952 حتّى الآن )العام 2012)، أي قُدِّمَت أكثر من 24,600 مرّة، وهي أطول مدّة في تاريخ المسرح بالعالم. بلغ عدد كتبها 94 كتابًا نُقِلت الى 103 لغات (أي 16 ضعف من كتب شكسبير)، ودخلت موسوعة غينيس للأرقام القياسيّة إذ بيعت 4 مليارات نسخة من كتبها، ولم يُطبَع عدد أكثر من نسخ كتبها سوى نسخ الكتاب المقدّس. نالت عدّة جوائز ومُنِحَت لقب كومندور المملكة البريطانيّة العام 1956، ولقب سيّدة كومندور العام 1971. كما مُنِحَ زوجها العالم ماكس ملوان كذلك لقب فارس ( سير) على أعماله في مجال الآثار. 

عاشت أغاثا حياةً سعيدةً مع زوجها الثاني عالم الآثار ماكس ملوان، وكتبت سيرتها الذاتيّة بكلّ صدق. وعلّق حفيدها ماتيو في المقدّمة بأنّه "نشيد لفرح العيش"، وقالت فيها: "أعتقد أنّني تذكّرتُ ما أردت أن أتذكّره". والطريف أنّ أغاثا كانت تفضّل شرب الماء على الخمر الذي كان يقدّمه زوجها إليها، كما حاولت أن تعتاد على التدخين بتناول سيجارة واحدة بعد الغداء وأخرى بعد العشاء، ولمدّة ستّة أشهر، لكنّها لم تفلح في التعوّد على ذلك. كما كانت تحبّ اقتناء عددٍ من مجموعات الأحذية. تراجعت صحّتها بين العامَين 1971 و1974 لكنّها تابعت الكتابة، وأعطت حفيدها الوحيد ماتيو بريتشارد حقّ استثمار مطبوعاتها بالإضافة إلى مسرحيّتها الشهيرة "مصيدة الفأر". ويُقال إنّها أصيبت في آخر أيّامها بمرض ألزهايمر (خرف الشيخوخة) وتوفّيت العام 1976 عن خمسة وثمانين عاماً، وتوفّي زوجها ماكس ملوان بعدها بسنتين، العام 1978. كما توفّيت ابنتها روزالند هيكس العام 2004 مثل والدتها أغاثا في الخامسة والثمانين من عمرها. ويدير حفيدها ماثيو، وله ثلاثة أولاد، مؤسّسة أغاثا كريستي المساهِمة التي يُقدَّر دخلُها السنويّ بسبعة ملايين جنيه إسترلينيّ.

أغاثا كريستي وحلب

من خلال كتابها تعال حدّثني كيف تعيش، الذي كتبته عن الحياة في سورية في أثناء مرافقتها زوجها في تنقيبات تلال شاغر بازار وبراك وجدلة على الخابور والبليخ في مواسم الأعوام 1934-1938، نجد أنّها تركت وزوجها بصمات خاصّة في علاقتها بحلب وسكّانها بوجهٍ خاصّ.

ففي حلب والقامشلي تعرّفت إلى بائع المشروبات اليونانيّ "يناكوس". وتذكر دهشة ولده في القامشلي عندما ذكر لها: كيف يترك ملك أعظم بلد في العالم العرش من أجل امرأة (ترك الملك إدوار العرش من أجل حبّه للسيّدة سمبسون).

وعندما كانت تصل قادمة من أوروبّا بقطار الشرق السريع إلى حلب، كانت تقيم في فندق بارون، وتعرف صاحبه السيّد كوكو مظلوميان وزوجته الإنكليزيّة. وقد كتبت جزءاً من روايتها جريمة في قطار الشرق السريع في الغرفة 203 من الفندق وعلى شرفته الواسعة. كما تذكر معرفتها بالطبيب أسادور ألطونيان، الذي كان يوجّه زوجها إلى مستشفاه بحلب (بناء مدرسة الحكمة الذي هُدِم مؤخّراً قرب سينما أوغاريت، والذي درّس فيه خير الدين الأسديّ في آخر أيّامه) المرضى المصابين من العاملين في تل شاغر بازار وتل براك وسواهما في الجزيرة.

ويضمّ الكتاب الذهبيّ لدار آل بوخه في خان النحّاسين في "المدينة" جملة كتبتها ووقّعتها أغاثا بالفرنسيّة بخطّ أنيق" في ذكرى سهرة ساحرة"، وتاريخها 1938. وعندما كان الدكتور أدولف بوخه، رئيس جمعيّة العاديّات في السبعينيّات من القرن الماضي وما قبل، يُسأل عن معرفته بالكاتبة أغاثا، كان يجيب بأنّه رقص معها في بيت أخته مدام صولا (الكائن مقابل مدخل البيمارستان النوريّ في الجلّوم).

وما يدلّ على عراقة جمعيّة العاديّات بحلب، تذكر أغاثا مشاركتها أعضاء الجمعيّة في رحلة إلى قلعة سمعان (1934 أو 1935)، وكان بينهم رجل دين أصمّ ومهندس مناجم. وأعتقد أنّ الكاهن المقصود هو الأب جبرائيل ربّاط الذي أصبح رئيس الجمعيّة بعد وفاة الشيخ كامل الغزّي والشيخ راغب الطبّاخ العام 1934، كما أعتقد أنّ مهندس المناجم هو الأديب شكيب الجابريّ مؤلّف رواية "وداعاً يا أفاميا".

وأذكر كذلك عالم الآثار ماكس ملوان زوج أغاثا، عندما سأله حفيد عالم الآثار جورج سميث، هل يعرف جدّه الذي قرأ قصّة الطوفان ونقّب في نينوى. أجابه ملوان بأنّه حضر احتفال إعادة دفنه في حلب العام 1938 حيث نقل جثمانه مع آخرين من شمال مقبرة العبّارة، عندما منع الدفن فيها، إلى المقبرة الانجيليّة في الشيخ مقصود. والمعروف أنّ جورج سميث (1830-1876) الذي قرأ، لأوّل مرّة العام 1873، قصّة الطوفان المذكورة في اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش وبتفصيل أشدّ دقّة من التفصيل المذكور في العهد القديم، دُفِنَ بحلب العام 1876.



 
   

 



























كما نجد بين أسماء الزوّار في الكتاب الذهبيّ لدار آل بوخه توقيع الألمانيّ ماكس فرايهر أوبنهايم، الذي كان أوّل مَن نقّب بشكل نموذجيّ في سورية، وكان ذلك في تل حلف قرب رأس العين في الأعوام 1911-1913 و1926-1927. وتأسّس متحف حلب الوطنيّ ليضمّ لقى مكتشفة من مملكة غوزانا الآراميّة في تل حلف من القرن العاشر ق. م.، وقد صُنِعِت نسخ لجميع التماثيل المكتشفة، فنُقِل إلى برلين نصف اللقى الأصليّة والنصف الآخر نسخاً لها، وعُرِضَ الباقي من أصليّ ونسخ في متحف حلب. وتذكر أغاثا مشاهدتها وزوجها موقع تل حلف الذي يلتفّ حوله نهر الخابور قرب رأس العين، وزيارتها السابقة مع زوجها لمتحف أوبنهايم في برلين التي استغرقت خمس ساعات كاملة.

ويحضرني هنا تساؤل. دمّرت الغارات الجوّيّة للحلفاء على برلين العام 1943 متحف وتماثيل تل حلف، وتمّ ترميم اللقى ثانيةً وأعيد عرضها حديثاً في برلين العام 2011. أي استغرق ذلك حوالى 70 عاماً، لأنّ الأفضليّة هي للاهتمام بالبشر قبل الحجر. تُرى كم سيمرّ من الزمن كي نقوم في بلادنا الحبيبة بترميم هذه الكنوز التي دمّرتها الأيدي الآثمة والمسجّلة في لائحة التراث العالميّ، وفي مقدّمتها تدمر وقلعة الحصن وحلب القديمة والقرى الأثريّة (37 قرية) مثل قلعة سمعان وقلب لوزة والبارة وسرجيلا التي سجّلت بالتراث العالميّ مؤخّراً في 27/6/2011؟

رحلت عنّا بتاريخ 15/6/2015 السيّدة جينّي بوخه مرّاش ابنة المرحوم الدكتور أدولف بوخه. كانت الأمينة، حتّى آخر لحظة ممكنة، على تقليد العائلة عبر الأجيال في شرح محتويات دار العائلة – المتحف حيث كانت قنصليّة البندقيَّة في خان النحّاسين في قلب "المدينة" منذ العام 1548. وأصدرت بالفرنسيّة كتابين صور جدّي وعائلة بوخه. ومن بين ما ذُكِرَ في الكتاب الذهبيّ لزوّار الدار في نهاية كتاب صور جدّي تواقيع وكلمات علماء آثار وملوك ورؤساء كان من بينها خمسة أبيات، غير معروفة لكثيرين، كتبها بخطّ يده ووقّعها الشاعر أحمد شوقي في أثناء زيارته حلب بتاريخ 8 نيسان 1917، ويذكر فيها فضائل إلفيرا إحدى أخوات الدكتور أدولف بوخه الخمس:

حضرة الآنسة المهذّبة المادوموازيل إلفيرا بياناً لفضائلها:

إنّ إلفيرةَ ذاتَ الجمال                        في حلب الشهباء أختُ الرجالِ

قد صاغها الرحمانُ من جوهرٍ              وقد براها مصدراً للكمالِ

قَوامُها سُمرُ القَنا دونهُ                        ألحاظُها فتّاكةٌ كالنصالِ

قد سحرتْ أهلَ النُهى جُملة                  تاركةً قلوبَهم في اعتقالِ

فيا لها من غادةٍ قد غدتْ                     للخَلقِ في اللطفِ خيرَ مثالِ

      8 نيسان (أبريل) 1917       التوقيع (أحمد شوقي)



 

 

 

 

 

واليوم

لقد دُمّرت الدار ونُهِبت مع ما نُهِب ودُمِّر في المدينة القديمة من أسواق وخانات وقيساريات ومساجد وكنائس ومدارس... وأصبح في علم الغيب أرشيف (محفوظات) عائلتَيْ بوخه ومركوبولي المؤلّف من أكثر من 600 ألف صفحة كانت تقوم بدراستها مجموعة عمل من جامعة توبنغن. رحم الله السيّدة جينّي وألهم العزاء لأولادها وعائلاتهم والأصدقاء الكثيرين وألهمهم الصبر. وذِكر الصدّيق والطيّب يدوم إلى الأبد.

ويحضرني هنا قول شاعر الحكمة عند العرب زهير بن أبي سُلمى:

ثلاثٌ يعزّ الصبرُ عند حدوثها                  ويذهل عنها قلبُ كلّ لبيبِ

خروجُ اضطرار من بلادٍ يحبّها                وفرقةُ إخوانٍ وفقدُ حبيبِ

ونحن صامدون في حلب الشهيدة بانتظار يقظة الضمير الخيّر النائم لدى رؤساء دول العالم الذين يتحكّمون بلعبة الأمم القذرة التي تؤدّى في المنطقة وبلادنا الحبيبة، ولتكن مشيئتك يا ربّ!      

* باحث ومؤرّخ من حلب. 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق