قداسة الحبر الأعظم "البابا فرنسيس"

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب سامي حلاّق اليسوعيّ*

صرخة الأرض، صرخة الفقير

مقدّمة

في شهر حزيران (يونيو) 2015، أصدر البابا فرنسيس رسالة عامّة وجّهها إلى جميع أصحاب الإرادة الطيّبة، لا للمسيحيّين وحدهم، حملت عنوان: «كن مسبّحًا». تتناول هذه الرسالة موضوع البيئة والتلوّث. من الناحية البيئيّة، لم تختلف هذه الرسالة عن كلّ ما يُكتَب في هذا الموضوع، سواء على المستوى العلميّ أو التقنيّ أو الاجتماعيّ. ولكنّ الرسالة ربطت الظلم تجاه البيئة بالظلم الاجتماعيّ تجاه الفقراء أفرادًا ومجتمعاتٍ ودولاً، واقترحت مسارًا للخروج من مسبّبات الأزمة البيئيّة.

فقدان الثقة بالعلم والتقدّم

تشير الرسالة إلى عصر اهتزاز الثقة بالعلم التي سادت العقول طوال عدّة قرونٍ مضت. فالتلوّث البيئيّ بيَّن أنّه لا ينبغي منح العلم وشعار التقدّم والتطوّر الثقة الكاملة (الرقم 19)، كما لا ينبغي لهما أن يكونا المعيار الوحيد للعمل البشريّ، لأنّ استقلاليّتهما عن الضمير الإنسانيّ ولّد أذًى للعالم الذي نعيش فيه ستمتدّ آثاره على أجيال، إذا ما تمكّنت هذه الأجيال من العيش على كوكبنا.

ترجح الرسالة فقدان الثقة هذا إلى ارتباط الأبحاث العلميّة بالاقتصاد والربح. فالغاية لم تعد الاكتشاف وتوسيع المعرفة بقدر ما صارت جني الأرباح على المدى القصير مهما كان الثمن. لذلك دخل الباحثون والساعون وراء المشاريع «التطويريّة» في دائرة الكذب أو إخفاء الحقيقة أو عدم الرغبة في معرفة المزيد، مخافة أن يُفشِل هذا المزيد المشروع برمّته.

بيئة بمكيالَين

وتلفت الرسالة الانتباه إلى أنّ توسّع المدن، وهجرة الكثيرين إليها، أدّيا إلى ظهور مناطق العشوائيّات، أو حتّى مناطق سكنيّة منظّمة، ولكن بتنظيمٍ سيِّئ، فصارت هذه المناطق تعاني أزماتٍ عدّة كالاكتظاظ السكّانيّ والفوضى والضجيج وغياب المساحات الخُضر. وفي الآن نفسه تشهد المدن توسّعًا آخر لمناطق سكن  الأغنياء حيث المساحات «الإيكولوجيّة» التي لا يُسمَحُ للفقراء دخولها تحاشيًا للإزعاج (را. الرقم 45).

«إنّ التقدّم في القرنين الأخيرين لم يعنِ، في جميع جوانبه، تقدّمًا حقيقيًّا وشاملاً وتحسينًا في نوعيّة الحياة. بعضُ هذه العلامات هي في الوقت عينه أعراضٌ لتدهور اجتماعيّ حقيقيّ، ولتمزّق صامت لأواصر الاندماج والشَرِكة الاجتماعيّة» (الرقم 46).

فالأزمة البيئيّة، أو بالتحديد، السعي الحثيث وراء الكسب على حساب الطبيعة، جعل الطبقات الفقيرة أوّل ضحاياه. فالبحوث العلميّة وخبرة الحياة اليوميّة تبيّن أنّ التأثيرات الأشدّ خطورة لجميع التعدّيات البيئيّة يتحمّلها الأشخاص الأشدّ فقرًا.

مفهوم القيمة

بعد أن عرضت الرسالة إشكاليّات أزمتنا البيئيّة، وكيف أنّها مبنيّة على تردّي القيم والأخلاق، حيث الهدر والإسراف حلّا محلّ الحرص والانتباه، والطمع حلّ محلّ القناعة، والجشع محلّ الاعتدال، والكبرياء محلّ التواضع، يعيد البابا في رسالته هذه تحديد مكانة الإنسان في الخليقة. ونجد هذا بوجهٍ خاصّ في الفصل الثاني، الفقرات 85-95.

اللافت للانتباه هو أنّ الوثائق الكنسيّة السابقة، خصوصًا في عهد البابا يوحنّا بولس الثاني، حدّدت مكانة الإنسان في الخليقة بوظيفة الوكيل. إنّها وظيفة تجعل الأرض مسخّرة له، وتجعله أعلى منها، ومسؤولًا عنها. في هذه الرسالة يتمّ الإلحاح على مكانةٍ أخرى وهي مكانة الشريك. وبالتالي لم يعد الإنسان سيّدًا متميّزًا بل صار شريكًا له حقوق وعليه واجبات. إنّها النظرة الفرنسيسيّة إلى الإنسان، نظرة لا ترى الأشياء بقيمتها الظاهريّة وبالمرجعيّة إلى الإنسان، بل بقيمتها الحقيقيّة وبالمرجعيّة إلى الله: هذا النبات له قيمة، لا لأنّه يحوي كذا وكذا، ولا لأنّه يفيدني، بل لأنّه من صنع الله.

على هذا الأساس، كلّ ما هو مخلوق له قيمة وينبغي أن نحافظ عليه، وفي السياق نفسه، كلّ كائنٍ بشريٍّ له قيمة وله حقوق في المشاركة بخيرات الخليقة. ولا يحقّ لأحدٍ أن يمنح نفسه حقّ التمتّع بخيراتٍ ويمنعها عن الآخرين. «البيئة هي مِلكٌ عامّ، وإرثٌ للبشريّة بأسرِها، وهي مسؤوليّة الجميع. فمَنْ يمتلك جزءًا منها فهو فقط لإدارته لصالح الجميع. فإن لم نفعل ذلك، نحمّلُ ضميرَنا ثقل التّنكّر لوجود الآخرين. ولهذا تساءل أساقفة نيوزيلندا عن معنى وصيّة «لا تقتل» عندما يستهلك عشرون بالمئة من سكّانِ العالم المواردَ على نحو يجعلهم يسرقون من الدول الفقيرة، والأجيال الآتية، ما تحتاجُ إليه للبقاء على قيد الحياة (الرقم 95).

الحوار أساس الإصلاح

تنتهي الرسالة ببعض الإرشادات، والكلمة الأساسيّة فيها هي الحوار، وتنتقل الرسالة من الحوار العامّ إلى الخاصّ:

الحوار حول البيئة في السياسة الدوليّة. وغايته وضع سياساتٍ شاملة للأرض كلّها من أجل الحدّ من التلوّث، وتخفيف الاستهلاك المفرط في الدول الغنيّة، وسنّ قوانين في شأن المساحات التي لا تخضع لسلطة كالبحار والقطبَين الجنوبيّ والشماليّ، وردع استغلال الشركات الضخمة للدول الفقيرة...

الحوار من أجل سياساتٍ وطنيّة ومحلّيّة جديدة. فالفساد والجشع يجعلان القرارات السياسيّة المحلّيّة تميل إلى الكسب السريع، وتتغاضى النتائج السلبيّة الطويلة الأمد على البيئة. كما ينبغي دعم الدول الفقيرة من أجل إنتاجٍ أقلّ تلويثًا، وتأمين وسائل للتنمية والعيش تحترم إيقاع نموّ الثروات الحيوانيّة والنباتيّة.

حوار وشفافيّة في اتّخاذ القرارات. عند وضع أيّ مشروعٍ إنتاجيّ، لا ينبغي لدراسة التأثيرات البيئيّة أن تأتي لاحقًا، بل أن تُطرَحَ منذ بداية التفكير في المشروع. ولا ينبغي التذرّع بعدم اليقين العلميّ الكامل من آثار المشروع السلبيّة على البيئة كي يتمّ إقراره، بل ينبغي عدم إقرار مشروعٍ لا يملك اليقين التامّ بعدم تأثيره في البيئة.

السياسة والاقتصاد في حوار من أجل الملء الإنسانيّ. تندّد الرسالة هنا بخضوع السياسة لهيمنة الاقتصاد. فإذا كان هدف التفكير الاقتصاديّ هو الربح، فإنّ هدف السياسة هو الخير العامّ وخدمة الحياة البشريّة. وعلى الحوار بين الطرفَين أن يتمّ على أسسٍ أخلاقيّة. فضمان حماية البيئة لا يقوم على أساس حساب الربح الماليّ، بل يقوم غالبًا على أساس الامتناع عن هذا الربح.

الأديان في حوار مع العلم. تصل الرسالة إلى هذه النقطة الأخيرة والمنطقيّة. إذا كان الحفاظ على البيئة، والامتناع عن الربح مهما كان الثمن، واختيار معايير لكلّ مشروع تقدّم واستثمار، تقوم على معايير أخلاقيّة وعلى الضمير، على هذا الضمير أن يستنير بوحيٍ سماويٍّ لا بمنطقٍ أرضيّ. وهنا يظهر دور الإيمان الذي «يدعو العالم ليبقى منفتحًا على الواقع، في كلّ غناه الذي لا ينضب. إنّ الإيمان يوقظ الحسّ النقديّ لأنّه يمنع البحث العلميّ من أن يرضى بصيغته... ويوسّع آفاق العقل لينير بشكلٍ أفضل العالم الذي ينفتح أمام الدراسات» (حاشية الرقم 199).

الخاتمة

الرسالة جديدة في موضوعها وأسلوبها. إنّها لا تطرح قضيّةً إيمانيّة بقدر ما تطرح قضيّة إنسانيّة تخصّ جميع الناس. والطرح لا يعتمد على تعاليم الإيمان المسيحيّ حصرًا بل على أبسط المبادئ العامّة: الحفاظ على البيئة كي نتمكّن نحن والأجيال التي بعدنا من العيش على هذا الكوكب. لا شكّ في أنّ البابا يتكلّم انطلاقًا من إيمانه، ولكنّ الجانب الخاصّ بهذا الإيمان ليس محوريًّا. ما هو محوريّ هو صوت الضمير الذي ينادي كلّ إنسان كي يفعل شيئًا من أجل الخليقة.

* باحث له عدّة مؤلفات لاهوتيّة وروحيّة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق