لقاء سلطانة أخت جبران بوالدتها بعد وفاتها (جبران خليل جبران)

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس*

لماذا نحزن؟

إذا أردنا أنْ لا نحزنَ فقد أردنا أنْ لا نكونَ موجودين البتَّة؛ لأنَّ الحزنَ من الفساد والزَّوال، ونحن في عالم الكون والفساد... وإذا كرهنا الموتَ واعتقدنا أنَّه أردأُ ما قد يصيبنا كنَّا جاهلينَ حقيقة الموت. فالموت جزء من ماهيَّة الإنسان، كما أنَّ الحيوانيَّةَ والنُّطقَ جزآه الآخران. فالإنسان كما يعرِّفه الكنديّ[1] (ت 873 م) «حيوان ناطق مائت»، وهو ينتمي إلى عالم الكون والفساد؛ عالم التَّغيُّر والتَّحوُّل المستمرَّين، عالم الأضداد: الحياة والموت، الفرح والحزن، اللَّذة والألم...

نعيش رحلةً بين طرفَي الميلاد والموت، نسعى فيها إلى تجنُّب الحزن وإحراز السَّعادة. لكن لماذا نحزن؟ يعالج الكنديّ هذه المسألة في رسالته في الحيلة لدفع الأحزان معالجةً فلسفيَّة ترتبط بمصير الإنسان بعد الموت. فيقول في مستهلِّ الرِّسالة إنَّ «الحزن ألمٌ نفسانيّ يعرض لفَقْد المحبوبات وفَوْت المطلوبات». وهذه العبارة، على قصرها، تحصر أسبابَ الحزن كلِّها في أمرَين: إمَّا فقد محبوبٍ، وإمَّا عدم تحقيق مطلوب. فلنتأمَّل هل يمكن أحدًا من النَّاس أنْ يتخلَّصَ من هذَين السَّببَين؟ من البديهيّ أنْ لا أحدَ يستطيع الحصولَ على كلِّ ما يرغب ولا أنْ يكونَ بَمأمنٍ من فقدان ما يحبّ؛ لأنَّ الدَّوامَ ليس من صفات العالم الَّذي يعيش فيه، وإنَّما الثَّبات والدَّوام موجودان في العالم العقليّ (عالم الملكوت السَّماويّ) لا العالم الحسّيّ، وفقًا لما يقول الكنديّ.

فإنْ أردنا أنْ نحتفظَ بما نملكه فعلينا أنْ نتطلَّعَ إلى العالم العقليّ ونختار منه محبوباتنا لأنَّها دائمة؛ أمَّا الأمور الحسِّيَّة فلا تبقى. ومَن أراد بقاءها فقد أراد الدَّوامَ لما ليس في طبعه أنْ يدوم. ولكي نتجنَّبَ الحزن علينا أنْ لا نسعى إلَّا إلى ما هو ممكن ومتاح لنا؛ لأنَّ مَنْ يطلب ما لا يمكنه أنْ ينالَه يطلب ما لا يوجد. ومَنْ يحزن لفقد محبوبٍ سيمضي عمرَه حزينًا لأنَّه سيجد أنَّه سيفقد دائمًا قُنيةً أو عزيزًا...

لكنَّ الحزنَ مؤلم، ولا بدَّ لنا أنْ نواجهَ في حياتنا أمورًا محزنة، فماذا بوسعنا أنْ نفعل؟

يذكر الكنديّ العلاجات أو الأدوية الَّتي يمكن بفضلها دفعُ الأحزان، ويمكن تلخيصها بالنِّقاط التَّالية:

  1. لا بدَّ لنا أنْ نفكِّرَ في الحزن ونقسِّمه إلى أقسامه؛ فنبحث هل هو ناشئ عن شيء يتوقَّف أمرُه على إرادتنا أم على إرادة غيرنا. فإنْ كان الأمرُ راجعًا إلينا، فعلينا الامتناع عن القيام بما يحزننا. وإنْ كان الأمر بيد غيرنا، فعلينا أنْ نبعدَ الحزنَ عنَّا إذا كان باستطاعتنا ذلك. وإنْ لم نستطِع، فليس لنا أنْ نحزنَ قبل وقوع ما يُحزن لأنَّه قد لا يقع. وإنْ وقع، فعلينا أنْ نبذلَ جهدَنا لتقصير مدَّته.
  2. أمَّا الدَّواء الثَّاني فهو أنْ نتذكَّرَ أحزانَنا الماضية الَّتي نسيناها، وأحزانَ غيرنا الَّتي شاهدناها، لندرك أنَّ الحزنَ فانٍ، وأنَّ كلَّ النَّاس تصيبها المصائب لا محالة. فإذا فقدنا ولدًا أو حُرمنا فرحةَ الإنجاب مثلًا، فلنعلم أنَّ كثيرين أيضًا فقدوا أولادَهم أو حُرموا الإنجاب، لكنَّهم نسَوا آلامَهم وأمسوا فرحين. وكذلك الأمر في المال وفي جميع مقتنياتنا الحسِّيَّة وكلِّ مراداتنا. ونجد في الرِّسالة الَّتي كتبها الإسكندر المقدونيّ إلى والدته، وأوصاها بقراءتها بعد وفاته، مثالًا بارزًا على ذلك؛ فقد طلب منها ألَّا تحزن لأنَّ كلَّ شيءٍ في الدُّنيا زائل؛ وأنَّه إذا مات فلتجمَع النَّاس على طعامٍ وشراب، ولكنْ لينادِ منادٍ أنْ لا يحضرَ كلُّ مَنْ أصابته مصيبة؛ فلم يحضر أحد!
  3. ينبغي لنا أنْ نتذكَّرَ دائمًا أنَّ كلَّ ما نحصل عليه ونقتنيه إنَّما هو مشتركٌ بين النَّاس جميعًا، وأنَّه عاريةٌ من المبدِع. فله أنْ يستردَّه متى يشاء ليمنحه إلى غيرنا؛ وأنَّه لو لم يعطِه لمَنْ يشاء لما وصل إلينا. وقد قيل لسقراط: ما بالك لا تحزن؟ فقال: لأنِّي لا أقتني ما إذا فقدته حزنت عليه.
  4. إنَّ مَنْ يشغل نفسَه في حياته الزَّائلة باقتناء الأشياء الحسِّيَّة الكثيرة (الزَّائدة على حاجاته الضَّروريَّة) تزيد آلامُه وأحزانُه، ويخسر حياته الدَّائمة. فإنَّ حالَ النَّاس في عبورهم هذا العالم الفاني تشبه حال قومٍ أبحروا في سفينةٍ إلى مكانٍ يقصدونه ليكون مقامَهم الدَّائم، فاقتادهم الملَّاح إلى مرفأ توقَّف فيه لحاجةٍ عارضة. فأرسى السَّفينة وخرج الرُّكَّاب للتزوُّد بحاجاتهم. فأحضر بعضهم ما يحتاجه وعاد إلى المركب غيرَ معرِّجٍ على شيء، فحصل على أحسن الأماكن فيها. وعمد البعض الآخر إلى تأمُّل جمال الطَّبيعة والتَّمتُّع برؤية المروج المزهرة والتَّلذُّذ بالاستماع إلى أصوات الطُّيور، ثمّ عاد إلى السَّفينة وحصل أيضًا على مكانٍ مريحٍ فيها. وقسمٌ ثالث انصرف إلى جمع الأصداف والأزهار والثِّمار، وعاد مثقلًا بها ولم يجد إلَّا أماكن ضيِّقة على متن السَّفينة، فاضطرَّ إلى شغلها، واهتمَّ بالمحافظة على ما جمعه ما أوقع الهمَّ في نفسه كلَّما خسر شيئًا منه. أمَّا القسم الأخير فقد توغَّل في المروج ونسي وطنه، ولم يسمع صوت الملَّاح ينادي للعودة فأقلع المركب من دونه. وقد كان مصيرُ مَنْ بقي في تلك الأرض الجميلة الهلاك والتحوُّل إلى جيفةٍ نتنة. وهذا المثل يقال على حالنا في هذا العالم الفاني. إذ ينبغي لنا ألَّا نُخدَع بحُبّ الدُّنيا وجمالاتها حتَّى نستطيعَ أنْ نجدَ لنا مكانًا فسيحًا في السفينة الَّتي ستنقلنا إلى العالم الحقّ، عالم الدَّيمومة.

نلاحظ أنَّ هذه العلاجات مبنيَّة على ازدراء الملذَّات الحسِّيَّة، والاعتقاد بأنَّ الحياةَ الدُّنيا ليست إلَّا معبرًا إلى الحياة الحقّ، وهي الآخرة. وأنَّه يجب ألَّا نحزنَ من الموت ولا نجزعَ منه؛ لأنَّنا عندما نموت سننتقل إلى العالم العقليّ الخالي من الآلام الحسِّيَّة، وسندرك حينها أنَّه أفضل من عالمنا. ولو أراد أحدُهم إرجاعَنا إلى عالمنا الأرضيّ لحزنا كما يحزن مَنْ يراد إرجاعُه من العالم الفسيح إلى الرَّحم، على حدِّ تعبير الكنديّ.[2]

لا شكَّ أنَّ في أقوال الكنديّ ما يستحقُّ التوقُّفَ عنده والنَّظر فيه رغم مرور أكثر من ألف عام على كتابة رسالته في الحيلة لدفع الأحزان، ولكنْ هل تشفي أدويته مَنْ لا يؤمن بالآخرة؟ وهل تُقنع مَنْ يحبُّ الحياة وملذَّاتها؟ وهل باستطاعة كلِّ النَّاس الزُّهد في الدُّنيا وترك أمورها؟

* متخصّصة بالفلسفة العربيّة، مُحاضرة في معهد الآداب الشرقيّة التابع لكلّيّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف – بيروت.

 

[1]  أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكنديّ، فيلسوف العرب، ولد في الكوفة حوالى سنة 800م. وضع مؤلّفاتٍ كثيرة في مختلف فروع العلم: المنطق، الطَّبيعيَّات، الرِّياضيَّات، ما بعد الطَّبيعة، الطِّب، الهندسة، الفلك، الموسيقى... كما قام بترجمة المؤَلَّفات الفلسفيَّة والعلميَّة من اللُّغة السُّريانيَّة إلى العربيَّة، وشرح العديد من الكتب الفلسفيَّة ولخَّصها (ولا سيَّما كتب أرسطو).

[2] الكنديّ، «رسالة يعقوب بن اسحاق الكنديّ في الحيلة لدفع الأحزان»، في: رسائل فلسفيَّة للكِنديّ والفارابيّ وابن باجة وابن عديّ، تحقيق عبد الرَّحمن بدويّ (بيروت: دار الأَندلس، 1997)، ص 6-32.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق