"مجموعات الأبجديّة الفينيقيّة"، 22 منحوتة من الراتينج أُنجزت لمتحف الآثار في الجامعة الأميركيّة وفي المتحف الوطنيّ ببيروت وتُباع حصريًّا في متجرَيْهما.

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

نيلا رومانس إيليّا*

إنبعاث أبجديّة لم تَمُتْ قطّ

مقدّمة

شأن العديد من اللبنانيّين من جيلي، قادتني ظروف الحياة إلى مغادرة وطني. فأمضيت عقدَين من الزمن أتنقّل في أثنائها بين كبريات المدن في مختلف أنحاء العالم، أتشرَّب من عصاراتها الفنيّة والثقافيّة. ومع مرور الوقت، بات البحث عن هويّة شغلي الشاغل. فانصرفت أفتّش عن أصولي الثقافيّة، فعلق نظري بالحضارة الفينيقيّة، وبوجه خاصّ إنجازها الكبير، أعني به أبجديّتها. وتبادر إلى ذهني أنّها أبجديّة لم تحظَ بالاهتمام الوافي. وإذ أمعنت النظر في حروفها، وجدتها مصدر إلهام شديد. ولمّا كانت تنتابني لفترة طويلة مشاعر متباينة في ما خصّ وطني، شعرت بأنّ إبداع مجموعات من المنحوتات مُستلهمة من الأبجديّة الفينيقيّة، قد تثير بي ثانية تقديري إرثي، ولعلّها تساهم أيضًا في إعادة إحياء ما كان يمثّل حجر زاوية للحضارة القديمة، وما كان في الواقع هديّة مدهشة أهداها لبنان للعالم.

أوّلاًأصول الأبجديّة الفينيقيّة وتعابيرها

بدأت أبحث عن الأبجديّة الفينيقيّة وتطوّرها التاريخيّ. كانت الفينيقيّة تُكتب من اليمين إلى اليسار شأن الكتابة العربيّة المتفرّعة من الآراميّة، واستُخدم فيها نظام صوت كلاميّ لتسمية الحروف، أي كان اسم الحرف يبدأ بالحرف نفسه. وثمّة مَن اعتبر في السابق أنّ هذه الكتابة انحراف للحرف الهيروغليفيّ المصريّ. غير أنّ الباحثين لم يجدوا أيّ رابط بين نظامَي الكتابة هذَين؛ كما برزت نظريّات أخرى لاحقًا بهذا الشأن. ولكن ما كان واضحًا لي هو أنّ للحروف الفينيقيّة معانيَ متّصلة بكلّ رمز، وبوجهٍ خاصّ الأدوات وأجزاء من جسم الإنسان والحيوانات والعمارة وأقسام من البيت والبحر والصيد البحريّ )...(. ومن المفيد الإشارة إلى أنّ الحروف كانت تُنقش بمِرقَم. لذا، فإنّ غالبيّة الأشكال كانت مزوَّات ومستقيمة، في حين أنّ أكثر النسخ بأحرف متّصلة ظهرت بتزايد في أوقاتٍ لاحقة. بعد مقارنة المخطَّطات المختلفة، جمعتُ في النهاية نسختي الخاصّة القائمة على رموزٍ ومعانٍ كانت كثيرة الاستعمال، ووجدتُها الأهمّ. ومن ثمّ، بطريقة شبه ميكانيكيّة، بدأتُ بنحت أشكال استلهمتُها من الحروف الفينيقيّة الاثنين والعشرين. لقد كان مصدر الإلهام في عملي أشكال الحروف والمعاني والرموز القويّة. شعرتُ وكأنّي أبثّ نفحة حياة في تلك الرموز البدائيّة، خالقةً بذلك مفرداتي الخاصّة. إنّ عمليّة تحويل أمر عاديّ إلى شكلٍ ملأني شعورَ مَن يقوم بمأثرة وبرهبة في آن. لقد كان بالفعل عملاً علاجيًّا. ومع الوقت، نقشتُ أكثر من نسخة للحروف التي وجدتُها الأشدّ إلهامًا. وفي أثناء العمل، تطوّر البعدُ الخطّيّ إلى مقاربة ثلاثيّة الأبعاد، فتحوّلت الحروف إلى رموز خاصّة. ومن ثمّ، في سلسلات مصغَّرة أطلقت عليها اسم "سكرابل" ) Scrabble (، اخترتُ بعض الكلمات التي لها وقع شعبيّ أو نموذجيّة لثقافتنا، إن هي إلاّ أسماء مدنٍ عِشتُ فيها أو أكنُّ لها مشاعر خاصّة، مثل السلام، يلّلا، بيروت، وغيرها، وقابلتها بالأشكال المتوافقة معها، وأقمتها على أساسات من الخشب الرقائقيّ مع مرآة من الصّلب في القمّة. وبعض الكلمات، مثل OK-KO ، يمكن أن تُقرأ من الجهتَين، وأردتُ من خلالها إضفاء بعض الفكاهة. وبالتوازي، بدأت بصنع منحوتات تفاعلتْ فيها أشكالٌ عديدة بعضها مع بعض، وقد استَخدَمْتُ رموزها أو معانيها لإيصال رسالة معيّنة أو رواية قصّة أو ببساطة التعبير عن نفسي )...(. لقد كان هذا التطوّر بمثابة وسيلة مرنة وفعّالة لأجسّد رؤيتي الداخليّة عمليًّا. لقد وُلدَت مجموعاتُ الأبجديّة الفينيقيّة وانتشرت في وجهات مختلفة.

2

ثانيًاتطوّرات لاحقة وتعابير جديدة

بعد صنع أشكال من الطين والجِصّ أو البوليسترين )للقطع الكبيرة(، أُعنى، في إطار العمليّة نفسها، باختبار موادّ متعدّدة مثل الأقمشة والبرنيق، لاستخدامها في النحت. وفي الواقع، إنّ تحديد بنية المنحوتة "وجلدها" خطوتان في غاية الأهمّيّة في العمل، إذ إنّ اختيار الوسيط يقوم على ما أنوي إيصاله جماليًّا وعاطفيًّا في آن. فأختار أحيانًا مادّةً أو قماشًا نظرًا إلى خصائصها في اللمس. وممّا لا شكّ فيه أنّ الوسيط

في الغالب جزء من العمل الفنّيّ بقدر الإنتاج الفنّيّ نفسه، وينطبق هذا الأمر على الأسس التي أقمتُ عليها بعض منحوتاتي: فعوض استخدام القاعدة لتقوية المنحوتة، جعلتُها جزءًا من الفكرة، وحدّدتُ بمقتضى ذلك مادّتها وقياسها وشكلها.

إنّ غالبيّة منحوتات مجموعات الحروف الفينيقيّة قد سُبكت بالمعدن أو الراتينج. وقد صنعت المنحوتات الأولى من هذه المجموعات من البرونز والبرنيق المتغضّن والزنجار بغية إيصال الشعور "بالقِدَم". ولكنّي فطنت سريعًا إثر الاختبار أنّ المقاربة المعاكسة جيّدة هي أيضًا، وتبنّيت استخدام الراتينج مع لون واحد والبرنيق الناعم لبعض الحروف، لكي أضفي عليها طابع لغةٍ معاصرة. وعلى كلّ حال، فإنّ غالبيّة اللغات الحديثة نشأت من الأبجديّة الفينيقيّة. عندما يتّصل الأمر بقاعدة المنحوتة، فإنّ خياري المفضّل هي المرآة المصنوعة من الفولاذ، بفضل سطحها العاكس الذي يرمز إلى عنصر الماء، إذ كان الفينيقيّون ملّاحين كبارًا، وقد نشروا أبجديّتهم في أثناء

رحلاتهم البحريّة. وفضلاً عن الفكرة الأساسيّة لهذا الاختيار، فإنّ المرآة الفولاذيّة تُضيف إلى الشكل قيمة جماليّة، إذ تفتح آفاقًا تجميليّة تسمح للمشاهد أن يشعر بعلاقة وطيدة بالعمل. كانت ال" Aleph " أولى منحوتاتي وأفضلها من حيث المعنى، واسمها هو أوّل حرف فينيقيّ، ومنه أتت ال " Alpha "الإغريقيّة وال A اللاتينيّة، و"الأِلف" العربيّة. لقد استلهمتُ شكل المنحوتة من رمز الحرف الفينيقيّ المشتقّ هو نفسه من هيروغليفيّة مصريّة تصف رأس ثور. عندما يُدار هذا الحرف تسعين درجة، يبدو شديد الشبه بالحرف اللاتينيّ الاستهلاليّ A . وهذا يُظهر بوضوح تطوّر الأبجديّة، ذلك أنّ اللاتينيّة اشتُقَّت من الفينيقيّة من خلال الإغريقيّة. لقد أصبحت ال" Aleph " شكلاً أتخيّله حرفًا ورمزًا لبداية، وللتواصل. وقد استخدمته في الغالب مع أشكال أخرى لأصنع “منحوتات روائيّة" مثل "ألفابيت Alphabeit "، و"نحو المجهول Into the unknown "، و"الخروف الأسودThe black sheep ". وقد أنتجت نسخًا مختلفة لل " Aleph "، من قالب يسمح للمرء أن يشعر بفنّ الخطّ، ويرى أشكالاً لها أبعاد ثلاثيّة من أحجام وموادّ وبرنيق وألوان مختلفة.

وعلى سبيل المثال، يبرز في منحوتة" Alphabeit "ما يشبه نسخة مجسّمة للحرف الفينيقيّ " Aleph "، وكأنّها تقترب – أو تبتعد من شكل أكبر بكثير استلهمتُه من - الحرف الفينيقيّ " Beit بيت" الذي لا يزال يحافظ على معناه في العربيّة المعاصرة. وشكل هذا الحرف يثير شعور العناق، وفيه تجويفات تدلّ على باب أو شبّاك. وقد جعلتُ كِلا الشكلَين على سطحٍ كبيرٍ عاكسٍ هو جزء من العمل، ويرمز إلى البحر، ويجمِّل الفسحة البصريّة. واسم المنحوتة تعديل “فينيقيّ" لكلمة " Alphabet " الإنكليزيّة التي نشأت من الكلمة الإغريقيّة " Alphabetos " والتي هي جمعٌ لأوّل كلمتَين من الأبجديّة الإغريقيّة " Alpha " و" Beta "، وهما كلمتان مشتقّتان من أوّل حرفَين في الأبجديّة الفينيقيّة: " Aleph " و" Beit

وثمّة منحوتة أخرى استخدمتُ فيها ال" Aleph " أيضًا بنسخة فيها تشديد على – فنّ الخطّ هي "نحو المجهول – Into the unknown ". لقد اتّخذ حرف " Aleph " فيها شكلاً مماثلاً لرمز الحرف الفينيقيّ، وقد بدا في خطّ تصاعديّ وكأنّه يُنظر شكل أكبر منه مُستلهم من الحرف الفينيقيّ " Teth " ورمزه صليبٌ رُسم في دائرة. لقد تطوّر معنى حرف " Teth " مع الوقت ليصبح دولابًا وترسًا أو المجهول. وفي هذه المنحوتة، كان المعنى الأخير مصدر الإلهام. لقد جعلتها على قاعدة برّاقة من الفولاذ فاقدة التوازن عن عمد، لكي أثير شعورًا بالقلق والسرّ. وقد تجمَّلت المنحوتة أيضًا بانعكاس شكل القالب والفجوات من خلال المرآة، فزادت من عمق الفراغ وأطالت الآفاق.

أمّا منحوتة "الحبّ المتشابك Entangled love "، كما يشير إليه العنوان، فهي رسالة حبّ، وتفسير لتعقيدات الحبّ. إنّها تركيب لأربعة أحرف مُستلهمة من الحروف الفينيقيّة التي هي في أصل الحروف اللاتينيّة: L و O و V و E ، وهي بمثابة مثل إضافيّ عن طريقة التطوّر الثابت من الأبجديّة الفينيقيّة إلى الأبجديّة اللاتينيّة: فيمكن قراءة الكلمة بالإنكليزيّة عندما يُنظر إلى المنحوتة من زاوية معيّنة. لقد دُعِّمَت الأشكال الأربعة بقاعدة أسطوانيّة، وبدت وكأنّها تعانق بعضها بعضًا وتقبّل بعضها بعضًا وتدعم بعضها بعضًا وترفض بعضها بعضًا أو تحجب بعضها بعضًا؛ فعلاقاتها المكانيّة المتبادلة تتغيّر تبعًا لمكان النظر إليها. وإذ يدور المرء حول المنحوتة، يمكنه أن يقدِّر ديناميّة الأشكال وتفاعلها بعضها مع بعض، فتعكس رؤية معقّدة لأوجه الحبّ المتنوّعة. وبالطبع، تبقى هذه النظرة، شأن قالب المنحوتة كلّه، مفتوحة للتفسير.

خاتمة

في كلّ عملٍ من أعمالي، أيًّا كان حجمه أو مادّته أو برنيقه، أسعى لاستخدام لغة عالميّة سهلة، فتأتي الأشكال والمركَّبات التي أصنعها سهلة، ولكنْ قويّة في قوالبها المتفاوتة وأنسجتها وألوانها. ويساهم تكويني الأساسيّ في فنّ العمارة مساهمة أساسيّة في ذلك. إنّ ما أطمح إليه، قبل كلّ شيء، أن ألمس المشاهد. فالمنحوتة وسيلة لإيصال رسالة، أو سرد رواية، أو جذب الناس وأسر مخيّلتهم، وحثّهم على التفكير أو الحلم. إضافةً إلى ذلك، فإنّ العمل على مجموعات الأبجديّة الفينيقيّة كان علاجيًّا لي شخصيًّا: فإعطاء تلك الرموز البدائيّة الحياة مرّةً أخرى ، واستخدامها للتعبير عن نفسي، أضرمَ فيَّ ثانيةً تقدير تراثي اللبنانيّ، وجعلني أشعر بقربٍ أشدّ إلى أصولي. وهكذا، أتصالح مع الحاضر، وفي الوقت عينه، أعبّر عن إجلالي للماضي.

 

 

* نيلا رومانس إيليّا لبنانيّة ومجازة في فنّ العمارة من الجامعة الأميركيّة في بيروت العام 1984. عملت في عدّة مشاريع هندسة داخليّة وتحديث وفنّ عمارة في لبنان. منذ العام 2011 انصرفت كلّيًّا إلى النحت، وعرضت منحوتاتها في دبي بمعرض سيكا للفنّ العام 2013، وفي أسبوع بيروت الفنّيّ العام 2013 و2014 و2015. يمكن إيجاد أعمالها في مجموعات خاصّة ببيروت والإمارات العربيّة المتّحدة. تقيم وتعمل حاليًّا في بيروت.

www.naylaromanos.com

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق