Photo by Charles Constantine

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة بيتسا إستيفانو*

العنف في المسيحيّة إلتباس في فهم معنى الملكوت

"مهما تعدّدت أشكاله، إن كان فرديًّا أو جماعيًّا، إن كانت غايته إلحاق ضرر ماديّ أو معنويّ بالآخر، إن كان مبادرة أو جوابًا على عنف سابق، يفترض العنف غالبًا موقفًا واحدًا، ألا وهو اعتبار الآخر حاجزًا لا بدّ من إزالته أو تذليله وليس كشخصٍ"[1] ذي كيانٍ يستحقّ الاحترام.

1. يالعنف والرغبة المحاكية

يندرج العنف ضمن مثلّث الرغبة المحاكية[2] كما يؤكّده رينيه جيرار وقوامها : الراغب - فاعل الرغبة ((Sujet du désir  والمرغوب - موضوع الرغبة (Objet du désir)، والمنافس (Rival). و"هذه الرغبة محاكية، بمعنى أنّ المرء لا يرغب في هذا أو ذاك من الأشياء لما للغرض المرغوب من قيمة في ذاته، بل لأنّ امرءًا آخر نظيره قد صيّره له مرغوبًا بفعل امتلاكه له، أو مجرّد الرغبة فيه."[3] لذلك يضع نفسه في وضع منافسة معه من خلال محاولته تقليد رغباته، الأمر الذي يؤدّي إلى العنف.

من هنا يتبيّن لنا أنّ العنف هو في صميم كيان الإنسان الراغب الاستحواذيّ. وهذا ما يبدأ الكتاب المقدّس بوصفه لنا منذ بداية التكوين، حيث يريد الإنسان أن يستوحذ منذ البداية على ما يقدّمه أخوه (تك4 : 8)[4].

2. العنف في الكتاب المقدّس

يزخر العهد القديم بأحداث عنيفة وبجرائم فرديّة وجماعيّة ارتُكبت باسم الله وتتميمًا لإرادته لا مجال لسردها في هذه المقالة. ولكن نذكر فيه النموذج الأوّليّ Paradigme المزدوج للعنف[5].

2. 1 المثال أو النموذج الأوّليّ المزدوج للعنف في العهد القديم

نموذجان للعنف يتخلّلان العهد القديم على مستويَي الكيان والتملّك.

2. 1. 1 نموذج العنف تجاه الله، المحاكاة على مستوى الكيان (l’être) (تك 3)

يتوجّب البحث عن أصل تكوين العنف في العلاقة المنحرفة التي يقيمها الإنسان مع الله. تُعتبر كلمة الحيّة في سفر التكوين كلمة مؤسّسة للعنف : "تصيران كآلهة" (تك 3). هناك طريقتان لتنفيذ هذا المشروع : أن يحاول الإنسان بلوغ مستوى الله بطريقة مفرطة (الكبرياء) أو ينحت له إلهًا على قياسه (عبادة الأصنام).

2. 1. 2 نموذج العنف تجاه الآخر، المحاكاة على مستوى التملّك (l’avoir) (تك 4، 1-8)

تبيّن قصّة قايين وهابيل أيضًا الجانب الشموليّ للعنف. فهي تُبرز شخصيّة شقيقين يسعيان إلى هدف واحد : إرضاء الله. من أجل بلوغ هذا الهدف، قدّم هابيل أضاحي حيوانيّة وقايين تقدمات نباتيّة. وقبِل الله تقدمة هابيل، فما كان من قايين إلاّ أن استشاط غيظًا وقتل أخاه[6].

وهنا يجدر الذكر أنّ مشاهد العنف المنسوبة إلى الله في التاريخ المقدّس لا تعكس صورته إلاّ من خلال عنف الإنسان وتخطّي هذا العنف في يسوع المسيح ومعه.

2. 2 تعليم المسيح وعنف المحبّة

إنطلاقًا من تعاليمه، يرفض يسوع العنف : "طوبى للساعين إلى السلام فإنّهم أبناء لله يُدعَون" (متّى 5، 9) وأيضًا : "لا تقاوموا الشرّير" (متّى 5، 38) وأيضًا : "أحبّوا أعداءكم وصلّوا من أجل مضطهديكم" (متّى 5، 43-44).

وحين تمّ إلقاء القبض عليه، أعطى يسوع تلاميذه درسًا بليغًا في اللاعنف تجاه اعتداء الظالمين : "إغمد سيفك، فكلّ من يأخذ بالسيف بالسيف يهلك." (متّى 26، 52). وعلى الصليب هتف متشفّعًا لقاتليه : "يا أبتِ اغفر لهم، لأنّهم لا يعلمون ما يفعلون" (لوقا 23، 34).

ومع هذا، يدعونا يسوع إلى الكفاح حين يقول : "ما جئتُ لأحمل سلامًا بل سيفًا" (متّى 10، 34). من هنا، العنف الوحيد اللائق بالله والجدير بالإنسان هو عنف المحبّة، إذ إنّها لهيبٌ متأجّج : "جئتُ لألقي على الأرض نارًا" (لوقا 12: 49).

2. 3  العنف : سوء فهمٍ للملكوت[7] ؟

إنّ ملكوت الله قد انطلق مع مجيء يسوع وهو "يُؤخذ بالجهاد"(biazetai)  و"عنوة" (متّى 11، 12). ووفقًا للتفسير الأرجح، لفظ biastai يعني المهاجمين والمناوئين، ويقصد يسوع الخصوم الذين يوصدون باب الملكوت في وجههم ويمنعون الآخرين من دخوله."[8]

في مواجهة نظام ظالم، يحتجّ يسوع من أجل حقيقة يعتبرها فائقة وهي ملكوت الله: "أطلبوا أوّلاً ملكوته وبرّه" (متّى 6، 33). إنّه يقاوم استخدام الوسائل العنيفة من أجل تأسيس هذا الملكوت، فهو يرفض أن يكون سياسيًّا ثائرًا : "وعلم يسوع أنّهم يهمّون باختطافه ليقيموه ملكًا، فانصرف وعاد وحده إلى الجبل" (يو 6، 15)، ورفض أن ينال المجد من دون أن يعبر بذبيحة الصليب (متّى 16، 22)[9].

أحد المفاتيح للعنف في الأناجيل، بحسب الكتّاب، هو "سوء فهم معنى الملكوت". "هناك توتّر" (Tension) "أخذ يتفاقم بين الرجاء الذي تولّد، عند إعلان الملكوت، لدى شعب خالٍ من سيادته منذ زمن بعيد، وبين ضرورة تخلّي هذا الشعب عن العودة إلى أفكار تقليديّة متعلّقة بمفهوم الملكوت، لأنّ الملكوت الذي يُنادى به هو ملكوت سماويّ."[10] فالمحيط المقرّب من يسوع لم يفهم معنى الآية "البسطاء يرثون الأرض، والمساكين بالروح لهم ملكوت السماوات". أفراد أسرته أيضًا لم يفهموا تصرّفه واعتبروا أنّه "ضائع الرشد" (مر 3، 21). وأخيرًا، عند الصليب، عُلّقت على أعلى الخشبة آية كُتِبَ عليها : "ملك اليهود". تلميذا عمّاوس قالا له : "وكنّا نحن نرجو أنّه هو الذي سيفتدي إسرائيل" (لو 24: 21).

وعندما اكتشف أنّ شعبه لم يفهم معنى دعوته إلى التوبة لأجل ملكوت سماويّ، منع بقساوة الذين شفاهم من أن يخبروا أحدًا بشيء (مر 1، 44) وانتهر التلميذ بطرس قائلاً له : "إنسحب ورائي ! يا شيطان" (متّى 16: 23)، عندما حاول بطرس أن يثنيه عن عزمه بتقديم ذاته ذبيحة على الصليب (متّى 16، 22)[11].

واليوم، في حين لا يزال المسيحيّون يقرأون دعوة يسوع عدم مقاومة الشرّير، لماذا حادت فئة منهم عن العودة إلى الأصول التي تترسّخ فيها الدعوة إلى ملكوت سماويّ ليتقهقروا نحو أصوليّة تسعى إلى توطيد أسس ملكوت أرضيّ ؟ وإن سبق ليسوع أن ألقى العتاب على الذين يمنعون الناس من دخول الملكوت (متّى 23، 13)، فكيف يحرّم الأصوليّون على الآخر دخول هذا الملكوت ؟

3. مواقف مسيحيّة تتعلّق بالعنف

الأجوبة التي يعطيها المسيحيّون في مسألة العنف ترتبط بعوامل عدّة هي التالية : 1) التقليد التاريخيّ ؛ 2) المسألة الأخلاقيّة المتعلّقة بالعلاقة بين اللاعنف والقيم الأخلاقيّة الأخرى كالعدالة والصالح العامّ ؛ 3) لاهوت وروحانيّة المسؤوليّة التي تُلقى على عاتق المسيحيّين في الشؤون الزمنيّة.

3. 1 التقليد التاريخيّ المتعلّق بالموقف المسيحيّ

منذ العهد الرسوليّ رفض بعض المسيحيّين حمل الأسلحة. هذا الموقف الذي يُدعى اليوم لاعنف أو "سلميّة" Pacifisme قائم على أساس بيبليّ في وصيّة "لا تقتل" وفي كلام يسوع : "طوبى لصانعي السلام" (متى 5، 9) ... وقد تبنّاه مؤلّفون مسيحيّون من القرون الأولى أمثال كليمندوس الإسكندري وترتوليانوس وأوريجانوس ولاكتانس.

3. 2 المسألة الأخلاقيّة المتعلّقة بالعلاقة بين اللاعنف والقيم الأخلاقيّة الأخرى كالعدالة والصالح العامّ

بحسب المجمع الفاتيكانيّ الثانيّ، "واجب المجتمعات أن تدافع عن الذين يتعرّضون للهجوم ظلمًا وبالقوّة إذا تطلّب الأمر". لكنّ المجمع أعلن أيضًا : "لا يسعنا إلاّ أن نثني على الذين يمتنعون عن استخدام العنف في صون الحقوق..."[12]

يبدو البابا يوحنّا بولس الثاني محبّذًا للموقفين : "يحقّ للشعوب، لا بل من واجبها، الدفاع عن وجودها وحرّيّتها باستخدام الوسائل الملائمة ضدّ المعتدي الظالم"[13]. لكنّه يعلن أيضًا أنّ "العنف غير مقبول كحلّ للمشاكل"[14].

الرسالة الراعويّة للمطارنة الكاثوليك في الولايات المتّحدة الأميركيّة، "تحدّي السلام" Challenge of peace (1983)، تؤكّد أنّ "عقيدة الحرب العادلة واللاعنف منهجان مغايران لكنّهما متكاملان من أجل تقييم أخلاقيّة الحرب. فالموقفان يشتركان في مناهضة استخدام القوّة كوسيلة لحلّ الصراعات والنزاعات."[15]

الأخلاقيّات الداعية إلى السلام واللاعنف تستند إلى لاهوت الصليب لتحقيق ملكوت الله وعدالته. هذا الواقع يؤدّي إلى سلميّة Pacifisme مطلقة أكثر منها عمليّة (براغماتيّة). ولا تدّعي هذه الحجّة أنّ اللاعنف سيكون بالضرورة فعّالاً لتأمين العدالة في التاريخ.

يشدّد تقليد الحرب العادلة على أنّ واجب الدفاع عن العدالة هو شرط أوّل للتوصّل إلى سلامٍ حقيقيّ. إلاّ أنّه يستند على افتراض سابق ألا وهو أنّ كلّ عنف هو شرّ وتجنّبه هو واجب أخلاقيّ.

هذا الافتراض مشترك بين الموقفين؛ لكنّ دعاة الحرب العادلة يبرّرون موقفهم بأنّ المحبّة تفرض ضرورة الدفاع عن البريء ضدّ الذي يعنّفه بظلم[16].

إنّ تبرير الحرب ومشروعيّة اللّجوء إلى القوّة يفترضان 1) أن تكون القضيّة عادلة ؛ 2) أن تكون النيّة سليمة؛ 3) أن لا تسيّرها إلا السلطة الشرعيّة ؛ 4) أن يكون اللّجوء الأخير إلى القوّة بنسبة الشرّ الذي يجب القضاء عليه.

دعاة اللاعنف يصرّون على أنّ السلام الحقيقيّ يجب أن يُبنى على العدالة. لكنّ الرفض المطلق للّجوء إلى القوّة لا يضمن وجودًا مسالمًا حقيقيًّا ولكن يمكنه أن يؤدّي إلى خسارة السلام والعدالة معًا.

وهكذا، يثير النقاش اليوم حول الجواب المسيحيّ للعنف المسألة اللاهوتيّة حول توافق حياة الايمان المسيحيّة مع ممارسة المسؤوليّات السياسيّة.

3. 3  لاهوت وروحانيّة المسؤوليّة المسيحيّة في الشؤون الزمنيّة

اليوم، تتبنّى الجماعات الكنسيّة أخلاقيّات المسؤوليّة الإجتماعيّة والثقافيّة التي تسعى إلى تحويل الحياة العامّة على مثال ملكوت الله على قدر الإمكان.

بالنسبة إلى دعاة الحرب العادلة، يجب أن يتمّ عيش المسؤوليّة والشهادة في النطاق السياسيّ، من دون وهم امتلاك سلطة إلهيّة. بالنسبة إلى دعاة السلميّة، تُعاش المسؤوليّة خارج نطاق الدولة والشهادة تكمن في تبيان أنّ الحكم ليس هو السلطة القصوى التي تتحكّم بالعالم[17].

يرمي الوعد الإسخاتولوجيّ للمسيح إلى ملكوتٍ حيث السلام والعدالة سيتحقّقان معًا بالملء. لكنّ هذا الملكوت ليس بعد محقّقًا بكليّته ؛ فالخطيئة والظلم يستمرّان في تهديد السلام. هذا التوتّر بين ما "هو هنا وما "هو ليس بعد" هو الجذر اللاهوتيّ لتكامل نظريّتَي السلميّة والحرب العادلة.

المسيحيّون الذين اختاروا الحرب العادلة يتحمّلون مسؤوليّة الصراع ضدّ الظلم، وهو صراعٌ ضروريّ طالما أنّ الملكوت "ليس بعد" مكتملاً بكليّته في العالم ؛ والمسيحيّون المسالمون يشهدون لواقع الملكوت الموجود مسبقًا "حالّ بيننا"، بعيشهم الحياة غير العنيفة في العبادة وخدمة جماعة مسيحيّة تنأى عن الحياة السياسيّة.

إلا أنّ الكنيسة ليست تجسيدًا إجتماعيًّا كاملاً لسلام تامّ لملكوت الله، والعالم السياسيّ يسوده العنف والظلم في موازاة السلام والعدالة. الجماعات المسيحيّة كما الجماعات السياسيّة هي تجسيد جزئيّ للسلام ولعدالة ملكوت الله، بطرق جدّ مختلفة، لذلك ليس لدى كلّ من الفريقين الحقّ الحصريّ في احتكار شهادة الرجاء الإسخاتولوجيّ التامّ الذي افتتحه المسيح.

*********

كانت اليهوديّة تتصوّر مجيء الملكوت مجيئًا باهرًا وفوريًّا. وأمّا يسوع فكان يفهمه بصورة مختلفة. فالملكوت يشبه بذرة أُلقِيَت في الأرض، يجب أن تكبر (متى 13، 3-9 ؛ و18-23). وسينمو الملكوت مثل حبّة القمح (مر 4، 26-29) وسيرتفع العالم بالخميرة الموضوعة في العجين (متى 13، 33). الأمثال عن الزرع والنمّو تدعو إلى تلمّس وجود مهلة، عاملٍ زمنيّ ما بين افتتاح الملكوت هذا في التاريخ وبين تحقيقه كاملاً.

متى وكيف ؟ الجواب الوحيد : الملكوت "حلّ بيننا"، إلاّ أنّه "لم يتحقّق بعد كلّيًّا : "هنا"/ليس بعد Déjà là/pas encore. بانتظار تحقيقه كاملاً، لا تزال رغبة الإنسان الجامحة في استحواذ الغرض المرغوب الذي يملكه المنافس قائمة في الذات المتمحورة حول الأنا، أكانت هذه "الأنا" فرديّة أو جماعيّة. اليوم، لا يزال الملكوت

* أستاذة مُحاضِرة في جامعة القدّيس يوسف.

[1] كوستي بندلي، "المسيح والعنف":

http://mjoa.org/cms/index.php?option=com_content&view=article&id=599&catid=913&Itemid=160

[2] رينيه جيرار، العنف والمقدّس، ترجمة سميرة ريشا، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2009، ص 8.

[3] م.ن.، ص 8-9.

[4] راجع الخوري أنطوان الدويهيّ، "إختبار العنف درب إلى الرقّة والسلام":

 http://boulosfeghali.org/boulos/index.php/site/content?ID=4376&Cat=336

[5]  معجم الروحانيّات. cf. R. Schwager, 1978, in Dictionnaire de Spiritualité

[6] المرجع السابق.

[7]  تعبير استعاره الخوري الدويهيّ من الخوري بولس فغالي، المرجع المذكور آنفًا.

[8]  معجم اللاهوت الكتابيّ، بيروت، دار المشرق، ط. 3، 1991، ص 572.

[9]  معجم اللاهوت الكتابيّ، ص 572-573.

[10] الدويهيّ، المرجع المذكور آنفًا.

[11] المرجع السابق.

 [12]دستور راعويّ : الكنيسة في عالم اليوم، فرح ورجاء، رقم 78، 5.

 [13]رسالة البابا في اليوم العالميّ من أجل السلام، 1982.

 [14]خطاب في دروغيدا، إيرلندا، في 29 أيلول 1979.

 [15]تحدّي السلام، رقم 120-121.

[16] Robert Paul Ramsey, War and the Christian Conscience 1913-1988: كان عالم أخلاقيّات أميركيًّا وكان من جماعة الـ Methodist.

[17]   S. Hauerwas et P. Ramsey, Speak up for Just War or Pacifism راجع: Stanley Hauerwas، المولود في 24 تمّوز 1940، في ولاية دالاس الأميركيّة (تكساس). هو لاهوتيّ من جماعة الميتوديست وأستاذ حقوق أميركيّ متخصّص في قضايا الأخلاقيّات. 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق