لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ*

حيويَّةٌ تخفي الخوفَ واليأس

مقدّمة

يمتاز المجتمع اللبنانيّ بحيويّة نادرة في التأقلم على الأوضاع الاستثنائيَّة، بل وغير الطبيعيَّة التي يمكن أن يمرُّ بها شعبٌ ما. فبالرغم من الأزمة السياسيَّة الحادَّة المتمثِّلة بالفراغ الرئاسيّ وشبه شلل العمل الحكوميّ والبرلمانيّ، والتأثيرات الاقتصاديَّة والسكانيَّة والأمنيَّة السلبيَّة الناتجة من الحرب الدائرة في سورية، يستمرُّ العمل في القطاعات الخاصَّة والعامَّة كافَّة، وتحرص شريحة واسعة من اللبنانيِّين على المحافظة على نمط حياة لا يخلو من الرفاهية.

ولكنَّ هذه الحيويَّة الظاهرة تخفي شعبيًّا حالةَ خوف تؤدِّي في بعض الأحيان، وبمفارقة لافتة، إلى تعبئاتٍ طائفيَّة اللَّون وإلى تفاقم الفساد، وحالةِ يأسٍ تُترجم باللَّامبالاة والرغبة في الهجرة. ولكِلتا الحالتَين سببان رئيسيَّان مترابطان: الأوَّل، العمل السياسيّ والوطنيّ القائم على مبدأ الطائفيَّة؛ والثاني، إمكانيَّة توظيف العصبيَّة الطائفيَّة الكامنة في نفوس غالبيَّة اللبنانيِّين في سبيل غايات فئويَّة وشخصيَّة.

أوَّلًا - بين الخوف والفساد

نظرًا إلى تركيبة لبنان الطائفيَّة، لا يَفهم المواطنُ اللبنانيّ ذاتَه أوَّلاً إلاَّ من خلال انتمائه إلى طائفته، وليس إلى وطنه. وبكلامٍ آخر، يفهم المواطنُ وطنَه انطلاقًا من انتمائه الطائفيّ مع ما يفترضه هذا الانتماء من تراثٍ ثقافيّ ودينيّ وتاريخيّ خاصّ، يولِّد نظرة خاصَّة إلى الوطن وإلى الشركاء فيه، كما إلى العالم الخارجيّ القريب والبعيد على السواء، نظرةً لا تخلو من الأحكام السابقة والصور النمطيَّة الجامدة. وتأتي الممارسة السياسيَّة الطائفيَّة لتجعل من المرجعيَّات السياسيَّة الأقوى داخل كلِّ طائفة، ضمانةً للمواطن في صُعُد حياته كافَّة.

يخلق هذا الواقع في نفس المواطن، بطريقة واعية أو لاواعية، نوعَيْن من الخوف: الخوف من إغضاب مرجعيَّته الطائفيَّة أو الخروج عليها، الأمر الذي قد يكلِّفه فقدان وظيفته أو عزله اجتماعيًّا وسياسيًّا أو مضايقته اقتصاديًّا وإعلاميًّا، إلى ما هنالك من أساليب ضغط قد يتعرَّض لها؛ والخوف من المواطن الآخر الذي ينتمي إلى طائفة أخرى. فالممارسة السياسيَّة تتَّخذ شكل تكتَّلات طائفيَّة يواجه بعضُها بعضًا، وتتصارع على النفوذ والمراكز والامتيازات، ولا سيَّما في أزمنة الأزمات. كما لا تتجاوز في فترات التوافق والسلام النسبيَّين عتبةَ التوازنات الهشَّة؛ إذ ليس من سعي جدّيّ للتوصِّل إلى رؤية وطنيَّة جامعة. فلا عجب أن يصبح المواطن، بالتالي، أسير هذَين الخوفَين اللذَين تتحكَّم في إثارتهما وتغذيتهما المرجعيَّاتُ الطائفيَّة تبعًا لمصالحها الخاصَّة والفئويَّة. وبكلام آخر، يصبح المواطن أسير مرجعيَّته الطائفيَّة، إذ يخاف منها بقدر ما تمثِّل له ضمانة شخصيَّة ووطنيَّة. لذا، تراه يشارك في المناسبات العامَّة التي تعدُّها تلك المرجعيَّة، ويتبنَّى خطابها السياسيّ من دون أيِّ نقدٍ جديّ، بل في بعض الأحيان بطريقة عفويَّة.

إضافةً إلى ما تقدَّم، يعزِّز هذا الولاء للمرجعيَّة الطائفيَّة الزبائنيَّةَ والوصوليَّة، وبالتالي يفتح باب الفساد على مصراعَيه. فمن جهة، تُمسِكُ المرجعيَّة "بحصصها" في كلِّ المرافق العامَّة بل والخاصَّة أيضًا، وتصبح بحكم تركيبة البلاد الطائفيَّة خارج كلِّ محاسبةٍ ومراقبة؛ ومن جهة ثانية، يسعى المواطنُ إلى الحصول على عملٍ أو ربحٍ سريع من خلال إظهار ولائه غير المشروط لمرجعيَّته. وبالتالي، تغيب الأخلاقيَّة المهنيَّة والشعور الوطنيّ عن قيامه بأعماله ، لتحلَّ محلَّهما أخلاقيَّة الإخلاص للمرجعيَّة من دون سواها. فليس غريبًا إذًا أن يتحوَّل الفساد إلى ما يشبه بيت عنكبوت يُطبق على مصادر المال ومفاتيح النفوذ في المجتمع ومنها الإعلام، وليس غريبًا أن تصبح السرقات علنيَّة لدرجة من الوقاحة لا سابق لها، ويبقى في مراكز رسميَّة أساسيَّة وصوليِّون وانتهازيِّون ينهبون المال العامّ من دون أن تطالهم يد القضاء.

ثانيًا - بين اليأس واللَّامبالاة

بالرغم من مظاهر حياة الرفاهية التي يحرص اللبنانيّون عمومًا على الحفاظ عليها، وتتجلَّى بشكلٍ أساسيّ في الحصول على أحدث وسائل تقنيَّات التواصل الحديثة، والسيَّارات الفارهة والفخمة، وريادة المطاعم والمنتجعات السياحيَّة، فإنَّ حالة يأس شديد تسود أوساطهم، وبوجه خاصٍّ أوساط الشبيبة.

يأتي هذا اليأس من روح التبعيَّة أو الخضوع التي تفرضها تركيبة البلاد الطائفيَّة ونتائجها السلبيَّة. فالناس، والشبيبة بوجه خاصّ، يجدون أنَّ مستقبلهم على مختلف الصعد المهنيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة بلا أفق، إمَّا بسبب عدم الاستقرار السياسيّ الناتج من صراعات على السلطة لا تنتهي وغير مسؤولة، وإمَّا بسبب ثبات المرجعيَّة الطائفيَّة التي تمنع عليهم القيام بمبادرات تؤثِّر في مسار الأمور الوطنيَّة أو تعيد إنتاج الطبقة السياسيَّة، أو تؤدّي إلى تحسين النظام القائم على أسس ديموقراطيَّة سليمة. لذا، إزاء هذا اليأس، يميل قسم كبير من المواطنين إلى اللَّامبالاة أو الاستقالة من الحياة العامَّة، ويصبحون أشدَّ ميلاً إلى الاهتمام بشؤونهم الخاصَّة والعائليَّة فحسب، والانصراف على قدر الإمكان إلى طرق ترفيه بغية نسيان الواقع الأليم، بانتظار فرصةٍ لمغادرة البلاد.

خاتمة

لقد أصبح المواطن اللبنانيّ أسير نظامه الطائفيّ والمرجعيَّات المذهبيَّة التي تتحكَّم في كلّ مفاصل هذا النظام. إذ ليس بوسعه التدخّل في شؤون الحقل العامّ إلَّا من خلال مرجعيَّته ولصالحها، وإلَّا وجدَ نفسه مهمَّشًا، مرفوضًا ومضطَهَدًا بصور شتَّى. وإذا اختار التزلّم للمرجعيَّة هذه، وتبنَّى خطابها من دون سؤال، ودافع عن مواقفها وبرّرها حتّى ولو تبدَّلت بين ليلة وضحاها، وخدم مصالحها من دون تردّد، فتنفتح أمامه إمكانيَّة الثراء، أو على أقلِّه أمَّن لنفسه وعائلته حياة هادئة. وبين الخيارَين، تنفتح أمامه طريق الاستقالة من الشؤون العامَّة أو طريق الهجرة. ويزيد من حدَّة أزمة المواطن أنَّ تركيبة المشهد الوطنيّ والسياسيّ تجعل من المرجعيَّة الطائفيَّة ضمانة لحضوره الوطنيّ، بمعنى أنَّها تبدو المدافع الوحيد عن حقوقه ومصالحه الطائفيَّة إزاء المرجعيَّات الأخرى التي تحاول مصادرة تلك الحقوق والمصالح، والتي تمثِّل له خطرًا دائمًا، يتَّخذ أحيانًا طابعًا علنيًّا وأحيانًا مبيَّتًا.

أين يصبح حقُّ المواطن وواجبه في المشاركة في الحياة العامَّة على أساس البحث عن خير عامّ فعليّ، ومبادئ تتجاوز الإطار الطائفيّ الضيِّق؟ إنَّ غياب هذَين البُعدَين عن حياة المواطن يخلق حالةَ عبوديَّة بكلِّ ما للكلمة من معنى.

إزاء هذا الواقع الذي يولِّد اليأس، تكتسب حركات المجتمع المدنيّ أهميَّة بالغة، إذ تواجه سياسات المرجعيَّات الطائفيَّة التي تؤدِّي إلى تآكل متزايد لكلِّ ما تبقَّى من مؤسَّسات الدولة، وأخلاقيَّات مهنيَّة، وروح وطنيَّة. وبالرغم من أنَّ تأثير هذه الحركات ليس شديدًا بعدُ في المجتمع، إلَّا أنَّ استمرارها يفتح باب أملٍ في مستقبلٍ أفضل، إذ يتَّضح أنَّ ثمَّة مَن يرفض الاستسلام للأمر الواقع، ويأبى أن يترك اليأس يملك عليه. كما تكتسب أهميَّة مماثلة الأصواتُ التي تدعو من دون مللٍ إلى العبور إلى النظام الديموقراطيّ الليبراليّ مع ما يفترضه من علمانيَّة إيجابيَّة تحرِّر المواطن والدِّين على السواء من قبضة الطائفيَّة. فلا بدَّ لهذه المبادرات أن تساهم في خلق وعيٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ، لا سيَّما وأنَّ الخوف واليأس السائدَين يمثِّلان بالعمق أرضيَّة صالحة لتقبُّل التغيير المنشود.

* مدير دار المشرق ومجلّة المشرق.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق