طوّافة قنديل البحر، لجان لويس تيودور جيريكو (La Balsa de la Medusa) - متحف اللوفر باريس 1818-1819

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس*

لماذا نموت؟ رحلةٌ بين اليأس والرَّجاء

«أنا كنتُ منذ الأزل، وها أنا ذا، وسأكون إلى آخر الدَّهر، وليس لكياني انقضاء».
جبران خليل جبران

 

 
   

«ألَمْ تعلموا جميعًا أنَّ الطَّبيعةَ حكمَتْ عليَّ بالموت منذ لحظة ميلادي؟»[1]. يدرك الإنسان حتميَّةَ موته، وأنَّه كائنٌ متناهٍ يعبر الكون والحياة، وأنَّ رحلةَ عبوره قصيرةٌ مهما طالَتْ، وهي تنتهي إمَّا بالبقاء وإمَّا بالفناء. وبالرَّغم من أنَّ اختبارَ الموت حقيقةٌ يعيشها كلُّ إنسانٍ فإنَّ هذه الحقيقة يستحيل نقلُها إلى الآخرين؛ إنَّها فرديَّةٌ ومُقلِقة يجتمع فيها حلمُ المتناهي بلقاء اللامتناهي.

لماذا نموت؟ سؤالٌ يقتحم عقلَ كلِّ إنسان، وترتبط الإجابة عنه بوعي الفرد محدوديَّته من جهة، وبموقفِهِ من الحياة من جهةٍ أخرى. أنا الآن حيٌّ، لكنَّ حياتي لن تدوم، فكيف ينبغي أنْ أعيشَها؟ وهل الموت فناءٌ وعدم، أم ثمَّة حياةٌ ثانية؟ إذا كان ميلادُنا وموتُنا أمرَين لا نملك زمامَهما فإنَّ الزَّمانَ القائمَ بينهما مدَّةٌ يحياها كلُّ إنسانٍ وفقًا لفلسفته في الدُّنيا. ولكن هل في الحياة قيمةٌ أعظم من الحياة ذاتها؟ وكيف يؤثِّر الاعتقاد بخلود النَّفس أو بزوالها في رؤيتنا للموت والحياة؟

يعرِّف أرسطو (ت. 322 ق م) الإنسانَ بأنَّه «حيوانٌ ناطقٌ مائت»، أي أنَّ الموتَ من صفاته المكوِّنة له. والإنسان هو الكائن الوحيد الَّذي يعي حقيقةَ موته؛ لذا فهو يتفلسف.

تختلف آراء الفلاسفة في الموت، وتتباين معالجتهم هذا الموضوع وفقًا لاعتقادهم بمصير الإنسان بعد الموت من جهة، ولتصوُّرهم قيمة الحياة الدُّنيا وكيف يجب أنْ يحياها الإنسان من جهةٍ أخرى. لقِّب سقراط (ت. 399 ق م) بأنَّه «شهيد الكلمة وحرِّيَّة الرَّأي في المجتمع الأثينيّ» لأنَّه حوكِم وأعدم بسبب انتقاده النِّظام السِّياسيّ في أثينا؛ وقد قبِلَ الموتَ ظلمًا لإيمانه بقيمةٍ أكبر من الحياة هي احترام القانون. واعتبر أفلاطون (ت. 347 ق م) أنَّ الجسدَ سجنٌ للنفس، وأنَّ الموتَ يخلِّص النَّفس من سجنها. وحاول أبيقور (ت. 270 ق م) تحريرَ العقول من الخوف من الموت باعتباره العائق الأكبر عن بلوغ السَّعادة. أمَّا يحيى بن عديّ (ت.  974 م) فقد أعطى الموتَ بعدًا أخلاقيًّا واعتبر أنَّ السَّعادةَ الحقَّة تكون في الآخرة.

سنقدِّم في مقالنا هذا لمحةً عن آراء هؤلاء الفلاسفة في الحياة والموت كنماذج نضيء من خلالها على كيفيّة معالجة هذا الموضوع في تاريخ الفلسفة، وذلك في أربع نقاط كما يأتي:

1 - كيف جسَّد سقراط فلسفةَ الموت في حياته؟

إرتبطت فلسفة الموت عند سقراط بالتَّجربة الحياتيَّة الَّتي اختبرها في أثناء محاكمته؛ إذ دفعه اعتقادُه بقدسيَّة القانون وإيمانُه بخلود النَّفس إلى قبول حكم الإعدام ظلمًا، حتَّى إنَّه يمكننا القول إنَّه جسَّد بموته فلسفته في الحياة والموت.

وترجع أسباب محاكمته إلى اتِّهامه بأنَّه يفسد عقول الشَّباب، وينكر آلهة المدينة، ويدعو إلى عبادة آلهةٍ أخرى. وقد واجه سقراط القضاة بشجاعة وردَّ على التُّهمة الأولى، وهي إفساد عقول الشَّباب، بالقول: إنَّكم أيُّها القضاة تقفون منِّي هذا الموقف العدائيّ لأنَّني كشفتُ جهلكم وادِّعاءكم المعرفة، غير أنَّني لم أفعل ذلك لأحطَّ من قدْركم بل لأرفع من هذا القدْر وأرشدكم إلى حكمةٍ أعظم. وقد كان سقراط يقصد بقوله هذا قيامه بانتقاد زعماء الدِّيمقراطيَّة الفاسدين في أثينا؛ وقد أثار هذا الأمر غضبهم ودفعهم إلى توجيه هذه الاتِّهامات إليه.

أمَّا التُّهمة الثَّانية وهي إنكار آلهة المدينة فليست صحيحة أيضًا لأنَّ سقراط كان يدعو النَّاس إلى تكريم الآلهة في مدينتهم، وكان يشارك في تقديم القرابين الإلهيَّة. أمَّا القول بآلهة جديدة فسببه ادِّعاء سقراط أنَّه يهتدي بصوتٍ باطنيّ علويّ[2].

وعند انتهاء المحاكمة واجه سقراط حكمَ الإعدام بشجاعة ورفض عرض أحد أصدقائه الهرب من السِّجن؛ وقال إنّه من العار عليه أنْ يتنكّرَ لقوانين بلاده أثينا التي ناضل من أجلها؛ وأنّه يجب ألّا نردَّ على الظُّلم بالظُّلم، ولا تجوز الإساءة إلى أيّ إنسان ولو أساء إلينا. وقال للقضاة في أثناء محاكمته: «إنَّني أؤكِّد لكم أنَّني أعرف أنَّ عصيانَ وليِّ الأمر سواء كان إلهًا أم إنسانًا هو الشَّرُّ بعينه، ولن أتجنَّبَ خيرًا يمكن أنْ يصيبَني ألا وهو الموت، كما لن أرضَى عن شرٍّ مؤكَّد ألا وهو العصيان[3]... إنَّني أفضِّل أنْ أموتَ وقد قلتُ ما يبدو لي أنَّه حقٌّ على أنْ أعيشَ لأقولَ مضطرًّا ما ترَون أنتم أنَّه حقّ؛ كما أن َّ الصَّوتَ الإلهيّ الَّذي كثيرًا ما أسمعه والَّذي ينهاني دائمًا عن الاقتراب من الشَّرّ لم يحذِّرني من شيءٍ في هذه المحاكمة، فكيف يمكن تفسير هذا الصَّمت؟ دعوني أوضّح لكم، فما هذا الصَّمت إلَّا إشارة إليَّ بأنَّ ما أصابني هو الخير، وأنَّ أولئك الَّذين يحسبون الموتَ شرًّا لفي ضلالٍ مبين»[4].

وينقل أفلاطون عن أستاذه سقراط قوله إنَّ الفيلسوفَ الحقَّ لا يخاف الموت، وأنَّ الانتحارَ أمرٌ غير مشروع، «وأنّه على الإنسان أنْ ينتظرَ حتّى يقبضه الله، ذلك لأنّ علاقة الله بالإنسان تشبه إلى حدّ كبير علاقة الرّاعي بغنمه، فالرّاعي يغضب لو أنَّ واحدةً من غنمه خرجت عن خطِّ سير القطيع». وتدلُّ الطّريقة التي تقبّل بها سقراط الموت على إيمانه بخلود النّفس.

 

2 - لماذا يُعدُّ الموتُ خلاصًا للنفس عند أفلاطون؟

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ موتَ سقراط أثَّر في تلميذه أفلاطون، فوضع ثلاث محاورات روى فيها تفاصيل محاكمة أستاذه وإعدامه، ونقل إلينا رأيه في الموت وخلود النَّفس.

يعتقد أفلاطون أنَّ النَّفسَ كانت تعيش في عالم المثل بصحبة الآلهة ثمَّ ارتكبت إثمًا من الآثام فهبطت إلى البدن وحُبسَت فيه، إلَّا أنَّها تحاول جاهدةً الخلاص من البدن والتَّحرُّر منه، تمامًا كما يحاول السَّجين الفرار من سجنه[5]. ولمَّا كان الموتُ يحرِّر النَّفسَ من الجسد ويتيح لها العودةَ إلى العالم الَّذي كانت تعيش فيه فهو خير. ولذلك فإنَّ الفيلسوفَ الحقَّ لا يهاب الموت، لكنَّه يعتبره الطَّريق المؤدِّي إلى خلاص النَّفس من أغلال سجن الجسد وعودتها إلى العالم الَّذي هبطت منه، أي عالم الخلود[6].

وقد ذكر أفلاطون في محاوراته عدَّة أدلَّة على خلود النَّفس. أوَّلها يعتمد على فكرة تعاقب الأضداد؛ فالأشياء تنتقل من ضدٍّ إلى آخر: فالليل يولد من النَّهار، والنَّهار من الليل، واللذّة تعقب الألم، والألم يعقب اللذّة... وكذلك فالموت يتولَّد من الحياة، كما تتولَّد الحياة من الموت. والدَّليل الثَّاني يعتمد على نظريَّة التَّذكُّر، فالتَّذكُّر دليل على وجود النَّفس في عالم المثل قبل وجودها في البدن. وما كان أزليًّا لا بدَّ أنْ يكونَ أبديًّا[7].

 

3 - هل يمكننا حقًّا التَّغلُّب على الخوف من الموت وإنْ كنَّا لا نؤمن بحياةٍ ثانية كما يعتقد أبيقور؟

نعم إذا عرفنا حقيقة الموت. يقول أبيقور إنَّ الموتَ ليس شرًّا، وهو بالفعل لا يعنينا؛ لأنَّ الخيرَ والشَّرَّ يفترضان الإحساس، والموت هو انعدام كلِّ إحساس[8]. «لذلك فإنَّ الإدراكَ الصَّحيحَ أنَّ الموتَ لا يعنينا من شأنه أنْ يجعلَ إقبالَنا على الحياة متعة لنا، لا من حيث يضيف إلى أجَلنا فسحة لامتناهية، بل بنزع الحنين إلى الخلود»[9].

فالنَّفس والجسد فانيان، إلَّا أنَّ الاعتقادَ بفنائهما لا ينبغي أنْ يدفعَنا إلى اليأس والانتقاص من قيمة الحياة. ولا يصحُّ التَّفكير أنَّ الخيرَ الأسمى للإنسان هو ألَّا يولد. فالحياة يمكن أنْ تكونَ خيرًا إذا عرفنا كيف نعيش: «حينما يحين أوان رحيلنا فإنَّنا سنرحل عن الحياة باصقين احتقارًا عليها وعلى أولئك الَّذين يتشبَّثون عبثًا بها، ومردِّدين في أنشودة انتصار مجيد أنَّنا قد عشنا حياةً طيِّبة»[10]. والحياة الطَّيِّبة تكون بإحراز اللذّة. واللذّة الَّتي يطلبها أبيقور ليست مادِّيَّةً بل عقليّة، إنَّها تحدث نتيجة «خلاص الجسم من الألم والنَّفس من القلق»[11].

 

4 - مَنْ يجب أن يتَّبع الإنسانُ في حياته كي يجنِّبَ نفسَه موتَ الدُّنيا والآخرة؟

يعرِّف يحيى بن عديّ الموت بأنَّه: «ترك النَّفس استعمال الحواسّ على غير المجرى الطَّبيعيّ»[12]؛ وهي حالٌ تنتقل فيها النَّفسُ من دار الدُّنيا إلى دار الآخرة، فتلقى جزاء أفعالها وتصرُّفاتِها. بيدَ أنَّ ثمَّة موتًا آخر يمكن أنْ تحياه النَّفسُ في الدُّنيا، هو الَّذي ينتج من «تباعدها من البارئ (سبحانه!) وعدمها الاتِّصال به، وهو الَّذي سمَّاه بولس الرسول لعنة». ويحدث موتُ النَّفس عندما ينغمس الإنسان في الشَّهوات واللَّذّات الفاحشة وينهمك في الرَّذائل فيبتعد بذلك عن خالقه. ويكون عقابُ النَّفس في الآخرة حرمانَها من دخول ملكوت السَّماء فتتحسَّر وتحزن حزنًا دائمًا[13].

أمَّا إذا أراد الإنسانُ أنْ يحيا السَّعادةَ في الدُّنيا والآخرة فعليه أنْ يتشبَّهَ بالشُّهداء والقدِّيسين في بذلهم نفوسهم وشهواتها في طاعة خالقهم، وأن يتمثَّلَ بالمسيح في أقواله وأفعاله ويسلكَ الطَّريق الَّتي نهجها له لأنَّها تخلِّصه من هلاك النَّفس، وتُفضي به إلى الحياة الروحانيَّة الدَّائمة وهي الاتِّصال بالبارئ تعالى![14] وهل أحقُّ من المسيح أنْ يُتَّبعَ، وهو الَّذي قبِل الألم والموت فافتدى الإنسان، ونجَّاه من ضلال الشَّكّ في البعث، وهداه إلى الطَّريق المخلِّصة له من هلاك النَّفس وموتها الَّذي يلحقها ببعدها من خالقها؟!

كثيرةٌ هي الآراء في الموت والحياة، عددها بعدد النَّاس. فكلُّ إنسانٍ فيلسوفٌ في معتقداته وأفكاره وأسلوب حياته؛ يتشابه مع كثيرين في أمورٍ عديدة إلَّا أنَّه يتفرَّد في تجربة الموت. فالموت سرٌّ أو لغزٌ يحياه كلُّ إنسانٍ على حِدة. لماذا نموت؟ نموت لأنَّنا أحياء! فالحياة والموت متَّحدان كضفَّتَي نهرٍ تمضي رحلةُ حياتنا على مياهه الجارية. هي رحلةٌ نترجَّح فيها بين اليأس والرَّجاء، يأس من موتٍ حتميٍّ ورجاء بحياةٍ ثانية... وكلُّ إنسانٍ مدعوٌّ في حياته إلى التَّفكير في كيفيَّة تمضية هذه الرِّحلة...

 

*  رئيسة قسم الفلسفة في معهد الآداب الشرقيّة – جامعة القدّيس يوسف.

 

 

 

[1] هذه العبارة لسقراط. راجع: جاك شورون، الموت في الفكر الغربيّ، ترجمة كامل يوسف حسين، مراجعة وتقديم إمام عبد الفتّاح إمام (بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات والنّشر، 2000)، ص 51.

 

[2] حربي عبّاس عطيتو، ملامح الفكر الفلسفيّ عند اليونان (الإسكندريّة: دار المعرفة الجامعيّة، 1992)، ص220-223.

[3] المرجع نفسه، ص 222- 223.

[4] المرجع نفسه، ص 224.

[5] المرجع نفسه، ص 250.

[6] شورون، الموت في الفكر الغربيّ، مرجع سابق، ص 55.

[7] أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانيّة تاريخها ومشكلاتها (القاهرة: دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، 1998)، ص 193-194.

[8] شورون، الموت في الفكر الغربيّ، مرجع سابق، ص 66-67.

[9] ماجد فخري، تاريخ الفلسفة اليونانيّة من طاليس (585ق م) إلى أفلوطين (270م) وبرقلس (485م) (بيروت: دار العلم للملايين، 1991)، ص 168

[10] شورون، الموت في الفكر الغربيّ، مرجع سابق، ص 67.

[11] ماجد، تاريخ الفلسفة اليونانيّة من طاليس (585ق م) إلى أفلوطين (270م) وبرقلس (485م)، مرجع سابق، ص169.

[12] يحيى بن عديّ، حلُّ حجَّة مَنْ أراد أنْ يُلزِمَ اتِّحادَ الكلمة بالإنسان في حال موته غيرُ ممكن، في: مخطوط سباط، عربيّ 1041، ورقة 55 ظ.

[13] نادين عبّاس، ثلاث مقالات لاهوتيَّة ليحيى بن عديّ (إضاءةٌ على بعض القيَم الأخلاقيَّة في المسيحيَّة) (المشرق 89، ج1، كانون الثَّاني- حزيران 2015)، ص 356، 375.

[14] المرجع نفسه، ص 363- 364.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق