Credits: L'Orient Le Jour

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور علي خليفة*

شياطين اللّغة هل يصطنع الالتباس اللّغويّ قضايا باطلة؟ قضيّة غريغوار حدّاد نموذجًا

سأعالج، في هذا المقال، بالقدر الموجز والسريع، قضيّة الالتباس الوارد إزاء تفسير بعض المصطلحات والمفردات، بما قد يفضي إلى اصطناع قضايا باطلة بطلان المعنى الذي انقلب إليه المراد من المصطلح أو المفردة. وأقارب قضيّة المطران الراحل غريغوار حدّاد الذي عايش هذا الالتباس بالتحديد وجاهد لتصويبه، في أكثر من مقام، وقد يكون هذا الالتباس بالأساس المحور الرئيسيّ الذي انعقدت حوله منازلة سينودوس الروم الكاثوليك في العام 1974 والذي تناول كتابات غريغوار حدّاد وما ورد في افتتاحيّات مجلّة آفاق.

كان غريغوار حدّاد ضليعًا بلغة الضاد، مكبًّا عليها في معظم كتاباته ومجتهدًا فيها ومجدّدًا. وتكاد تفوق معرفته بالعربيّة وقواعدها[1] الكثيرين من مدّعيها.

"اللّغة سببٌ لأكثر من التباس، يقول غريغوار حدّاد، ويشرح أنّ هناك المفردات أي الكلمات المستعملة التي قد تكون غير مألوفة لدى القارئ، إمّا لقدمها أو لِجدّتها، ولا يغرب عن البال كم دخلت من ألفاظٍ جديدة على العربيّة منذ عشرين سنةً حتّى الآن، ولا سيّما في حقل العلوم الإنسانيّة. وهناك استعمال اللّفظة الواحدة بمعانٍ مختلفة دون التنبّه إلى هذا الاستعمال، أو استعمالها بمعنى جديد دون تحديده." [2]

وعليه، فقد صحّح غريغوار حدّاد استخداماتٍ متعارف عليها لبعض المصطلحات واقترح بدائل أقوى ملاءمةً مع قواعد التصريف والاشتقاق في العربيّة. ففي تعريفه للـ "عَلمانيّة" (بفتح العين كما يصرّ دائمًا!) يقول في سياق نحويٍّ/معنويٍّ فريدٍ بتلازمه:

"العلمانيّة تعطي قيمةً للعالم والإنسان وعناصرهما ومقوّماتهما دون اللجوء الحتميّ إلى قيمةٍ أخرى (الله – الروح...) ولكن أيضًا دون رفضها أو محاربتها. بينما "العَلمنيّة"، يتابع غريغوار حدّاد، فهي التي تضيف الرفض والمحاربة. الأولى كاللّازم في الأفعال، والثانية كالمتعدّي. وأمّا كلمة "العلمنة" فهي عمليّة السعي نحو العلمانيّة أو العلمنيّة. ففي استعمالها خطر الالتباس هذا." [3]

واستعمل مرادف " الدغماتيّة " (أي القول بعقائد ثابتة ثبوتًا نهائيًّا لا نظر فيه ولا عودة عنه) بدل "الدغمائيّة".

وكان يعيب على الخطباء ومذيعي وسائل الإعلام (وعلينا في أثناء الحوار معه) استعمال عبارة "القاسم المشترك" في معرض التطرّق إلى ما يجمع نقيضَيْن أو حالاتٍ متباينة، فينتفض ويوضّح قائلاً إنّ القاسم نقيض الجمع، فلا يصحّ البحث عن المشترك بعد قسمة الشيء. ويقترح استخدام "الجامع المشترك" بدل "القاسم المشترك".

وكثيرًا ما كان ينزعج من قراءة نصوص تحلّ فيها كلمة "كلّ" محلّ كلمة "جميع "في خلطٍ لاستخدام كلّ منهما مع كلمات ٍ بصيغ المفرد أو الجمع... أو يتوقّف عند الفارق في استخدام "إذن" و"إذًا" في اللّغة المكتوبة التي تحفل عند العديدين من الناس بهذه الأخطاء... فتراه يصحّح ويشرح بأسلوبٍ محبّب وعارف بشوارد لغةٍ أحبّها ونام ملء جفونه عنها...

وبالإضافة إلى هذه اليقظة، أضاف غريغوار حدّاد إلى معجم اللّغة العربيّة مصطلحاتٍ لما يوازيها في اللغات الأجنبيّة عند الحاجة، حيث لم يتورّع مثلاً عن استحداث تعبير "اللّاأدريّين" وتمييزه إيّاه من الكافرين أو الملحدين؛ وابتدع "الأَلْيَنَة" كتعريب اشتقاقيّ لكلمة Alienation وجمعها في صيغة "الأَلْيَنات" واستخدمها في كتاباته ومقالاته...

لكن، لماذا تميّز غريغوار حدّاد في تقصّي شوارد اللّغة العربيّة والإحاطة بمفرداتها وتمييز معانيها واستحداث مصطلحات جديدة في حال تعذّر وقوعه على المصطلحات المناسبة، إلى حدٍّ يمكن وصفه بأنّه بالغ في الحساسيّة إزاءها؟

ربّما يكون ما أُثير في سينودوس الروم الكاثوليك حول كتابات غريغوار حدّاد، والدعوة المثارة بوجهه على خلفيّة هذه الكتابات (أي من خلال الفهم الظاهر حيالها)، المحرّك الأوّل لإثارة عامل فهم اللّغة والتوقّف على الالتباسات التي تشوب العديد من استخدامات المصطلحات. يقول غريغوار حدّاد في ما يدعم هذا المنحى إنّ الأحداث التي رافقت السينودوس، وتفاعلت من بعده، كانت مثالاً لمساوئ عدم التمييز، ولا سيّما بين عدّة كلمات مستخدمة. وكان أوّل ما أثار غريغوار حدّاد هو سوء فهم السينودوس العديدَ من العبارات بما يضيّع القضيّة الأساس. يقول في مقالته التوضيحيّة "نقاطٌ على بعض الحروف" (1974):

"مسألة، مشكلة، أمر، شأن، معضلة، قضيّة... كلماتٌ تُستعمل الواحدة بدلًا من الأخرى دون أيّ تمييز. هذا، وإنّ الأحداث التي رافقت السينودوس الأخير، وتفاعلت من بعده، كانت مثالاً لمساوئ عدم التمييز، ولا سيّما بين الكلمات الواردة أعلاه بنوع خاصّ. فإنّي أظنّ أنّ كلمة "قضيّة"، يتابع غريغوار حدّاد، يجب أن تتميّز تمامًا عن الكلمات الأخرى. ويمكن القول إنّ أمرًا ما يمكن أن يصبح شأنًا إذا أصبح ذا أهمّية، مهما كانت صغيرة. ثمّ مسألة إذا كان فيه علامات استفهام. فإن أشكل حلُّها أو تعقّدت، أصبحت مشكلة، وإن استحال حلُّها أصبحت معضلة. ولكنّ الأمور والشؤون والمسائل والمشاكل والمعضلات لا تصبح قضايا إلّا في حالات وشروط معيّنة، من الضروريّ تحديدها. وأظنّ أنّ أهمّها:

- أن تتعلّق بالإنسان ذاته، لا بما يحيط به، أو بالنظريّات حوله.

- أن تكون ذا أهميّة كبرى، بل مصيريّة، لإنسانٍ فرد، أو جماعة، أو للبشريّة كلّها.

- أن تكون قد اتّضحت لدى بعض الناس مع ما فيها من أهميّة.

وخاصّةً:

- أن يكون بعضهم قد وعى المسؤوليّة الملقاة عليه تجاهها.

- أن تستحقّ لذلك أن يلتزم بها الإنسان ويضحّي بوقته، بل بحياته لأجلها.

... ويمكن القول إنّ القضيّة الكبرى، بل الوحيدة، التي تستحقّ أن تُسمّى كذلك وأن يتمركز حولها اهتمام البشريّة، فكرًا والتزامًا، هي قضيّة الإنسان."

وفي مبحث آخر[4]، يعود غريغوار حدّاد إلى ثلاثة مفاهيم من اللغات اللاتينيّة تُتَرْجَم جميعها إلى كلمة "سرّ" في العربيّة، وهي: Secret, sacrament, mystère. ويوضّح أنّه من الضروريّ معرفة أيّ مفهوم تعني في كلّ مرةٍ تُسْتَعمَل. واقترح ترجمة Secret بالسرّ وترجمة Mystère بالسرّيّ وترجمة Sacrament بالسرّانيّ، وهو "المفهوم المسيحيّ الذي كثيرًا ما يُساء فهمه"، كما يقول غريغوار حدّاد، ويردف شارحًا: "السرّانيّ ليس الخفيّ على الإدراك والمعرفة، فهذا هو السرّ. وليس السامي أو العميق بهذا المقدار حتّى إنّه يفوق كلّ احتواء، ويتطلّب غوصًا وسبرًا لأغواره لا نهاية لهما، كسرّ الثالوث أو سرّ الشخص البشريّ ذاته"، بحسب تعبير غريغوار حدّاد.

فهل حقًّا يصطنع الالتباس اللّغويّ قضايا باطلة؟ إنّ الأمر قد يثير أبعد من ثورة في اللغة تواكب الثورة في الفكر وفي المجتمع وقد لا تقف على مغزى حدوث الالتباس وحدوده.

 

* أستاذ في الجامعة اللبنانيّة – قسم علوم التربية – [email protected]


[1] وضع غريغوار حدّاد كتابًا شاملاً ومجدّدًا في قواعد اللغة وتعلّميّتها بعنوان القواعد العربيّة: منهجيّة جديدة.

[2] مراجعة مقالة غريغوار حدّاد بعنوان: "نقاط على بعض الحروف" في مجلّة آفاق، العدد السابع، أيلول 1974.

[3] يرد هذا التعريف في مقالته الافتتاحيّة بعنوان: "هل البحث الديني الجذري كفرٌ وشك أم هو في منطق الإنجيل؟" في مجلّة آفاق، العدد الأوّل، في 15 كانون الثاني 1974.

[4] راجع مقالة غريغوار حدّاد بعنوان: " الإيمان العامل بالمحبّة من خلال العمل الاجتماعيّ: الخدمة الاجتماعيّة شهادةٌ للإيمان"، في آفاق (43)، 2007، ص. 144.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق