لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة باملا شرابيّة*

بين كندا والإمارات العربيّة المتّحدة، هل من سياسات حكوميّة للسلام؟

السياسة مصطلحٌ غالبًا ما يتمّ تحديده بأنّه بيانٌ واضحٌ وبسيطٌ يعرض الطريقة التي تنوي من خلالها كلّ حكومة أن تقود خدماتها وتدير أعمالها. بمعنى آخر، تطرح السياسات باقةً من المبادئ التوجيهيّة التي تساهم فعليًّا بعمليّة صنع القرار. وتتنوّع السياسات وتختلف إجراءاتها بين حكومة وأخرى لأنّها تعكس قيم هذه الحكومات، وتترجم مقارباتها، وتعرض التزاماتها، وتجسّد ثقافاتها. في هذه المقالة، فضّلتُ أن أعرض بإيجاز حالتَيْن تثيران الاهتمام وترتبطان مباشرةً بالسياسات الداخليّة التي تتبنّاها الحكومات في كندا والإمارات العربيّة المتّحدة، إذ تعتمدان بوجهٍ محوريّ على قيمةٍ جوهريّة هي السلام.

كذلك، فقد أدّت قيمٌ عديدة كحقوق الإنسان، والتسامح، والأمن البشريّ، والديموقراطيّة، والتعدّديّة الثقافيّة أو التفاعل الثقافيّ دورًا رئيسيًّا في سياسة كندا الداخليّة المرتكزة على إدارة التنوّع الاجتماعيّ-السياسيّ. في الواقع، ما زلت أتذكّر حلقات الحوار التي كنّا نشارك بها في الجامعة، ولا سيّما تلك المنضوية على التعدّديّة الثقافيّة على المستويَيْن الإقليميّ والفدراليّ، بعد التعداد السكّانيّ الذي أُجريَ في العام 2001 والذي كشَفَ أنّ الدين الإسلاميّ هو الثاني من حيث عدد معتنقيه بعد الدين المسيحيّ في كندا. كما تفعّلت بعض النقاشات المحتدمة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، لدرجة أنّ لجنةً وطنيّةً تُعنى بما يُعرَف بـ "وسائل الراحة المقعولة" قد تشكّلت في السنوات اللاحقة. فقد تمكّنت الحكومة الكنديّة، من ناحيتها، من الوصول إلى الجامعات ومنظّمات المجتمع المدنيّ من أجل المساهمة في تقييم التنوّع الدينيّ والثقافيّ الملحوظ في الوقت الراهن على الأراضي الكنديّة من جهة، واقتراح الحلول المناسبة لتحسين إدارة التنوّع الداخليّة التي قد تساهم في تحقيق السلام المستدام. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ كثيرين من الكنديّين-الفرنسيّين المقيمين في مقاطعة كيبيك، على سبيل المثال، قد أبدوا قلقهم وأعربوا عن مخاوفهم حيال وسائل الراحة هذه التي تكوّن، برأيهم، خطرًا واضحًا على هويّتهم.

[1]وفي هذا الصدد، أشار تقرير لجنة بوشار - تايلور الإقليميّ إلى أنّ الكيبيكيّين جميعهم وبمن فيهم المهاجرون الجدد يدركون مدى أهمّيّة التأقلم مع واقع علمانيّ ومجتمع تعدّديّ (أيّار/مايو 2008)، ويؤمنون بضرورة تأدية الحكومة دورها القياديّ في وضع المبادئ التوجيهيّة بشأن تعدّد الثقافات. وبالتالي، فقد سلّط التقرير الضوء على الحاجة إلى الحفاظ على هويّة الأغلبيّة، أي الكنديّين-الفرنسيّين، كما ركّز على أهمّيّة التكامل، معوّلاً كذلك على ضرورة بذل جهود كبيرة من أجل التوصّل إلى دكج الهويّات الثقافيّة والدينيّة المختلفة. في الواقع، لقد تمّ تبنّي بعض التوصيات التي اقترحتها اللجنة، فأصبحت سياساتٍ. في حين قوبِلَ القسم الآخر منها بالرفض. [2]ولا يزال السجال نفسه قائمًا في مقاطعة كيبيك.

أمّا في ما يتعلّق بالإمارات العربيّة المتّحدة فلا بدّ من الإشارة إلى أنّ التسامح أصبح مؤخَّرًا فضيلةً رسميّةً أساسيّةً في المجتمع. فمنذ أقلّ من شهر تقريبًا، أعلنت الإمارات العربيّة المتّحدة عن خلقها وزارةً للتسامح (إضافةً إلى وزارتَي السعادة والشبيبة). وهذا تحديدًا ما يظهر على صفحة Linkedin الرسميّة الخاصّة بصاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، ورئيس الوزراء،  وحاكم إمارة دبي: "علينا أن ندرس، وندرِّس، ونمارس التسامح- ومن الضروريّ أن نغرس هذه البذور في أذهان أطفالنا، وذلك من خلال تثبيت التربية والتعليم من جهة، وتبنّينا هذا النموذج من جهة أخرى". ولهذا السبب خصوصًا، قرّرنا أن نعيّن وزير دولة للتسامح. فنحن نؤمن بأنّ تحديد إطار قانونيّ يساهم في إضفاء طابع رسميّ على مفهوم التسامح المنتشر في مجتمعنا، وأنّ سياساتنا ومبادراتنا كفيلة بتقديمنا مثالاً رائعًا أمام جيراننا. وفي السياق هذا، لا بدّ من التذكير بأنّنا نحن العرب، عندما كنّا نتقبّل بعضنا بعضًا ونعيش في قمّة التسامح، برزنا روّادًا في العالم أجمع وأثبتنا أنّنا في الطليعة: من بغداد إلى دمشق فالأندلس والمناطق البعيدة، أبدعنا بالعلوم، وتسلّحنا بالمعرفة، وأشرقت حضاراتنا، لأنّ القيم الإنسانيّة كانت حجر الأساس في توثيق علاقاتنا بالحضارات، والثقافات، والديانات الأخرى كلّها. فحتّى عندما غادر أجدادنا منطقة الأندلس، عدد كبير من الأشخاص المعتنقين ديانات أخرى غادر معهم. ذلك أنّ التسامح ليس بمجرّد شعارٍ وحسب، بل هو سمةٌ لا بدّ لنا من أن نعتزّ بها ونمارسها. إنّه النسيج الذي أحيكَت به جوانب مجتمعنا بهدف حماية مستقبلنا وصون التقدّم الذي كنّا قد أحرزناه. ولا بدّ من التأكيد مرّةً أخرى أنّ المستقبل الباهر الذي نعوّل عليه في الشرق الأوسط ونطمح إليه سيبقى حلمًا ما لم نقم بإعادة إعمار فكريّ يرسّخ مجدّدًا القيم ذات الصلة بالانفتاح الإيديولوجيّ، والتنوّع، وقبول آراء الآخر بغضّ النظر ما إذا كانت فكريّة، أو ثقافيّة، أو دينيّة".

وأشارت الشيخة لبنى القاسمي، في حديثٍ لها في منتدى المرأة العالميّ بإمارة دبي في شباط/فبراير 2016، ، وهي وزيرة الدولة للتسامح ورئيسة جامعة زايد، إلى أنّ: "السعادة والتسامح قيمتان لا خدمتان، إذ إنّهما يشكّلان جزءًا لا يتجزّأ من كياننا. فالتسامح هو بكلّ بساطة قبول الاختلافات والاستمتاع بها". وتابعت الشيخة لبنى حديثها قائلةً إنّها تطمح، بالتعاون مع وزارة التسامح، إلى الوصول لكلّ فردٍ بحدّ ذاته، أمغتربًا كان أم محلّيًّا، وملامسة القطاعات كافّة، من أجل تعزيز التفاعل والتواصل مع الآخرين؛ وبالتالي، من أجل فهمٍ أفضل للسياسات والقواعد الضروريّة للارتقاء بالتسامح في دولة الإمارات العربيّة المتّحدة.

 
   

من ناحيةٍ أخرى، أظنّ أنّ السلام المستدام يبقى واردًا طالما أنّ النقاشات السليمة لا تزال فاعلة بين الحكومات والمواطنين. لديّ آمالٌ كبيرة حقًّا أعلّقها على كندا، لا سيّما بعد انتخاب رئيس الوزراء الجديد جاستِن ترودو. ففي ما يتعلّق بتعزيز فعّاليّة السلام الداخليّ، هو  يمشي على الدرب الصحيح . إضافةً إلى ذلك، عددٌ كبيرٌ من العلماء الكنديّين مقتنع تمامًا بأنّ سياسات كندا الداخليّة والخارجيّة ليست حكرًا على الحكومة. في الواقع، غنيّ عن القول إنّ بعضًا من أفضل سياسات البحث تنبثق عن المنظّمات غير الحكوميّة والمؤسّسات والجامعات الخاصّة. كذلك، فإنّ الأفراد والجماعات يقدّمون مساهمات ملحوظة من شأنها أن تمكّن المسؤولين في حكوماتهم من تأدية المزيد من الأعمال البنّاءة والإيجابيّة؛ كما أنّهم التمسوا حكوماتهم وأسّسوا شبكات تواصل بالآخرين في مختلف البلدان. وفي هذا الصدد، فإنّ الدور الذي لا بدّ من أن تؤدّيه الحكومات "لم يعد يقتصر على سيادة القائد وحسب، بل على سلطةٍ ترابطيّة، وميسّرة، ومشرِّعة في قلب شبكة اتّصالاتٍ لامركزيّة بالعالم الخارجيّ".[3]

في هاتَيْن الحالتَيْن اللتَيْن قمنا بدراستهما إن في كندا أو في الإمارات العربيّة المتّحدة، أمثلةٌ بارزة توضّح الطريقة التي قد يتمّ فيها إحلال السلام بصفته إطارًا منظِّمًا للسياسات الداخليّة التي تعتمدها الحكومات. ولا يَخفى عن أحدٍ أنّ التسامح هو إحدى الركائز الأساسيّة التي تدعم الحفاظ على السلام وتوسيع أطره. جدير بالقول أيضًا إنّ الإمارات العربيّة المتّحدة عامّةً ودبي خاصّةً، بكلّ ما تستضيفان من أعراق، وديانات، وهويّات ثقافيّة، قد بدأتا بفهم مبدأ التعايش، أي أن يعيش الواحد مع الآخر - وهو ما نحاول تمامًا أن نقوم به في جامعة دبي الأميركيّة - وهما تعدان بتعميم النموذج هذا على المنطقة.

* دكتورة في علوم الأديان؛ بروفسورة في دراسات الشرق الأوسط بالجامعة الأمركيّة - دبي، منذ العام ٢٠١٤.

 

3 مايكل إغناتييف، السلام، والنظام، والحكم الرشيد: أجندة السياسة الخارجيّة لكندا. الشؤون العالميّة في كندا - الحكومة الكنديّة، 2013.
http://www.international.gc.ca/odskelton/ignatieff.aspx?lang=eng

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق