لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة بيتسا استفانو*

مظلّة تُعيد إلى الحياة حقوقها

"إنّ ثمّة شيئين لا يمكن أن يحدّق فيهما المرء : الشمس والموت"[1]. فماذا لو كان البشر تحت النيّر الأكبر في جلد السماء، يموتون كلّ يوم وهم على قيد الحياة ؟

من مفارقات الحياة أنّها تطالب بحقّها في الوجود حتّى الموت. فإن تلمّسنا هذا الحقّ من أوراق أدباء من القرنين الماضيين فلكي نتصفّح مسألة آنيّة لا بل معضلة حاول الأدباء معالجتها وما زال إنسان اليوم يحاول معالجتها فإذا به في دوّامة الأرض الدائرة حول نفسها وحول الشمس، تواري في أحشائها الموت لكي تصدق مقولة لاروشفوكو. من كتب شحب لون أوراقها مع أوراق الزمن الخريفيّة التي سقطت من رزنامة الحياة ولكنّها لم تسقط من ذاكرة الأدب فاحتفظ بها في خزانته بمنأى عن غبار الأيّام وعلى رغم غبار الأيّام،

إستوحينا موضوع هذا المقال الذي لا يستوفي مسألة متوغّلة في القدم يعود تاريخها إلى عمر الكون لكنّه يحاول أن يبيّن جدليّة الحياة والموت والمفارقة التي تلازمهما...

بين الحشود في شوارع المدينة، حمل ديوجينس[2] طوال حياته مصباحًا مضيئًا متجوّلاً به في وضح النهار باحثًا عن إنسان فلم يجده. ومذّاك، أصبح مصباح ديوجينس مصباح الحكمة ورمزًا للبحث عن الحقيقة. واليوم، قد يحمل أحد الفلاسفة المصباح نفسه باحثًا عن الإنسان وحقوقه في وضح النهار، وستزدحم الوجوه المتشابهة في مخيّلته، ويتأمّل في كفاح الناس، كيف يلسعهم عقرب الوقت في رتابة السعي اليوميّ، ولن يخلص إلّا إلى سؤال: هل هي إرادة الحياة نصف الواعية التي تسحق العقل وتسير بمحرّك المدنيّة فتجعل الإنسان يتهافت على ملذّات الحياة ليهرب من فكرة الفناء؟

إنّها غريزة البقاء الملازمة للإنسان، لا بل هي "نعمة الحياة"[3] التي يتشبّث بها المرء حتّى الرمق الأخير. إنّ بلوغ حدّ أعلى من الحياة هذا، تحتفظ به حتّى البذور الجافّة لثلاثة آلاف سنة وحين تصادف الظروف المناسبة لنموّها، تحمل براعم الحياة في شجرة، فحتّى الشجرة تموت واقفة وأغصانها وارفة.

إرادة الحياة والرغبة الجامحة في التمتّع بالحياة تجدان تعبيرهما في هرميّة الحاجة والطلب والرغبة الثلاثيّة. فالطلب مؤشّر لوجود حاجة. فوحده المحتاج يطلب ومن لا يطلب، يموت كما حصل مع المحلّل النفسيّ جاك لاكان Jacques Lacan  (1901-1981) ففي سياق التحليل النفسيّ، "تلبية الطلب هي إلحاق خيبة الأمل بالطلب نفسه"[4] لأنّ الكائن البشريّ بحاجة دائمة إلى الطلب. منذ الولادة، يبدأ الإنسان الوليد بالطلب من طريق البكاء وإطلاق صرخة الجوع مبتغيًا صدر أمّه وحليبه. أوّل حاجة يعبّر عنها الطلب هي الأكل وإسكات الجوع. وحين يُلبَّى الطلب، تسكت الحاجة إلى حين لتعود وتطالب بملء الفراغ الذي تولّده الحاجة (إلى الأكل أو الشرب...). ولكن "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (متى 4، 4). فالحاجة تسكت عند تلبيتها، لكنّ الرغبة لا تسكت فهي توق مستمرّ إلى المزيد وشوق إلى عدم الاكتفاء بالمزيد. من هنا، تمحورت موضوعات الأدب والفلسفة على جدليّة الحياة والموت.

كتب توفيق يوسف عوّاد، في تناوله لـ "حبّ الحياة" في كتابه غبار الأيّام، قائلاً :

"المرأة التي مدّت إليّ يدها الهزيلة المرتجفة هذا الصباح، وأعطيتها قرشًا، لا أزال أفكّر فيها وفي القرش. عجوز تجاوزت السبعين، عرجاء، عوراء، تستجدي على قارعة الطريق لا لتسدّ جوعًا، بل - وهذه كلمتها - "لتعمل عمليّة الزايدة" ]...[ هذه العجوز لماذا لا تشعر بالضجر، فضلاً عن اليأس؟ ولكنّ الإنسان أكثر ما يكون متعلّقًا بالحياة إذا أحسّ أنّها على وشك أن تفلت من يديه. الحياة ينبغي أن تكون جميلة حتّى عند العجوز العرجاء العوراء المصابة بالزائدة. يأتي جمالها من كلّ صوب، ويأخذنا سحرها بأظافره أخذ القادر. يأتي لنا من الداخل. من وراء العرج والعور والزائدة الدوديّة. ينبع من روح الله التي تنفخ فينا. من حبّ البقاء لمجرّد البقاء. من حرصنا على المشاركة في اللّعبة الكبيرة ولو بصفة متفرّجين. اللّعبة العجيبة التي نعرف جيّدًا أنّنا لن نلعبها مرّتين."[5]. "كلّنا غلّة الموت. هذا صحيح. ولكنّ سحر الحياة يقوم على جهلنا موعد الحصاد متى يكون."[6]

ومن هنا، يرى هنري برغسون Bergson (1959-1941) أنّ الطبيعة لم تهب الإنسان غريزة تنبّهه إلى ساعة أجله، لئلّا يتولّد في نفسه شعور بالانهيار يعطّل لديه كلّ إرادة للبقاء[7]. فإن كان الموت لحظة لاواعية، فانتظار الموت لحظات معلّقة على حبل مشنقة.

لا غرابة تمثل أمام وجه الموت، فقد روى الأديب اللبنانيّ الراحل توفيق يوسف عوّاد في إحدى مقالاته قصّة إسماعيل الحريري المحكوم عليه بالإعدام. فيوم صدر في حقّه الحكم في العام 1940، تقدّم السجين إلى الساحة ]...[ وقبل أن يترجّل من سيّارة السجن، سُئِل عن آخر أمنية يودّع بها لحظات حياته الأخيرة، فـ "طلب ممّن حواليه مظلّة ليقي رأسه من المطر خلال الخطوات المعدودات التي كانت تفصل بين السيّارة والمشنقة. وأصرّ على طلبه، ففتحها فوق رأسه ومشى إلى المشنقة وكأنّ لسان حاله يقول : ما دمتُ حيًّا فللحياة عليّ حقوق، فلماذا أبخسها إيّاها ؟"[8]

و"أمام المشانق" أيضًا، يتوقّف الأديب عوّاد ويستوقفنا بسؤال: "أيّ خيطٍ سحريّ يربط بيننا، نحن الأبرياء، وبين المجرمين المعلّقين على المشانق ؟ يلوح لي أنّه خيط الحياة الذي ينتظم الناس أجمعين، إذا انقطع بأحدهم أحدث انقطاعه اضطرابًا من الطرف إلى الطرف الآخر [...] ينفذ إلى وجداننا حيث ترسب جرائمنا المكبوتة التي لا تعدّ ولا توصف. الجرائم التي منعنا تهذيبنا الاجتماعيّ، أو خوفنا من القوانين، أو مجرّد العجز أو الجبن عن التعبير عنها بالسكّين أو المسدّس. فنحن، في قرارة نفوسنا، نتذوّق مع المحكوم عليهم بالإعدام، أو نشهدهم يتذوّقون عنّا، شيئًا من العقاب الذي نستحقّه."[9]

هكذا يتمثّل الطلب الأخير لدى مواجهة الموت، والطلب هو الذي يضفي على الحياة قيمتها وحقوقها. فإن كانت كلّ فلسفة كما عرّفها الروائيّ بوريس باستيرناك Boris Pasternak (1890-1960)، مجهودًا هائلاً لتخطّي مشكلة الموت، فأين هي اليوم حقوق الحياة على الإنسان وحقوق الإنسان على الحياة؟ فهو يقول : "التاريخ هو الكون الثاني الذي شيّده الإنسان بمساعدة ظاهرتَي الزمن والذاكرة، ردًّا على ظاهرة الموت[10]."

ويبقى هذا التشبّث بالحياة، إلّا في حال الانتحار، في صميم تمنّي الموت وهنا تكمن المفارقة. وفي تخبّط المرء بين حياة وموت، شوق وتوق إلى العيش بالملء. ففي دراسة حول الحياة الإنسانيّة عند الشاعر أبي العلاء المعرّي، تورد المؤلّفة ما يُقال عنه بأنّه "يحزن فتسودّ الدنيا في وجهه ويودّ لو يخلّصه الموت، ويفرح فيقبل على الدنيا ويشتهي طول العمر." [11] وترى الكاتبة أنّه "لا يفزع من الموت حيت يهنأ بالحياة. أمّا الأسباب التي تفسّر تناقضه واضطرابه وتعلّل فزعه من الموت "مع ضيقه بالحياة"[12] فهي ثلاثة : "حبّ الدنيا"[13]، و"خوفه ممّا وراء الموت"[14]، والموت كونه "مأساة الإنسانيّة الكبرى"[15]. ثلاثيّة ملازمة لكلّ إنسان، في كلّ زمان ومكان، يحلم بالبقاء على أرض الفانية إلى ما لا نهاية فيثبت نظريّة المحلّل النفسي سيغمند فرويد   Sigmund Freud (1856-1939) القائلة بأنّ "اللاوعي يجهل الموت"[16].

هذا التشبّث بالحياة يقابله سؤالٌ وجوديّ ينمّ على رغبة في الحياة على الرغم من القلق الماحق الذي علّقه بعض الشعراء على علامة استفهام، أمثال الروائيّ النورفيجيّ "هنريك إبسن" (1828-1906) Henrik Ibsen حين تراءى له، على مستوى الحلم الرمزيّ، ملاك قاده إلى قمّة جبل وقال له : "تعال سأدعك ترى الحياة على حقيقتها". وهكذا جعله الملاك يرى حقلاً شاسعًا مغمورًا بجثث لا أمل لها بالقيامة[17].

أمّا الفيلسوف والروائيّ الفرنسيّ "ألبير كامو" Albert Camus (1913-1960) في "أسطورة سيزيفوس"[18] فيشبّه عبثيّة حياة الإنسان بوضع سيزيفوس[19] ويختم مقالته بقوله إنّ "المثابرة في حدّ ذاتها ]...[ كافية لتملأ قلب الإنسان".

سأل أنطوان دو سانت إكزوبيري  Antoine de Saint-Exupéry(1900-1944) أحد المدمنين على الكحول، على لسان "الأمير الصغير" :

لماذا تشرب ؟

لأنسى.

لتنسى ماذا ؟

لأنسى عار الشرب !"[20]

في هذا السياق، تبدو الشهوة دائرة مقفلة لا منفذ لها. فإذا كان اليأس حنينًا إلى النجوم يجعل اللّيل لا يُحتَمَل، وحدها الفضيلة الثانية، الرجاء، يتغنّى بها شارل بيغي قائلاً :

"يقول الله: أقرب الايمان إلى قلبي : الرجاء.

الايمان أمرٌ لا يدهشني،

فأنا أنفجر كليًّا في خليقتي ...

على هؤلاء المساكين أن يكونوا عميانًا

حتّى لا يروني كما أنا ...

المحبّة لا تدهشني،

لكنّ الرجاء، هذا ما يدهشني ...

هذا الرجاء الصغير الشبيه بالكائن الصغير ...

إنّه هؤلاء الأطفال الذين يرقبون كيف تمضي الأمور ...

ويؤمنون بأنّ كلّ شيء سيسير على أحسن حال غدًا ..."[21].

 

* أستاذة محاضرة في كليّة العلوم الدينيّة ومساعدة أبحاث في مكتبة العلوم الإنسانيّة بجامعة القدّيس يوسف في بيروت.

 


[1] LA ROCHEFOUCAULD (de) François, Maximes, Editions Imprimerie nationale, 1998, p. 64, n° 26.

هذا القول هو من بين الأقوال المأثورة للكاتب الفرنسيّ فرانسوا دو لاروشفوكو (1613-1680).

[2]  ديوجينس الكلبي (نحو ٤٢١ - ٣٢٣ ق م) هو فيلسوف يونانيّ. يُعتبر أبرز ممثّلي المدرسة الكلبيّة الأوائل.

Diogène de Sinope ou Diogène le Cynique

[3]  حسيب عبد الساتر، نعمة الحياة، بيروت، منشورات الحكمة، 1993، ص13-17.

[4] LACAN Jacques, Autres écrits, p.343, in ANTIER Guilhen, L’origine qui vient : une eschatologie pour le XXIe s, Coll. « Lieux théologiques » n°40, Genève, Labor et Fides, 2010, p. 209.

[5] توفيق يوسف عوّاد، المؤلّفات الكاملة، غبار الأيّام، بيروت، مكتبة لبنان، الطبعة الأولى، 1987، ص 578.

[6] م.ن.، ص 611.

[7] Cf. ARNAUD François, L’évolution créatrice de Bergson: commentaires, Paris, Librairie philosophique J. Vrin, 2010, p. 119.

[8] د. سعود هلال الحربي، العيش في الحقيقة : مقالات في الفكر والثقافة، "السعادة والزمن"، الرياض، مكتبة العبيكان، الطبعة الأولى، 2008، مقالة مستلّة من جريدة الوطن، العدد 10987، الإثنين الواقع فيه 28/8/2006.

[9]  توفيق يوسف عوّاد، المرجع السابق، ص 607.

[10] PASTERNAK Boris, Le docteur Jivago, [Paris], Gallimard, 1991, c1957 ;

 http://dicocitations.lemonde.fr/citations/citation-137511.php

[11]  بنت الشاطئ ]عائشة عبد الرحمن[، الحياة الإنسانيّة عند أبي العلاء: لمَ خُلقنا؟ وكيف نحيا؟ وإلى أين المصير؟، ]القاهرة[ طبعة المعارف ومكتبتها بمصر،]1944[، ص 166.

[12]  بنت الشاطئ ]عائشة عبد الرحمن[، المرجع السابق، ص 166.

[13]  م.ن.، ص 167-174.

[14]  م.ن.، ص 174-176.

[15]  م.ن.، ص 176-185.

[16] BOURDIN Dominique, La psychanalyse, de Freud à aujourd’hui : histoire, concepts, pratiques, Rosny-sous-Bois, Bréal, 2007, p. 29.

[17] AUCHET Marc, «Le symbolisme de la montagne chez Ibsen ou la dramaturgie de la peur », Études Germaniques 4.2007 (no248), p.837.

[18]  CAMUS Albert, Le mythe de Sisyphe: [essais sur l’absurde], Paris, Gallimard, 1950.

[19] شخصيّة من الميثولوجيا الإغريقيّة قدرها أن تحمل صخرة إلى أعلى قمّة جبل وما إن تفعل تتدحرج الصخرة إلى الأسفل فيعود سيزيف ويحملها ثانيةً وهكذا دواليك إلى ما لانهاية.

[20]  أنطوان دي سانتيكزوبيري، الأمير الصغير، نقله إلى العربيّة يوسف غصوب، بيروت، المنشورات العربيّة،، 1962، ص 44-45.

[21]  Charles Péguy, Le Porche du mystère de la deuxième vertu, [Paris], Gallimard, 1950, c1929, p. 22.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق