لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة دنيا حشيمة بوخليل*

زيارة إلى الأب كميل حشيمه المحترم

الله يباركك يا بنتي! قالها الأب كميل ذلك النهار حيث كان موعد ومن ثمّ لقاء باسم ومن ثمّ حديث دار حول التربية وأهميّة دورها في نقل المعارف، فاستذكر الأب كميل المعلّم بطرس البستاني في مقدّمة موسوعته دائرة المعارف حيث قال: "لا يخفى أنّ المعارف أساس لإتقان الزراعة والصناعة والتجارة وأمّ الاختراعات والاكتشافات، وينبوع للثروة والقوّة، ومصدر للرفاهية وللمحافظة على الصحّة، وركن لانتظام أحوال الهيئة الاجتماعيّة وإدراك دقائق السياسة ومعرفة الشرائع والقوانين والنظامات، وواسطة لتثقيف العقل وصحّة الحكم وتهذيب الأخلاق وتحسين العادات والوقوف على التعاليم الدينيّة واكتشاف العلل والأسباب وأحكام الأعمال وضبطها إلى غير ذلك".

تكلّم الأب الجليل منتقداً ومستذكراً "مدرسة تحت السنديانة" أي المؤسّسة التربويّة الأولى القائمة على أستاذ يمثّل الهيبة والسلطة، وتلميذ ينمّي ذاكرته على وقع نغم قضيب الرمّان، فيعيد ويعيد، يحفظ ويخزّن في ذاكرته وتتعالى الأصوات الساخنة عبر أغصان السنديان وجدران الجامع والكنيسة في آن.

أمّا الكتاب الأوحد فكان السنكسار تارة والقرآن الكريم تارة أخرى حيث صقلت الآيات الكريمة، كما توجيهات السيّد المسيح المقدّسة، أخلاقَ سامعيها من طلاّب العلم والساعين إلى التعمّق بالإيمان وإلى الإلمام بالقيم والقواعد الأخلاقيّة والأسس النحويّة.

أمّا اليوم فقد فرض الواقع المجتمعيّ القائم على تطوّر العلوم التربويّة وعلى سعي السلطات الوطنيّة، السياسيّة منها والتربويّة، لإيجاد إجراءات تؤمّن للطفل اللبنانيّ حدًّا أدنى من التربية السويّة في إطار عمليّة التعليم الإلزاميّ.

نعم لمحو الأميّة كي لا يبقى طفل يصلح دواليب بالية، أو يجوب شوارع العاصمة حاملاً يده الصغيرة، مستعطياً أو ماسحاً زجاج السيّارات سعياً للحصول على بعض النقود لشراء خبزه اليوميّ. إنّها ظاهرة مرفوضة تتنافى مع شرعة حقوق الطفل كما أنّها تساهم في إتلاف كنز الوطن ودعامة لبنان الغد.

ماذا عن النمط التحضّريّ؟

إنّه تبعاً "لبيير لبورديو" عالم الاجتماع المعاصر، "سلسلة من المؤسّسات والقواعد والطقوس والاتّفاقات والمقاولات والإشارات والعناوين التي تكوّن تراتباً محدّداً، والتي تنتج وتشرعن خطابات ونشاطات معيّنة".

يتابع "بورديو" قائلًا إنّ هذا النمط يملك معناً واحداً وهدفاً واحداً وقيماً متشابهة تُفرض بانتظام على الفرد. نلحظ حينها استتباب حالة من التوتّر الشديد بين الأنا والمثل العليا على مستوى الفرد، التي من شأنها أن تقوى وتتفاعل مع استتباب العمل الجماعيّ الملتزم كما أنّها تزداد تباعاً وتزيد معها مقتضياتها في إطار الحقل الثقافيّ.

ماذا عن الحقل الثقافيّ؟

إنّه، أيّها الأب الكريم، حقل يحتوي مداخلة العلاقات والأوضاع، كما أنّه ينطوي على أبعاد ماديّة ورمزيّة تجعله يتمتّع باستقلاليّة عن الأخرى، وتحرّكه ديناميّات يجسّدها المعلّم الفاعل والمؤسّسة التربويّة، بدروس في الاجتماعيّات وسواها  تدور أحداثها على القيم والقواعد الواجب بلورتها. تقضي هذه الديناميّة أيضاً القيام بتعليم أصول ممارسة تلك القواعد نظريًّا وتطبيقيًّا من قبل التلميذ المتدرّج الساعي إلى التحصيل العلميّ الذي يخوّله أن يصبح مواطناً صالحاً قادراً على التأقلم في مجتمعه بفاعليّة والتزام.

لكن ماذا عن السلطة؟

ننطلق من عبارات وردت سابقًا "يملك هذا النمط معنًى واحداً وهدفاً واحداً وقيماً متشابهة، تُفرض بانتظام على الفرد"!!! ما يحتّم وجود السلطة المفروضة على المتعلم بشكل نظام يواجه به. إنّها حاجز أمان فاعل لحمايته من المخاطر الخارجيّة التي يجهلها، كما تساعده على ضبط الدوافع النفسيّة، الغريزيّة القويّة منها خاصّة، وتنظيمها في آن.

فدور السلطة في العمليّة التربويّة هو الإرشاد على التصرّفات المقبولة والمؤيَّدة من قبل الأهل والمربّين التربويّين والمحدِّدة دورَ الإنسان ووضعه في مجتمع معيّن.

لكن يا أبتي ماذا عن الشعور بالأمان وراحة البال؟

لقد تطرّق قداسة البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني في كتابه الإرشاد الرسوليّ، رجاء جديد للبنان إلى كون الشباب المسيحيّ الموجود في هذه المنطقة من الشرق الأوسط ينشد الأجواء الملائمة لتفتّحه الشخصيّ بدءًا من احترام تقاليده الثقافيّة والروحيّة، لأنّه يتوق بالدرجة الأولى إلى الطمأنينة وإلى الازدهار. ينشد الشبّان والصبايا التعلّم الحديث والمتخصّص ويسعون استطراداً إلى توظيف كفاآتهم في سوق العمل تلك التي تؤمّن لهم الإنتاجيّة المبنيّة على الحاجات الآنيّة توصّلاً إلى الطمأنينة والازدهار.

غالباً يا أبتي ما نلاحظ نوعاً من انفصام في شخصيّة الشباب المعاصر، فما هو السبب برأيك؟

إنّهم يتعلّمون ما لا يطبّقون في أغلب الأحيان، ذلك بسبب الشحّة في الاعتراف الحقيقيّ بالحريّات الجوهريّة، من قبل المخطّطين والمسؤولين عن السياسة الاجتماعيّة، تلك التي تصون الكرامة الإنسانيّة وتفسح في المجال لممارسة تعاليم الإيمان. إنّهم يتوقون إلى احترام صادق لحقوقهم وحقوق الآخرين. يتخصّص المحامون كي يمارسوا مهنة المحاماة بكرامة. يتخصّص المهندسون كي يمارسوا مهنة الهندسة بكرامة. يتخصّص النجّارون كي يمارسوا مهنة النجارة بكرامة... لا يستوي هذا الواقع إلاّ في ظلّ عدالة تكرّس مساواة الجميع أمام القانون وتسمح لكلّ مواطن أن يتمتّع بمسؤوليّته في التنظيم الاجتماعيّ.

لا شكّ يا ابنتي في أنّ النزاعات المستفحلة في هذه المنطقة من العالم، والمتمثّلة بالاحتلال في جنوب لبنان، وحالة التدهور الاقتصاديّ، ووجود قوّات مسلّحة غير لبنانيّة على الأرض، واستمرار مشكلة المهجّرين وكذلك هول التطرّف والأصوليّة... لا شكّ في أنّها تخلق شعوراً من الشكّ بالكيان والهويّة وبالحرمان من الحقوق، وتؤجّج تجربة الهجرة لدى الشبيبة؛ فلمَ لا نتكلّم على أهميّة التضحيات بدلاً من الانفصام؟

ذلك أنّ التضحيات تعلّم الشبيبة التمرّس في ضبط النفس بشكل مستمرّ، يساعد على وجوب حضور فاعل وشجاع ومثابر في تسيير شؤون المجتمع نحو الخير على حساب قوى الشرّ.

ما هو دور الإيمان بالله؟

يجب يا ابنتي الاعتماد على نعمة الله الذي يغيّر القلوب والإرادات ويوجّهها نحو الخير. ننطلق في قولنا هذا من ما اختبره المؤمنون بالمسيح في الماضي والحاضر، في أنفسهم وفي الآخرين. لقد عملوا على محاربة قوى الشرّ الساعية دوماً إلى نشر الظلمة في العقول، والقسوة في المشاعر، ما يسبّب ضياعاً وتهديداً واضحاً للمستقبل. أمّا المحرّك لنعمة الله في نفوس خلقه فيبقى الرجاء الحيّ المفعّل لثقة الإنسان في ذاته وهي استمراريّة وجود بلده بوجهه الديموقراطيّ الحديث.

لقد نشأت شبيبتُنا على رغد العيش وتميّزوا بالنظافة الخلقيّة والأخلاقيّة، ذلك أنّهم ولدوا ونشؤوا في أسرة مسيحيّة أو إسلاميّة محافظة على تقاليدها مكرِّسة للأبوّة وللأمومة وللبنوّة؛ إنّها النواة الأساسيّة لمجتمع مبنيّ على الأخوّة في ما بين الجميع، التي تبدو في أحلى مظاهرها في الأوقات العصيبة والتي باتت الحافز على المساهمة الناشطة في بناء الوطن على أساس قيم إنسانيّة هي ثروة التراث الوطنيّ ولباب شراكة الإنسان مع الله. هكذا تلبّي شبيبتنا، على أفضل وجه، إرادةَ الربّ في حياتهم سائرين على درب الرجاء ومتجدّدين بروحه وبمحبّته.

طال الحديث ولم نشعر بمرور الوقت إلى أن دقّت ساعة الغداء معلنة نهاية الزيارة...

حيث انتهى على مضض الحديث الشيّق مع الأب الجليل والمربّي الملتزم بنظام يسوعيّ تربويّ أعطى ثماراً زادت المجتمعات شموخاً وقداسة، كما ساهم في غرس قيم المعرفة والتحدّي والقداسة في تراب لبنان والعالم.  

*باحثة وأستاذة جامعيّة - دكتوراه في علم الإجتماع

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق