طفل مهاجر يلهو بعلم الاتّحاد الأوروبي بعد عبور الحدود النمسويَّة في نيكلسدورف photo credit: REUTERS

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ

القِيَم الأوروبيّة على المحكّ

كان لأزمة اللاجئين الهاربين من جحيم الحروب في أكثر من بلد عربيّ، دورٌ مهمٌّ في مسألة خروج بريطانيا من الاتّحاد الأوروبيّ؛ ولا تزال هذه الأزمة تطرح أسئلة عديدة بشأن كيفيّة فهم دول الاتّحاد الأوروبيّ قِيَمها المشتركة وطريقة تطبيقها. ترد القِيَم الأوروبيّة في "شرعة الحقوق الأساسيّة في الاتّحاد الأوروبيّ" التي أُعلنت العام 2000، وبلغ عددها ستّة عناوين: الكرامة، الحريّات، المساواة، التضامن، حقوق المواطنين، والعدالة[1]. وقد ضَمَنَتْ لاحقًا "معاهدةُ لشبونة" الموقّعة العام 2007، احترامَ الكرامة الإنسانيّة، والحريّة، والديموقراطيّة، وحقوق الإنسان ومن ضمنها حقوق الأقليّات. وفي العام 2012، مُنحت جائزة نوبل الاتّحادَ الأوروبيّ لأنَّه ساهم طوال ستّة عقود متواصلة في تعزيز السلام والمصالحة والديموقراطيّة وحقوق الإنسان في أوروبّا[2].

ولكن لم يحترم بالكامل أيّ بلدٍ من بلدان الاتّحاد المذكور هذه القِيَم، ولا سيّما في أزمنة الأزمات، كما نلاحظ حاليًّا إبَّان أزمة اللاجئين. وفي الواقع، ثمّة مفارقة تنتج من اختلاف البلدان المعنيّة في تعريف هذه القيم والعمل بموجب مقتضياتها: فبالرغم من أنّ القِيَم الأوروبيّة المشتركة تُعلن بوضوح، وتبرز بصفتها أساس الاتّحاد، فعندما يتعلّق الأمر بالتطبيق، يتبيّن أنّ التباينات والاختلافات بين دول الاتّحاد تفوق نقاط التشابه والتلاقي. ولو سلّمنا جدلاً بأنَّه يجب فهم هذه القِيَم بصفتها توجّهات نبيلة أو مصدر إلهام متسامٍ أشدّ منها قواعد مطلقة[3]، فإنّه يترتّب على الاتّحاد الأوروبيّ مواجهة مهمّة صعبة تُلخَّص بضرورة تعريف قِيَمه وتحديد دورها في مستقبله.

وفي هذا السياق، تبرز مسألة التعدّديّة الثقافيّة بقوّة. إذ إنّنا نلاحظ ثمّة تحوّلاً في أوروبّا ممّا يُسمَّى عادةً بــ "التعدّديّة الثقافيّة الناعمة" إلى "التعدّديّة الثقافيّة الخشنة"[4]، حتّى ولو أنّ أيًّا من المفهومَين لم يُستخدم بطريقة دقيقة. في ما خصّ الصيغة "الناعمة"، فإنّها تُسلِّم بحريّة المهاجرين الذين أتوا إلى أوروبّا منذ عقود طويلة، ليعيشوا كما يشاؤون بصفتهم أفرادًا، وتتماشى هذه الصيغة وحقوق الأفراد في التعبير عن هويّاتهم الثقافيّة المختلفة في ظلّ القوانين التي تعكس مبادئ الديموقراطيّة الليبراليّة. أمّا التحوّل إلى الصيغة "الخشنة" – وتعني، باختصار، حقّ الجماعات الثقافيّة الأقليّة في أن تعيش في المجتمع بصفتها جماعةً، وفي أن تحافظ على تقاليدها وأخلاقيّاتها الخاصّة وتقوّيها- فقد بدأت عمليًّا في ثمانينيَّات القرن الماضي، عندما خضعت العلاقات الدوليّة لتغييرات سريعة في أعقاب سقوط حائط برلين العام 1989، وانهيار الاتّحاد السوفياتيّ بعدَه بعامَين: لقد بدأ زمن العولمة ترافقه ليبراليّة مطلقة أو ليبراليّة مسرفة[5] تتماثل واقتصاد السوق الحرّة؛ وهذا ما أدّى، في المجتمع الأوروبيّ، إلى انحسار الليبراليّة الناتجة من الحداثة، والحدّ من مكانة المبادئ الديموقراطيّة وحقوق الإنسان، وتراجع حالة الشدّ الحيويّة بين الاشتراكيّة والليبراليّة. وفي المقابل، خلقت التطوّرات فراغًا أيديولوجيًّا سمح بنشأة عاملَين ذي طابع اجتماعيّ - سياسيّ: الأوَّل، أصبح العمّال المهاجرون الذين كانوا في السابق متورّطين في النقاش الدائر بين التيّارَين الاشتراكيّ والليبراليّ، شديدي التمسّك بهويّاتهم الثقافيّة الخاصّة، بحيث كان هذا الخيار الأفضل، بل الوسيلة الوحيدة للدفاع عن حقوقهم؛ وثانيًا، انتهجت الحكومات الأوروبيّة عمومًا سياستَين مختلفتَين لمواجهة هذا الواقع، تراوحتا بين "الدمج الناعم"[6] و"التعدّديّة الثقافيّة الخشنة". غير أنّ هاتَين السياستَين انتهتا إلى نتيجة واحدة تتلخّص باعتبار المهاجرين جماعات، ومعاملتهم تبعًا لهويَّاتهم الجمعويّة، أي لا بحسب مبادئ الحداثة، ولا تبعًا للسياسة الحزبيّة التقليديّة التي طالما رسمت المشهد السياسيّ والاجتماعيّ. فليس غريبًا، بالتالي، ملاحظة ارتباك الحكومات الأوروبيّة بشأن السياسة الواجب اتّباعها، وصعود أحزاب اليمين المتطرّف، وبروز ميول إلى مناهضة المسلمين بحجّة الخوف منهم، وبوجه خاصّ في أعقاب تقوية الهويّة الجماعيّة المسلمة بعد الحروب القوميّة والإتنيّة في البوسنة.

لقد أتت أزمة اللاجئين الحاليّة لتنغرس في هذه الخلفيّة المعقّدة. لذا، لا تنحصر مشكلة الاتّحاد الأوروبيّ في تعريف القيم المشتركة، بل تشمل أيضًا إعادة تعريف مبادئ الحداثة في ضوء خبرات التعدديّة الثقافيّة. وفي الواقع، لتعابير التعدّديّة الثقافيّة، وبوجه خاصّ "سياسات التعدّديّة الثقافيّة" و"سياسات الهويّة"[7]، أثار سلبيّة في التفعّل الحيويّ والغنيّ بين المهاجرين والمجتمعات الأوروبيّة، إذ روَّجت تلك التعابير هويّات جمعويّة، ومنعت أو على الأقلّ حدَّت من فرص التثاقف الفعليّ من خلال حوار ثقافيّ يدور في الحياة اليوميّة، بصرف النظر عن بُطْء هذا الحوار أو سرعته.

عندما نفكّر في مسألة التثاقف، لا يمكننا إغفال خلفيّة المهاجرين واللاجئين الثقافيّة. لذا، تكتسب النظرة النقديّة إلى ثقافات بلدان هؤلاء الأصليّة أهميّةً كبيرة لتقييم المسألة المطروحة تقييمًا موضوعيًّا. ويجب أن يشمل مثل هذا النقد، بالطبع، العلاقات المعقّدة بين الشرق والغرب، وجملة الأحكام السابقة والعداوات التي نتجت من هذه العلاقات، فضلاً عن الأسباب الملازمة المجتمعات المعنيّة في الشرق الأوسط وقد تؤدّي باستمرار إلى مقاومة انتشار المبادئ الديموقراطيّة ومبادئ الحداثة.

 

* الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ، مدير دار المشرق ومجلّة المشرق.

[1] http://ec.europa.eu/justice/fundamental-rights/charter/index_en.htm

[2] http://www.nobelprize.org/nobel_prizes/peace/laureates/2012/

[3] إنّ القواعد مفاهيم تنطوي على معنًى عمليّ، أي توجَّه إلى عملٍ فعليّ، أشدّ من كونها أفكارًا تجريديّة تكتفي بالوصف أو التعبير أو الشرح.

[4] Cf. Marco MARTINIELLO (2011), La démocratie multiculturelle, 2ème édition, Presses de sciences politiques, Paris, pp. 88-99 & 103-106.

[5] يعني تعبير "الليبراليّة المسرفة" النزعة السياسيّة والاقتصاديّة التي تدافع عن الليبراليّة المطلقة بحيث يسود اقتصاد السوق والمبادرة الفرديّة. تتميّز هذه الليبراليّة بغياب ضوابط الدولة الاقتصاديّة، ومكانة الحريّة الفرديّة التي تتفوّق على كلّ شيء.

[6] ركّزت الحكومات الفرنسيّة بشكلٍ أساسيّ على مبادرات دمج المهاجرين، ولا سيّما الشبيبة منهم، في حقول ثلاثة رئيسيّة: التربية والتوظيف والاندماج الاجتماعيّ.

http://www.migrationpolicy.org/research/mainstreaming-immigrant-integration-policy-france-education-employment-and-social-cohesion

[7] تعني "سياسات الهويَّة" حقلاً واسعًا من النشاط السياسيّ والتنظير السياسيّ القائمَين على خبرات مشتركة لحالات ظلم عاشها أفراد بعض الجماعات في المجتمع. فعوض أن تنتظم سياسات الهويّة في العمل الحزبيّ المألوف أو في برامج عمليّة، فهي تركّز على توفير الحريّة السياسيّة لمكوّنات مهمَّشة من عناصر المجتمع. وهذا ما يولِّد لدى أفراد تلك المجموعات ميلاً متزايدًا إلى التحفّظ على المبادئ العامّة التقليديَّة وميزات المجتمع المطبوعة بالحداثة، وإلى السعي لاتّباع سياسات خاصّة وتقرير أمور الأفراد الذاتيّة. راجع: http://plato.stanford.edu/entries/identity-politics/

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق