لوحة خلق آدم للفنان ميكيلانجلو وهي جزء من فريسكو مصور على سقف كنيسة سيستين في الفاتيكان. العام 1511.

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس

«ليس كمثله شيء» (رؤيا طالب الحقّ وأستاذه)

«الإنسان يسمِّيه اليونانيُّون ناظرًا... لأنَّه يرى بعقله ما هو أعلى
الأشياء، وهو البارئ (تبارك اسمه!)». 

يحيى بن عديّ

 

يحبُّ الجنين أمَّه قبل أنْ يراها، ويتعرَّف إلى الوجود بنظرةٍ إليها... هي إلهُه وحده لأنَّها الكونُ الصَّغير الَّذي أوجده واحتواه وأحبَّه... لكلِّ إنسانٍ إلهٌ «أمٌّ» متفرِّدٌ وإلهٌ «أكبر» واحد... يتوق الإنسانُ إلى إدراك مبدعه، ويحرِّكه شوقٌ غريزيٌّ إلى البحث عنه في أرجاء الكون، تمامًا كما يدفعه الشَّوقُ لحظةَ ولادته إلى طلب وجه أمِّه والاتِّصال به. وقد يصل في بحثه إلى أنَّ المبدِعَ هو الإله، أو هو الطَّبيعة، أو أنَّه غيرُ موجود. وقد يعلِّق الحكمَ فيقول إنَّه لا يستطيع أنْ يدري إنْ كان موجودًا أم لا.

هذا الشَّوقُ إلى الإله هو علَّة حركة العالم عند أرسطو (ت 322 ق م)، فالموجودات تتحرَّك نحو الإله كمعشوقٍ وكمعقول. هو عقلٌ يفكِّر بذاته، فيكون عقلًا وعاقلًا ومعقولًا.

يختلف إله أرسطو عن إله الفارابيّ[1] (ت 951م) (شارح أرسطو) وعن إله يحيى بن عديّ[2] (ت 974م) (تلميذ الفارابيّ)، وكلاهما (الأستاذ والطَّالب) يتَّفقان مع أرسطو في أنَّ الإلهَ عقلٌ عاقلٌ معقول، ويتَّفقان معًا في وصف الإله بأنَّه «ليس كمثله شيء». بيدَ أنَّ هذا الوصفَ ليس واحدًا عندهما لأنَّ «صورة» الإله في عقلَيهما ليسَت واحدة.

فإلهُ الفارابيّ واحدٌ بالعدد، أي لا شريك له؛ وواحدٌ بالذَّات، أي لا تركيب فيه؛ وليس كمثله شيء، أي منزَّه عن أيِّ شبهٍ بالمخلوقات. فهو واحدٌ بالعدد لأنَّه الموجود الكامل على وجه الإطلاق، فلا يمكن أنْ يوجدَ معه إله غيره؛ لأنَّه لو جاز أنْ يوجدَ معه إلهٌ يماثله في التَّمام لما كان هو أسمى وأكمل الموجودات. وأيضًا، فهو واحدٌ لا شريك له، لأنَّه لا يمكن أنْ يوجد إلهان؛ إذ لو صحَّ ذلك لكانت بينهما مباينة، وكان كلُّ إلهٍ مركَّبًا من شيء يخصُّه (يباين به الآخر) وشيء يشارك به الآخر؛ والمركَّب يحتاج إلى سبب (مركِّب) فلا يكون إلهًا[3].

وهو واحدٌ بالذَّات لا يمكن أنْ ينقسمَ بالقول إلى أشياء بها تجوهره؛ أي لا يمكن تحديدُه أو تعريفه: «وذلك لأنَّه لا يمكن أن يكون القول الذي يشرح معناه يدلُّ كلُّ جزءٍ من أجزائه على جزءٍ ممَّا يتجوهر به. فإنَّه إذا كان كذلك كانتِ الأجزاء التي بها تجوهره أسبابًا لوجوده على جهة ما تكون المعاني التي تدلُّ عليه أجزاء حدِّ الشَّيء أسبابًا لوجود المحدود، وعلى جهة ما تكون المادَّة والصُّورة أسبابًا لوجود المتركِّب منهما. وذلك غير ممكنٍ فيه، إذ كان أوَّلاً، وكان لا سبب لوجوده أصلًا»[4].

وهو واحدٌ متميّز بوجوده عن غيره، فهو «مباينٌ بجوهره لكلِّ ما سواه، ولا يمكن أنْ يكونَ الوجودُ الَّذي له لشيءٍ آخر سواه»[5]. وهو لا ضدَّ له؛ لأنَّ الضِّدَّ من شأنه أنْ يبطِلَ كلُّ واحدٍ منهما الآخر ويفسدَه إذا اجتمعا، وما يمكن أنْ يفسُدَ فليس قوامه وبقاؤه في جوهره، بل وجوده وبقاؤه مرتبطان بغيره فليس أزليًّا. وهو بجوهره عقلٌ بالفعل، يعقل ذاتَه فيكون عقلًا وعاقلًا ومعقولًا، لكنَّه واحدٌ غير منقسم ولا متكثِّر[6].

أمَّا إله يحيى بن عديّ فهو، كإله الفارابيّ، واحدٌ بالعدد، لكنَّه ليس واحدًا بالذَّات، ويمكن أنْ يوجدَ شبهٌ بينه وبين المخلوقات. فهو جوهرٌ واحدٌ يتقوَّم من معانٍ مختلفة، لذا يمكن وصفه (أو تحديده). ويتضمَّن حدُّه الأوصاف الَّتي يتقوَّم منها، وهي: الجُود والحكمة والقدرة؛ والعقل والعاقل والمعقول. وهاتان هما صيغتا التَّثليث اللتان يذكرهما يحيى في مؤلَّفاته[7].

والإله واحدٌ في الموضوع لا شبيه له ولا مثال (من حيث هو جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم، هي الآب والابن والرُّوح القدس)، كالشَّمس التي لا نظير لها في النُّجوم، وكالعالَم الَّذي لا ثاني له[8]. لكنْ لا يصحُّ القول فيه إنَّه «لا يُشبِه شيئًا من المخلوقات في شيءٍ بتَّةً»؛ إذ لو كان لا يُشبِه شيئًا من المخلوقين فِي شَيْءٍ البتَّة، لوَجب ضرورةً أنْ لا يَصدُقَ عليه شيءٌ من الأوصافِ الَّتي يُوصَفُ بها شيءٌ من المخلوقين. وممَّا يُوصَفُ به الإنسانُ مثلاً (وهو بعض المخلوقين) أنَّه ليسَ بفرسٍ، وأنَّه ليسَ بحمارٍ، وأنَّه ليسَ بشيءٍ من جميع المخلوقات سواه. فيلزَم، إذا كان الإلهُ لا يُشبِه شيئًا من المخلوقين فِي شَيْءٍ أبدًا، أنْ يكونَ وصفُه بهذه السُّلوبِ كَذِبًا... وإذا لمْ يكن البارئُ إنسانًا كان كلَّ واحدٍ من المخلوقات سوى الإنسان؛ وهذا مُحال[9].















ولمَّا كان الإلهُ والإنسانُ ليسا ضدَّين، في اعتقاد يحيى، فإنَّ اجتماعَهما في موضوعٍ واحد (هو المسيح) أمرٌ ممكن. وقولُ يحيى هذا هو تعبيرٌ فلسفيّ عن اعتقاد المسيحيِّين أنَّ الإلهَ تجسَّد، وقد أوردَه في مقالةٍ وضعها للردِّ على المسلمين الَّذين ينكرون عقيدةَ التَّجسُّد. وتقوم حجَّته على قياسَين منطقيَّين:

1 - لا يمكن أن يكونَ شيءٌ من شأنه إفسادُ شيءٍ آخر علَّةً لوجوده.

   - البارئُ علَّةُ وجود مخلوقاته.

   - ليس من شأن البارئ إفساد مخلوقاته.

2 - الضِّدان لا يمكن أن يجتمعا في موضوعٍ واحد؛ إذ من شأن كلِّ واحدٍ منهما إفسادُ قرينه، والاستحالةُ إلى قرينه.

   - البارئُ ليس من شأنه إفساد مخلوقاته (لأنَّه علَّةُ وجودها).

   - البارئُ ليس ضدًّا لمخلوقاته.

يتبيَّن إذًا أنَّ البارئَ يمكن أن يوجدَ في موضوعٍ واحد مع مخلوقاته لأنَّه ليس ضدًّا لها، أي يمكن أن يتَّحدَ بالإنسان (وهو أحد مخلوقاته) ويتجسَّد[10].

حاولنا في هذا البحث الصَّغير أنْ نظهرَ اختلافَ تصوُّر الإله بين الفارابيّ ويحيى. هذا الاختلاف يرجع إلى الأسس الَّتي تقوم عليها فلسفتاهما. فمذهب الفارابيّ مبنيٌّ على مصادر يونانيَّة (أرسطيَّة وأفلوطينيَّة بشكلٍ خاصّ). أمَّا يحيى فيستند إلى العقل والمنطق ليدافعَ عن اعتقاده المسيحيّ أنَّ الإله جوهرٌ واحدٌ ثلاثة أقانيم؛ وأنَّ الاقنومَ الثَّاني، وهو الابن الأزليّ، نزَلَ من السَّماء، وتجسَّد فصارَ بشرًا، وصُلِب، ودُفِن، وانبعَث من الأموات، وصعِد إلى السَّماء. بيدَ أنَّ هذا الاختلافَ لا ينفي تأثُّرَ التِّلميذ بالأستاذ (وهي مسألة سنفصِّلها في دراسة لاحقة)[11]، لكنَّه يدعونا إلى التَّفكير في طبيعة الإله من جهة، وفي قدرتنا على إدراكه من جهةٍ ثانية. فهل ثمَّة شبه بين الصُّورة الَّتي ترسمها عقولنا للإله وبين الإله نفسِه؟ وإذا كان العقل يعجز عن إدراك الإله كنهَ الإدراك فلماذا نرهق أنفسنا في البحث في طبيعته ووجوده؟

يرى الفارابيّ ويحيى أنَّ الاعترافَ بمحدوديَّة العقل يجب ألَّا يثنيه عن محاولة الاتِّصال بالإله لينال السَّعادة القصوى. يقول الفارابيّ إنَّ الإنسانَ إذا استطاعَ أنْ يتجرَّدَ من حجب المادَّة يحصل له نوع من الكشف، فيتذوَّق أشياء لم يسبق له أنْ مرَّ بها في العالم المادِّيّ فيرى «ما لا عينَ رأت ولا أذنَ سمعَت ولا خطَرَ على قلب بشر»[12]. ويقول يحيى إنَّ سعادةَ النَّفس تكون في الاتِّصال بالله، وأنَّ موتَها يكون في بعدها عنه؛ وأنَّ تحصيل السَّعادة يكون باستيلاء العقل على الهوى، وتذليلِه إيَّاه، حتَّى يحرزَ الإنسانُ الفضائلَ ويدخلَ ملكوتَ السَّماء. غيرَ أنَّ قلَّةً يمكنهم أَن يعقلوا البارئ ويتَّحدوا به، وهؤلاء هم الأَنبياء والصِّدِّيقون. ومعنى الاتِّحاد عندهم هو اتِّحادُ العقل بصورةِ البارئ. أَمَّا «الاتِّحادُ الحقيقيّ» بالبارئ أَو «الاتِّحادُ التَّامّ» فينفرد به المسيحُ وحده لأَنَّه تفرَّد بالأَفعالِ الإلهيَّة والمعجزات[13].




















يلتقي الأستاذ والطَّالب في رحلة البحث عن الحقِّ، ويتَّفقان في السَّعي إلى الاتِّصال به لتحصيل السَّعادة الحقَّة؛ لكنَّهما يفترقان في تصوُّر الإله؛ فرؤيا الأستاذ مكوِّناتها فلسفيَّةٌ صوفيَّة؛ أمَّا رؤيا الطَّالب فقد شكَّلها إيمانُه العميق بعقيدته المسيحيَّة، وهو إيمانٌ اختبره وعاشه في عمله في ترجمة الكتب الفلسفيَّة وتأليفها، وفي توظيف المنطق والفلسفة للتعبير عن سموِّ دينِه والدِّفاع عنه ضدَّ منتقديه.

إذا كانت عقول الفلاسفة تتباين وتتناقض في تصوُّر الإله، فأيَّ عقلٍ نصدِّق؟ وإذا آثرنا كلام الدِّين واعتبرناه كلام الله، أليسَت عقولنا هي الَّتي تفسِّر وتؤوِّل النَّصَّ الدِّينيّ؟ وإذا كنَّا لا نستطيع أنْ نصلَ إلى أجوبةٍ حاسمة فلماذا نبحث ونجتهد؟ إنَّ الشَّوقَ الغريزيَّ الَّذي يولد بولادتنا والعقلَ الَّذي يكوِّن ماهيَّتنا هما اللذان يحثَّاننا على التَّفكير في الإله. وقد يكون في الاعتقاد أنَّ الإلهَ تجسَّد ما يقرِّبه إلى عقولنا المحدودة، لأنَّه سيكون إنسانًا مثلَنا تكوَّنَ في أحشاء أمِّه، وأقبل على الوجود من نافذة وجهها... لكنَّه سيبقى في نظرنا «ليس كمثله شيء»!

 

 

* الدكتورة نادين عبّاس، رئيسة قسم الفلسفة في معهد الآداب الشرقيّة – جامعة القدّيس يوسف.

[1]   وُلِد أبو نصر الفارابيّ في فاراب العام 870م، لقِّب بالمعلِّم الثَّاني لاشتهاره كشارحٍ لأرسطو. صنَّف مؤلَّفاتٍ كثيرة في الفلسفة. وقد أخذ عنه ابن سينا واعتبره أستاذه.

[2]   يحيى بن عديّ فيلسوف عربيّ مسيحيّ يعقوبيّ. وُلِد في مدينة تكريت العام 893م، ترأّس المدرسة المنطقيَّة في بغداد بعد وفاة أبي بشر متّى بن يونس. وضع مؤلّفاتٍ كثيرة في الفلسفة واللاهوت المسيحيّ (التَّوحيد والتَّثليث، التَّأَنُّس، صدق الإنجيل وتفسير بعض آياته). وقد تميّز باستناده إلى العقل والمنطق في الدِّفاع عن العقائد المسيحيَّة.

[3]   الفارابيّ، كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة، تحقيق ألبير نصري نادر، ط6 (بيروت: دار المشرق، 1996)، ص39-40.

[4]   المصدر نفسه، ص44.

[5]   المصدر نفسه، ص39.

[6]   المصدر نفسه، ص41-43، 46 47.

[7]   نادين عبّاس، نظريَّة التَّوحيد والتَّثليث الفلسفيَّة عند يحيى بن عديّ في كتابه "الرَّد على الورَّاق" (تحقيق المخطوطات ودراستها)، "مجموعة البحوث العربية المسيحيّة"، 3 (بيروت: جامعة القديس يوسف، مركز الشّرق المسيحيّ للبحوث والمنشورات، 2014)، ص210، 233.

[8]   يحيى بن عديّ، «رسالة إلى أَبي الحسن القاسم بن حبيب، فيها سأَله إنشاءه له، من الرَّدّ على النَّسطوريَّة، ونقض حججهم، وإثبات ما تخالفهم فيه اليعقوبيَّة، والإرشاد إلى موضع خطأ النَّسطوريَّة وغلطهم»، في: Emilio Platti, La Grande Polémique Antinestorienne de Yahya b. ‘Adi, coll. CSCO, vol. 427, Scriptores Arabici, Tomus 36 (Lovanii : Aedibus E. Peeters, 1981), p. 30.

[9]   عبّاس، نظريَّة التَّوحيد والتَّثليث الفلسفيَّة عند يحيى بن عديّ في كتابه "الرَّد على الورَّاق" (تحقيق المخطوطات ودراستها)، مصدر سابق، ص448-449.

[10]   نادين عبّاس، ثلاث مقالاتٍ لاهوتيّة ليحيى بن عديّ (في الاتِّحاد، الصَّلب، الموت، والصُّعود) (المشرق 89، ج2، تموز - كانون الأوّل 2015)، ص623-624.

[11]  سنوسِّع بحثنا في موضوع هذا المقال في دراسةٍ ننشرها قريبًا .

[12]  الفارابيّ، «عيون المسائل»، في: الرّسائل الفلسفيّة الصّغرى، تحقيق عبد الأمير الأعسم (دمشق: دار التّكوين، 2012)، ص 204.

[13]  نادين عبّاس، ثلاث مقالات لاهوتيَّة ليحيى بن عديّ (إضاءةٌ على بعض القيَم الأخلاقيَّة في المسيحيَّة) (المشرق 89، ج1، كانون الثَّاني- حزيران 2015)، ص365-366.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق