أطفال من سوريا يشاركون في دعوة السلام التي أطلقتها جمعيّة "الكنيسة في عوز

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب زياد هلال اليسوعيّ

​سلامٌ على ورق، علّه يكون سلامًا للبلد: أيادي أطفال سوريا تخطّ درب السلام

الأوراق تكتب معانيَ وتنطق بأفكار:

هكذا هي الأوراق البيض، تتناثر بين الأيدي كي تأخذ شكلًا منمّقًا. يُرسم عليها بألوان زاهية فتبدو أجمل. تفقد صمتها المعتاد محاولة أن تنطق بفحوى ما خُطّ عليها. فإمّا أن تُسطَّر بكلمات من بث فيها روحًا ناطقةً بأفكاره وإمّا أن تُزيَّن بألوانٍ تترجم إحساسًا عميقًا لا تقدر الكلمات أن تعبّر عنه. وفي كلتا الحالتين، تلك الأوراق البيض لا تفقد نصاعتها، بل تتحول من صمت إلى كلام. لا تعبّر عن كينونتها المجردة، بل تنتظر آخرًا كي ينفث فيها الحياة. لا تستطيع تقرير مصيرها، فهي دومًا متعلقة بذاك الذي لديه القدرة أن يطرّز عليها كلمةً أو حلمًا أو تعبيرًا. تبقى اللغة مهما كانت مُتقنة محدودة في مساحة المكان والزمان، تحتاج إلى قاموس يترجمها.

على عكس الكلمات على الورق، تخرج الرسومات من إطار الزمان والمكان. تهرب من قواميس الفكر واللغات، تطير فوق حيز العلم والعلوم. لا تنتظر من ذلك الذي أخذ زمام المبادرة إلا لونًا. لا تنحاز إلى لغة مهما كانت متطورة، ولا تُحدّ ببلد أو مدينة. تتسامى فوق اللهجات والقوميات، وتنزلق عن مقومات الأفكار المنمّقة، فتأخذ شكلًا عالميًا، يستطيع كلّ من موقعه ومن زمانه أن يحاول فكّ لغز اللوحة المطرّزة على الورقة الناطقة. كلٌّ يراها بمنظوره الخاصّ ويعبّر عنها من وجهة نظره. بهذا تتميّز في بعض الأحيان الرسومات من الكلمات.

سلام على ورق خطّه أطفال سوريا لمستقبل جديد



 









بمبادرة من جمعية "الكنيسة في عوز"، وبالاشتراك مع المدارس الخاصّة والعامّة في أغلب محافظات سوريا، وبالتنسيق مع الكنائس المحلية والجمعيات الإنسانية المسيحية والإسلامية، أطلقنا دعوة للسلام اشترك فيها أطفال سوريا، محاولين قدر المستطاع جمع مليون بصمة ورسمة طفل، حتى يتسنّى لهم أن يرفعوا صوتهم من خلال رسوماتهم منادين بالسلام لبلدنا. الهدف من هذه المبادرة هو إيصال رسالة مع بطاركة الشرق إلى الأمم المتحدة في جنيف والاتحاد الأوروبي في بروكسل، من أجل حثهم على استعادة مفاوضات السلام وتأمين الأمان لسوريا ولأطفالها، كي يتابعوا علمهم ودراستهم. لم يكن الهدف منها أن ننعي وطنًا أو أن نستجدي عطفًا أو شفقة، بل هدفنا هو محاولة كي نرتقي، من عالم الكلمات التي لم تولّد إلا صراعًا، إلى عالم من الرسومات التي تلّون حلم الكثيرين من أبناء بلدنا. رسومات تسامت عن صراع الكبار كي تزرع حلم السلام في حديقة الحضارة السورية. إنها مبادرة من أطفالٍ تجمعهم براءة الأوراق البيض. طلبنا منهم أن يرسموا السلام الذي يرونه اليوم في وطنهم، معبِّرين عن حلمهم ومشاعرهم. جمعنا بضع قصاصات من الورق، تحمل ذاك السلام الذي خطّه أطفال بلدنا. لقد رسموا لوحاتهم  بأقلام أبت أن تبارز أفواه البنادق، لوّنوها بألوان غطّت ألوان الحقد والكراهية ، نقشوها على أوراق بيض كَلونِ قلوبهم،  معاندين أصوات رصاص الرشّاشات وهدير المدافع وضجيج الطائرات. كتبوا عليها أحلامهم وأمنياتهم لعالم يسوده السلام والأمان. غاب عنا السلام لسنواتٍ خمس، واختفى الأمان، لم يبقَ في جعبتنا غير سلام يخط نفسه كرجاء، سلام لا يعرفه الكبار، سلام على ورق. نعم، سلام على ورق رسمته أيادي أطفالٍ أبرياء، علّهم ينثرونه مع غبار أزهار الطلع كي يصل إلى العالم أجمع ويُسمَع صوتهم بدل صوت الحرب والاقتتال. ليتنا نستطيع إحلال هذا السلام بين البشر بدلًا من التفرُّج عليه والإعجاب به على الورق فقط.

بين الكلمة والخطاب مصير شعب يترنّح










في سنين العراك والحروب تتربع الكلمات والمشادات الكلامية على عرش الوعود والاتفاقيات. كلمات خُطّت على أوراقٍ هنا وهناك، معاهدات وقعت في هذا البلد وذاك. تُلَطَّخُ الأوراق بنزاعات لا تعنيها، يكتب عليها عنوةً ما يقرّر مصير شعب بكامله، تُزَجُّ في حرب الكلمات والمعاني. إنّ الكلمات المكتوبة تتحول أحيانًا إلى أداة تجرح الآخرين، تقتلهم، تهجّرهم، تقرّر مصيرهم، تقتنص جزءًا من أرضهم ورسالتهم وحضارتهم وثقافتهم. تغربل الكلمات جهود الكثيرين من الناس، تجعلهم محدودين في مساحة وحيّز من الإنسانيّة. للأسف تتلاعب في مصير الكثيرين كلمات حُوّلت معانيها من صدق إلى غايات فردية. ففقدت الأوراق، بالكلمات التي كُتبت عليها، موضوعيتها وتحوّلت إلى أوراق تتصارع بين فكر هذا وفكر ذاك.

هكذا هو مصيرنا في سورية اليوم، تتلاعب فينا الكلمات التي اتخذت من الأوراق صورةً لها. بعد هذه السنوات الخمس التي مرّت سريعًا على بلدنا، نقف مذهولين من هول المصائب التي حلّت ببلد ما عرف الدمار كما عرفه اليوم، ذاك الخراب طال كلّ مكوّنات المجتمعات والتجمّعات على حدٍّ سواء، مدمرًا البيوت والمصانع، الشوارع والأزقة، الغابات والحدائق، تنهار البيوت فوق رؤوس ساكنيها زاهقةً إياهم بدون رحمة! يدمّرُ الإنسان في بلدنا بمختلف الطرق، ليس بانهيار منزله وحسب، بل بفقدان عمله، بتهجيره، بنهب حضارته وتراثه، بتنصيب الحقد والضغينة سلطانًا شرعيًا بين أبناء الوطن الواحد. سنواتٌ تمضي سريعًا على إيقاع طبول الحرب لا زغاريد الفرح. أعوام خمسة لفحت رياحها بلدنا بدمارٍ لم يعرف التاريخ مثيلًا له، وأزمةٍ تغاضت عن مهد الحضارة ورفعة المجتمعات التي عاشت على أثير العلم والمعرفة. من هول كل هذه المصائب يتفاجأ حتّى عابر السبيل ممّا يرى! فلا الحجر نجا منها ولا البشر كانوا بمنأى عنها. دمار طال الأطلال والمشارف، وخراب دسّ سمّه في جذور مجتمعنا المسالم. كلّ ما كان جميلًا بدأ يتناثر مع غبار الحرب الطاحنة، فحتى التراب لم يُسْتَثنى من أنين الألم كما الإنسان.

مجتمع مدنيّ يتسامى فوق صراعات الآخرين











في ظل العنف اليومي، ورغم الصعاب والمشاق، نرى مجمتمعًا مدنياَ في سوريا، بجمعياته ومنظماته ومؤسساته، يحمل رسالةً مفادها أن الخير للجميع. يتجلى هذا العمل برسالته مع الأطفال والشبّان والشابات، مع الرجل والمرأة ومع مقومات المجتمع بأكمله. متساميًا عن الخلافات بمختلف أنواعها، ساعيًا إلى تقوية نفسه من خلال مدّ الأيادي وربطها بشبكة من التعاون والتحفيز. إن دعم المبادرات ما هو إلا بداية الطريق نحو السلام الذي نتوق إليه، ورسالة تساهم في إضفاء روح المصالحة والعمل على وحدة القلوب، إنه شكل من أشكال الرجاء لمجتمع يعيش فيه الجميع. وهذا  يساعد في الحفاظ على ما بقي من مؤهلاتٍ اليوم في سوريا وفي الشرق، ويخفف من النزوح إلى الدول المجاورة. وفي الوقت عينه يساهم في خدمة السوريين من مسلمين وميسيحيين كي يعملوا يدًا بيد على الحفاظ على ما تبقّى من تُراثهم. إن عمل الجمعيات الانسانية كافةً، بكل أنواعها ورسالاتها، هو عمل رحمة عند الكثير من أبناء سوريا. هو وجه من وجوه كثيرة تساعد على بقاء الأمل في نفوس الكثيرين ممن بقوا على أرض الوطن. إن العمل المجتمعي والمدني هو دليل على أن الأمل ما زال باقيًا في نفوس الكثير.

حضارة التراب وحضارة التراث











ماذا أفرزت لنا الصراعات؟ معالم أثرية برمتها طُحنت بيدِ من جُبل من التراب يومًا، أعادها ترابًا لأنه لم يعرف لا قيمتها ولا قيمة من بناها وسوّاها، أو عرق تعبًا في نحتها وتجميلها. لم يرَ منها إلا سرابًا، حطامًا يتغنى به بدل أن يحافظ عليها لأجيال تبحث عن التنوير غِذاءً لها مستقبلًا. ثقافة التراب غلبت ثقافة العلم والمعرفة ولغة الرمال طمرت لغة الكلام والفن، ولغة الدمار غلبت لغة الإعمار والحضارة. دُمرت المعالم الحضارية والأثرية، وكل يوم نسمع خبرًا محزنًا عن تخريب ما ورّثه لنا أجدادنا وقدماؤنا. هذا ماعدا تدنيس المقدسات من جوامع وكنائس وتدميرها. عن ماذا نتحدث؟ هل نتحدث عن المدن المنسيّة في حلب وإدلب؟ أم مملكة ماري في الرقة وإيبلا في إدلب؟ هل نتحدث عن تدمر؟ أم عن أحياء حلب القديمة بكنائسها وجوامعها وقلعتها وأسواقها؟ لقد تمّ تدمير كمٍّ هائل من المعالم الحضارية والأثرية، أي حضارة هذه التي تغزونا اليوم؟ أيّ حضارةٍ هذه التي تغزو أرض كنعان والفينيق، أرض أوغاريت ودمشق. أسفًا، إن العالم مايزال بحالة المشاهد السلبي الصامت، حول ما يجري من نهب وتخريب لحضارة بلدٍ لم تنشأ أمةٌ إلا وكان لهذه الحضارة تأثير فيها. هل حضارة سوريا هي مُلك لنا كسوريين وحسب؟ أم هي ملك البشرية بأسرها؟ إنّ ما يحدث اليوم ما هو إلا تهميش من قبل الأمم أجمعين لحضارتهم وحضارتنا، لسنين من البحث والكدّ والعمل من قبل علماء الآثار وباحثي العلم والمعرفة. ما عدا تدمير الحجر، نُهِبَ الكثير من المخطوطات الثمينة التي تقصّ لنا ماضينا وتفتح لنا أبواب مستقبلنا. أيعقل أن يفنى تاريخ من الحضارة في زمن تتسارع فيه الأمم لمزيد من الاكتشاف والتطور؟

شعب يتهجّر هنا وهناك وأناس تبحث عن لقمة العيش        

في زمن حقوق الإنسان والدفاع عن المعتقدات وحرية الرأي، نجد أن أغلب السوريّين تشردوا بين نازح ولاجئ. الكثير منهم فقدوا بيوتهم وممتلكاتهم، فقدوا كل ما لديهم وخرجوا من أحيائهم وحتى من بلدهم. لا شيء معهم إلا أمل العودة يومًا إلى ديارهم. في الأمس عُرفت بلدنا بالمضيف لكل لاجئ وقادم من بلاده، فكثرت في وطننا الإثنيات والجنسيات. كلهم حلّوا في بلدنا ضيوفًا لسنين وسنين. أما اليوم فنُرى نحن كسوريين لاجئين في أصقاع العالم! ويشار إلينا بكلمة لاجئ لا ضيف! أيعقل طوال سنواتٍ خمس أن يتبعثر أكثر من عشرة ملايين سوريٍ بين لاجئٍ ونازح؟ كيف؟ ولماذا؟

أزمة أفرزت طبقات مجتمعية متهالكة، فهذا الذي فقد عمله، وذاك الذي أضاع شقاء عمره من غير إرث ولا معمل ولا صناعة ولا حتى أنين آلة اعتاد على تشغيلها ليل نهار. بلدٌ أصبح العمل فيه طموحًا، يبحث عنه طالبوه كل الأوقات. عُرف شعبُنا بحبه للعمل. أما اليوم فترى أغلب الناس يبحثون عن رزقهم هنا وهناك. والباقي أصبح جلّ اهتمامه البحث عن لقمة عيشه اليومية. ليس بالمعونات وحدها يحيى النازح أو اللاجئ أو المهجّر، بل بالسلام الذي يُنير ضمائرنا. إن هذا الإنسان يحيا عندما ينام قرير العين في بيته بين أبنائه، في وسط عائلته، وفي وطنه الذي يحمله معه أينما حلّ. .

حقد يغرز في قلب العنف مرساته


















عندما نتحدّث عن الحرب، بأية لغة نتكلّم؟ إنّها لغة الحقد والبغض واتهام الآخر وتخوينه! هذه هي اللغة التي بات أبناء بلدنا يتكلمون بها! ماذا نتوقع من لغة السلاح؟ لغة الموت والقتل والدمار؟ ماذا نتوقع من لغة التهديد؟ في حين أن الإنسانية جمعاء تفتخر بتطور الفلسفة والعلوم الإنسانية، يدخل البغض بلدنا، يشرذمنا، يباعدنا، يجعلنا غرباء عن واقعنا ووطنا ومواطننا. أصبحنا كغرباء لا يعرف واحدنا الآخر، أضعنا بوصلتنا الداخلية. كلٌّ يحلم بوطن خاص به يحقق فيه انتظاراته بدون الآخر، متناسيًا أن الوطن هو للجميع. في زمن البحث عن القيم الإنسانية وتطويرها، ترانا اليوم نبحث عن دمار حضارتنا وتراثنا. وإذا كنّا، بصفتنا سوريين، لا نعي تمامًا نتائج هذه الحرب لأننا جزء منها، فأين الأمم ممّا يجري؟ أين حقوق الإنسان من جرائمَ بحقّ مواطنينا؟ أصبحنا عناوينَ رئيسيّةً في الصحف العالمية والخبر الأول على شاشات التلفاز في الوقت الذي نحن أبعد ما يمكن عن السلام! أيعقل أن البغض والحقد يحلّان مكان التسامح والمغفرة! مكان المعرفة والتطور! أين البشرية جمعاء من كل هذا؟

إن بقينا نتفرج على ألم شعب، ونغذي صراعه، فكيف لنا أن نصيغ شرعة حقوقنا ، ونورّث أبناءَنا أسس الحضارة والتطور؟ ما يتمناه كل سوري أن نصل إلى وقف الاقتتال والدخول في المصالحة حتّى يتسنّى لنا إعادة إعمار وطننا والعيش فيه بكرامة من دون الاستجداء أو طلب المساعدة. فعلَّ جمال رُسومات أطفال السلام يتحدّى الكلمات المطرّزة على أوراق المعاهدات والاتفاقيات، ويحثّها على إحلال السلام لغد مشرق. فليت سلامًا على ورق يكون سلامًا للبشر وللبلد، لك سوريا.

 

* الأب زياد هلال اليسوعيّ، مستشار لتطوير الأعمال، "جمعيّة الكنيسة في عوز" (Church in Need)، سوريا.

 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق