تصوير رابعة العدويّة تجرش الحبوب من معجم فارسي

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

شادي رشيد

​الصوفيّة حالةَ رفضٍ وتحرُّر: رابعة العدويّة (180هـ/796م) مثالًا

لماذا رابعة العدويّة؟

إخترت رابعة العدويّة، وبكلّ بساطة، لأنّها امرأة. علينا الاخذ بالاعتبار أنّ رابعة عاشت في القرن الثاني الهجريّ/ الثامن الميلاديّ. لذا، فإنّ مجرّد تخصيص كتب التاريخ أخبارًا ونصوصًا تتعلّق برابعة هو ثورة بحدّ نفسه. فرابعة العدوية من النساء الأوائل في الإسلام اللواتي احتللن مكانة كهذه من دون أن يكنّ نساءً حول الرسول أو صحابيّات. ولم يكن دور رابعة هامشيًا أو بسيطًا في نظري، بل كانت تساهم بشكل مؤثّر في خلق وعي بالبيئة المحيطة بها. فهل من المصادفة أن تكون هذه المرأة متصوّفة؟

إنّ النساء غالبًا ما يتعرّضنَ للقمع من البيئة المحيطة بهنّ أكثر من الرجال. فالنظام الأبويّ الذكوريّ قد أعطى الرجل الدور الرياديّ في المجتمع ما أدّى تلقائيًا إلى قمع للنساء في الحياة اليوميّة. عند دراسة أفكار الرفض والتحرّر، يؤدّي القمع دور الدافع لحمل هذا الفكر. لذا تشكّل رابعة مثالًا قيّمًا من هذه الناحية.

للنظر بحالة الرفض والتحرّر عند رابعة يحتّم علينا دراسة الواقع الذي نمت فيه والعوامل التي تعرّضت لها. هنا يهمّنا أن نشدّد على المشقّات التي واجهت رابعة والقمع الذي تعرّضت له. إفتراضنا هو أنّ هذا القمع وجّه رابعة نحو التصوّف، أي نحو رفض واقعها والتحرّر منه.

نشأة رابعة بظلّ القمع

واجهت رابعة في حياتها أنواعًا شتّى من القمع. سنحاول من خلال دراسة نشأتها تحديد هذه الأنواع وتفسيرها. نشأت رابعة في كنف أسرة فقيرة. أبوها زاهد، والزهد يتطلّب التحلّي بالصبر والإيمان. وعانت رابعة منذ صغرها معاناة أبيها من فقر وعذاب. (بدوي، 12)

بعد أحداث المجاعة والأوضاع الاقتصاديّة الصعبة في البصرة، شاءت الظروف السيّئة أن يستحوذ لصّ على رابعة فيبيعها في سوق النخاسة. بيعت رابعة الى تاجر كبير بثمن بخس فخدمته بصمت وطاعة. كان هذا التاجر يضنيها بالأوامر والرقّ المهين، فقد نقل عنها أنّها كانت تنادي ربّها:

"إلهي، أنا يتيمة معذَّبة، أرسف في قيود الرقّ، أنوء بالقهر والضيم،
لكنّ همّي الكبير هو أن أعرف، أراضٍ أنت عنّي أم غير راضٍ؟" (بدوي، 12)

لا بدّ من أنّ الرقّ قد أدّى دورًا أساسيًا في تبلور الوعي لدى رابعة. فمن المؤكّد أنّ هذه الحياة نمّت عندها حالة الرفض لهذا الواقع. كما نرى من خلال كلماتها أنّها كانت مدركة لعذابها. وإدراك العذاب هو الخطوة الضروريّة لرفض حالة العذاب. فإذا لم يَعِ الانسان حالته أو لم يقيّمها فهو لن يندفع باتّجاه آخر بما خصّ واقعه. لذا بإمكاننا القول بأنّ اعتراف رابعة بسوء حالتها كأمّة مقيّدة هو بداية رفضها لحياة العبوديّة.

تحرّرت رابعة من الرّقّ والأسر وانتقلت إلى حياة من نوع آخر. يُحكى أنّها انتقلت إلى حياة الغيد المتحرّرات كردّة فعل على حياة الكبت والتقشّف التي عاشتها في صغرها وفي أسرها. ولتؤمّن قوت حياتها، عملت في العزف والطرب. لم يكن بإمكان هذه المهنة أن تستقلّ بنفسها بذلك الزمن فمن الأرجح أنّ رابعة اتّبعت طريق الشهوات بعيدًا. (بدوي، 16) كما أنّ توبة رابعة دليل على أنّها قطعت شوطًا في طريق الشهوات والإثم. هذا دليل على أنّ التحرّر الذي تبتغيه رابعة لم يكن ضمن تعريف المجتمع للتحرّر. يمكننا الاعتبار أنّ توجه رابعة نحو الغناء والعزف والعمل في مجال الشهوات والترفيه كان بهدف التحرّر ورفض ما تعرّضت له سابقًا. ولكن، وبعد تعمّق رابعة في هذا المجال، نتكهّن أنّها رأت التحرّر أبعد من تعريف المجتمع. أصبح التحرّر هو التحرّر من هذه الملذّات أيضًا أو رفض ما يعتبره المجتمع أنّه "متحرّر" أو "غير مقيّد". هذه فرضيّة يمكن طرحها في مجتمعنا هذا. فمجتمعنا يضع الكثير من الحدود على الإنسان، وكمثل سنأخذ الكبت الجنسيّ. بكلّ بساطة فكرة الجنس قبل الزواج أمر مرفوض من قبل المجتمع والرأي السائد، أو الرأي السلطويّ. من هنا يصبح التحرّر، في ظلّ هذا المنطق، هو تعدّي هذه الحدود وممارسة الجنس قبل الزواج. ولكن هكذا ما زلنا محكومين من قبل المنطق السائد بالمجتمع وتعريفاته لما هي "الحدود" و"التحرّر". التحرّر الحقيقيّ، وكما أثبتت رابعة، هو برفض المنطق السائد وتعريفه لما هو "مقبول" أو "متحرّر" وبالتالي التخلّي عن هذا النوع من "التحرّر" والارتقاء فوق تعريف المنطق السائد للملذّات وحدودها. 

ندعم هذا التحليل بقول لإبراهيم بن أدهم. يرجّح أن يكون إبراهيم بن أدهم قد أدّى دورًا في الانقلاب الجذريّ لرابعة من حياة الرفاهيّة إلى التوبة ثمّ التصوّف. يقول إبراهيم بن أدهم:

"الحرّ من خرج عن الدنيا قبل أن يخرج منها" (بدوي، 19)

الحريّة هي: "في اصطلاح أهل الحقيقة، الخروج عن رقّ الكائنات ومراداتها، وقطع جميع العلائق... وعلامة الحرّ سقوط التمييز عن قلبه بين أمور الدنيا والآخرة، فلا يسترقّه عاجل دنياه ولا أجل عقباه". (بدوي، 19)

إذًا، نرى أنّ منطق التحرّر عبر الارتقاء فوق ملذّات الدنيا، أو ما وصف من قبل الرأي السلطويّ السائد على أنّه ملذّات، كان موجودًا ومنتشرًا ويمكننا الاعتبار أنّ رابعة تأثّرت بهذه الأفكار وهؤلاء المفكّرين.  

الزهد ورفض المادّة

إنّ الزهد هو أوضح أنواع الرفض المتمثّلة في الصوفيّة. فالزهد هو الانصراف عن ملذّات الدنيا والمكاسب المادّيّة. فرابعة الزاهدة كانت زاهدة في كلّ شيء، قانعة بما يسدّ الرمق ويستر الجسم ويقيها العوز. بإمكاننا القول بأنّ هذا السبب هو رفض العلاقات المادّية السائدة في المجتمع. فالنظام السائد وقتها، وقد يشبهه النظام السائد اليوم، يعطي أهميّة كبيرة للوضع الاقتصاديّ والمادّة والملذّات، بل يحوّر المادّة لتكون محور الحياة. فنرى الناس يسعون لتحصيل الثروات، وبالتالي الملذّات المؤمّنة من قبل النظام السائد أو الملذّات التي يعد بها هذا النظام، كهدف أساسيّ في الحياة. وبهذا تتمحور حياة الإنسان في هذه الأنظمة على الوضع الاقتصاديّ والرخاء الماديّ. فيجيء الزهد عندها كحالة رفض لهذه العلاقات المادّية السائدة في المجتمع.

قد يناقش بعضُهم أنّ الزهد كان فقط وسيلة للتقرّب من الله. لماذا إذًا لا يمكن التقرّب من الله في ظلّ العلاقات المادّية القائمة بالمجتمع؟ هل يقول لنا الزهّاد بأنّ التقرّب من الله لا يمكن أن يتمّ في ظلّ هذه العلاقات؟ هل يدعو الزهّاد الناس إلى رفض العلاقات القائمة للتقرّب من الله؟ إذًا، هذه الوسيلة تخدم فرضيّتنا أكثر. للتقرّب من الله، على الإنسان أن يكون زاهدًا، أيْ عليه أن يرفض العلاقات المادّية القائمة في المجتمع، أو العلاقات المادّية التي تخدم الطبقات الأرستقراطيّة الحاكمة في بلاد الإسلام.

هناك العديد من الأمثلة التي يمكن تقديمها عن زهد رابعة العدويّة.

يروي الهجويري في كشف الحجاب قوله: "و قد قرأت أنّ رجلًا من أهل الدنيا قال لرابعة: سليني حاجتك، فقالت:

"إنّي لأستحي أن أسأل الدنيا من يملكها فكيف أسأل من لا يملكها". (بدوي، 109)

نرى هنا حالة رفض لما هو قائم. فهنا رابعة تلغي أيّ قوّة لمن يملك في الدنيا، أو الطبقات الحاكمة، وتحوّل القوّة إلى الله فقط. فهي ترفض أن تعترف بالعلاقات المادّية القائمة حولها في قدرة بعض الناس أن يقدّموا لأناس آخرين. فوحده الله يقدّم. وبرفض رابعة الاعتراف بالسلطة المادّية عند بعضهم، تكون تعارض وتتحدّى السلطة الحاكمة على أنّها غير "حاكمة". أي رابعة لا تعترف بسلطة هؤلاء. ولكن أليس هؤلاء أنفسهم من يحميهم التيّار الإسلاميّ الشرعيّ؟

روى العطّار فقال: كانت رابعة في طريقها إلى الكعبة ذات يوم، فبقيت وحدها في الصحراء
وشعرت الوحشة فصاحت: "إلهي، إنّ قلبي ليضطرب في هذه الوحشة. أنا لبنة والكعبة حجر.
وما أريده هو أن أشاهد وجهك الكريم". فناداها صوت من عند الله تعالى يقول:
"يا رابعة، أتطلبين وحدك ما يقتضي دم الدنيا بأسرها؟ إنّ موسى حين رام أن يشاهد وجهنا،
لم نلق إلاّ ذرّة من نورنا على جبل فخر صعقًا". (بدوي، 38)

هنا تتحدّث رابعة عن الكعبة على أنّها حجر. بهذا تكون رابعة تتحدّى كلّ القدسيّة المنوطة بالكعبة. عبر توجّه رابعة إلى فصل الكعبة عن الله باعتبارها مجرّد حجر، ايْ مرتبطة بالدنيا فقط، تواجه السلطة الدينيّة الشرعيّة، أو سلطة الطبقات الحاكمة في بلاد الإسلام. فرابعة تفصل الله وحبّ الله عن أحد أهمّ الأركان في الشريعة الإسلاميّة. هذا رفض واضح لسلطة إسلام الشريعة. فباعتبار الكعبة مجرّد حجر، رابعة ترفض هذه السلطة وترفض اختزال الله في الشريعة.

الأمر الأقوى إثارة للجدل هو أنّه تمّ إجابة السؤال بصوت من عند الله. فهل هذه إشارة إلى أنّ رابعة نبيّة؟ حتّى لو لم يطرح الموضوع بوضوح وصراحة، هنا إشارة إلى أنّ امرأة تحدّثت مع معرفة إلهيّة معيّنة.

فهل يحقّ لامرأة أن تكون نبيّة؟

أراد أمير البصرة محمّد بن سليمان الهاشمي أن يتزوّج، سأل عمّن تليق به من النساء، فأجمع من استشارهم على أن تكون رابعة. وتقدّم لخطبتها هذا الأمير قائلًا: لي غلّة، عشرة آلاف في كلّ شهر أجعلها لك". فكتبت إليه:

"أمّا بعد فإنّ الزهد في الدنيا راحة البدن، والرغبة تورث الهمّ والحزن،
فهيِّئ مزادك وقدّم لمعادك، ولكن وصّي نفسك ولا تجعل الرجال أوصياءك فيقتسموا تركتك،
وصم الدهر وأجعل فطرك الموت، وأمّا أنا فلو خوّلني الله أمثال ما حزنت وأضعافه
لم يسرني أن أنشغل عن طرفة عين والسلام".
(بدوي، 51)

يتّضح من خلال هذا المثل ثلاثة أشياء أساسيّة: الأوّل هو الواقع المادّي وطبيعة العلاقات الاقتصاديّة في ذلك الوقت. فنرى أهميّة المال وتمحور الحياة، الزواج هنا، عليه. الثاني هو رفض رابعة لهذه العلاقات وتحرّرها منها. الثالث، والذي يوصلنا إلى القسم الثاني من هذه المقالة، هو رفض رابعة لمؤسّسة الزواج.

الزواج، الحبّ الإلهيّ ودور المرأة

بدايةً، علينا أن ندرك أهميّة الزواج في تلك الفترة. لو لم يكن للزواج أهميّة كبيرة، لما وصلت إلينا أحاديث عن رفض رابعة للزواج. فرفض رابعة للزواج شكّل نوعًا من الصدمة في المجتمع. لذلك، كان هذا الموضوع جديرًا بالتوثيق والتأريخ. ولكن، ماذا رفضت رابعة برفضها لمؤسّسة الزواج؟

يمكننا التكهّن استنادًا إلى الواقع الذي كانت تعيش فيه رابعة العديد من الظروف التي كانت ترفضها وتتحرّر منها برفضها للزواج. يظهر لنا رفض رابعة لقيم مجتمعها والتحرّر منها. فكان قدر النساء أن يتزوّجن. الأجدر القول بأن إن كان للنساء أن يؤدّينَ دورًا في المجتمع فهو سيكون عبر الزواج. وبهذا تكون رابعة تثور على دور المرأة المقرّر من قبل السلطة الحاكمة، المختصر بالزواج. لذا نرى رابعة تؤدّي دورًا لم نر مثيلًا له في تلك الفترة. فلا بدّ لتجربة رابعة من أن تخلق وعيًا معيّنًا في البيئة المحيطة بها يعارض الوعي السائد، وعي الطبقات الحاكمة.

هنا مثل آخر عن رفض رابعة للزواج، بالإضافة إلى المذكور سابقًا:

ولقد سُئلت رابعة لماذا لا تتزوّجين؟

أجابت:

" هناك ثلاثة أشياء هي سبب الهمّ عندي، فإذا وجد من يخلّصني منها تزوّجت.
الأوّل: هل إذا متّ أستطيع ان أتقدّم بإيماني ظاهرًا؟
والثاني: إذا كنت سأعطي كتابي بيميني يوم القيامة،
والثالث: إذا جاء يوم البعث وأخذ أصحاب الميمنة إلى الجنّة وأصحاب المشأمة إلى العسير،
فمن أيّ الفريقين سأكون؟
(بدوي، 150)

وهنا يتّضح رفض رابعة لمؤسّسة الزواج القائمة آنذاك. كما ذكرنا سابقًا، فإنّ رابعة تثور على دور المرأة المحدّد بالمجتمع آنذاك، ألا وهو الزواج. بالإضافة إلى ذلك، نرى رابعة تكوّن احتمالية قيام المرأة بدور آخر في هذا المجتمع. فأصبح للمرأة الآن مهمّات أخرى مختلفة عن الزواج. فيتراءى لنا أنّ درب تحرّر المرأة في ذاك المجتمع كان قد عبر بإعادة النظر في واجبات المرأة الدينيّة.

هل يمكننا اعتبار أنّ رابعة تحاول إضفاء أهميّة أكبر على دور المرأة في مجتمعها؟ فللمرأة، بحسب رابعة، دور وواجب دينيّ عليها أن تقوم به منفصل عن المجتمع. ولكن، ألا يتساوى الرجل والمرأة في هذا المجال؟ أي أنّه لا يمكن الرجل أن يؤدّي دورًا أهمّ من المرأة في هذا المجال. فان كانت الشريعة الحاكمة تعتبر أنّ الدين يتمحور على الرجل، ألا يعتبر هذا محاولة للتمرّد على هذه الشريعة، وبالتالي السلطة؟

ركّزت رابعة العدويّة في الإسلام بشكل عامّ، والتصوّف بشكل خاصّ، على  مفهوم الحبّ الإلهيّ. لرابعة العديد من الأبيات و الأمثلة تعبّر فيها عن الحبّ الإلهيّ.

"إلهي إذا كنت أعبدك رهبة من النار فاحرقني بنار جهنّم،
وإذا أعبدك رغبة في الجنّة فاحرمني إيّاها،
وأمّا إذا كنت أعبدك من أجل محبّتك فلا تحرمني يا إلهيّ من جمالك الأزليّ".
(بدوي، 91)

أحبّك حبَّين: حبّ الهوى           وحبًّا لأنّك أهل لذاكا

فأمّا الذي هو حبّ الهوى          فشغلي بذكرك عمّا في سواكا

وأمّا الذي أنت أهل له             فكشفك لي الحجب حتّى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي       ولكن لك الحمد في ذا وذاكا (بدوي، 64)

من خلال كلمات رابعة السابقة الشهيرة، نرى اختلاف العلاقة ما بين رابعة والله والعلاقة ما بين العامّة والله. فعلاقة العامّة بالله مبنيّة على الشريعة، المنطق الإسلاميّ السائد أو منطق الطبقات الحاكمة. فرابعة تفصل الله عن أيّ وجود مادّي. تتحرّر من سلطة الشريعة، وبالتالي السلطة الحاكمة، عبر تحرير الله والحبّ الإلهيّ من هذه السلطة. فالشريعة قائمة على الجنّة والنار. ماذا يحصل للشريعة عندما ندمّر نظرتنا إلى الجنّة والنار؟ ماذا يحصل للشريعة عندما نفصل الله عن الوجود المادّي وبالتالي السلطة؟

إنّ رابعة من خلال هذا الرفض ترسّخ وعيًا يرفض الوعي المنتج من قبل السلطة. ويصبح هذا الوعي رافضًا لاستغلال الدين لخدمة السلطة.

ولكن كيف لرابعة أن تقدّم هذا المفهوم الكبير إلى الإسلام؟

من خلال قدرة رابعة على طرح مفهوم الحبّ الإلهيّ وانتدابه من قبل الصوفيّة وانتشاره، نرى درجة تحرّر رابعة من الأدوار الاجتماعيّة لكلّ من المرأة والرجل. كنّا قد ذكرنا سابقًا أنّ دور المرأة في المجتمع آنذاك كان مبنيًّا على فكرة الزواج. طبعًا، نحن لا نتحدّث عن دور النساء في "الترفيه"، فهذه أدوار يرفضها الوعي السائد. تحرّرت رابعة من هذه الأدوار ورفضت أن تقيضها العلاقات السائدة في المجتمع. وبتحرّرها، كانت رابعة تعارض السلطة القائمة، المدعومة من إسلام الشريعة.  فكانت من أوائل النساء في التاريخ الإسلاميّ اللواتي قدّمنَ فكرًا ووعيًا إلى مجتمعها والتاريخ. 

ونختم بموضوع الوعي ومكانة رابعة بالإشارة إلى القصّة التالية. فرابعة كان لها مكانة معلّمة أو قدوة لبعض الرجال. هذا الأمر طبعًا كان منافيًا لما هو منطقيّ بما يخصّ العلاقة بين الرجل والمرأة.

نقل ابن عباد الرندي أنّ سفيان الثوريّ كان يجلس بين يديها (رابعة) ويقول لها: علّمينا ممّا أفادك الله من طرائف الحكمة. وكانت تقول له:

"نعم الرجل أنت لولا أنّك تحبّ الدنيا، وكان يعترف لها ويسلم قولها". (بدوي، 10)[1]

هل كانت رابعة العدويّة تتحدّى صورة المرأة في مجتمعها؟

هل ساهمت رابعة بنشر وعيٍ مضادّ لوعي السلطة في محيطها؟

هل من المصادفة أن تكون رابعة صوفيّة؟

 

*  شادي رشيد، حائز على بكالوريوس في هندسة الكهرباء من الجامعة الأميركيّة في بيروت ومهتمّ بالتصوّف والأدب العربيّ.

[1] عبد الرحمن بدوي، شهيدة العشق الإلهيّ (القاهرة: مكتبة النهضة المصريّة، 1962).

 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق