بيروت - لبنان

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة دنيا حشيمه بو خليل

​هل صحيح أنّ "لبنان وطن بلا حدود"؟

أتوقّف أمام هذا التصريح الكريم، بما أملك من المعرفة في إطار علم الاجتماع ومن الوطنيّة في إطار الأصوليّة اللبنانيّة الصرفة.

لقد شرّفنا حضرة الأمين العامّ للأمم المتّحدة السيّد "بان كي مون" في شهر آذار سنة 2016، بزيارة استبشر منها الشعب اللبنانيّ خيراً، وترصّد تصريحات أقلّ ما يمكن القول إذا حاولنا تصنيفها، إنّها جدّية وصادرة عن سلطة دوليّة دورها الأوّل والأهمّ هو احترام حقوق الشعوب بالعيش الكريم والمحافظة على حضاراتهم المميّزة والعريقة.

قال: "لبنان وطن بلا حدود"! واهتمّ بشؤون مَن هم سبب هذه العلّة الجغرافيّة وبحث عن طرق حمايتهم في حين أنّ المنطق يدعو إلى حماية المعتدى عليه وحمايته من التجاوزات الظالمة.

كان يا ما كان سنة 1948، وكانت الأمم المتّحدة لم تولد بعد بل كانت جدّتها التي دُعيت آنذاك عصبة الأمم.

وإن ننسى لا ننسى العالم المخضرم شارل مالك ابن الكورة الواقعة في شمال لبنان، الذي جاد وجدّ بالقانون الدوليّ وتبوّأ المناصب العليا كان أهمّها المشاركة الفعّالة في تأسيس وتفعيل دور عصبة الأمم في الولايات المتّحدة الأميريكيّة. لقد كان جبّاراً حملته جناحاه أبعد وأوسع من حدود لبنان الضيّقة، ذلك الوطن المحاط شرقاً من الدولة الشقيقة سوريا كما شمالاً، وقد جاوره الأردن الشقيق ودولة إسرائيل لاحقاً جنوباً كما غسلت حدوده الغربيّة أمواج البحر المتوسّط الدافئة.

سوف نعالج الجواب على حضرة الأمين العامّ للأمم المتّحدة السيّد "بان كي مون" الذي وجد أنّ لبنان وطن بلا حدود، بالنقطتين التاليتين:

1- دور طبقات الشعب جمعاء في إنشاء الوطن الحقيقيّ، الصبغة التاريخيّة.

2- طرح فعّاليّة التعاضد الاجتماعيّ والارتباط والتكامل في عمليّة تطوّر المجموعات النفسيّة.

1 - دور طبقات الشعب جمعاء في إنشاء الوطن الحقيقيّ: الصبغة التاريخيّة

إنّها كلمة العلاّمة الدكتور فؤاد أفرام البستاني التي كُتبت على جائزة شرف حصل عليها حين كتب في منتصف القرن العشرين:

"لا تؤسّس الأمّة ولا ينشأ الوطن الحقيقيّ إلاّ إذا وظّفت طبقات الشعب جمعاء أنفسها للمصلحة العامّة وقام الأفراد في خدمة فكرة عامّة تضمّ القلوب وتوحّد الغايات".

خليفة الأب لويس شيخو اليسوعيّ (1859-1927) على رأس إدارة مجلّة المشرق، تواصل بشكل دائم مع الأب لامينس حيث إنّه سكن في منزل الآباء اليسوعيّين في بيروت. تلك كانت مناسبة شيّقة للبحث في عالم المخطوطات بحثاً عن الحقيقة المطلقة انطلاقاً من تفسير وشرح الوقائع التاريخيّة، فلجأ إلى رجالات يسوعيّين علامة في إطار التاريخ والأدب والأنتروبولوجيا والفلسفة، والفيزياء، والرياضيّات، والقانون: الأب بطرس البستاني، الأب تيودول تروين، الأب أوغسطين بيرجي، الأب فيليكس سوانيون، الأب جوزف بلانبوا، الأب شارل كوست، الأب پروسيير مونيين، البروفيسور شارل فابيا، والمطران بطرس روفايل.

إنطلق فؤاد أفرام البستاني من النهضة الثقافيّة المرسّخة في خضمّ تاريخ لبنان منذ العصر الكنعانيّ والتي برزت أسسها في المجلّة الفينيقيّة التي أسّسها شارل كورم ورفاقه، الداعين إلى متابعة مسيرة الأمير بشير الثاني الكبير أحد الرجالات الكبار الذين صنعوا لبنان في وجهَيْه الوطنيّ والثقافيّ.

آثر العلّامة فؤاد البستاني ومَن عاصره من مفكّرين أن تتردّد على ألسن جميع اللبنانيّين آنذاك عبارات الفخر بتاريخهم المجيد وسبل وصله بالحاضر المضعضع، كما العودة إلى التراث الأصيل وضرورة السير إلى الأمام، متّخذين لهم مثالًا أعلى بعض العناصر الفرنسيّة الشابّة الرائدة على أثر الحرب العالميّة الأولى على مثال شارل موراس وجاك بينفيل وليون دودي.

أعلنت الجمهورية اللبنانيّة سنة 1926 تبعها توقيع عقد Pacte بين لبنان وفرنسا سنة 1936 يشدّد على استقلال لبنان، فسارع فؤاد أفرام البستاني لجعل وزارة التربية اللبنانيّة تصدر كتاب تاريخ مدرسيّ تحت عنوان "تاريخ لبنان" وليس "تاريخ لبنان وسوريا". فجاد وجدﱠ بكتابة هذا الكتاب بمساعدة أسعد رستم حيث اعتمدته وزارة الثقافة فور صدوره مرجعًا وحيدًا ورسميًّا في الجمهوريّة اللبنانيّة كلّها.

أمّا الدعوة إلى تعريب البرامج المدرسيّة، التي سادت في سنوات 1943و1945و1958 والتي دعت في طيّاتها إلى فئويّة دينيّة ضيّقة، فقد تصدّى لها الأستاذ العلّامة مشدّدًا على أهمّيّة انفتاح لبنان على جميع الثقافات الشرقيّة منها والغربيّة، بحيث يصبح وريث  الكبار من المفكّرين النساء والرجال في إطار التيّارات الإنسانيّة التي أعطت وتعطي هذا الوطن قيمته العالميّة.

2- طرح فعّاليّة التعاضد الاجتماعيّ والارتباط والتكامل في عمليّة تطوّر المجموعات النفسيّة

لقد حاول روّاد علم النفس الاجتماعيّ وضع خصوصيّات تطوّر المجموعات النفسيّة، فتميّز منهم كورت ليفين وماكس پاجيس وسوف نورد تباعاً أهمّ الأسس التي وضعوها في عمليّة فهم مسار المجموعات الإنسانيّة، علّنا نستوعب أهمّيّة الوضع اللبنانيّ بما خصّ ارتباطها وتكاملها.

أ - نظريّة كورث ليفين حول التعاضد والتعاون الاجتماعيّ

إعتبر ليفين المجموعة وحدة ديناميكيّة فرديّة مولّدة لظواهر خاصّة. كما أنّه انطلق من فكرتين أساسيّتين هما التعاضد والتعاون اللتان تتناسبان مع مفهوم الكلّ Whole والجزء Part إذ إنّ السلوك ينظّم بكامله ويشكّل الفرد ومحيطه كلًّا متكاملًا. لذا فإنّ مفهوم المجموعة كوحدة ديناميكيّة يحمل في طيّاته تعريفاً ينطلق من تعاضد وترابط أعضائها أو عناصر Subparts أعضاء مصغّرة. يوضّح ليفين أنّ هذا التعريف يختلف عن مفهوم أرسطو للمشابهة Similitude والذي عنى به المثل المشتركة والأهداف المشتركة. فتحديداً يجد ليفين أنّ المجموعة لا تساوي مجموع أعضائها على الطريقة العمليّة الحسابيّة.

 

ب - نفي وجود شعور لاواعٍ موجّه إلى أيّ تصرّف

يرفض ليفين وجود شعور لاواعٍ أو ما يسمّيه بالشعور المستكن الذي يوجّه التصرّف فإنّه يعتبر الوعي Solipsiste أي أنّه يجعل الإنسان مالكاً ذاته لدرجة تمكّنه من حبسه داخل دائرة تصوّراته Représentations. هكذا تكمن الديناميكيّة والحركة الفاعلة بالتصرّف الهيكليّ L’acte structurant الذي من شأنه تأمين التواصل بين الميادين المنفردين.

إنّ مفاهيم التعاضد والارتباط تميلُ نحو جعل العلاقة الجماعيّة أكثر توطيداً بين الأفراد.

فتصبح المجموعة Le groupe ممثّلة للتكامل Interaction بين أعضائها. هكذا يكون التسلسل المنطقيّ على الشكل التالي:

 

 

أمام هذَين الموقفين، نقترح موقفاً ثالثاً يتّخذه المنشقّون عن علم التحليل النفسيّ Psychanalyse  والمستقلّون: النيو – فرويديّون Néo-freudiens.           

يميلون إلى تصوّر مختلف للعلاقة التي تبلور دور العاطفة التي يعيشها الآخر لكن تظلّ فعّاليّتها محصورة بالعلاقات بين الأفراد. تظلّ الظواهر الجماعيّة

Les phénomènes de groupe  خاضعة جزئيًّا لقوانين أخرى ذات مرجعيّة اجتماعيّة اقتصاديّة.

ج - الشعور في أساس العلاقات الإنسانيّة

إعتبر "باجيس" العالم والبحّاثة في علم النفس الاجتماعيّ أنّ العلاقة الإنسانيّة لا تنحصر بشكل رابط يجمعنا بشيء من نوع آليّ، بل إنّها دائماً شعوريّة. هذه العلاقة هي إحساس بالآخر أو كما يقول هيدغر، إنّها اهتمام ومساعدة Assistance. يتميّز الوجود الإنسانيّ بحالة دائمة من الاكتراث والمبالاة، إذ إنّ الشعور باللامبالاة هو ثانويّ ويذكر بإحساس بدائيّ. كما وأنّ العلاقة الإنسانيّة من شأنها إبراز غيريّة الآخر بخصوصيّته كشخص يتمتّع باستقلاليّة وذاتيّة. وبالعكس يخلق الشعور التقارب مع الآخر ويحتّم العلاقة المتبادلة لذا نشدّد على علاقة وثيقة بين التواصل والشعور، إذ يكون التواصل معيوشاً، كما يشكّل الشعور مأساة العلاقة المعيوشة مع الآخر. فمن خصائص العلاقة الإنسانيَّة أن تكون مباشرة وواقعيّة بحيث نقرب من فكرة الحدس التي يبشّر بها "شيلير" والمتعلّقة بالميل والتعاطف، أساس الخبرة الأصليّة على مستوى العلاقات البشريّة.

يعتبر "شيلير" وجود الخبرات والعواطف الحميمة من الأهميّة بحيث تظهر لنا من خلال ظواهر تعبيريّة، تحت عنوان إدراك أصليّ وبدائيّ مختلف تمامًا عن الاستدلال العقليّ. يقول "شيلير": "نلاحظ الحياء والاحتشام عند شخص باحمرار الوجنتين، كما نلاحظ الفرح بالضحك".

من ناحية أخرى، نجد نظريّة ألـ Mitsein بمعنى "الوجود مع" التي هي وضع مكوّن للـ Dasein أي "الوجود في العالم"، ممّا يعني أنّ الإنسان هو أساس بعلاقة وجوديّة مع الآخر بوضع مختلف عن الاتّصال الآليّ بالأشياء. لذا نعتبر العلاقة ظاهرة مباشرة أوّليّة، لولب الظواهر النفسيّة والاجتماعيّة، بحيث يتقاسم أعضاء المجموعة تجربة علائقيّة شعوريّة هي أساس التواصل المجتمعيّ.

فحياة المجموعة هي حوار مستمرّ من أجل توضيح هذا الاختبار المشترك. إنطلاقاً من افتراض ندعوه اللاوعي الجماعيّ الحاضر والذي هو حصيلة الخبرة الشعوريّة للعلاقة الموجّهة لظواهر المجموعة.

هكذا يبدو السلوك الإنسانيّ معبّرًا عن التواصل والحوار ضمن Dialogue et communication مجموعة من القواعد السلوكيّة التي تنشأ وتتطوّر مع نشوء المجتمعات البشريّة وتطورّها. تلك القواعد والمعايير الاجتماعيّة غير المكتوبة والمتمثّلة بالقيم المجتمعيّة وما يتبعها من عادات وتقاليد وأعراف ومناقب، وغيرها من القواعد السلوكيّة التي رافقت الإنسان المجتمعيّ وتطوّرت معه وتنوّعت بتنوّع زمان هذا الإنسان ومكانه.

 

الخاتمة:

يكرّس القانون الأساسيّ الاحترام والكرامة.

أنهي بحثي هذا بالعودة إلى الصراحة وإلى الدستور اللبنانيّ وأنطلق من القيم الواجب نقلها في التربية في لبنان وحول الخيارات التربويّة والثقافة والمواطن. إنّ احترام جميع الأديان والمذاهب، وواجب عدم التعرّض لكرامة أيّ منها، بحسب المادّتين 9 و10 من الدستور اللبنانيّ، موجبات مفروضة على الدولة وفي شكل أعمّ على كلّ المواطنين. تنصّ المادّة 9 صراحةً على: "... تحترم الدولة جميع الأديان والمذاهب..." والمادّة 10 تربط "حريّة التعليم بواجب عدم التعرّض لكرامة أحد الأديان والمذاهب". يعني الاحترام والتعامل مع الغير باعتبار. أمّا الكرامة فإنّها تعني احترامًا مبنيًّا على الاعتراف بقيمة ذاتيّة. تفترض التربية في مجتمع متنوّع بحثًا متجدّدًا حول ترجمة هذه المبادئ التي لها صفة دستوريّة. فإنّ سلوك المربّين ومحتوى تعليم التاريخ والدين والتربية بشكلٍ عامّ لا يمكن أن يخالفا نصوصاً دستوريّة صريحة.

فالتربية المعيوشة ومحتوى الكتب في لبنان في حالات لا يُستهان بها مخالفان للدستور. لكنّ الأبحاث التربويّة المعيوشة هما وطنيّتان، أيْ موجّهتان إلى مجتمع متنوّع الأديان وخياراته الأساسيّة محدّدة في القانون الرسميّ.

إنّ عبارتَي "احترام وكرامة" تفرضان احترام الآخرين من دون مقارنة تحت ستار العصرنة، ومن دون استعلاء ثقافيّ ومن دون مذمّة.

لا شكّ في أنّ التعدّديّة هي سلوك قبل أن تكون نظرة فكريّة أو سياسيّة، ومن المفروض عدم إخفاء احترام المنتمين إلى معتقدات مختلفة تحت ستار تباين فكريّ في الآراء المختلفة.

لقد اقترحتُ في هذا البحث ترسيم حدود للبنان من نوع بشريّ، عاطفيّ وشعوريّ ووطنيّ من ناحية، كما بلورت الدور الإنسانيّ التعاونيّ والتعاطفيّ مع مَن جاوره من إخوان عرب في اتّحاد إنسانيّ واقتصاديّ ينمّ على وجود بلد يتبوّأ طليعة الدول السبّاقة نحو الانفتاح والتقدّم.

المراجع:

1- حارث فؤاد بستاني، "عصر من الثقافة، فؤاد أفرام البستاني 1904-1994"، دار الدائرة، 2014.

2- د. دنيا حشيمة بو خليل، "المرأة اللبنانيّة بين الواقع والمرتجى"، أطروحة لنيل الدكتوراه اللبنانيّة سنة 1997، ص603-604.

 

* الدكتورة دنيا حشيمه بو خليل، دكتوراه دولة علوم اجتماعيّة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق