المؤلّف الموسيقيّ النمساوي، فرانز شوبرت

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

أنطوان خاطر

​فرانتس شُوبِرت 1797-1828 جولة في حياته وفي عالمه الموسيقيّ - لمناسبة مئويّة مولده الثانية -

من الناس مَن يُقبلون على الدنيا في ظلّ طالع سعد، موسومين بطابع مميَّز ينفحهم به القدر، فتلازمهم علائم التفرّد في ميدان من ميادين العلم، أو الفكر، أو الفنّ، أو في غير مجال.

والبشريَّة، لحسن حظّها، غنيّة بهؤلاء النماذج الذين صاروا في تاريخها منائر يُؤتَمّ بهم، وتشكّل إبداعاتهم آثارًا هي من صميم التراث الإنسانيّ، تتجاوز كلّ الحدود، وتترك بصمات في سجلّ الحضارة شاهدة على عبقريّتهم.

فرانتس شوبرت واحد من هؤلاء!

مرّ في الدنيا كشهاب. لم يُصب في حياته نجاحًا كان أهلاً له، شأنه شأن آخرين، لكنّه خلَّف خطًّا يدلّ عليه كواحد من الكبار في عالم النغم واللحن.

في مئويّة مولده الثانية، وفيما يردّ له أهل الموسيقى، وهواتُها، والمعنيّون بشؤونها تقديرًا عادلاً، من حقّه علينا أن لا يفوتنا تكريمه، فنسترجع ملامح من سيرته، ولمعات من أعماله.

حياة قصيرة، قاسية

فرانتس شوبرت، ابن فرانتس تيودور شوبرت، المورافيّ المنشأ الذي استقرّ في فيينّا سنة 1784، وإليزابيت فيتز، ابنة قفّال من سيليزيا، أبصر النور في 31 كانون الثاني سنة 1797 في ضاحية من ضواحي فيينّا، ليشتنتال، حيث كان أبوه معلِّمًا في مدرسة الرعيّة. جاء إلى الدنيا حاملاً الرقم 12 في عائلة بلغ عدد الأولاد فيها 14 لم يغلب الموتَ منهم إلاّ خمسة، فكان هو أحدهم.

فُرِضَ على المدرّسين النمساويّين آنذاك أن يكونوا بارعين في الموسيقى، وعليه، فقد وجد فرانتس الصغير في والده معلِّمه الأوّل الذي لقّنه الدروس النظريّة الأولى، ودرّبه على العزف على الكمان عندما بلغ الثامنة، كما أنّ أخاه البكر، إغناطيوس، درّبه على البيانو. إلاّ أنّ مواهبه الفريدة دفعته لأن يختار معلِّمًا أوفر اختصاصًا، فكان ذلك المعلِّم ميكال هولتسر، عازف الأرغن في كنيسة ليشتنتال.

في الحادية عشرة، بفضل معارفه الموسيقيَّة وصوته السوپرانو، فاز بالمرتبة الأولى في مباراة ليكون مرتّلاً في جوقة المعهد الإمبراطوريّ النمساويّ. وكان بين أعضاء اللجنة الفاحصة الموسيقيّ الإيطاليّ الشهير أنطونيو سالييري، مدير الموسيقى في البلاط. وأتاح له هذا الفوز الدخول إلى المعهد البلديّ(Konvikt)  طالبًا داخليًّا ليتعمَّق في دارسة الموسيقى ويتابع دروسه الثانويّة. فدرس الكمان والبيانو، كما درس التأليف الموسيقيّ على سالييري نفسه وكان قد استقرّ في فيينّا منذ أربعين عامًا. وكان فرانتس عازف الكمان الأوّل في فرقة المعهد كما كان يديرها أحيانًا. هكذا عرف سمفونيّات مُوتسارت وهايدن الأخيرة.

وبالرغم من شعوره بقساوة الحياة عليه كتلميذ داخليّ، فقد خفّف من تلك القساوة تعرّفُه رفاقًا ربطته بهم فيما بعد علائق وثيقة: شعراء، ومغنّون، وعازفو بيانو.. فكوّنوا تلك العصبة من الأصحاب يلتقون في اجتماعات صاخبة اشتهرت باسم «شوبرتياد» (جوزف فون شپاون، يوهان سِنّ، أنطون هولزافل، إغناطيوس شپينّ...) يشربون، ويشربون، ويغنّون في أجواء ترفرف عليها الموسيقى، وتجري فيها قراءات من شكسپير، وتدور أحاديث حول الشعر وحول مسائل فلسفيّة. وشوبرت الذي كان قد ألَّف، عندما غادر المعهد سنة 1813، مبتكرات للبيانو لأربع أيدي، وافتتاحيّات، وأغانٍ، وسداسيّات، كان محور تلك الاجتماعات. وإذا كان من ذكر فاضل خاصّ بتلك الاجتماعات، فمردّه إلى أنّ أغاني عديدة وضعها شوبرت غُنِّيَتْ للمرّة الأولى في أجوائها. لقد كان، هو، محور تلك الاجتماعات.

بعد خروجه من المعهد وإخفاقه في تمثيل أوپرا وضعها: قصر الشيطان اضطرّ إلى أن يرتضي بوظيفة مدرّس مساعد في مدرسة والده كي يؤمِّن لنفسه مورد رزق. وشغفته، على ما يبدو، ابنة زميل لوالده، تريز غروب (Grob) بصوتها السوپرانو الساحر حين رتّلت في القدّاس على مقام «فا» الذي وضعه وقُدِّم في كنيسة ليشتنتال في الذكرى المئويّة لتأسيسها (16 تشرين الأوّل 1814). ففي لحظات من حماسة بالغة، ألَّف، في اليوم نفسه، أغنية الفتاة القادمة من الخارج وهي قصيدة للشاعر شيلر. وما كانت هذه القطعة الموسومة بروح الصبوّة لتنبئ أنّ حدثًا مهمًّا سيحصل بعد ثلاثة أيّام (19 تشرين الأوّل)، حين ألَّف شوبرت مرغريت ودولاب المغزل (قصيدة غوته) التي يتّفق الباحثون الموسيقيّون على اعتبارها وثيقة ولادة الأغنية الشوبرتيّة  (Lied).

لم يطق حياة التعليم فتخلّى عنها بعد ممارسة دامت ثلاث سنوات. لكنّه أعطى دروسًا خاصّة في الموسيقى، بصورة متقطِّعة، لابنتَيْ الكونت جان إسترهازي  (Esterhazy).

حاول أن يحصل على وظيفة تؤمِّن له موردًا يقيه الفقر، فلم يحالفه الحظّ. واستغلّه الناشرون أحيانًا كثيرة، ولم يكترثوا به أحيانًا أخرى. عبقريّة روجيّة فنِّيَّة لم تستطع مجابهة جشع مادّيّ. يروي صديقه لاشنر أنّ الناشر هازلينغر دفع له ما يعادل 15 فرنكًا مقابل مجموعة من ستّ أغان! مضحك! وبالرغم من مساعدة صديقه شوبر (Schober) وصداقاته الكثيرة بين الأشراف والفنّانين، لم يُصِب ما يضمن له عيشًا كريمًا.

سنة 1823 أُصيب بمرض زهريّ راح يغزو جسمه فيذبله شيئًا فشيئًا، وما استطاعت الأدوية والعلاجات آنذاك أن توقف زحف الداء. حتّى كان صيف 1828 فراحت تسوء حاله. المرض ينهشه، والحياة الماجنة والإبداع الفنّيّ الكثيف في هذه الفترة كانا قد أضعفا جسده. واجتاحته التيفوس فناهضها أسبوعًا، فقضت عليه في 19 تشرين الثاني، فانتقل إلى حياة فضلى مزوَّدًا الأسرارَ المقدَّسة.

كتب أحد أصدقائه، باورنفيلد، في يوميّاته: «إنّه كحلم. أشرَفُ نفس وأَوْفى صديق. لَوَددتُ لو كنت مكانه. إنّه يمضي حاملاً مجد الدنيا».

جنازة بسيطة، جمع غفير. في الكنيسة رتّلت الجوقة نشيد السلام معكم من تأليف شوبرت نفسه لنصّ جديد من صديقه شوبر. ثمّ دفن على مسافة أمتار من بيتهوفن، فتجاورا في القبر كما تجاورا في الحياة، بالرغم من أنّه لم تقم علاقات مباشرة بينهما، وبالرغم من إعجاب الموسيقيّ الأصمّ بشوبرت المبدع. وعلى ضريحه ما زالت مكتوبة هذه العبارة من وضع غريلپارتسر(Grillparzer)  : "لقد دَفَنت الموسيقى هنا تراثًا غنيًّا، بل دفنت آمالاً أغلى كثيرًا من هذا التراث».

شوبرت والبيانو

يرشّح الإلهام الرومنطيقيّ لدى شوبرت على وجه خاصّ في أعمال للعزف المفرد على البيانو.

وإذا تركنا جانبًا السوناتات الاثنتين والعشرين التي أبدعها بين سنة 1815 وسنة 1828، مع الإشارة إلى فترة مميَّزة بالخصب (سنة 1817 مع سبغ سوناتات)، وإلى فانتازيا المسافر (Wanderer) وقد ألَّفها سنة 1822، تنعم باهتمام خاصّ المرتجلات (Impromptus) وهنيهات موسيقيّة (العمل 941).

هذه وتلك، على بساطة تقنيّتها، تمتاز بتلوين شعوريّ جديد في التأليفات الخاصّة بالبيانو، بحيث تعتبر أنّها شقّت الطريق لجميع القطع «المميَّزة» الموضوعة لهذه الآلة في القرن التاسع عشر.

الهنيهات الموسيقيّة فيوض عاطفيّة مَصوغة ومَبْنيّة على نغم حيّ فَرِح بلغ فيها شوبرت درجة عالية من الكمال. لقد كان بيتهوفن فتح المجال في التوافه (Bagatelles) أمام هذا النوع الجديد من التعبير المتحرّر الذي وافق مزاج شوبرت في انطلاقه وفي انعتاقه، نسبيًّا على الأقلّ، من الحسّ البنائيّ. ومن الباحثين (پومغارتنر) مَن يرى أنّ جذور المرتجلات قد تصل في امتدادها إلى سكارلاتيّ، وإلى كوپران ورامو. ومهما يكن من أمر، فلعلّ شوبرت أعطى البيانو خير ما عنده من إِلهام وعفويّة في هذه المقطوعات. إنّه يفصح فيها عن ذاته بأعمق ما لديه من شعور حميم في عزلة عن كلّ ما عدا الذات. فهي صورة أصيلة عنها لأنّها ابنة العاطفة والانفعال في اللحظة، لا يداخلها عمل النظام والتنسيق، بل تلتزم ما تقتضيه قواعد حسن الانتظام النَّغميّ.

وإذا نظرنا إلى هذه المقطوعات من هذه الزاوية، لا نعجب من أن لا تحظى بنعمة تقديمها في حفلات كبرى. فهي تشدّ إلى الداخل، ومَن لم يُؤْتَ القدرة على الانطواء على الذات والتحسّس الرقيق باطنيًّا، يصعب عليه التفاعل معها بقدر وافٍ، ولن ينعم بالنشوة التي تدغدغ مشاعره. كأنّي بها اعترافات شخصيّة، عفويّة، تصوّر حالات نفسيّة في لحظات متقلّبة، فتتوالى فيها الشعريّة، والعظمة، والرقّة، والتأمُّل، وحتّى الفكاهة.

 

الموسيقى السمفونيّة

بكّر شوبرت في التأليف السمفونيّ، وكان مُكثرًا في فترة أولى، متباطئًا نسبيًّا في فترة ثانية، فعائدًا إلى الإكثار على نضج في المرحلة الأخيرة.

فالسمفونيّات الثلاث الأولى، (تشرين الأوّل 1813 - تمّوز 1815)، جاءت متلاحقة ومتشابهة بتفصيلها الكلاسيكيّ يبرز فيها أثر هايدن ومُوتسارت في الخفّة، والسرعة، والقِصَر، فتوحي بملامح ارتجال سريع «ونزعة واقعيّة عزيزة لإحداث التأثير وإظهار التباين»، خصوصًا في الحركتين الأولى والثالثة، ما يوحي بالهمّ الباروكيّ وغايته توفير لذّة للأذن، وأناقة في المظهر، ونشوة للروح. وشوبرت الذي لم تكن قد توافرت له بعد حياة داخليّة راسخة، بل كان مندفعًا بحماسة الفتوّة، يضفي سحرًا خاصًّا على الحركتين السريعتين في هذه السمفونيّات أكثر ممّا يظهر في الحركتين البطيئتين (الأداجيو والأندانتي)، وهما الحركات اللتان تمتازان عادة بالهدوء الذي يحمل على التأمُّل ودغدغة الشعور.

أمّا السمفونيّة الرابعة فيوحي عنوانها المأساويّة بأنّ فرانتس، ابن التسعة عشر عامًا (1816)، يطمح لإبداع بطوليّة كسمفونيّة بيتهوفن الذي كان اكتشفه. لكنّ شوبرت لم يكن قد نضج، وعلمه في الشكل السمفونيّ لم يستطع اللحاق بالمعلِّم.

وتعتبر السمفونيّة الخامسة (أيلول 1816) ممثَّلة لمرحلة فاصلة. إنّها رائحة مرحلة الفتوّة. يطمح إلى التوازن ويحقّقه بين الأسلوبين الكلاسيكيّ والرومنطيقيّ، على غلبة هذا بفضل نفاذه إلى عالم بيتهوفن.

إلاّ أنّ أشهر سمفونيّات شوبرت اثنتان:

السمفونيّة الناقصة (غير المكتملة رقم 8، تشرين الأوّل 1822)، وتضمّ حركتين، تتوسّعان على الطريقة الكلاسيكيّة في موضوعين يتكرّران، وعزفت لأوّل مرّة في 30 نيسان 1865، فأثارت شيئًا من الرهبة التي أصبحت فيما بعد «عنوان فخر ومجد لشوبرت» وهو في عالم الأبد.

والمشهور أنّ شوبرت كان قد بدأ بوضع حركة ثالثة (مقاطع قليلة منها). غير أنّ فالتر داهمس يرى أنّ شوبرت إذا لم يتابع التأليف لإكمالها فلأنّه لم يكن لديه ما يزيده. والحقّ أنّ شوبرت ترك أعمالاً أخرى غير مكتملة.

وأبرز ما يظهر في هذه السمفونيّة تنامي النغم تدريجيًّا على لحن متماوج يروح يرتفع فيعقبه النشيد عاليًا قويًّا كصور صوتيَّة تعبيريَّة عن فوران العاطفة وهدوئها. ويأتي ختام الحركة الثانية والأخيرة(Andante)  ليقودنا بانسياب طبيعيّ إلى نوع من النشوة الفنِّيَّة. أترى هذا الشعور دفع شوبرت إلى التوقّف حيث لا يستطيع متابعة البنية الكلاسيكيّة بالانطلاق في حركة ثالثة حماسيّة (Scherzo) ، أم بلوغ النشوة ذروتها يعني وضع حدٍّ نهائيّ لعمل، كائنًا ما كان شَكْلُ البناء؟

مهما يكن من أمر، فهذه السمفونيّة تحتفظ بمقام خاصّ في أعمال شوبرت عامّة، وفي سمفونيّاته خاصّةً، من حيث محتواها ومن حيث شكلها. إنّها، كما يقول شنايدر، «شهادة على الإلهام الصافيّ لدى فنّان ما زال يبحث عن ذاته. هذا هو سرّ جمالها وسرّ تأثيرها علينا».

وأمّا السمفونيّة التاسعة على مقام «دو مايور» (آذار 1828) فلها قصّة ملحميّة بدأت برفضها حين عَرَضها شوبرت على فرقة فيينّا الفيلهرمونيّة بعد زمن قليل من تأليفها، ثمّ اختفى أمرها حتّى اكتشفها شومان (1839) لدى فردينان، أخي شوبرت، بين مجموعة من المخطوطات. وظلّ مصيرها عدم الاكتراث عمومًا لدى الفرق الموسيقيّة إلى أن أعاد إطلاقها توسكانيني في الربع الأوّل من هذا القرن، وجرى في أثره كبار مديري الأوركسترا.

يَسِمُ الطابع الرومنطيقيّ والكلاسيكيّ هذه السمفونيّة الموصوفة بـ«الكبرى» منذ الحركة الأولى وذلك في مقدّمة قصيرة هادئة يبدو «وكأنّ الأبواق تُطلِق فيها، متناغمة، دعوة احتفاليّة، دينيّة تقريبًا، لتفاجئنا بعدها، حالاً، حركة سريعة قائمة على موضوعين يتبع توسّعهما قواعد الكلاسيكيّة». لقد جمع شوبرت ووفّق بين تيّارين في المحافظة على الحركات الأربع وبالترتيب المعتاد (Allegro/Andante/ Scherzo/Finale: allegrovivace) على طريقة بيتهوفن ونفح العمل بغنائيّة رومنطيقيّة هي من فيض ذات شوبرت.

وإذا لم يُقِم باحثٌ برهانًا قاطعًا بعد على أنّ شوبرت كان قد سمع أو اطّلع على سمفونيّة بيتهوفن التاسعة، فقد يكون عرف قياساتها، وقد يكون أصدقاؤه أطلعوه على بنيتها، ما قد يفسّر هذه الرغبة الواضحة في اعتماده طول السمفونيّة البيتهوفنيّ.

ومن المصادفات أنّ هذه تحمل الرقم 9 ككبيرة بيتهوفن. أمّا تأثيرها فيعبّر عنه شومان، بعد تقديمها في لايبتسيغ بقوله: «إنّها أحدثت فينا مفعولاً لم تحدثه من قبل أيّة سمفونيّة من سمفونيّات بيتهوفن، ولا خوف من أن تنسى؛ إنّها تحمل في ذاتها بذرة الشباب الخالد». ويتساءَل پومغارتنر: «أتوجد موسيقى سمفونيّة حوالي سنة 1900 ولا تربطها علاقة بهذه السمفونيّة الزاخرة بحياة رومنطيقيّة؟».

هذا الخطّ الذي رسمه شوبرت، وكأنّه يجاري بيتهوفن، وفي السمفونيّة التاسعة بالذات، سيصير تقليدًا يتبعه برامس (1833-1897)، ويبلغ فيه بروكنر (1824-1896) وماهلر (1860-1911) الذروة.

وعليه، لا يبدو صائبًا إلاّ نسبيًّا، من حيث الكمِّيَّة، ما قاله غريلپارتسر وحفر على بلاطة ضريح شوبرت أنّ مَن وضع عملاً كهذا مات ولم يخلّف «إلاّ آمالاً ثمينة».

الموسيقى الدينيّة

إذا ذُكر شوبرت في مجال الموسيقى الدينيّة، توارد وذكرَه في الخاطر السلام الملائكيّ (Ave Maria)، أشهر ترنيمة دينيّة له. لكنّ هذا المعلّم ألَّف أعمالاً دينيّة أخرى عديدة. فله ألحان كثيرة للنشيد المعروف بـالأمّ الحزينة[1] ، ولحَّن السلام عليك أيّتها الملكة أمّ الرحمة (Salve Regina) ، ومزامير، وأناشيد فَرِحة تهليليّة... وله فوق ذلك سبعة قدّاسات.

كان القدّاس حتّى أيّام هايدن وموتسارت موضوعًا مركزيًّا في تأليف المعلِّمين الكبار: مستوحى أفكار، وإلهام، ورموز. وقد نشأ شوبرت في جوّ هذا التقليد، وعلى خطى هايدن الذي كان مرتِّلاً في جوقة كاتدرائيّة القدّيس إسطفان في فيينّا. إلاّ أنّ العهد لم يطل به. فبدلاً من أن تكون موسيقى القدّاس وسائل زخرفيّة تتردّد إيقاعاتها في كنائس باروكيّة حافلة بمظاهر التزويق والتنميق، تحوّلت نفسات تفصح عن معاناة ذاتيّة مع طلائع الجيل الرومنطيقيّ، وشوبرت واحد منه، من دون أن يعني ذلك أنّ تلك المعاناة تتماهى والعاطفة ذات النبض الدينيّ، والارتفاع إلى ما فوق الدنيويّ. ولا نتوقّف على القول إنّ هذه القدّاسات كانت، ربّما، مخرجًا يعوّض به فشله في المسرح حيث وضع أعمالاً عدّة (سبع أوبرات وثلاثة أعمال موسيقيّة مسرحيّة) ولم يصب شهرة. فحساسيّته الباطنيّة، في الواقع، لم تكن مؤهَّلة لأعمال مسرحيّة والبروز فيها، أو المنافسة.

ويلفت الانتباه أمران:

1.

أ - فئة مؤلَّفة من أربعة قدّاسات تعود إلى ما بين سنتَي 1814 و1816، يرشّح منها ظاهرًا أثر التقليد القديم.

ب - والثانية، وتتألَّف من الثلاثة الأخرى، ينبض فيها اختيار الفنّان الشخصيّ وقد نضج فنّه وشعوره، فحلَّ محلَّ التقليد الطقسيّ الموسيقيّ، كلّيًّا أو جزئيًّا، انطباعات رومنطيقيّة ذاتيّة عن رسالة الإنجيل.

2.

أمّا القدّاس الموسوم بالقدّاس الألمانيّ (Deutsche Messe) فلا يصحّ وصفه في الحقيقة بالقدّاس بالمعنى الطقسيّ للكلمة. إنّه مجموعة تراتيل دينيّة ألمانيّة تُرَتَّل في الجماعة أو كما قال نويمان: «تراتيل للاحتفال بالذبيحة المقدَّسة».

ولا بدّ أخيرًا من الإشارة إلى القدّاس على مقام «لا بيمول ماجور» الذي عمل فيه شوبرت بين 1819 و1822، وهي فترة طويلة إذا قورنت بالوقت الذي استغرقه أيّ عمل آخر. إنّه قدّاس معاصر للسمفونيّة غير المكتملة يشقّ الطريق في الأعمال الدينيّة أمام طابع النجوى الغنائيّ الحميم. هو قدّاس تُحدث بنيته في النفس «انطباع العظمة، والتوازن، والجمال الهادئ». ويبقى ترتيل «قانون الإيمان» في هذا القدّاس متفرّدًا بما يهزّ المشاعر. فكلمة «أومن» تردّدها جوقة المرتِّلين والأوركسترا قبل كلّ عبارة وبقوّة تروح تتناقص حتّى عبارة «وتجسّد»، فيصمت العازفون، ويُسمَع المرتّلون وحدهم برقّة كبيرة ولين مميَّز يفصحان عن الفرح الباطنيّ والرضى والخشوع أمام سرّ الأسرار.

موسيقى الغرفة

يكفي إلقاء نظرة سريعة على أعمال موسيقى الغرفة التي وضعها شوبرت لنتبيَّن اختلاف أنواعها، وتباين أشكالها ومن ثمّ غناها الوافر على ما بين بعضها وبعضها الآخر من تفاوت.

تعوّد فرانتس على موسيقى الغرفة عازفًا على الكمان الجهير (الألتو) في العائلة مصاحبًا أباه وأخويه. وقد ألَّف الرباعيّات الأولى الثماني حين كان لا يزال طالبًا، فليس بغريب أن يكون تأثَّر بالمعلِّمين المعروفين: هايدن، وموتسارت، وبيتهوفن.

من أكثر الرباعيّات الوتريّة شهرة تلك المشهورة بعنوان الفتاة والموت، يغلب فيها تعبير عنيف عن المشاعر منذ مطلع الحركة الأولى وتبرز فكرة الموت الرومنطيقيّة حاضرة في كلّ مكان، خصوصًا في الحركة الثانية، بل إنّ شوبرت «تماهى والموت في هذا العمل». لقد صار، هو، الموت الذي يشدّ إليه الفتاة اللطيفة التي شغفته، كما في قصيدة الشاعر ماتياس كلوديوس (1740-1815).

ولا بدّ من التنويه بعمل آخر هو الخماسيّة (مع بيانو) على مقام «لا ماجور» المشهورة بعنوان التروتة (La Truite) . يعود وضع هذه القطعة إلى سنة 1819 في أثناء عطلة كان يقضيها بصحبة صديقه المغنّي الشهير «فوغل»  (Vogl). خرج فيها على الشكل الكلاسيكيّ؛ فقد بناها على خمس حركات بدل الأربع، تتعاقب سريعة وبطيئة، فكأنّها موضوع تسلية ولهو يلائم الجوّ الذي وُضعت فيه. وتزيدها حيويّة إيقاعات من الرقصات الشعبيّة الريفيّة.

وفي غمرة الأعمال التي خلَّفها شوبرت في السنة الأخيرة من حياته تشكّل الخماسيّة على مقام «دو ماجور» خاتمة لسلسلة الرباعيّات، كما تمثّل السمفونيّة الكبرى، وعلى المقام نفسه وفي السنة نفسها (1828)، خاتمة السمفونيّات وخاتمة حياة شوبرت.

تمتاز الخماسيّة باعتمادها كمانَيْن أجهَريْن (فيولونسيل) يغنّيانها بقوّة رنينيّة، وطاقة شجو رخيمة مؤثِّرة. وقد أغدق عليها پومغارتنر وصفًا رائعًا فقال: «إنّه عمل كامل كلّ الكمال... هو ثمرة إلهيّة لتوافق الطبع الكلاسيكيّ والطبع الرومنطيقيّ الخلّاقيّ توافقًا روحيًّا. إنّه عمل فريد لا مثيل له».

الأغاني

بين أوّل أغنية لحّنها شوبرت نواح هاجر (1811)، وآخر ما وضعه في هذا الفنّ في آخر سنة من عمره، انقضت سبع عشرة سنة تجاوزت فيها أغنياته الستّمائة. إنّها مرادفة لاسمه، أعطته شهرة مميَّزة؛ إنّه المعلِّم الأكبر في هذا الميدان. ولئن كانت عظمته مقترنة به فإنّها ليست محصورة فيه.

والأغنية هنا ليست أيّ أغنية. إنّه نوع موسيقيّ ألمانيّ (Lied) لا يمكن مقارنته بنوع آخر. «إنّه غناء مباشر نابع غالبًا من الروح الشعبيّة. أغنية بسيطة دون لفّ ولا دوران».

إختار قصائد لكثيرين من الشعراء: كلوديوس ماتّياس، غوته (أكثر مَن لحَّن له)، شيلر، هايني، لايتنر، ماتّهيون، مايرهوفر... وتكتسي أغنياته مائة طابع وطابع: فمنها غنائيّة، ومنها ملحميّة، وبعضها دراميّة، أو شعبيّة، ومنها الأغاني الشعبيّة والراقية، ومنها الدينيَّة، لكنّها كلّها تتميَّز بنغمة ذاتيّة، وهي، مجتمعة، تمثِّل القلب، وتؤدّي دوره في نتاج شوبرت، وبفضل عبقريّته اكتسب هذا النوع شهرة عالميّة.

لقد وجد شوبرت، منذ حداثته، صيغة في «الليد» ملائمة لعبقريّته، وطريقة تعبيريّة أنسب لشخصيّته. وهكذا كانت النغمات تنبثق عفويًّا من ذاته حتّى قال شومان إنّ شوبرت لو عاش مدّة أطول لكان صبّ في قالب الموسيقى الأدب الألمانيّ كلّه. على أنّ ليسْت (Liszt) يرى أنّ شوبرت كان انتقائيًّا في اختياره النصوص. بل إنّه أحيانًا تصرّف بالنصّ فحذف ما لا يراه شعريًّا ولو أنّه قليلاً ما فعل. وممّا لا شكّ فيه أنّ ألحانه خلّدت هذا أو ذاك من النصوص بفضل الموسيقى التي أضفاها عليه.

تشكّل الطبيعة، والحبّ، والموت ثلاثيّة مواضيع أساسيّة مفضَّلة لدى شوبرت.

من أشهر أغانيه مرغريت ودولاب الغزل، رحلة الشتاء، وهي مجموعة من أربع وعشرين أغنية لقصائد من مولّر، ومجموعة أخرى للشاعر نفسه بعنوان الطحّانة الجميلة يتعاقب فيها الشعور الشعبيّ والراعويّ ويتنوّع. ومن شيلر تأوّهات الفتاة والغوّاص ... وهناك الأغنية الليليَّة في الغابة والله الطبيعة.

أغنيات، أغنيات، أغنيات، بمعدّل خمس وثلاثين أغنية لكلّ سنة منذ أن بدأ يعالج هذا النوع الفنّيّ حتّى وفاته.

* * *

 لم يكمل شوبرت الثانية والثلاثين من عمره عندما انطفأ مصباح حياته، فكأنّه، على ما كان يعتقد الأقدمون، لم يكتمل نضوجه. غير أنّ العبقريّة لا يقيّدها عدد السنين ولا حدّ لها في الأعمار.

بين رعيل الكبار من أواسط القرن الثامن عشر حتّى أواسط القرن التاسع عشر - هايدن، موتسارت، بيتهوفن، مندلسون، شومان، فيبير - مات وهو الأصغر سنًّا.

ألَّف وأبدع كما كان يتنفَّس، فكأنّ شهيّته وزفيره نغمات ما زالت تتردّد حتّى اليوم فتفصح عن مشاعر نابعة من عمق الإنسان.

كان غصنًا نديًّا حين جفّف المرض نضارته.

لم يصب نجاحًا كبيرًا في حياته، لكنّه خلّف أعمالاً لا يزال فيها مجالات لاكتشافات جديدة، ولا تزال شهرته تزداد ذيوعًا.

مراجع

 

ABRAHAM, G., The Music of Schubert , New York, 1947.

COEUROY, André, Les Lieder de Schubert , Paris, 1948.

DEUTSCH, Q.E., Schubert. Thematic Catalogue of all his Works in Chronological Order, London, 1951.

EINSTEIN, A., Schubert , Paris, Gallimard, 1959.

LANDORMY, P., La vie de Schubert , Paris, Gallimard, 1928.

PATIER, Dominique, Franz Schubert , Paris, Gallimard, 1994.

PAUMGARTNER, B., Franz Schubert , Trad. espagnole, Madrid, 1992.

SCHNEIDER, Marcel, Schubert , Paris, Seuil, 1994.

 

 

 

 

*  أنطوان خاطر، أستاذ الأدب العربيّ واللغة الإسبانيّة. نقل من الإسبانيّة بعض مؤلَّفات تيريزيا الأفيليّة ويوحنّا الصليب، ورائعة خيمينيث أنا وپلاتيرو.

[1] ومطلعهُ باللاتينيّة Stabat Mater dolorosa ؛ وقد تُرجم إلى العربيّة ويُرَتَّل في رتبة درب الصليب لدى الموارنة: كانت الأمّ الوجيعة/ والدموع منها سريعة/ واقفة تحت الصليب. وقد وضع الموسيقيّ التشيكيّ الشهير أنطون دفورجاك (1841-1904) لحنًا لهذا النشيد واستوحاه پافل سموك التشيكيّ لمشاهد باليه ذي طابع دينيّ تراجيديّ قدّمت في بيروت بين 24 و31 كانون الثاني من هذه السنة 1997.

 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق