لوحة المولودة عارية – زيتيّة – المرحلة الثانية، لجبران خليل جبران

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة باسكال تابت

من أنا؟ الذات في اختبار الذات

"أنا"، ربّما هي الكلمة الأكثر شيوعاً والتي نقولها في غالب الأحيان. كلمة نردّدها عندما نحقّق شيئاً أو عندما لا نحقّق، عندما نخبر عن ذاتنا، عندما نتحدّث عن فرحنا أو عن حزننا، عن ألمنا، عن خبراتنا، كلمةٌ نردّدها في ذهننا عندما نفكّر ونخطّط ونحلُم، نقولها عندما نميّز ذاتنا عن الآخر وندخل في حوار معه. ولكن من هي هذه الـ"أنا"؟ وهل ندركها بقدر ما نعتقد ذلك أو بقدر ما نودّ ذلك؟ "لقد أصبحت لذاتي السؤال الكبير"، يقول القدّيس أغسطينوس في اعترافاته.

"من أنا؟": السؤال الكبير والإشكاليّة الكبرى. لقد تناولت الفلسفة – وما زالت تتناول – مسألة الـ"أنا" أو "الذات"، وبشكلٍ خاصّ منذ ديكارت والـتأمّلات الميتافيزيقيّة، حيث يختزل الأنا بالفكر، وبخاصّة في التأمّل الثاني حيث يقول: "ولكن ما أنا؟ أنا شيء يفكّر"([1])، ويضع موضع الشكّ كلّ ما يخرج عن هذا الكوجيتو: العالم الخارجيّ والحسيّ وحتّى الجسد. فالذات عنده ثنائيّة: جسمٌ وفكرٌ، تتأسّس بفعل التفكير في ذاتها. أمّا كانط فيميّز بين "الأنا التجريبيّة" و"الأنا المتعالية". الأولى هي موضوع المعرفة أمّا الثانية فلا تقع تحت أيّ تجربة. إنّها فكرة، "نومين"، وهي التي توحّد مختلف حالات الأنا التجريبيّة، وهي التي تجعلنا ندرك هذه الأنا وهي موضوع تصوّراتنا. ولكن هل هذا التحديد للذات من خلال الكوجيتو أو حتّى من خلال "الأنا المتعالية" عند كانط يعبّر فعلاً عن ماهيّة الذات؟

يبدو لنا أنّ هذه الذات كما تظهر هنا هي ذات خارج الذات، ذات مجرّدة من داخليّتها واختباراتها الحقيقيّة الداخليّة. مع بداية القرن العشرين، اهتمّت الفينومينولوجيا، على طريقتها، بهذه المسألة. عند هوسرل مثلاً، الأنا قصديّة تؤسّس وتكوّن الموضوعات في أفق الموضوعانيّة مُستثنيةً منه كلّ ما لا يقود إليها. أمّا الذات عند هيدغر فهي "دازاين" Dasein أي موجودٌ-هنا، وهذا الموجود كائن-من أجل-الموت.

تقلب الفينومينولوجيا المعاصرة مفاهيم الذات هذه وبخاصّة مع الفيلسوف الفرنسيّ المعاصر جان-لوك ماريون الذي يرفض جذريّاً مفهوم الذات الكلاسيكيّ على أنّها ذات مؤسِّسَة للظواهر ولذاتها. عنده، الذات لا تُؤسِّس ذاتها ولا تنوجد من ذاتها، بل هي قبل كلّ شيء ذات متأثِّرَة. إنّها الذات التي تتلقّى الظواهر وتستقبلها، إنّها ذات "شاهدة" على الظاهرة التي تكشف عن ذاتها من ذاتها، وهي ذات تسمح لها بالظهور من خلال ذاتها. فالـ"أنا أفكّر" بكونها أنا متعالية لا تعطي أيّ هويّة شخصيّة، أيّ هويّة خاصّة بشخص ما، بل تبقى وحدة فارغة، كونيّة، على حساب هويّتها. فهذه الأنا عندما تقول "أنا" لا تُتِمّ ما تقوله كما أنّها تُموضِع الظاهرة أي تختزلها بالموضوعات. أضف إلى ذلك أنّ هذه الأنا تبقى منغمسة في ذاتها، إذ أنّ كلّ تصوّر هو تصوّر للذات عينها، تفكير في الذات عينها. أمّا الأنا التجريبيّة فمفارقتها الكبرى هي ازدواجيّة الذات بين أنا متعالية وأنا تجريبيّة. عندما تحدَّد الذات بالـ"أنا أفكّر" فهي تفكّر في موضوعات هذا العالم وتفكّر في ذاتها كموضوع من موضوعات هذا العالم. هنا، تصبح الأنا موضوعاً، ظاهرة لا تتميّز عن الظواهر الأخرى.

كيف نفهم الذات إذن إن لم تكن "أنا متعالية" ولا "أنا تجريبيّة" ولا حتّى "أنا قصديّة" ولا "دازاين"؟ تفتح فينومينولوجيا العطاء عند جان-لوك ماريون الباب أمام مفهوم للذات هو الأقرب للذات ولاختبارنا لذاتنا. توجد قاعدة أساسيّة في الفينومينولوجيا الماريونيّة وهي أنّ كلّ ما يأتينا هو مُعطى. ولكن كيف يفهم جان-لوك ماريون هذا العطاء؟ يختلف مفهومه للعطاء عن المفهوم الكلاسيكيّ الذي يضيع فيه العطاء على حساب التبادل ومنطق التجارة كما يظهر ذلك مثلاً في كتاب مارسيل موس محاولة حول العطاء. شكل وسبب التبادل في المجتمعات القديمة. من هنا، يقوم جان-لوك ماريون باختزال ثلاثيّ: إختزال المُعطي واختزال المُعطى له واختزال المُعطى عينه. أوّلاً، عندما يغيب المعطي تتمّ العطيّة بامتياز، كما في حالة الميراث مثلاً، عندما لا يستطيع الميت أن يتلقّى أيّ شيء مقابل عطيّته. يقول جان-لوك ماريون في هذا الإطار أنّ "غياب المعطي المباشر ليس حاجزاً أمام العطيّة بل طريقاً بين العطيّة والمعطي والمُنعَم عليه"([2]). هنا تُختَزَلُ العطيّة بذاتها أي بالعطاء وتسمح برؤية ظاهرة العطيّة التي تُظهر ذاتها على أنّها تعطي ذاتها للمعطى له. ثانياً، عندما ينوجد المعطى له يغيب العطاء إذ يصبح مشروطاً، فالمتلقّي يريد أن يعطي شيئاً مقابل ما تلقّاه.  أمّا عندما أعطي وأجهل لمن أعطي فالمتلقّي لا يستطيع أن يردّ العطيّة وبالتالي لا يستطيع أن يعطي أيّ شيء مقابل هذه العطيّة، ولا حتّى أن يعترف بالجميل، وبذلك تتمّ العطيّة بامتياز. ثالثاً، عندما يعطي المرء شيئاً، عندما يعطي موضوعاً ذا قيمة ماديّة، يحتلّ هذا الموضوع كلّ المشهد الظواهري بكلّ خصائصه الأنطيّة المرئيّة. بالتالي يصبح هذا الموضوع أهلاً للامتلاك ولا يرى فيه المتلقّي سوى شيئٍ من بين الأشياء، موضوع من بين موضوعات هذا العالم يستطيع امتلاكه. فلا تتمّ العطيّة فعلاً إلّا عندما أعطي ما ليس موضوعاً كالحبّ ووقتي والأبوّة والاهتمام بالآخر، أو عندما أبذل حياتي في سبيل قضيّة، إلخ. مع هذه العطايا لا أعطي أشياءً بل أعطي ذاتي عينها، هذه الذات غير القابلة للتشييء وللموضعة.

من خلال هذا الاختزال الثلاثيّ يتحدّث جان-لوك ماريون عن "الظاهرة المُشبَعَة" حيث لا يلتقي المفهوم مع الحَدس بل يفوق هذا الأخير المفهوم. ويتحدّث عن درجات مختلفة من "الظاهرة المشبعة" منطلقاً من مقولات كانط ليقلبها. فالظاهرة المشبعة لا تخضع للقصديّة بحسب الكميّة وهذه الظاهرة هي الحَدَث الذي ينبثق من مصدر غير متوَقَّع ويعطيني ذاته انطلاقاً من ذاته، وهي غير قابلة لأن يتحمّلها المرء وهذه الظاهرة هي الصنم([3])، وهي مطلقة بحسب العلاقة وهذه الظاهرة هي الجسد[4] وهي غير قابلة للنظر إليها بحسب الـكيفيّة وهي الأيقونة[5]. أمّا الدرجة الخامسة من الظواهر المُشبعة التي تضمّ الظواهر الأربع الأخرى فهي الوحي.

  من هنا، يحدّد جان-لوك ماريون الذات التي تتلقّى وتستقبل هذه الظواهر. إنّها ما يسمّيه "المُعطى لذاته" adonné أي المعطى لذاته من خلال العطيّة ذاتها وبها. إنّ هذه الذات التي يتحدّث عنها لم تَعُد مؤسِّسة للظواهر ولا حتّى لذاتها لأنّها تستقبل ذاتها مع استقبالها لهذه الظواهر. إنّها الذات التي تختبر ذاتها من خلال اختبارها للظواهر وتختبر ذاتها إذ تتيح للظواهر بأن تكشف عن ذاتها من خلال ذاتها. تستقبل هذه الذات ذاتها ممّا يظهر وذلك لأنّها تجيب عمَّا يظهر. فانبثاق الظاهرة عنده هو مصدر الأنا التي تولد من هذا الانبثاق على أنّها معطاة لذاتها. الظاهرة المنبثقة نداء والأنا جواب عن هذا النداء. يقول جان-لوك ماريون في هذا الإطار: "إنّ النداء وليس الأنا، يقرّر ذاتي قبل ذاتي – الأنا ليست [موجودة] إلّا بقدر ما نادى بها النداء دائماً، وبالتالي إنّها معطاة لذاتها كأنا (...). ينتج عن ذلك ولادة المعطى لذاته، الذاتيّة المتوافقة كليّاً مع العطاء – التي تستقبل ذاتها كليّاً ممّا تستقبله، [إنّها] معطاة من المُعطى"([6]).

إنطلاقاً من مفهوم جان-لوك ماريون هذا للعطاء وللمعطى لذاته، نستطيع الإجابة عن سؤال "مَن أنا؟" معتبرين الأنا عطيّة بالنسبة إلى ذاتها، غير مؤسَّسَة على تفكيرها في ذاتها ولا على ذاتها عينها. إنّها أنا تستقبل ذاتها وتنفتح لاستقبال الظاهرة التي تعطاها كالآخر والحبّ. وتتجلّى هذه الأنا بشكلٍ خاصّ في فعل الحبّ إذ ينتقل جان-لوك ماريون في كتابه الظاهرة الإروسيّة. ستّة تأمّلات من الـ"أنا أفكّر إذن أنا موجود" إلى الـ"أنا أحبّ إذن أنا موجود". أنا أحبّ ما يكشف لي عن ذاته ويتجلّى لي من حيث لا أدري كظاهرة مشبعة خارج مبدأ العلّة الكافية ومبدأ اللاتناقض، أي خارج مبادىء الميتافيزيقا وخارج الأنطولوجيا وقواعدها وحدودها، وذلك لأنّي أختبر ذاتي في فيض لا أستطيع الإحاطة به. أنا أتلقّى العطيّة وأتلقّى ذاتي مع هذه العطيّة أمام وجه الآخر وأمام الفنّ وأمام كلّ ظاهرة لا تُختزل بالموضوعات، أمام كلّ ظاهرة تلمسني في صميم ذاتي. 

  أضف إلى ذلك أنّ هذه الأنا هي أنا متجسّدة، هي جسد يختلف عن الجسم الذي يتميّز بجموده. فأجسام العالم لا تشعر الواحد بالآخر، إنّها موضوعات الحواس. أمّا جسدي أنا وبما هو جسد فيتميّز عن هذه الأجسام بقابليّته على التأثّر وبتأثّره بذاته وبما يختلف عنه ويخرج عنه. يتميّز جسدي باستقباله ذاته من الآخر ومن نداء الآخر، ويتميّز باختباره لذاته كما في الألم والفرح والتمتّع والحبّ.

  "من أنا؟" أنا ذات قابلة للتأثّر، تختبر ذاتها داخليّاً وتعجز عن تحديد ذاتها بطريقة موضوعيّة كما تحدّد الموضوعات من خلال التفكير فيها والنظر إليها. أنا ذات تعيش داخل ذاتها، تعيش انبثاق الحياة اللامرئيّة فيها في كلّ آن، أنا ذات تختبر في ذاتها فيض ذاتها على ذاتها.   

 

 

الدكتورة باسكال تابت، متخصّصة في الفلسفة الغربيّة المعاصرة – الفينومينولوجيا. أستاذة محاضرة في الجامعة اللبنانيّة، وفي جامعة القدّيس يوسف، وجامعة الروح القدس – الكسليك، وفي الجامعة الأنطونيّة.

([1])  René DESCARTES, Méditations métaphysiques. Objections et réponses suivies de quatre lettres, chronologie, présentation et bibliographie de Jean-Marie BEYSSADE et de Michelle BEYSSADE, Paris, GF-Flammarion, 1992, p. 81.

([2]) Jean-Luc MARION, L’idole et la distance. Cinq études, Paris, Grasset, « Figures », 1977, p. 159.

([3]) تجدر الإشارة هنا إلى أنّ جان-لوك ماريون يقصد في هذا النوع من الظواهر مرئيّاً يبهر نظرنا فلا يستطيع تحمّله، أو بالأحرى يقصد به لامرئيّاً يُشبِع بمجده. في هذه الظاهرة فيضٌ من الضوء يتخطّى بلا حدود ما يتحمّله النظر. وفي هذه الدرجة من الظاهرة المُشبَعَة يضع جان-لوك ماريون فنّ الرسم واللوحة التي أنظر إليها من دون أن أراها أي من دون أن أتمكّن قطّ من الاحتفاظ بها والسيطرة عليها بنظري. في اللوحة فيض من المرئيّ الذي يبهرني لأنّه يحرّر نظري من الموضوعانيّة التي اعتاد علىيها. عندما أنظر إلى اللوحة لا أنظر إلى موضوع أستطيع أن أحدّه في زمان ومكان بل هي تقول وتُظهر أكثر ممّا يحتمل نظري. إنّها تكشف اللامرئيّ.

([4]) يتميّز الجسد chair, Leib، عن الجسم  .corps, Körper لقد قام هوسرل بهذا التمييز في كتابه تأمّلات ميتافيزيقيّة ليدلّ على أنّ الجسد هو "الجسم الخاص"، جسم الإنسان الذي فيه دائماً أكثر ممّا ندركه فيه والذي ومن خلاله يتمّ اللقاء البينذاتي، اللقاء مع الآخر. فالجسد لا يُختزل بالجسم الذي يدلّ على الموضوعات أكثر ممّا يدلّ على الإنسان الحيّ. لقد استمرّ ظواهريّون مثل ميرلو-بونتي وميشال هنري وجان-لوك ماريون بهذا التمييز، كلّ منهم مضيفاً على مفهوم الجسد شيئاً جديداً يميّزه عن الآخرين.

([5]) أمام الأيقونة، بحسب جان-لوك ماريون، لست أنا من أنظر إليها بل أشعر أنّني أنا تحت نظرها. فهي ليست موضوعاً بل فيها فيضٌ من المعنى والمجد.

([6])Jean-Luc MARION, Étant donné. Essai d’une phénoménologie de la donation, troisième édition corrigée, Paris, PUF, «Quadrige», 2005, p. 373.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق