لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة آسيا المهتار- قيس

الإسلام والديموقراطيّة: إشكاليّة العلاقة بين الشورى والديموقراطيّة

المقدّمة

تسلّط هذه الدراسة الضوء على الديموقراطيّة وعلى الشورى وطبيعة العلاقة بينهما والمحطّات المشتركة التي تجمع بينهما.

تكمن إشكاليّة الدراسة في طبيعة العلاقة بين الشورى والديموقراطيّة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ المعاصر، وفي إدارك مضمون هذه العلاقة من حيث كونها تواصليّة أو تصادميّة خاصّةً وأنّ المفكّرين المسلمين انقسموا حيال هذه المسألة بين المعارضة والتأييد والتحديث في ظلّ أزمة الحكم في العالم الإسلاميّ الذي لم يتمكّن بعد من الوصول إلى التوازن بين الأصالة أو المحافظة والمعاصرة أو بين القديم والحديث.

مرّ العالم بعد الحرب العالميّة الثانية بتحوّلات هامّة، إذ إنّ العديد من الدول الكبرى تحوّلت إلى الديموقراطيّة ( ألمانيا، إيطاليا...). كما أنّ سقوط حائط برلين 1989 وانهيار الاتحاد السوفياتيّ أدّيا إلى موجة تحوّلات إلى الديموقراطيّة في أوروبا الشرقيّة. هنا عدّة أسئلة تطرح نفسها:

هل المنطقة العربيّة هي مرشحة لتحوّلات سياسيّة مستقبليّة وإلى حدّ تتقبّل المجتمعات الإسلاميّة "الديموقراطيّة الغربيّة"، وإلى أيّ حدّ تتقبّل قيادتها السياسيّة تطبيق ذلك، وهل مازالت الشورى مؤهّلة لطرح نموذج إسلاميّ من دون التأثّر بالديموقراطيّة؟

تكمن أهميّة هذه الدراسة في كونها تتناول موضوعاً جدليّاً ومعقّداً في ظلّ الأزمات في البلاد العربيّة، وفي ظلّ أزمة انتشار ظاهرة العولمة وتداعياتها وسيادتها على المجتمعات كافّة بما فيها المجتمعات العربيّة، خاصّةً بعد تسارع التحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة وتقارب المسافات بين الشعوب والثقافات، فكيف يمكن التصدّي لتأثير العولمة من دون المساس بالأسس الدينيّة والثقافيّة الإسلاميّة (مبدأ الشورى)، خاصّةً وأنّ الانعزال غير ممكن في ظلّ ثورة وسائل التواصل الاجتماعيّ؟

نقاط الدراسة الأساسيّة

  1. تحديد مفهومَي الشورى والديموقراطيّة ومعرفة نقاط التلاقي ونقاط الاختلاف بينهما.
  2. تتّبع الجذور التاريخيّة لمبدأ الديموقراطيّة.
  3. حقوق الإنسان في الإسلام: خاصّةً ما يتعلّق بغير المسلمين.
  4. حقوق الإنسان بعد الثورة الفرنسيّة.
  5. موقف العلماء المسلمين من هذين المفهومين.
  6. عمليّة التصدّي التنويريّة لتأثير العولمة:

أ) محو الأميّة.

ب) التنميّة في سائر أطرها.

ت) توسيع المشاركة السياسيّة لجميع الفئات الاجتماعيّة على مختلف وجوهها.

ث) دور المؤسّسات التربويّة في إعداد مواطن الغد: حقوق وواجبات.

إنّ المنهج المتَّبع في هذه الدراسة هو المنهج الوصفيّ/التاريخيّ التطوّريّ.

أولاً: مفهوم الشورى

الشورى والمشاورة والمشورة هي مصادر لفعل شاور. وقد جاء في لسان العرب لابن منظور أنّ كلمة شورى تعني معرفة حقيقة أمر ما من خلال عرضه على أصحاب الرأي والحكمة. أمّا في محيط المحيط لبطرس البستاني فقد وردت كلمة "شاورهُ" أي طلب منه الرأي والمشورة. أمّا قاموس المنجد في اللغة والإعلام فقد جاء فيه شاوره في الأمر أي طلب منه المشورة.

وأمّا الشورى اصطلاحاً فإنّها تعني استطلاع رأي المسلمين في جميع الأمور التي تهمّهم من أجل الوصول، إلى الرأي الذي يعتقد أنّه يحقّق مصلحة المسلمين شرط ألّا يتعارض وقواعد الشريعة الإسلاميّة.

جاءت مصادر الشورى محصورة في القرآن الكريم بقوله تعإلى: ﴿وشاورهم في الأمر﴾ ( آل عمران 159) والسنّة الشريفة وفي إجماع علماء الأمّة وقد وضع لهم العلماء صفاتٍ وشروطاً يجب أن يتحلّوا بها وهي: العقل، الحكمة، حسن الدين، الشجاعة، الفطنة، الاستقامة. أمّا اختيارُهم فيكون إمّا بالانتخاب أو بالتعيين كلّ ذلك بما يتناسب وظروف المجتمعات.

من المعلوم أنّ الشورى تكون في المواضيع التي لم ينزل بها نصّ، لكنّ العلماء اختلفوا حول خصوصيّتها، هل هي خاصّة بالأمور الدنيويّة أو بالأمور الدينيّة... 

وردت الشورى في الأحاديث النبويّة: " ما خاب من استخار ولا ندم من استشار ولا عال من اقتصد، وما تشاور قوم قطّ إلاّ هداهم الله لأفضل ما يحضرهم" ( صافي. خ، 2009، ص. 103). هذا يعني أنّ الشريعة هي حكم ألله والشورى هي رأي الأمّة، وتعتبر أحد أركان النظام السياسيّ الإسلاميّ.

وهكذا وضع الإسلام مبادئ أساسيّة لنظام الحكم وترك لأهل الحكمة والمشورة باب الاجتهاد مفتوحاً في كثير من القضايا والتطبيقات التي تتطوّر بتبدّل عاملَي الزمان والمكان، ومن هذه المبادئ مبدأ الشورى في الحكم.

الشورى ضرورة إنسانيّة في جميع المجالات الاجتماعيّة والسياسيّة والعلاقات الفرديّة وقال عليه السلام: ﴿إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه﴾. وهي في النظام السياسيّ في الإسلام من لوازم الإيمان بالله تعإلى. يقول عزّ وجل: ﴿والذين استجابوا لربّهم وأقاموا الصلاة أَمرُهُم شورى بينهم وممّا رزقناهم ينفقون﴾ (الشورى 38). وهكذا تصبح الشورى في الدرجة الثالثة في المجتمع الإسلاميّ بعد الإيمان والصلاة. وتُعدّ الشورى وسيلة لتحقيق العدل وإقامة حكم الله في الأرض، باعتبار أنّ النظام السياسيّ يرفض جميع أشكال الحكم الاستبداديّ.

أمّا تفسير سورة الشورى الآية (38) للشيخ أحمد خطيبة:  من صفات المؤمنين: أنّ أمرهم شورى بينهم، والاستشارة تكون بعد الاستخارة، والعزم يكون بعد الاستشارة، وإذا عزم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على أمر بعد المشاورة فليس له أن يرجع عنه، ويقتدي ولي الأمر به في ذلك، وقد شاور النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه في مواطن كثيرة منها: غزوة بدر، وغزوة أحد، وحادثة الإفك، وغيرها.

وممّا يجدر ذكره أنّ رسول الله لم يعتمد أسلوباً واحداً في الشورى "وكما أنّه لم يرد نصّ قرآنيّ أو حديث نبويّ يبيّن كيفيّة ممارسة الشورى والتزامها..." ( صافي. خ، ص. 104). هنا فُتح باب الاجتهاد المتعلّق بالمسائل السياسيّة والاجتماعيّة الخاضعة لتطوّر العلم المبنيّ على العقل.

وقد اتّخذ مبدأ إلزاميّة الشورى للحاكم ثلاثة اتّجاهات:

  1. "إلتزام مبدأ الشورى والعمل بمقتضاياته.
  2. الأخذ بالشورى ليس واجباً على الحاكم، باعتبار أنّ الشورى منتدبة ولهم في ذلك اجتهادات.
  3. الشورى واجبة في القضايا العامّة (سنّ القوانين، إعلان الحرب...). أمّا في القضايا الخاصّة والأمور المستعجلة يجوز للحاكم تركها" (القطاطشة. م، 2004، ص. 276).

ومن المواضيع الشائكة والمعقّدة والجدليّة، موضوع أهل الشورى والحلّ والعقد خاصّةً في ظلّ الافتقار إلى الآيات والأحاديث التي تحدّد صفات أولئك الذين يجب أن يستشاروا. فبعضهم اعتبرهم الأعيان، النواب، العلماء...

تجدر الإشارة إلى أنّه ليس في النصوص القديمة عند المسلمين نصوص تهتمّ أو تعالج موضوع الحكم أو الشورى وما وجد فلا يتعدّى العموميّات المكرّرة بآيتي الشورى أو التشبّه بالفترة النبويّة وما أعقبها في حقبة الخلفاء الراشدين.

هنا لا بدّ من التنويه بكتاب الماوردي "الأحكام السلطانيّة" في إرساء دعائم الفقه السياسيّ (الخلافة، الوزارة، الإمارة، الخراج، الحسبة...)، وكذلك بتطوّر الفكر السياسيّ مع ابن خلدون " علم العمران".

ثانياً: مفهوم الديموقراطيّة

تشتقّ كلمة الديموقراطيّة من اللغة اليونانيّة Démoskratos وتعني حكم الشعب للدلالة على النظم السياسيّة الموجودة آنذاك في المدن اليونانيّة وخاصّةً أثينا.

الديموقراطيّة شكل من أشكال الحكم يشارك فيه جميع المواطنين على قدم المساواة إمّا مباشرةً أو من خلال ممثّلين عنهم منتخبين من قبلهم. وهي تشمل الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي تمكّن المواطنين من الممارسة الحرّة والمتساوية لتقرير المصير.

الديموقراطيّة هي حكم الأكثريّة لكنّ النوع الشائع منها هو " الليبراليّة" التي توفّر حماية للأقلّيّات والأفراد من طريق تثبيت القوانين في دستور الدولة، وتحقيق التوازن بين مصالح الأكثريّة ومصالح الأقليّة وكذلك التوزان بين السلطات التشريعيّة والتنفيذيّة والقضائيّة وبين المناطق وبين السلطات الدينيّة والدينويّة.

من خلال تعريفات الديموقراطيّة نتبيّن أنّ النظام الديموقراطيّ يقوم على المبادئ التالية:

  • سيادة الشعب
  • الشعب مصدر الشرعيّة
  • الحكومة مسؤولة أمام البرلمان (المساءلة).

وهكذا فإنّ النظام الديموقراطيّ يقوم على مجموعة من التدابير والإجراءات بهدف بناء مواطن قادر على المشاركة في صنع القرار، نذكر منها:

  • دستور مكتوب
  • مجلس نيابيّ منتخب
  • تداول السلطة
  • إنتخابات دوريّة
  • فصل السلطات
  • تعدّديّة سياسيّة
  • ضمان حرّية التعبير
  • حرّية الرأي
  • حرّية إنشاء الأحزاب والنقابات
  • التسامح الفكريّ والدينيّ
  • المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين
  • المشاركة السياسيّة

تتغيّر خصائص النظام الديموقراطيّ وأهميّته وآليّات تطبيقها من عصر إلى عصر وتبعاً لتطوّر المجتمع على مستوياته كافّة.

ثالثاً: جدليّة الديموقراطيّة في الفكر الإسلاميّ

يعتبر سقوط الدولة العثمانيّة وإلغاء الخلافة الإسلاميّة، على يد مصطفى كمال، نقطة التحوّل في تاريخ الدول العربيّة  والإسلاميّة جرّاء تقسيم المنطقة بين فرنسا وبريطانيا تطبيقاً لاتّفاقيّة سايكس- بيكو وما رافق ذلك من ثورات ومطالبات بالاستقلال ورفع الظلم والاستبداد.

تزامن ذلك مع بروز النخب الفكريّة التي حاربت الاستعمار الأوروبيّ وحاولت الخروج من التخلّف الذي يلفّ العالم العربيّ. وكانت مهمّة هذه النخب العمل على التجديد والتطوير الفكريّ والثقافيّ ومواكبة تطوّرات العصر في مجالات العلم والمعرفة والتكنولوجيا... مع المحافظة على خصوصيّة الحضارة العربيّة والإسلاميّة.

لقد انقسم العلماء المسلمون إلى عدّة تيّارات حول الاقتباس عن الغرب في ما خصَّ الديموقراطيّة فمنهم مَن أيّدَ ومنهم عارض ومنهم من ناصر الأخذ عن الغرب شرطَ ألّا يتعارض مع القيم الإسلاميّة.

سنكتفي باستعراض تقسيمين اثنين  ونبيّن أوجه التشابه والاختلاف بينهما:

  1. يقول عبد المجيد الشرقي "نقف في البداية عند فكر روّاد النهضة قبل أن نستعرض التيّار السلفيّ ثمّ التيّار التحديثيّ" ( الشرفي. ع، 2009، ص.171).

أ) روّاد النهضة: يعتبر الطهطاوي أوّل من كتب في السياسة في العصر الحديث وقد تأثّر إلى حدّ كبير بالفكر الأوروبيّ خاصّةً Jean Jacques Rousseau وMontesquieu. وترجم الميثاق الدستوريّ الفرنسيّ الذي اعتبره منظِّماً للعلاقة بين الدولة والشعب. هذا الميثاق هو ثمرة جهد إنسانيّ هدفه تأمين ما يحتاج إليه الإنسان في معيشته ووجوده وسعادته، وهو قائم على العدل والإنصاف وراحة العباد والإعمار. لذلك فهو لا يتعارض مع الإسلام بل يحقّق قيَمهُ.
نادى الطهطاوي بالفصل بين السلطات، وتحدّث عن الانتخابات وشروط الترشّح وتكوين المجالس النيابيّة وعن الحقوق المدنيّة والمساواة بين المواطنين وحرّية الرأي والمعتقد. إضافةً إلى الطهطاوي، نذكر الوزير خير الدين التونسي الذي أكّد ضرورة الاقتباس عن الغرب وتنظيماته القائمة على العدل السياسيّ والأمن. وهو يرى أنّ ذلك رجوع إلى الإسلام الحقيقيّ. ودعا إلى تقييد سلطة الحكّام وإلى ضرورة مشورة أهل الحلّ والعقد. وتحدّث عن الحقوق المدنيّة وعن الحرّية السياسيّة وحرّية الرأي، كما دعا إلى ضرورة تغيير أنظمة الحكم في الدول الإسلاميّة تدريجياً ومواكبة تطوّر الصناعات والتكنولوجيا الحديثة.

إنّ هاجس هؤلاء المفكّرين هو مقاومة الاستبداد الذي كان يطغى على أنظمة الحكم في مختلف الأقطار الإسلاميّة ودفعهم إلى المطالبة بقيام نظام حكم على غرار النموذج الغربيّ باعتباره السبيل لخروج الأمّة الإسلاميّة من التخلّف.

ب) التيّار الدينيّ السلفيّ: بدأ هذا التيّار مع الشيخ محمّد عبده الذي اهتمّ بالإصلاح الأخلاقيّ والاجتماعيّ أكثر من اهتمامه بالإصلاح السياسيّ، وكانت له آراء جريئة في هذا المضمار، أبرزها ما يتعلّق بمدنيّة الحكم في الإسلام "الأمّة هي التي تختار الخليفة أو الحاكم وتخلعه عندما يخالف مصالحها، من هنا فهو حاكم مدنيّ وليس ظلّ الله على الأرض" ( الشرفي. ع، 2009، ص.179). تحدّث الشيخ عبده عن الشورى واجبًا شرعيًّا، لكنّ كيفيّة إجرائها غير محصورة بطريقة معيّنة. من هنا لا حرج في الاقتباس عن الغرب إذا كان في ذلك نفع وفائدة يعودان على الأمّة. لكنّه لم يدخل في التفاصيل المتعلّقة بتنظيم الشورى، بل حدّد بعض المبادئ التي ينبغي أن يخضع لها تعيين أولي الأمر: كبار العلماء، الأطبّاء، القضاة، كبار التجّار، المحامون... تحدّث عن حقّ الأمّة في الانتخاب من دون ترهيب ولا ترغيب...

تبدّلت الآراء مع تلاميذ محمّد عبده ومن خلفهم، فظهر  التيّار الإسلاميّ المتشدّد الذي كان يدعو إلى إحياء الخلافة الراشدة ولم يتأثّر بالقيم الجديدة الواردة من الغرب، واعتبر أنّ الشورى واجبة على الحاكم في النظام الإسلاميّ.

وكانت جماعة الأخوان المسلمين التي أسّسها حسن البنّا أبرز الحركات التي دعت إلى إقامة سلطة إسلاميّة أو حكومة إسلاميّة يكون القرآن دستورَها الأعلى وحكومة شورى مقيّدة بالشريعة ولكنّها ليست حكومة ديموقراطيّة، وهي حكومة إمامة أو خلافة وتختلف بذلك عن النظام الجمهوريّ وعن النظام الملكيّ.

إتّخذ التيّار الدينيّ منهجاً جديداً مع السيّد قطب أدّى بالمتأثّرين به إلى مجابهة الأنظمة السياسيّة القائمة وإلى مواجهة مع المجتمع المدنيّ الحديث كلّه.

وهكذا نجد أنّ التيار الدينيّ بدأ منفتحاً مع الشيخ محمّد عبده، وانتهى متصلّباً مع الأخوان.

ت) التيّار التحديثيّ: شدّد التيّار التحديثيّ على ضرورة الاقتباس عن الغرب وفصل الدين عن الدولة. وانطلق أصحاب هذا التيّار من فكرة أنّ الإسلام لم يحدّد نطاقاً معيّناً للحكم. وبالتالي "لا شيء في الدين يمنع المسلمين من أن يسابقوا الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة... وأن يهدموا ذلك النظام العتيق... وأن يبنوا قواعد ملكهم على أحدث ما أنتجت العقول البشريّة..." (الشرفي. ع، 2009، ص.194).

وظهرت عدّة كتابات مؤيّدة لهذا التيّار أبرزها كتاب خالد محمّد خالد  من هنا نبدأ ، هاجم فيه مَن سمّاهم بالكهنة أي الذين يكرّسون باسم الدين الجهل والإيمان بالخرافات والتخلّف والفقر. ودعا الحكومات إلى التخلّص من هذه الكهانة وتنقية الدين من شوائبها. واعتبر أنّ مزج الدين بالدولة فقدان للدين والدولة.

يعتبر التيّار التحديثيّ أنّ الدين "عبارة عن حقائق ثابتة وخالدة، بينما الدولة نظم تخضع لعوامل التطوّر والتبدّل الدائم وأنّها عرضة للسقوط والهزائم والاستعمار" (الشرفي. ع، 2009. ص.196). وهاجم الحجّة التي تدعو إلى إقامة حكومة دينيّة تكفل القضاة على الرذائل، معتبراً أنّ نفوذ الدين وأثره في مكافحة الرذيلة يكون من طريق تربية النفوس على التسامح والرفق بالآخر.

ونخلص القول إنّ التيار التحديثيّ اهتمّ بمحتوى الدولة الاقتصاديّ والاجتماعيّ على عكس التيّار السلفيّ الذي اعتبره ثانوياً. كذلك دعا إلى مواجهة الخصم بسلاحه أي بالعمل والتطوّر على جميع الأصعدة.

2) ننتقل إلى التقسيم أو التصنيف الثاني لآراء المفكّرين المسلمين حول مبدأ الديموقراطيّة.

أ)   مفكّرو عصر النهضة (القرن التاسع عشر حتّى ثلاثينيّات القرن العشرين).

ب) الأخوان وتضييق الفجوة بين المفهومين.

ت) التيّار الرافض للديموقراطيّة.

أ)   مفكّرو عصر النهضة: شهد عصر النهضة الذي امتدّ من القرن التاسع عشر من ثلاثينيّات القرن العشرين، ضعف الدولة العثمانيّة ومن ثمّ انهيارها بعد الحرب الكبرى وتقاسم البلدان التي كانت خاضعة لها، وزوال الخلافة الإسلاميّة.

برز دور المفكّرين والنخب الثقافيّة الإسلاميّة التي عملت على محاربة الاستعمار الأوروبيّ والتخلّف الذي لفّ العالم العربيّ.

ويعدّ الطهطاوي من أبرز المفكّرين الذين تأثّروا بالفكر الأوروبيّ (Rousseau et Voltaire). درس علم المنطق والفلسفة ودعا إلى ضرورة وجود حقوق إنسانيّة يتمتّع بها الفرد - المواطن: حقّ الحياة، حقّ الحرّية، حقّ الملكيّة، حقّ التعبير، إنشاء الأحزاب السياسيّة... حدّد حرّية وظائف الحكّام وصلاحيّاتهم ودعا ولاة الأمر إلى الاهتمام بالزراعة والتجارة لأنّها توفّر فرص العمل وتحسّن الأوضاع الاقتصاديّة لدى عامّة الناس. كذلك دعا إلى الاهتمام بالتربية وبناء مواطنين يدافعون عن الوطن. وحثّ العلماء على تفسير الشريعة في ضوء حاجات المجتمع.

كذلك برز المشروع الإصلاحيّ لردم الهوّة بين الشورى والديموقراطيّة الغربيّة مع خيرالدين  التونسيّ من خلال تشكيل مجالس نيابيّة وإجراء الانتخابات ووجود دستور يضمن حقوق الأفراد. أمّا جمال الدين الأفغاني فقد اعتبر أنّ الحكم الفرديّ المطلق يساوي الجهل والتخلّف، وأنّ نظام الشورى أصلح للأمّة. ودعا إلى إعداد نظام تربويّ هدفه إنتاج العقول بعيداً عن التقليد، ووجد ضرورة في الإصلاح السياسيّ والثقافيّ وفي محاربة الجهل والاستبداد والتشديد على العلم والتعلّم.

يقول ألبير حوراني في هذا المجال "لا يخاطب الأفغاني فقط إخوانه المسلمين لينقذهم من الأفكار الضالّة... بل يخاطب أيضاً عالم أوروبّا المتعلّم... يريد هدم الآراء الخاطئة التي تبنّاها  المسلمون ودحض الانتقادات التي يواجهها إليهم الأوروبيّون" (حوراني، أ. 1997، ص.129)، أمّا محمّد عبده تلميذ الأفغاني فدعا إلى بناء المدارس على النمط الغربيّ لقيام بيئة خصبة لإنتاج العلوم العقليّة الدنيويّة تتناسب مع المبادئ الإسلاميّة المستنيرة.

لقد حاول المزاوجة بين الديموقراطيّة ونظام الشورى والنظام البرلمانيّ وذلك من خلال اختيار الشعب لأهل الحلّ والعقد ونوّابه. وعمل محمّد عبده على خلق مقاربات بين المنفعة والمصلحة، وبين الشورى والديموقراطيّة.

من جهة أخرى دعا محمّد رشيد رضا إلى التجديد الثقافيّ والاجتماعيّ، وحدّد لأهل الحلّ والقعد مسؤوليّة القيام بالتجديد شرط ألّا يتعارض مع أصالة القيم الإسلاميّة. واعتبر أنّ التجديد أسهل في الأمور الدنيويّة (أدب، علوم، فنون، لغة...) منه في الأمور الفقهيّة والشرعيّة. وشدّد على حقوق الأقلّيات وحقوق المرأة في المجتمع الإسلاميّ.

ب) الأخوان وتضييق الفجوة بين المفهومين: تأسّست جماعة الأخوان العام 1928 بقيادة الشيخ حسن البنّا، وهي حركة سلفيّة تقوم على العودة إلى جذور الإسلام الأصليّة والتزام كتاب الله وسُنّة رسوله. وتدعو إلى الإصلاح والتغيير في أنظمة الحكم بالطرق السلميّة، وشعارها الإسلام دين ودنيا. وقد انطلق الشيخ البنّا من مشروعه الحداثة الإسلاميّة والذي يهدف إلى إقامة دولة إسلاميّة على أساس العدالة الاجتماعيّة.

يعتبر البنّا أنّ النظام الشوريّ هو نظام ربّانيّ على عكس الأنظمة الأخرى الوضعيّة المقيّدة بالجغرافيا والقوميّة. وإنّ الشورى من حقّ الأمّة. ومن حقّ الأمّة الإسلاميّة مراقبة الحكم. ويرى أنّ نظام الحكم النيابيّ لا يتعارض مع المبادئ التي وضعها الإسلام لنظام الحكم خاصّة ً وأنّ النظام يرتّب طريقة وصول أهل الحلّ والعقد الذين يمثّلون الأمّة.

إنّ نظام الحكم في الإسلام بحسب البنّا يقوم على ثلاث دعائم: " مسؤوليّة الحاكم ووحدة الأمّة واحترام إرادتها، لكنّ احترام إرادتها لا يعني التخلّي عن مجتمع التنوّع والاختلاف..." (صافي. خ، 2009، ص.112).

يعتبر المفكّر السودانيّ حسن الترابي أنّ التجديد ضرورة شرعيّة بسبب تغيّر الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة للعرب المسلمين. لكنّ هذا لا يعني التقليد الأعمى للمؤسّسات الغربيّة، بل تكييف المؤسّسات مع التجديد والتطوير. وقد استخدم مصطلحات غربيّة "الديموقراطيّة، الحداثة..."، باعتبار أنّ الإسلام يتطوّر عند استخدام المعاني الجديدة.

ومن جهة أخرى، يُعتبر راشد الغنوشي رائد الحركة الإسلاميّة التحديثيّة، الذي عمل على إقامة التوازن بين أصالة الإسلام وقدرته على مواكبة التطوّر والتكنولوجيا الحديثة. وشدّد على أهميّة حقوق المواطن في المجتمع الإسلاميّ لاسيّما حقوق غير المسلمين، وعلى بناء مجتمع مسلم ناضج وواعٍ بعيداً عن العنف، واعتبر أنّ الديموقراطيّة هي الطريقة الفضلى لتداول سلميّ للسلطة، وقد تطرّق بعض المفكّرين المسلمين المعتدلين إلى مواصفات الدولة الإسلاميّة المعاصرة ولاية الأمّة، مجتمع مسؤول وناضج، - الحرّية والمساواة بين الناس أمام القضاء والقانون بغضّ النظر عن العرق والجنس والدين...

ت) التيّار الرافض للديموقراطيّة: ظهر العديد من الكتب والدراسات التي تعارض الديموقراطيّة وترفضها باعتبارها نظاماً وضعياً غير إسلاميّ، يستمدّ جذوره من الأنظمة الغربيّة، وبالتالي لا يمتّ إلى الإسلام بصلة.

يقوم النظام الإسلاميّ على العقيدة، ودستوره مبنيّ على الشريعة. أمّا الديموقراطيّة فهي من أنظمة الكفر لأنّها تجعل التشريع بيد البشر، وتقوم على مجموعة من الحرّيات العامّة (الاعتقاد، الرأي، التعبير...)، وتسمح وتضمن التعدّديّة السياسيّة والثقافيّة وتعتنق مبدأ الفصل بين الدين والدولة. أمّا في الإسلام فإنّ المسلم مقيّد بأحكام الشريعة، ولا ترخيص للأحزاب السياسيّة التي تتبنّى إيديولوجيات تتعارض أهدافها مع الإسلام.

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الكثير من الدراسات صنّفت آراء المفكّرين المسلمين بين معارض ومؤيّد من دون الدخول في تحصيلها.

يعلّق برهان غليون على إمكانيّة نشوء ديموقراطيّة إسلاميّة بقوله:" ليس المطلوب منّا البرهنة على أنّ هناك ديموقراطيّة في الإسلام أو في الإسلام ديموقراطيّ بالهويّة... المطلوب تبنّي برنامج ديموقراطيّ مؤسّس جزئياً أو كلياً على مبرّرات إسلاميّة دينيّة ودنيويّة..." (غليون والعوا، 2004، ص.94).

نخلص إلى القول بأنّ التحديد أمرٌ ضروريّ لا في الإسلام بل في المسلمين هو تجديد للفكر الإسلاميّ ليواكب التطوّرات لا تجديد الدين الإسلاميّ، وعلى العلماء القيام بدور فعّال في هذا المجال وعدم الانغلاق والجمود لكن ربط العلوم الدينيّة بالحداثة.

رابعاً: مقاربة بين حقوق الإنسان في الإسلام وحقوق الإنسان العالميّة

إقتراحات من أجل النهوض بالعالم العربيّ

بعد دراسة مفهوم الشورى ومفهوم الديموقراطيّة والجدليّة القائمة بين المفهومين، يتبيّن أنّه لا بدّ من التجديد في الفكر الإسلاميّ ليواكب التطوّرات وذلك من خلال التواصل والانفتاح، لأنّ الانعزال غير ممكن في ظلّ ثورة وسائل التواصل الاجتماعيّ. ذلك من خلال:

  1. التشديد على القيم الجامعة (الصدق، العدل، حماية الآخر...).
  2. ربط العلوم الدينيّة بالحداثة.
  3. توسيع المشاركة السياسيّة لتشمل جميع الفئات الاجتماعيّة.
  4. التشديد على التربية وخاصّةً التربية المواطنيّة التي تجمع بيت التربية المدنيّة والوطنيّة.
  5. حماية الأقليّات الدينيّة وهذا ما شدّد عليه القرآن.
  6. التشديد على التعليم وبناء المدارس ومحو الأميّة لمواجهة العالم الغربيّ وقيام بيئة خصبة لإنتاج العلوم العقليّة.
  7. تحسين الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة وتأمين فرص عمل.
  8. إقامة التوازن بين أصالة الإسلام وقدرته على مواكبة التطوّر.
  9. التشديد على حقوق الإنسان في المجتمع الإسلاميّ لاسيّما حقوق غير المسلمين وحقوق المرأة.
  10. بناء مواطن يدافع عن وطنه.
  11. تعليم المرأة للنهوض بالمجتمع لأنّ المجتمع ينمو ويتطوّر بجميع أبنائه.
  12. الأخذ بأفكار مفكّري عصر النهضة الذين بنوا الفكر الإسلاميّ الحديث والمعاصر.

الخاتمة

الشورى والديموقراطيّة مفهومان تقف وراء كلّ منهما فلسفة مختلفة عن الأخرى. على الرغم من الفوارق بين المفهومين هناك بعض النقاط أو القواسم المشتركة التي يمكن على أساسها إيجاد نموذج سياسيّ يجمع في طيّاته سمات من المفهومين، خاصّةً أمام ما يشهده العالم من تحوّلات سريعة في الشؤون الاجتماعيّة والاقتصاديّة والإعلام والاتّصالات.

إنّ الديموقراطيّة نظام حكم قائم على التعدديّة والتسامح السياسيّ وفصل السلطات، أمّا الشورى فهو نظام سياسيّ إسلاميّ قائم على المبايعة والانتخاب والتسامح الدينيّ والسياسيّ والتواصل مع العالم الخارجيّ على أساس حماية مصالح العالم الإسلاميّ والتواصل الحضاريّ.

من ناحية المفهوم، نجد أنّ الشورى والديموقراطيّة تقفان على النقيض والاختلاف، فالشورى هي فلسفة إلهيّة المصدر، تستمدّ مبادئها من القرآن الكريم والسنّة النبويّة. أمّا الديموقراطيّة فتستمدّ جذورها من قوانين وضعيّة، من صنع البشر. إنّ مصدر السلطات في الأنظمة الديموقراطيّة هو الشعب.

بالرغم من هذه الفوارق، من الممكن التواصل بين المفهومين إذا اعتمدنا الديموقراطيّة نظامًا سياسيًّا: فصل السلطات، انتخابات، التعدديّة السياسيّة وليس كنظام اجتماعيّ ودينيّ.

نستنتج ممّا سبق الصعوبة في دراسة الشورى والديموقراطيّة، فهذه الصعوبة تكمن خاصّةً في نظام الحكم، فالتيّار الدينيّ يعتبر أنّ الحاكميّة لله، لذا وجب إقامة دولة الخلافة القائمة على الشورى، والتيّار ذو الصبغة التحرّريّة يدعو إلى الأخذ بالديموقراطيّة الغربيّة.

رأت تيّارات أخرى أنّ الشورى غير ملزمة، وبعضها اعتبر أنّ الحاكم مطالب باستشارة أهل العقد والحلّ وأنّ الشورى لها قوّة إلزاميّة.

وهكذا فإنّ باب الاجتهاد سيظلّ مفتوحاً ما لم نجد دولة إسلاميّة حقيقيّة أو دولة غربيّة ذات نظام سياسيّ ديموقراطيّ صحيح. ولا بدّ من التحديث ليس في الإسلام بل في الفكر الإسلاميّ.

 

المراجع والمصادر

  • القرآن الكريم

1 - الكتب باللغة العربيّة

  • الأنصاري، عبد الحميد. الشورى وأثرها في الديموقراطيّة. بيروت: المكتبة العصريّة. بدون تاريخ.
  • حريق، إيليا. (2001). الديموقراطيّة وتحدّيات الحداثة بين الشرق والغرب. بيروت: دار الساقي.
  • حوراني، ألبير. (1997). الفكر العربيّ في عصر النهضة 1798- 1939 ( ترجمة مريم عزقول). بيروت: نوفل.
  • السيد، رضوان. (2000). أزمة الفكر السياسيّ العربيّ. بيروت: دار الفكر المعاصر.
  • الشرفي، عبد المجيد. (2009). الإسلام والحداثة. ( ط 5). بيروت: دار المدار الإسلاميّ.
  • الطهطاوي، رفاعة. (1977). الأعمال الكاملة، تحقيق محمّد عمارة. المجلد 2. بيروت: المؤسّسة العربيّة للدراسات.
  • العريس، إبراهيم. (2011). حوارات النهضة الثانيّة. بيروت: منتدى المعارف.
  • غليون، برهان والعوا، محمد. (1998). النظام السياسيّ في الإسلام. (ط. 1). دمشق: دار الفكر.
  • الفنوستي، راشد. (1993). حقوق المواطنة: حقوق غير المسلم في المجتمع الإسلاميّ. (ط. 2). فيرجينيا: المعهد العالميّ للفكر الإسلاميّ.
  • فوكوياما، فرنسيس. الإسلام والحداثة والربيع العربيّ ( ترجمة حازم نهار). بيروت: المركز الثقافيّ العربيّ.
  • الكواري، علي. (2002). الخليج العربيّ والديموقراطيّة رؤية مستقبليّة لتعزيز المساعي الديموقراطيّة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربيّة.
  • ياسين، عبد السلام. (1996). الشورى والديموقراطيّة. الدار البيضاء: مطبوعات الأحق.

2 - المجلّات باللغة العربيّة

  • صافي، خالد. "إشكاليّة العلاقة بين الشورى والديموقراطيّة في الفكر الإسلاميّ المعاصر: دراسة مفاهيميّة". مجلّة جامعة الأقصى. المجلّد 13. 1، 95-130.
  • القطاطشة، محمّد. (2004). "جدليّة الشورى والديموقراطيّة: دراسة في المفهوم". مجلّة جامعة دمشق للعلوم الاقتصاديّة والقانونيّة.  المجلّد 20. 2، 269- 304.
  • الموصللي، أحمد. (2001). "جليات الشورى والديموقراطيّة". مجلّة المستقبل العربيّ. 265.

3 - المراجع الإلكترونيّة

  • منصور، فتحي. الإسلام والديموقراطيّة. تمّ الحصول عليه على الرابط: Passia.Org.www

 

1 - Les ouvrages:

  • Chebel, Malek.( 2009).L’Islam expliqué par Malek Chebel. Paris: Perrin.
  • Pironet, Olivier. (2007). Démocratie: chronologie historique. Paris: Le Monde Diplomatique.

مراجع مرتبطة بالموضوع يمكن الاستفادة منها

  • الأنصاري، عبد الحميد. الشورى وأثرها في الديموقراطيّة. (ط2). بيروت: منشورات المكتبة العصريّة. بدون تاريخ.
  • حريق، إيليّا. (2001). الديموقراطيّة وتحدّيات الحداثة بين الشرق والغرب. بيروت: دار الساقي.
  • العريس، إبراهيم. (2011). حوارات النهضة الثانية. بيروت: منتدى المعارف.
 

الدكتورة آسيا المهتار- قيس، أستاذة محاضرة في كلّيّة التربية – الجامعة اللبنانيَّة، تعليم الاجتماعيّات.

 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق