لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ

مفهومُ "ما بعد الإسلامويَّة": فرضيَّةٌ أم يقينٌ؟

مقدّمة

تضعُ نتائجُ الانتفاضاتِ العربيَّةِ والأوضاعُ العامّةُ في الشرقِ الأوسط، علاماتِ استفهامٍ متعدِّدة على صوابيَّةِ مفهومِ "ما بعد الإسلامويَّة" وسَدادِه. فقد عنَى المفهوم، بوصفٍ مبسَّط، أنْ ثمّةَ تغييراتٍ طرأتْ على "الإسلامويَّة" أدَّتْ إلى ولادةِ توجّهاتٍ تصبُّ في مصلحةِ الحداثةِ عمومًا والديموقراطيَّةِ خصوصًا، من دون أن يعني هذا تهميشَ الإسلامِ أو تجاوزَه. وقد رأى بعضُهم أنَّ الانتفاضاتِ ثبَّتَت تلك التوجّهاتِ التي طالما تميَّزت بها الدولةُ التركيَّة. غيرَ أنَّ المشهدَ العربيَّ والشرقَ الأوسطيَّ الراهنَ يدلُّ على تفاقمِ "الإسلامويَّة" وليس تحوّلِها الحداثيّ، وذلك لعدَّةِ أسبابٍ منها: المواجهةُ السعوديَّة - الإيرانيَّة التي تكتسبُ طابعَ صراعٍ سنيّ-شيعيّ؛ وبروزُ الحركاتِ الإسلامويَّةِ المتطرِّفةِ في البلدانِ العربيَّةِ التي انزلقَتْ إلى حروبٍ أهليَّةٍ تحوَّلَت إلى مواجهاتٍ إقليميَّةٍ ودوليَّة؛ وحالةُ المراوحةِ التي تسودُ المشهدَ السياسيّ العامّ. فما صوابيَّةُ الكلامِ بعدُ على "ما بعد الإسلامويَّة"؟

أوَّلاً: في معنى "الإسلامويَّة"

من المهمّ بدايةً، بغيةَ الإضاءَة على المسألة، توضيحُ المقصود بالمصطلحَيْن المستخدمَيْن: "الإسلامويَّة" و"ما بعد الإسلامويَّة". في ما خصَّ المصطلحُ الأوَّل- ومن مرادفاتِه الأكثرَ استخدامًا "الإسلام السياسيّ"- يُقْصَد به الحركةُ الفكريَّةُ السنيَّةُ التي بدأت مع حسن البنَّا (1906-1949) مؤسِّسِ جماعةِ "الإخوان المسلمين" في مصر العامَ 1928، ولاحقًا مع أبي الأعلى المودوديّ (1903-1979) مؤسِّسِ "الجماعة الإسلاميَّة" في الهند العامَ 1941؛ وأخيرًا في تركيا مع نجم الدّين أربكان (1926-2011) مؤسِّسِ "حزب النظامِ الوطنيّ" العامَ 1970، وحزبِ "رفاه" العام 1983، وهما حزبان حُظِّرا بتهمةِ انتهاكِ علمانيَّةِ الدولة. ويُضافُ إلى هذه اللائحةِ النزعةُ "السلفيَّة" التي تطوَّرت إبَّانَ القرنِ الثامنِ عشر وتنقسمُ تيَّارَيْن أساسيَّيْن: تيَّارًا فكريًّا سياسيًّا يمثّلُه جمال الدّين الأفغانيّ (1838-1897)، ومحمّد عبده (1848-1905) ورشيد رضا (1867-1935)، وحاولَ إعادةَ إحياءِ الدّين وبناءَ جسرٍ بين العالمِ الإسلاميّ والغرب؛ وتيَّارًا تقليديًّا متطرِّفًا يستمدُّ تعاليمَه من كتابات ابن حنبل وابن تيميّة ومحمّد بن عبد الوهّاب.

ومن ثمَّ، في العالمِ الشيعيّ، عنى المصطلحُ نفسُه الحركةَ الفكريَّةَ التي بدأَها في العراق محمّد باقر الصدر (1935-1980) مؤسّسُ "حزب الدعوة الإسلاميّة"؛ وفي إيران روح الله الخميني (1902-1989) قائدُ الثورةِ الإسلاميَّة العام 1979 ومؤسّسُ جمهوريَّةِ إيران الإسلاميَّة.

ليست "الإسلامويَّة" إذًا تيَّارًا واحدًا ينحصرُ في حقلٍ محدّدٍ أو مذهبٍ إسلاميٍّ واحد، بل هي عدَّةَ تيَّارات، قسَّمَها بعضُ الباحثين فئتَيْن أساسيَّتَيْن[1]: فئة أُولى تسعى إلى الإمساكِ بالسلطةِ السياسيَّةِ بغيةَ أسلمةِ الدولةِ والمجتمع؛ وفئة ثانية هدفُها تعزيزُ الممارساتِ الدينيَّةِ والأخلاقِ والعاداتِ وطرقِ الحياةِ المجتمعيَّةِ المتوافقةِ وأحكامِ الشريعة. وثمَّة أيضًا فئةٌ ثالثةٌ تخلطُ بين الفئتَيْن السابقتَيْن. كما وأنَّ موقفَ تيَّاراتِ الإسلامويَّةِ من حداثةِ الغربِ مختلف، فبعضُها تُبدي انفتاحًا على الحداثةِ وتبحثُ عن صيغٍ ديموقراطيَّةٍ إسلاميَّةِ الطابع؛ وبعضُها الآخر يرفضُ هذه الصيغ ويبحثُ عن مقوِّماتِ النهضةِ الإسلاميَّةِ في التقليدِ الإسلاميّ نفسه، وبوجهٍ خاصٍّ من طريقِ العودةِ إلى أصولِ الدِّين.

ثانيًا: في معنى "ما بعد الإسلامويَّة"

أمَّا مصطلحُ "ما بعد الإسلامويَّة" فقد استخدمَه في منتصفِ تسعينيَّاتِ القرنِ الماضي عالمُ الاجتماعِ الإيرانيّ آصف بيَات في سياقٍ اجتماعيٍّ صرف، أرادَ من خلالهِ عرضَ التغييراتِ التي شهدَها المجتمعُ الإيرانيّ بعدَ رحيلِ الإمامِ الخميني، والتي أدَّت في رأيه إلى حركةِ الإصلاحِ أواخر تسعينيَّاتِ القرنِ المذكور[2]. غيرَ أنَّ عددًا من الخبراء، منهم أوليڤييه روا[3]، فهموا المصطلحَ بدايةَ زمنٍ جديد، أي زمنِ ما بعد الإسلامويَّة، أو ما بعد الإسلام السياسيّ. ولكن يعودُ آصف بيات إلى شرحِ قصدهِ الأصليِّ من المصطلحِ الذي أرادهُ تحليليًّا وليس تاريخيًّا، وضمَّنه معنيَيْن متكاملَيْن: معنًى أوَّل يتَّصلُ بالأوضاع؛ وثانيًا يتَّخذُ شكلَ مشروع[4]. في المعنى الأوَّل، يرى بيات أنَّ الإسلامويّين وعوا شذوذَ خطابِهم وعدمَ كفايتِهِ، إذ حاولوا مأسسةَ حكمِهم وتصوُّرَ دورِهم، فضلاً عن عواملَ داخليَّةٍ وخارجيَّةٍ زادت أيضًا من هذا الوعي. "لقد باتتِ الإسلامويَّةُ مُجبرة، بسببِ تناقضاتِها الداخليَّةِ والضغطِ المجتمعيّ، على إعادةِ خلقِ ذاتِها. ولكنَّها تقومُ بهذا على حسابِ تحوُّلٍ نوعيّ. وما التحوّلُ الهائلُ في الخطابِ الدينيّ والسياسيّ في إيران أثناءَ تسعينيَّاتِ القرنِ الماضي إلاَّ خيرُ مثالٍ على هذا الأمر"[5]. أمَّا المعنى الثاني، أي فهمُ "ما بعد الإسلامويَّة" "مشروعًا"، فالقصدُ منه تطويرُ مفاهيمَ وإستراتيجيَّات للسموّ بالإسلامِ السياسيّ في الحقولِ الاجتماعيَّةِ والسياسيَّةِ والفكريَّة. وبهذا المعنى، "ليست ’ما بعد الإسلامويَّة‘ معاديةً الإسلامَ أو لا إسلاميَّةَ أو علمانيَّة. بل إنَّها محاولةٌ تهدفُ إلى دمجِ التديّنِ في الحقوق، والإيمانِ في الحريَّة، والإسلامِ في التحرّر. إنَّها محاولةٌ لقلبِ مبادئِ الإسلامويَّةِ رأسًا على عقب من خلالِ التشديدِ على الحقوقِ بدلاً من الواجبات، والتعدّديَّةِ عوضًا عن الصوتِ التسلّطيّ الأُحاديّ، والتاريخيَّةِ بدلَ النصوصِ الجامدة، والمستقبلِ مكانَ الماضي. تريدُ أنّ توحِّدَ بينَ الإسلامِ والاختيارِ الحرِّ والحريَّة (وإنْ يكنْ بدرجاتٍ متفاوتة)، وبينَ الإسلامِ والديموقراطيَّةِ والحداثة، بغيةَ تحقيقِ ما سمَّاه بعضُهم بــ’حداثة بديلة‘"[6].

إضافةً إلى ما تقدَّم، وبالرغمِ من منشأ المفهومِ في إيران، أي بتطبيقِ مضامينهِ على تطوّراتِ الوضعِ الإيرانيّ، فإنَّ آصف بيات يرى أن ثمَّةَ تحوّلاتٍ في ديناميَّاتِ الإسلامويَّةِ باتِّجاهاتٍ وأشكالٍ مختلفة، وبدرجاتٍ متفاوتة، في البلدانِ التي تناولَها عددٌ من الباحثين[7].

 

خاتمة: نسبيَّةُ المفهوم

يبقى مفهومُ "ما بعد الإسلامويَّة"، بصفته "مشروعًا"، غامضًا؛ إذ يُعبِّرُ عن رغبةٍ في اللحاقِ بقيمِ الحداثةِ، وبوجهٍ خاصٍّ بالديموقراطيَّةِ ومتطلّباتِها، من دونِ التخلّي عن الإسلامويَّة، ومن دونِ إظهارِ الطرقِ المؤدّيةِ إلى تحوُّلِ الإسلامويَّةِ إلى الديموقراطيَّة. وانطلاقًا من هذه الملاحظة، يبدو أنَّ أنصارَ الطرحِ لم يأخذوا بعين الاعتبارِ بما فيهِ الكفايةِ إخفاقاتِ محاولاتِ التوفيقِ بينَ متطلِّباتِ الديموقراطيَّةِ والإسلامويَّةِ التقليديَّة، وهي محاولاتٌ يزخرُ بها التاريخُ الإسلاميُّ السياسيُّ الحديثُ والمعاصر. فمن الجليّ في ضوءِ تلك المحاولاتِ أنْ ليس من السهلِ "قلب مبادئ الإسلامويَّة" من دونِ تغييرٍ أساسيٍّ في مضامينِ العقيدةِ الإسلاميَّةِ السياسيَّةِ والاجتماعيَّةِ التقليديَّةِ السائدة، وهذا يتطلَّبُ فهمًا جديدًا للديموقراطيَّةِ بصفتها قيمةً عالميَّة، ولدورِ الدِّينِ داخلَ المجتمعاتِ البشريَّةِ في ضوءِ متطلِّباتِ الديموقراطيَّةِ نفسِها، أمرٌ لم تظهرْ بعدُ إشاراتُ تغييرٍ جدّيٍّ في ما يتعلّق به في المجتمعاتِ الإسلاميَّة. وفي الواقع، يجبُ التفريقُ في هذا المضمارِ بين تأثيراتِ حداثةِ الغربِ في بعضِ جوانبِ طرقِ الحياةِ بالمجتمعاتِ الإسلاميَّة، وبوجهٍ خاصٍّ المدينيَّةِ منها، ومبادئِ العملِ الديموقراطيِّ التي تبقى غائبةً عن العملِ السياسيِّ والوطنيِّ في المجتمعاتِ الإسلاميَّة، باستثناء - إلى حدٍّ معيَّن - تركيا وتونس.

أمَّا في شأنِ علاقةِ مفهومِ "ما بعد الإسلامويَّة" بتطوّرِ الأوضاع، فإنَّ نتائجَ الانتفاضاتِ العربيَّةِ لا تذهبُ باتِّجاهِ تطوُّراتٍ مشجِّعَةٍ باستثناءِ التجربةِ التونسيَّةِ التي تبقى في المختبر. ذلك أنَّ التيَّاراتِ والأحزابِ الناشئةِ من الإسلامويَّة، تتَّخِذُ مواقفَ لا تُظهرُ توجّهاتٍ حداثيَّة؛ فمنها ما يعودُ إلى التموضعِ في صفِّ معارضةِ السلطةِ مستعيدةً خطابَها الإسلامويّ التقليديّ،كما حالُ الإخوانِ المسلمين في مصر، ومنها ما ينتهجُ سياسةً برغماتيَّةً يفرضُها الأمرُ الواقعُ من دونِ أن يعني هذا تغييرًا في عقيدتها، كما حالُ حزبِ النهضة التونسيّ. وحتَّى عندما يأتي الكلامُ على الحالةِ التركيَّة، فمن الثابتِ أنَّ "حزب العدالة والتنمية" الحاكم الذي يرأسُهُ رجب طيب أردوغان، يُعدُّ بالأكثر حزبًا محافظًا ذا أصولٍ إسلاميَّة، ويمثِّلُ فعليًّا إسلامًا معتدلاً[8]. أمَّا الحالةُ الإيرانيَّةُ فالسؤالُ الكبيرُ الذي يُطرح إزاءَ قراءةٍ "ما بعد إسلامويَّة" تخصّها، هو أنَّ ما بدا تيَّارًا إصلاحيًّا، ألم ينتهِ تيَّارًا برغماتيًّا في ظلِّ استمرارِ دورِ رجالِ الدِّين المهيمنِ على قطاعاتِ التربيةِ والثقافةِ والحياةِ الاجتماعيّة؟

تبقى "ما بعد الإسلامويَّة"، في نهايةِ الأمر، فرضيَّةً لم تُثبَّت عناصرُها بما فيه الكفاية، ولم تجدْ لها بعدُ السندَ الشعبيَّ والسياسيَّ والفكريَّ المنظَّمَ الذي يقدرُ على جعلها يقينًا.

 

 

* مدير دار المشرق، وأستاذ محاضر في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.

 

[1] Cf. Ousmane KANE, «L’«islamisme» d’hier et d’aujourd’hui. Quelques enseignements de l’Afrique de l’Ouest», Cahiers d’études africaines 2012/2 (N° 206-207), pp. 545-574; http://www.cairn.info/revue-cahiers-d-etudes-africaines-2012-2-page-545.htm.

[2] Cf. Asef BAYAT “Post-Islamism at Large”, in: Asef BAYAT (Ed.), Post-Islamism. The Changing Faces of Political Islam, Oxford University Press, 2013, p. 7.

[3] إستخدمَ أوليڤييه روا المصطلح بهذا المعنى في كتابه: L’Échec de l’islam politique, Seuil, Paris, 1992. ومن ثمَّ عدَّلَ قراءته في كتابه بعنوان الإسلام المعولم، إذ اعتبرَ أنَّ الأمرَ يتعلَّقُ بتغييرٍ في تجربةِ الإسلام السياسيّ وليس بنهايتها. راجع: L’islam mondalisé, Seuil, Paris, 2002.

[4] Cf. Asef BAYAT “Post-Islamism at Large”, p. 8.

[5] Asef BAYAT “Post-Islamism at Large”, p. 8.

[6] Asef BAYAT “Post-Islamism at Large”, p. 8.

[7] البلدان هي: إيران، مصر، أندونيسيا، تركيا، السودان، لبنان، المغرب، المملكة العربيّة السعوديّة، سوريا وباكستان. راجع: Asef BAYAT “Post-Islamism at Large”, p. 9.

[8] "تمّ تشكيل "حزب العدالة والتنمية" من قِبَل النوّاب المنشقّين من "حزب الفضيلة الإسلاميّ" الذي تمّ حلّه بقرار صدر من محكمة الدستور التركيّة في 22 يونيو/حزيران 2001، وكانوا يمثّلون جناح المجدِّدين في حزب الفضيلة"، http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/2618b61c-4f04-4bef-b997-e8946055062f

 
تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق