لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب سيدريك براكاش اليسوعيّ

تبنّي اللّاعنف

 فلنتبنَّ اللاّعنف في أوقات العنف! أوقاتُ العنف هذه التي لا مكان فيها للإنسانيّة، فالإجهاضُ عملٌ لا يوخزُ الضميرَ إجراؤهُ، وعقوبةُ الإعدام للمجرم "المتطرّف" لا يؤنِّبُ الضميرَ تأييدُها؛ أوقاتُ العنف هذه التي تتفشّى فيها ظاهرة الاعتداء على الأطفال من دون حسيب وتُعامَل فيها النساء بوحشيّة قاتلة في حرم منزلهنّ وعلى أعين المجتمع برمّته؛ أوقاتُ العنف التي قد تؤول فيها أبسط أنواع سوء التفاهم إلى أبشع الجرائم وأشنعها، والتي قد توقظ فيها حوادث السير أقوى نوبات الغضب وأشرسها على الإطلاق؛ أوقاتُ العنف هذه التي يبرِّرُ فيها ذوو السلطة الحروب الضارية ويسوّغون النزاعات الدامية بسهولةٍ فائقة، هم الذين يسيطرون على مصائر الناس العاديّين ومستقبلهم.

 فلنتبنَّ اللاّعنف سلوكًا لنا! ذلك السلوكُ الذي ننتهجهُ مع "الآخر" عندما ننظر إليه أو نتعرّف عليه؛ السلوكُ الودّيّ المطبوع بالترحيب الدافئ والحارّ والشامل؛ السلوكُ الذي لا يفرّق بين جنسيّة، أو عرق، أو دين، أو لون، أو جنس، أو أيّ اعتباراتٍ طبقيّة، أو إثنيّة، أو إيديولوجيّة، وما هو مختلف؛ السلوك الذي لا يقوم على العنصريّة ورهاب الأجانب؛ السلوك الذي يتسامى، على الرغم من الاختلاف، بالانتماء إلى عائلة بشريّة واحدة والذي يتغاضى عن كلّ الاختلافات لكي يتّحدَ، في نهاية المطاف، بإنسانيّةٍ مشترَكة.

فلنتبنَّ اللاّعنف حقًّا لنا! الحقُّ الذي يتمتّع به كلّ فردٍ في هذا المجتمع وفي العالم أجمع؛ الحقوقُ المقدّسة التي يصونها الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان وتحميها دساتير معظم البلدان في عالم اليوم؛ الحقوق التي تحفظ كرامة الآخر: بدءًا بالحقّ في الحياة، واعتناق الديانة التي يريد، مرورًا بحريّة التعبير، والحقّ في الحصول على الطعام والشراب، وصولاً إلى الحقّ في قراءة الكتابات التي يريد من دون خوفٍ أو توسّل؛ الحقوق الأساسيّة والثابتة لعيش كريم والتي، إذا تمّت المساومة عليها، انتُهِكَت واعتُبِرَت عنفًا من دون شكّ!

فلنتبنَّ اللاّعنف بشجاعة! تلك الشجاعة التي يلفي الفرد نفسه بحاجة ماسّة إليها لمواجهة المتطرّفين، ومجابهة المتعصّبين، والتصدّي للأصوليّين في هذا الزمن؛ الشجاعة للوقوف في وجه قتلة غوري لانكيش، وشانتانو بهميك، وناريندرا دابهولكار، وم.م. كالبورجي، وغوفيند بانزاري، وغيرهم من الإعلاميّين، والناشطين في قضيّة الحقّ في الوصول إلى المعلومات، والمدافعين عن حقوق الإنسان؛ الشجاعة في مقاومة المتحرّشين بالطلاّب الإناث في جامعة الباناراس الهندوسيّة (Banaras Hindu University) ومساءلة مَن يقمعون أصوات الطلاّب في كلّ مكان؛ الشجاعة لفضح سانغ باريفار وهؤلاء الذين يقتلون الآخرين بوحشيّة مطلقة ويسحقونهم بعنفٍ جائر، لأنّهم يأكلون لحوم البقر أو حتّى إذا كانوا أطفالاً أبرياءَ قابعين في مستشفيات مدينة أتر برديش. وفي هذا الصدد، يفسّر المهاتنا غاندي هذه المسألة بإيجاز، فيقول إنّ"اللاّعنف ليس للجبناء،  بل للشجعان الجسورين".

فلنتبنَّ اللاّعنف برحمة! تلك الرحمة الضروريّة للتعاطف مع مسلمي الروهينجا الهاربين من مذابح العنف والاضطهاد؛ الرحمة التي تؤازر المساعي الحثيثة للحدّ من استخدام الألغام، والرصاص المطّاطيّ، والاعتداءات المتكرّرة المتربّصة بشعبهم؛ الرحمة التي تضمن لهم تشريع أبواب الهند أمامهم بكلّ طيب خاطر؛ الرحمة التي بفضلها يشعر اللاّجئون وغيرهم من المشرّدين أنّهم "في ديارهم" وأنّه مرحَّبٌ بهم؛ الرحمة التي تسعى إلى بناء الجسور في كلّ مكان. 

فلنتبنَّ اللاّعنف في الحرّيّة! الحرّيّة في مواجهة مروّجي الحروب وباعة العنف؛ الحرّيّة في التقرّب من الانتهازيّين المتعطّشين للسلطة، ومَن يُطلَق عليهم اسم "قادة" هذا العالم والذين يبثّون الكراهية وينفثون السموم ويحثّون على الانقسام طوال الوقت ومحاربتهم بطريقة سلميّة؛ الحرّيّة في فضح جماعة الاستغلاليّين، ومصّاصي الدماء العسكريّين والصناعيّين الذين لا يأبهون ولا يحرّكون ساكنًا إن بات العنف يشكّل نمط حياةٍ يوميّة للكثيرين في هذا العالم؛ الحرّيّة في تحدّي هذه البلدان التي تخصّص معظم أموالها على شراء الأسلحة والذخيرة بدلاً من تخصيصها للقطاع الاجتماعيّ وتوفير المساعدة لمَن هم بحاجةٍ ماسّة إليها.

فلنتبنَّ اللاّعنف في الحقيقة! الحقيقة التي توازي معنى اللاعنف وتكمّله، تلك التي قولبها غاندي بعبارةٍ رائعة تقول إنّ:"ديانتي تقوم على أساس اللاعنف والحقيقة. الحقيقة هي إلهي. واللاعنف هو الوسيلة الفعّالة التي تجعلني أشعر به وأحرّره". الحقيقة في كلّ مرّةٍ نحتفل فيها بذكراه؛ الحقيقة في التعامل مع "آلهة" عصرنا الحاليّ. الحقيقة باعتبارها ثابتة وغير قابلة لأيّ تفاوض كان، وكأنّها طريقة عيشٍ في عالمٍ غلبت عليه العدالة، وحلّ فيه السلام، واستؤصِلَ منه العنف.

فلنتبنَّ اللاّعنف في 2 تشرين الأوّل الذي يصادف اليوم العالميّ لللاّعنف؛ وهو يومٌ لا بدّ لنا جميعًا أن نشدّد فيه، تماشيًا مع قرار الأمم المتّحدة، ونؤكّد فيه على "الأهمّيّة العالميّة لمبدأ اللاّعنف" والرغبة "في تأمين ثقافة السلام، والتسامح، والتفاهم، واللاّعنف"؛ يومٌ لا بدّ لنا فيه أن نتعهّد بتجاوز التفرقة والتفضيل والتمييز، لكي يصبح اللاّعنف بعدًا لا يتجزّأ من حياتنا اليوميّة.

فلنتبنَّ اللاّعنف مع استيعابنا كلمات غاندي التي تؤكّد أنّ اللاّعنف هو القوّة الأعظم التي يتحلّى بها الإنسان. فيه من القوّة ما لا يضاهيه من أسلحة الدمار الشامل التي ابتكرها الإنسان بدهائه المعتاد. أمّا اليوم، فإنّ تبنّي اللاّعنف يبقى من دون شكّ الوسيلة الفعّالة والوحيدة للمضيّ قدمًا!

1 تشرين الأوّل 2017 

ترجمة: كلير بو ناصيف

 

*  سيدريك براكاش اليسوعيّ ناشط في حقوق الإنسان. البريد الإلكترونيّ: [email protected].

 

 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق