لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة بيتسا استيفانو

ما بين وطنٍ أرضيّ ووطنٍ سماويّ
سوء فهم لملكوت وتوقٌ إلى الملكوت...

 

"... تأتي ساعة، لا في هذا الجبل، ولا في أورشليم تسجدون للآب (...)

"سوف تأتي ساعة..." وقد أتت وما زالت مشكلة السلطة الدينيّة والزمنيّة يتنازعها فريقان في ثلاثيّة محاكاة الرغبة الجامحة[1] للتسلّط وشتّان ما بين سلطة وتسلّط حيث الأولى يُبنى عليها وطن والثانية يُدمّر فيها وطن. فما هو الوطن؟

بحسب معجم المعاني الجامع، الوَطَنُ هو "مكانُ إِقامةِ الإِنسان وَمقَرُّه، وإليه انتماؤه، وُلد به أَو لم يولد."
وحين يرد الوطن محتضنًا بحنان الأمّ والحنين إلى حبّها، يُشار إليه ب "الوَطَنُ الأمُّ" فهو يعني الوطَن الأصليّ، وَطَن المولد. فلا عجب أن يكون المكان الحاضن للفرد، يألف ويتآلف مع بيئته من خلاله. فالفعل وطّن لا يُستخدَم للإنسان وحده بل للنبات والحيوان بمعنى "طبّعهما أو ألّفهما على بيئة جديدة. وحين يوطّن الإنسان نفسَه على أمر فهذا يعني أنّه حَمَله عليه وهيَّأه لفعله".

"وطنيّة"..."مواطنة"... "توطين "... تلك الكلمات التي تتواتر على أسماعنا كلّ يوم بجذرها الثلاثي "وطن"، من دون مضمون وحروفها الطنّانة، أصبحت مرادفًا لفعل طنّ، ماذا تعني عِند المسيحيّ؟

إذا أردنا أن نتكلّم على الوطن بالمنظور المسيحيّ، لا بدّ لنا من أن نعود إلى الكتاب المقدّس – بعهدَيه القديم والجديد، فماذا يمثّل الوطن في الكتاب المقدّس؟

1. المؤمن والوطن في الكتاب المقدّس

في الكتاب المقدّس، لا ترد كلمة "وطن" بحرفيّتها ولكنّها موجودة ضمنًا في إشارات واضحة، ليس عن الوطن فحسب، بل عن حبّ وشغف الانتماء إليه من طريق التغنّي بمدينة الولادة والمنشأ والذود عنها في حال تعرّضها للسبي أو للاحتلال.

1.1  الوطن في العهد القديم

في القسم الأوّل من العهد القديم شواهد تظهر فيها روح المحبّة تجاه الوطن والتشديد على المواطنة. 

1.1.1 المحبّة تجاه الوطن

المزمور 137 (136) مشهور في هذا الأمر إذ يرد فيه ما يلي: "عَلَى أَنْهَارِ بَابِلَ هُنَاكَ جَلَسْنَا... كَيْفَ نُنشِدُ نشيد الرَّبّ ونَحنُ  فِي أَرْضِ  الغُربَة؟ إِنْ نَسِيتُكِ يَا أُورُشَلِيمُ فلتُشَلَّ يَمِينِي (...)" وكأنّ الأرض الأمّ هي مرتع المرنّم للربّ والأرض الغريبة لا تعرف إلّا غربة عن الفرح.

من الصعب أن تتمكّن المحبّة تجاه الوطن وتجاه الله من الوصول إلى المستوى الأسمى، إلاّ أنّ التجذّر في أرض الوطن يبلغ أحيانًا حدّ الاستشهاد للحفاظ عليها والذود عنها لا بل إنّ الإنسان يوصي أن يُوارى جثمانه الثرى في أرض وطنه.

1.1.2 حلم العودة إلى أرض الميعاد  

عندما كان موجودًا في بلاد ما بين النهرين، كان يراوده حُلمٌ جميل بأن يرجع إلى أرض الميعاد. حين اضطرّ البطريرك يعقوب مرغمًا وقسريًّا إلى أن يرحل هو وأولاده إلى مصر، ألزم ابنه يوسف بقَسَمٍ يطالبه فيه بأن لا يدفنه حين توافيه المنيّة في أرض غريبة بل في أرض الميعاد (راجع تك 29:47-31)[2].

أشاد أنبياء العهد القديم كثيرًا بأوطانهم ، ومنهم إرميا النبيّ الذي طلب أن تتحوّل عيناه إلى ينابيع دموع حتّى يرثي لنكبات وطنه (أر23:8). ويحذّر النبيّ أهل وطنه ألّا يبكوا لأجل ميت بل أن ينتحبوا لأجل المنفى، لأنّه لم يعد يتسنّى لهم أن يرجعوا بعد اليوم إلى وطنهم (إرميا 10:22).

في العهد القديم أمثلة كثيرة تشير إلى المحبّة والإخلاص للوطن والانتماء إليه ولا مجال هنا لسردها. وكما في العهد القديم، يحتوي العهد الجديد في طيّاته شهادات كثيرة أيضًا عن حبّ الوطن.

1.2  الوطن في العهد الجديد

كلمة "وطن" لا ترد في العهد الجديد الذي يتناول في غير موضع كرازة المحبّة المسكونيّة والمحبّة تجاه الأعداء.

1.2.1 يسوع المسيح: محبّته لوطنه وتعاليمه وسط أهله

يؤدّي يسوع المسيح رسالته التعليميّة وسط أهل وطنه. ويورد الإنجيل بحسب متّى تعليم يسوع في الناصرة، مدينته (متّى 1:9). وجعل كفر ناحوم مركز نشاطه. وفي حواره مع السامريّة، يشدّد على أنّ "الخلاص يأتي من اليهود" ( يو22:4).

1.2.2 بكاء يسوع على مدينته

لم يكتفِ يسوع بحبّ وطنه، بل ذرف الدموع عليه باكيًا (لو 41:19-43) . لقد أورد الإنجيليّ متّى رثاء يسوع حين توجّه نحو المدينة المقدّسة وهي منتظرة الدمار الذي سوف يلحق بها بسبب عصيان رؤسائها وشعبها: "أورُشَلِيم، أُورُشَلِيم، يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ (...) ،كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أبناءك (...) وَلمْ تُرِيدُوا." (متّى37:23-38).

1.2.3 تعلّق يسوع بوطنه ليس تشبّثًا بأرضٍ

ليس تعلّق يسوع بوطنه تشبّثًا بأرضٍ ولا استئثارًا بمساحة جغرافيّة ضيّقة تحدّها العصبيّة والتعصّب. "... تأتي ساعةٌ فيها تَعبُدونَ الآب لا في هذا الجبل ولا في أورشليم. (...) تأتي ساعةٌ، وقد حَضَرتِ الآن، فيها العِبادُ الصادِقون يَعبُدونَ الآبَ  بِالرُّوحِ والحَقّ (...)" (يو 4: 21-23).

 

1.2.4  في مواجهة موقف الإقصاء لدى اليهود 

سؤال المرأة السامريّة إلى يسوع يُشير ضمنًا إلى الإقصاء العنصريّ والمعنويّ لدى اليهود تجاه السامريّين:"كيف تطلب منّى لتشرب وأنت يهوديّ وأنا امرأة سامريّة؟!" (يو4: 9). كان اليهود يحتقرون السامريّين لأنّهم اختلطوا بالأمم بعد انقسام المملكة، وصار ملوك السامرة يقيمون شعائر العبادة في هيكلٍ آخر في جبل السامرة حيث اختلطت عبادة الله بالعادات والممارسات الوثنيّة، وتداخلت العوامل الدينيّة مع العوامل السياسيّة لتتفاقم العداوة بين اليهود والسامريّين. وجاء يسوع المسيح ليحرّر اليهود من التعصّب العرقيّ والدينيّ وأراد أن يوضّح لهذه المرأة عدم تمسّكه بمكانٍ معيّن للسجود للآب السماويّ، لا في جبل السامرة، ولا في جبل صهيون بأورشليم، لأنّ الله يتخطّى حدود المكان. فالعبادة لا تُقام على حرفيّة الناموس التي يجاهر بها المتزمّتون من اليهود، بل بالعبادة الروحانيّة.

لم يفهم اليهود هذه الحقائق وكانوا يتمسّكون بهيكلٍ مرصوفٍ بالحجارة وفي حلمهم أن يبنوا على الأرض ملكوتًا قائمًا على السلطة الدينيّة والسلطويّة الدنيويّة.

1.2.5 من شوقٍ إلى ملكوتٍ أرضيّ إلى توق إلى ملكوتٍ سماويّ

إعتقد اليهود أنّ المسيّا المخلّص سيأتي لإنقاذهم من بطش السلطة الرومانيّة، إلّا أنّ يسوع المسيح لم يأتِ إلّا ليبشّر ويكرز بملكوتٍ سماويّ وليس بملكوتٍ أرضيّ. لذلك، فالمسيحيّ المؤمن الحقيقيّ يدرك أنّ توقه هو إلى السماء. هذا الإدراك يزيده التزامًا بالوطن الأرضيّ ليشهد للوطن السماويّ من خلال سلوكه العمليّ واليوميّ ومن خلال سلوكه وأمانته والتزامه نحو الوطن.

1.2.6 الالتزام نحو الوطن والاستعداد للوطن السماويّ

يكون خضوع المؤمن للسلطان من طريق إيفاء الوطن حقّه عليه إذ يقول الرسول: "فاعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية..." (روم 13، 6-7). بهذا المنحى، تُفهَم الوصيّة: "أَدّوا  لِقَيصر ما لِقَيصر، ولله ما لله" (متّى 22: 21) أمانةً للوطن الأرضيّ وللوطن السماويّ الذي يستعدّ المؤمن له. فكيف تتحدّد بالتالي معالم الكنيسة الوطنيّة؟

2. الكنيسة الوطنيّة والوطن

الكنيسة الوطنيّة هي الكنيسة المرتبطة بجماعة عرقيّة محدّدة أو دولة قوميّة. ولا يزال مفهوم الكنيسة الوطنيّة حاضرًا في عدد من الدول الأرثوذكسيّة والبروتستانتيّة مثل إنجلترا وخصوصًا الدول الإسكندنافيّة.

في المسيحيّة الشرقيّة، غالبيّة الكنائس الأرثوذكسيّة الشرقيّة هي كنائس وطنيّة عرقيّة لشعوب المنطقة كما تُعتَبَر كلّ من الكنيسة اليونانيّة الأرثوذكسيّة والصربيّة الأرثوذكسيّة كنائس وطنيّة تنحصر في منطقة إثنيّة ثقافيّة معيّنة. وهكذا، يُحدَّد الوطن عند الأورثوذكس بالانتساب القانونيّ الإراديّ.

2.1 الوطن انتساب قانوني إراديّ وحدّ أدنى من التعايش

قام سيادة المطران جورج خضر بتعريف الوطن قائلاً: "الوطن انتساب قانونيّ تريده وليس فقط الرقعة التي تولد عليها (...) والدولة تُشكَّل انطلاقًا من أناس يرتضونها ويؤلّفونها (...)[3]." وكلّ هذا يتطلّب حدًّا أدنى من التعايش.

لماذا الأوطان؟ لأنّ الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، منعزلاً في جزيرة، ولأنّه يحيا على رقعة من هذه الأرض يجد فيها من يحبّه ولأنّه يجني ثمرة أتعابه ولقمة عيشه بالتعاون فيها والتعاضد. ويضيف المطران خضر: "إذا سُمِح لي باستعمال تعبير دينيّ، ينهض البلد من بعد انهيار إذا كان فيه أبرار ينتعش بهم الناس ويرجون الخلاص. أمّا إذا قلّ الأبرار فيذوي البلد ويذبل."[4] فلا أبديّة في الوطن.

2.2 ليس من أبديّة في الوطن

الوطن غير نهائيّ إلاّ في عقل الجماعة التي تعتقد أنّ "الوطن الذي يصنعه الناس بالحبّ والجهد نهائيّ في أمانيه على الأقلّ وإن تكن النهائيّة المطلقة لله إذ تتغيّر الشعوب (...) وقد ماتت دول ونشأت دول وماتت أوطان وظهرت أوطان. في هذا الحقل ليس من أبديّة..."[5].

من هنا لا داعي إلى تصوّر الوطن مترسِّخًا في التاريخ القديم لأنّ معظم البلدان الحاليّة مستحدثة فهل يتمتّع وطنٌ ما بامتيازٍ من دون الآخر؟ 

2.3 ليس من بلد يتمتّع بامتياز البقاء من الله

"ليس من بلد عنده امتياز البقاء من الله. الله لا يحبّ بلدًا بصورة خاصّة لأنّه اختاره منذ الأزل..."[6].  هذا ما يمكن قوله اليوم في دولة مستحدثة أُطلق عليها اسم إسرائيل. لا امتياز لشعبٍ من دون الآخر ولا أرض متميّزة ومميّزة من دون سائر الأراضي. ليس المطران خضر هو الوحيد الذي يشير إلى هذا الأمر، هناك اليوم باحثون إسرائيليّون، أمثال شلومو ساند[7]، يتكلّمون على بناء وطن عاش وما زال يعيش في أحلام العودة المستحيلة إلى أرض الميعاد، على أنقاض الوطن الحقّ المهجّر مع مواطنيه لأنّ حدود الوطن لا تلغيها غربة قسريّة. وكما الأراضي المقدّسة وسائر بلدان الشرق ورد اسم لبنان أيضًا في العهد القديم، فهل يتمتّع بامتياز وتميّز؟


2.3.1 لا وطن لمن لا يستوطنون عند الربّ

يشخّص المطران خضر هذا الهذيان الدائر خارج محور الأرض ويقول: "تحسبون أنّ بركات الله نازلة على لبنان منذ الأزل. هذه هي الكذبة الكبرى. البركة تشمل فقط الإنسان الطاهر ولا تميّز بلدًا (...) كفّوا عن التغنّي بلبنان إن لم تتوبوا. لا يقوم لبنان بلا ناس أنقياء، بلا حكم صالح. ليس من نهائيّة لبلد لم يضع أساسًا لنهائيّته. الذين لا يستوطنون عند الربّ لا وطن لهم هنا. والذين لا يسعون إلى بلد يجعلونه مقرًّا لله سيموت بلدهم آجلاً أم عاجلاً."[8]

ويتابع المطران خضر: "إن أحببتم حقيقة الله تجدون حقيقة الإنسان والناس جميعًا. الوطن هو في هذه الحقيقة (...)"[9] ومن هنا ضرورة التوبة.

2.3.2 التوبة الوطنيّة: الآخرة هي الآخر 

"التوبة الوطنيّة تبدأ من قبول الآخر واختلافه". من هنا يتساءل  المطران خضر: "أين يقف الخلاف ليصبح مجرّد اختلاف؟" يجيب المطران: "أظنّ أنّنا كنّا سطحيّين في عصر النهضة في تبنّينا شعار "الدين لله والوطن للجميع" غير عارفين أنّ علاقتك بالله أو صورة علاقتك به وبأهل دينك من الأشياء التي تحدّد العلائق في الوطن". وفي ما يتعلّق بهويّة الوطن أو هويّتنا داخل الوطن "لا مخرج من التساؤل عن هويّتنا الطائفيّة... إلّا بإقرار هويّة الآخر (...)"[10] في سرّ فرادته.

خاتمة: الوطن: إقرارٌ بهويّة الآخر في سرّ فرادته

إن كانت عدّة أوطان بُنيت على إقصاء الآخر، قامت أوطان أو قد تقوم أوطان على قبول الآخر لكي يكون المواطن مواطنًا بحقّ حين يقرّ بهويّة أخرى هي "هويّة الآخر" في الوطن المترسِّخ كالشجرة في أرضها، كي تحيا ثانيةً، بعد أن تكون قد ماتت واقفة وأغصانها نحو السماء وارفة.

 

* دكتوراه في العلوم الدينيّة من جامعة القدّيس يوسف. محاضرة في كليّة العلوم الدينيّة ومسؤولة عن الأبحاث في مكتبة العلوم الإنسانيّة بجامعة القدّيس يوسف.

[1]  راجع: رينيه جيرار في كتابه العنف والمقدّس، ترجمة سميرة ريشا، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2009، ص 8-9.

[2] راجع: د. جورج عوض عبر موقع الإنترنت http://george3awad.blogspot.com/2012/02/blog-post_09.html

[3] المطران جورج خضر، "الوطن"– النهار، 11 تمّوز، 2009.

[4] المرجع نفسه.

[5] المرجع نفسه.

[6] المرجع نفسه.

[7] Shlomo SAND, Comment la terre d’Israël fut inventée? Traduit de l’hébreu par Michel Bilis, Paris, Flammarion, 2012, 365 p.

[8]  المطران جورج خضر،  "الوطن" –  النهار، 11 تمّوز، 2009.

[9]  المرجع نفسه.

[10] المرجع نفسه.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق