لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة آسيا المهتار - قيس

المواطنيّة والبيئة

المواطنيّة والبيئة مفهومان متلازمان. تطوّرا مع الزمن ليؤلّفا دعامة أساسيّة لرقيّ المجتمعات البشريّة ونهوضها.

يُطلَب من أجل حماية البيئة من الأخطار المحدقة بها والتي تهدّد العالم اليوم توجيه المواطن وتربيته تربيةً مواطنيّة وتربية بيئيّة. المواطن الحقيقيّ هو المواطن الذي يعمل على الحفاظ على بيئته، من هنا التربية المواطنيّة ملازمة ومكمّلة للتربية البيئيّة.

المواطن بحسب G. Burdeau ليس الفرد الحقيقيّ الضعيف بل هو الفرد المستنير بنور العقل، المتحرّر من الأحكام المسبقة، القادر على إبداء الرأي في الشؤون العامّة من دون أن يتأثّر بمصلحته الشخصيّة.

شهدت العقود الأخيرة تطوّرات سريعة جعلت عمليّة التغيّر أمرًا حتميًّا، ما أقلق بعض المجتمعات واستحوذ على عناية المفكّرين والتربويّين وزاد الاهتمام بالتربية بوجهٍ عامّ والتربية المواطنيّة والبيئيّة بوجهٍ خاصّ نظرًا إلى تغيُّر القيم وقواعد السلوك وتنامي أعمال العنف وتفكّك الصلات العائليّة والاجتماعيّة.

جاء في المعجم الفلسفيّ للدكتور جميل صليبا أنّ التربية هي "تبليغ الشيء إلى كماله"، وفي معجم المصطلحات التربويّة لجرجس وحنّا الله: "إنّها تدريس منظّم متّصل يصمّم بهدف توصيل مزيج من المعارف والمهارات ذوات القيمة إلى جميع أنشطة الحياة".

وفي موسوعة Universalis "التربية هي تكوين الفرد في النواحي الفكريّة والجسديّة والسلوكيّة والاجتماعيّة..." إنّ التربية عمليّة نقل الإنسان من المجهول إلى المعلوم وفق خطّة علميّة محدّدة.

للتربية عدّة توجّهات تتفرّع عنها، نورد منها على سبيل الذكر لا الحصر التربية الوطنيّة، والتربية المدنيّة والتربية المواطنيّة...

ويقع بعضهم في شرك المزج بينها نظرًا إلى تداخُل عناصرها. على الرغم من ذلك يرى الدكتور نمر فريحه في كتابه فعّاليّة المدرسة في التربية المواطنيّة ص 22، أنّ هناك حدودًا في ما بين هذه التعابير. فالتربية المدنيّة هدفها تقديم معارف إلى الطالب حول مجتمعه المدنيّ وإكسابه القيم والمواقف التي تجعله عنصرًا اجتماعيًّا مشاركًا في شؤون بيئته المحليّة. والتربية الوطنيّة التي تتقاطع بشكل كبير مع التربية المدنيّة، لكنّها تركّز على النواحي الوطنيّة الوجدانيّة وعلى إكساب الطالب معارف حول حقوقه وواجباته وسلوكيّات معيّنة نحو الوطن كالانتماء إليه والولاء له...

أمّا التربية المواطنيّة فتشتمل على التربية المدنيّة والتربية الوطنيّة لكنّها لا تُقْتَصَر عليهما لتصل إلى معارف وكفايات أخرى نستعرضها في هذه الدراسة.

تتناول هذه الدراسة مفهومي المواطنيّة والبيئة، كما تستعرض مبادئ التربية المواطنيّة وعناصرها وأبعادها وقيمها، وأهداف التربية البيئيّة والوسائل والأدوات المفترض استخدامها من أجل تكوين "المواطن المثقّف والمنتج والمسؤول"، يحترم القوانين ويحمي بيئته من التلوّث.

وهنا لا بدّ من التركيز على دور الدولة والمدرسة والمؤسّسات في تنمية الفرد، ومحاولة الربط بين المواطنيّة والبيئة لأنّهما متلازمتان وتلتقيان في كثير من الأمور والأهداف.

ولتكون هاتان التربيتان مبنيّتين على الوعي والثقافة، لا بدّ من تربية مقصودة محدّدة الأهداف تشرف عليها الدولة، يتمّ من خلالها تزويد الطالب (المواطن) الكثيرَ من مفاهيم التربية المواطنيّة والبيئيّة مثل مفهوم الوطن – المجتمع – المشاركة – تلوّث – احتباس حراريّ – حقوق وواجبات...

هناك العديد من المؤسّسات التي تقوم بدورٍ أساسيّ في التربية المواطنيّة والبيئيّة منها العائلة والأندية... وتنفرد المدرسة (مجتمع مصغّر) بالمسؤوليّة الكبرى في تنمية شخصيّة مواطن الغد وتكوينها وتزويده المعرفة والمهارات، وذلك من خلال تضمين مفاهيم المواطنيّة والبيئة في المناهج الدراسيّة التي تبدأ في مراحل مبكّرة حتّى المرحلة الجامعيّة. وبعدها يأتي دور الدولة والمجتمع في استكمال عمليّة التنمية أو التربية المستدامة من خلال وسائل الإعلام والحملات التثقيفيّة.

نعرض في نهاية هذه الدراسة بعض التوصيات بالإضافة إلى نماذج من الأنشطة المتعلّقة بالتربية المواطنيّة والبيئيّة الممكن الإفادة منها.

I – مبادئ المواطنيّة وقيمها

المواطنيّة هي "الوضعيّة القانونيّة التي يتّخذ الفرد بفضلها ماهيّته كإنسان سياسيّ، بحيث تمنحه صفة تشريعيّة أصليّة من شأنها أن تلقي على عاتقه دورًا معيّنًا في آليّة الفصل السياسيّ". (أنيس العكره: التربية على المواطنيّة، ص 19).

وجاء في المعجم الموسوعيّ للمصطلحات التربويّة (فريد النجّار) أنّ المواطنة أو المواطنيّة هي الوضع الذي يكون فيه المرء متمتّعًا بحقوقه وواجباته كمواطن، و"أنّ المواطن هو ساكن البلاد المولود فيها أو أحد السكّان الأجانب المولود في الخارج ولكنّه نال جنسيّة البلاد الجديدة بالتجنّس". وأمّا التربية المواطنيّة فهي التربية التي تؤكّد في مناهجها وطرائقها تعليم السلوك الاجتماعيّ المستحَبّ الذي يكوّن المواطن الصالح المنسجم مع قوانين البلاد والمراعي لمصالحها".

ومن مبادئ المواطنيّة )راجع أنيس العكره( العقد الاجتماعيّ وهو رابطة قانونيّة تجمع بين طرفين أو أكثر وتستند إلى مبدأ الحقّ والواجب. فالأفراد يكونون جماعة خاضعة لنظام معيّن، والفرد عضو مؤسّس في هذا النظام وبالتالي فهو طرف في هذا العقد وما ينتج من ذلك من حقوق وواجبات وسلطات. والسلطة المكوّنة من المواطنين لتكون تعبيرًا عن إرادتهم وهذا جوهر النظام الديموقراطيّ.

الانتماء: ينتمي الفرد إلى جماعة وإلى أرض وإلى هويّة، وهذا ما يجعل الإنسان عضوًا فاعلًا في الكيان السياسيّ أي مواطنًا يتمتّع بحقوقه المدنيّة وعليه واجبات تجاه وطنه.

المشاركة: إنّ مفهوم المواطنيّة أبطل مفهوم الرعيّة، فالمواطن ليس خادمًا أو عبدًا، إنّه عضو مشارك في المجتمع الذي ينتمي إليه. والمشاركة تعني إبداء الرأي وهي تتمّ عبر الانتخاب والاهتمام بالشأن العامّ واحترام القوانين والتقيّد بها والمشاركة في الدفاع عن الوطن.

قيم الوطنيّة

إنّ مفهوم المواطنيّة قائم على مجموعة من القيم تجعله موضع تقدير في الفكر السياسيّ المعاصر، ومن هذه القيم الحريّة والمساواة والمساعدة والأخلاق. تكوّن الحريّة ركيزة السياسيّة في بناء المواطن ووجوده لكنّ الحريّة لا تعني الفوضى، بل تعني حريّة مضبوطة، إنّها تعبير عن الرأي ضمن قانون أو نظام يضبط هذه الحريّة. الكاتب الفرنسيّ V. Hugo يعتبر المواطن الحرّ هو الذي يقيّد نفسه بالقانون الذي يختاره.

المساواة: إنّ مبدأ المساواة ألغى الفروقات بين الأفراد. فالمواطنون متساوون أمام القانون بغضّ النظر عن اللون والجنس والعرق والدين...

المساعدة: يحتّم المجتمع المدنيّ على الدولة سياسة اجتماعيّة هادفة، تضمن للمواطنين مستوًى معيشيًّا متوازنًا، وذلك من طريق التعليم المجّانيّ – الضمان الصحّيّ – ضمان الشيخوخة ومشاريع التنمية المستدامة... وهناك دور لمؤسّسات المجتمع المدنيّ، بحيث تقوم الجمعيّات الإنسانيّة والخيريّة بتقديم المساعدات إلى دُور العجزة والأيتام. وهذا الحسّ الإنسانيّ يؤسّس للسلام الأهليّ بين المواطنين ويُكسب المجتمع حصانةً ضدّ التفكُّك والانقسام.

المدنيّة

تكمن المدنيّة في احترام المواطن عناصرَ الدولة، والانصياع للقوانين والقيام بواجباته المدنيّة وحماية البيئة من التلوّث وعدم التعدّي على الأملاك العامّة والاهتمام بالنظام العامّ...

الأخلاق

تتجلّى الأخلاق في أصول التعاطي مع الآخرين، وبآداب السلوك والاعتراف بحقوق الآخرين.

إنطلاقًا ممّا ورد نستنتج أنّ المواطنيّة هي عمليّة معرفيّة وعملانيّة، "وهذا ما يجعلها موضوعًا تربويًّا مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالمشروع السياسيّ الذي تقوم عليه الدولة الديمقراطيّة الحديثة" (العكره، ص 58)

أبعاد المواطنيّة

يقوم مفهوم المواطنيّة على بعض الأبعاد، منها البُعد الفكريّ والبعد الثقافيّ حيث تمثّل المعرفة ركيزة أساسيّة في نوعيّة المواطن الذي تسعى لتكوينه مؤسّسات المجتمع. إنّ المعرفة توفّر للمواطن وسيلة لبناء مهاراته وكفاءاته، مثل التحليل والفكر النقديّ. أمّا البعد الاجتماعيّ فيقوم على تفعيل دور المواطن ليتعايش مع الآخرين. وفي ما يتعلّق بالبعد الوطنيّ، فإنّه يشدّد على الانتماء إلى الوطن والدفاع عنه. والبعد الدينيّ يقوم على تزويد المواطن القيمَ والأخلاق. يبقى البعد الجغرافيّ أو البيئيّ أي المكان الذي يعيش فيه المواطن، ويعمل على المحافظة عليه وذلك من خلال المشاركة في الأنشطة البيئيّة (حملات نظافة...).

هنا تكمن أهميّة التربية المواطنيّة، إنّها عمليّة متواصلة ومستمرّة لتعميق الشعور بالواجب تجاه المجتمع وتجاه الوطن. هدفها تكوين مواطن واعٍ، مدرك لحقوقه وواجباته، متحلٍّ بالمسؤوليّة وملتزم دوره في المدرسة وفي المجتمع فيما بعد.

لا تتحقّق أهداف التربية المواطنيّة بمجرّد كتابتها ووضعها في دستور الدولة وأرشيفها، بل يجب ترجمتها إلى إجراءات عمليّة ميدانيّة (زيارة مؤسّسات الدولة لمعرفة طبيعة عملها – زيارة دار العجزة والمناطق الفقيرة لتنمية الحسّ الإنسانيّ...).

دور المدرسة والمناهج التعليميّة في التربية المواطنيّة

إنّ التربية المواطنيّة أشمل وأوسع من التربية الوطنيّة والتربية المدنيّة، إنّها تشتمل عليهما وتتخطّاهما لتضمّ عناصر أخرى. فالتربية المواطنيّة لا تقتصر على محبّة الوطن ومعرفة الحقوق والواجبات بل تشتمل على معارف تاريخيّة وجغرافيّة وبيئيّة واقتصاديّة وعلى مهارات التحليل والنقد وقراءة جداول وإحصاءات، وقيم مثل القبول بالآخر، المساواة وعدم التمييز العنصريّ، والتسامح...

ليست التربية المواطنيّة حكرًا على المدرسة، بل هناك مؤسّسات اجتماعيّة تنمّيها مثل العائلة، ووسائل الإعلام، والمؤسّسات الدينيّة... لكن يبقى للمدرسة الدور المميّز في تنمية شخصيّة التلميذ وقدراته وتأهيله وإكسابه الكفاءات والمهارات العلميّة بحسب خطّة تربويّة هادفة، بحيث تكوِّن التربية المواطنيّة عنصرًا أساسيًّا فيها.

لا تقتصر التربية المواطنيّة على مادّة من موادّ العلوم، بل تستفيد من المضمون الخاصّ بكلّ مادّة أو علم، وذلك من طريق ربطه بعنصر من عناصر التربية المواطنيّة مع التركيز على دور موارد الاجتماعيّات نظرًا إلى محتواها وأهميّتها الاجتماعيّة (للتوسّع، أنظر: نمر فريحة، ص 45-46).

التاريخ: العبرة من الماضي – فهم الماضي والحاضر ورؤية المستقبل – تاريخ الوطن – التراث – حضارات الشعوب – إنجازات المفكّرين – نضالات الأجداد – الحرب والسلم...

الجغرافيا: طبيعة البلد – الموارد الطبيعيّة – السكّان – الاقتصاد – التبدّل المناخيّ.

التربية المدنيّة: القوانين – الحقوق والواجبات – محبّة الوطن والولاء له – مؤسّسات المجتمع المدنيّ – القيم – السلوك – التسامح – إحترام الآخر – إحترام جميع المعتقدات – الانفتاح.

الأدب: مرآة العصر، ينقل إلينا الأديب من خلال كتاباته أخبار مجتمعه السياسيّة والاجتماعيّة، (روايات نجيب محفوظ...).

اللغة: وسيلة التواصل داخل المجتمع – نقل التراث من جيل إلى آخر – تعلّم لغات أجنبيّة للاطّلاع على الحضارة الإنسانيّة.

الفنّ والموسيقى: لغة عالميّة – تنمية الشعور الوطنيّ (الأغاني الوطنيّة – الفولكلور – التراث...).

التربية البدنيّة: نموّ جسديّ – روح رياضيّة – العمل الجماعيّ... عقل سليم في جسم سليم.

العلوم: المحافظة على نظافة البيئة وعلى الموارد الطبيعيّة – النظافة العامّة – الوقاية من الأمراض...

الرياضيّات: علم المنطق – الصح من الخطأ – قراءة الجداول البيانيّة (تضخّم ماليّ – زيادة عدد السكّان...).

هذه الموادّ مجتمعة هدفها تكوين إنسان ومواطن مثقّف واعٍ ومسؤول، ويمكن كلّ أستاذ انطلاقًا من مادّته التعليميّة أن يقوم بدور هامّ في التربية المواطنيّة شرط أن يكون مزوّدًا المعرفة والثقافة.

التربية البيئيّة

البيئة هي المسكن حيث تتعايش الكائنات الحيّة وتتكاثر، بمن فيها الإنسان (تيان، ص 11). وتُعرف البيئة بأنّها: "العالم من حول الإنسان"، أو ذلك القطاع من العالم الخارجيّ الذي يؤثّر تأثيرًا مباشرًا في الإنسان Unesco.

شهدت العقود الأخيرة تصاعدًا سريعًا للمشكلات البيئيّة على المستوى العالميّ كما على المستويين الوطنيّ والمحلّي، ما كان مصدر قلق في الأوساط الدوليّة وخاصّةً لدى التربويّين وواضعي المناهج المدرسيّة. من هنا جاء التركيز على التربية البيئيّة وكانت السبعينيّات "عقد التربية البيئيّة"، حين بدأ الكثير من البلدان ببذل الجهود لدمج عناصر التربية البيئيّة بنظمها التعليميّة. وقد عُقدت عدّة مؤتمرات حول البيئة تحت رعاية منظّمة Unesco، أهمّها في ستوكهولم العام 1972، والذي أكّد أنّ التربية البيئيّة وسيلة أساسيّة لمعالجة المشاكل البيئيّة.

ومؤتمر بلغراد العام 1975، تمّت فيه المصادقة على البرنامج الدوليّ للتربية البيئيّة الذي وضعته Unesco بالتعاون مع البامبيئة (برنامج الأمم المتّحدة للبيئة) وعُرف بميثاق بلغراد الذي وضّح أهداف التربية البيئيّة وغاياتها.

أهمّ أهداف التربية البيئيّة

- تكوين مواطن: عالميّ مدرك ومهتمّ ببيئته ومشكلاتها

- مسلّح بالمعرفة والمهارات والمواقف

- ملتزم العمل الفرديّ والجماعيّ

- مشارك في إيجاد حلول لمشاكل البيئة

أهمّ غايات التربية البيئيّة

- الوعي: مساعدة المواطن (الأفراد) على اكتساب الوعي إزاء البيئة ومشاكلها.

- المعرفة: إكساب المواطن (الأفراد) معرفة واسعة بالبيئة ومشكلاتها ودور الإنسان فيها.

- المواقف: مساعدة المواطن (الأفراد) على اكتساب القيم والمشاعر الوطنيّة بالاهتمام بالبيئة والمشاركة في صونها والمحافظة عليها.

- المشاركة: خلق الحسّ بالمسؤوليّة لدى المواطن إزاء المشكلات البيئيّة لضمان العمل المناسب بهدف حلّ تلك المشكلات.

مصطلح التربية البيئيّة ككيان قائم بذاته حديث العهد في العديد من البلدان. أخذ الوضع يتغيّر منذ السبعينيّات عندما بدأت المناهج المدرسيّة بالاهتمام أكثر فأكثر بالمشكلات البيئيّة، وأخذت بعدًا آخر وهو "التربية من أجل البيئة".

هناك تعريفات عديدة للتربية البيئيّة منها

- أنّها معرفة القيم والمواقف والمفاهيم المرتبطة بعلاقة الإنسان بثقافته وبيئته البيوفيزيائيّة  Biophysique وتوضيحها (فريد النجّار).

إنّها عمليّة إدراك القيم وتوضيح المفاهيم بغية تطوير المهارات والمواقف الضروريّة لفهم العلاقات التي تربط ما بين الإنسان وثقافته ومحيطه البيوفيزيائيّ وتقديرها. إنّها ممارسة اتّحاد القرارات الذاتيّة لنظام سلوكيّ بشأن القضايا المتعلّقة بنوعيّة البيئة (1970 Unesco).

دور التربية في التربية البيئيّة

كلمة تربية تعني تنشئة وتنمية هدفها تكوين فرد متكامل ومواطن مسؤول؛ هذه التربية التي تمتدّ من المهد إلى اللحد ولا تقف عند موت الفرد لأنّها عمليّة اجتماعيّة مستمرّة؛ إنّها نقل التراث من جيل إلى آخر. هذه التربية تبدأ باكرًا مع الأطفال وتستمرّ، إنّها عمليّة متطوّرة تخضع لعوامل التغيير. يدور محور التربية حول الفرد أي المواطن، هذا المواطن المزوّد قوت المعرفة التي تلقّاها منذ نعومة أظافره وخلقت عنده روح المواطنيّة التي تشمل محبّة الطبيعة وصون مواردها (أي احترام البيئة والمحافظة عليها).

من هنا فإنّ التربية البيئيّة أصبحت بعدًا من أبعاد حلّ مشكلة التلوّث البيئيّ من خلال غرسها للأخلاقيّات البيئيّة في وجدان الأفراد. وفي هذا الإطار يقول Leopold أستاذ البيئة الشهير: نحن نحقّق فكرة أخلاقيّة المحافظة على الأرض حين ننظر إليها على أنّها مجتمع ننتمي إليه، وبذلك يمكننا أن نستخدم الأرض بطريقة تنمّ على الحبّ والاحترام".

دور المدرسة في التربية البيئيّة

أجمعت المؤتمرات الدوليّة التي رعتها Unesco بالتعاون مع برنامج الأمم المتّحدة للبيئة، على أنّ للتربية دورًا رياديًّا في خلق الوعي لقضايا البيئة. من هنا ضرورة "أن تركّز المناهج التربويّة الحديثة بفلسفتها على اتّخاذ موقف إيجابيّ تجاه المحافظة على البيئة الطبيعيّة والاجتماعيّة وتجاه كيفيّة استعمال الموارد الطبيعيّة بطريقة عقلانيّة مدروسة" (جورج طعمه: التربية البيئيّة في لبنان، ص 7).

في هذا الإطار نرى وجوب أن يكون للمدرسة دور أساسيّ في وضع مناهج التربية البيئيّة، وتنظيم العمل التدريسيّ على أن يشمل جميع مراحل التعليم، ثمّ يأتي دور المجتمع ووسائل الإعلام والمنظّمات البيئيّة...

لا تقتصر التربية البيئيّة على مادّة معيّنة بل تشمل جميع الموادّ التعليميّة. فكلّ مدرّس يستطيع في أثناء قيامه بواجبه التعليميّ أن يثير انتباه التلامذة إلى أهميّة المحافظة على البيئة من خلال إرشادات تربويّة يعطيهم إيّاها. لا بدّ من تعاون جميع المربّين في ما بينهم لإنجاح عمليّة التربية البيئيّة القائمة على حلّ المشكلات التي تواجه تلوّث البيئة، وليس من الضروريّ أن يدرّس مادّة التربية على البيئة أستاذ مادّة علم الأحياء، فكلّ مربٍّ واعٍ قادر على أن يؤدّي هذا الدور، بالاستعانة بالمراجع المتوافرة عن التربية البيئيّة، وقد أصدرت Unesco سلسلة من الوثائق التي توفّر المبادئ التوجيهيّة في مجال تدريب المعلّمين ووضع المناهج الدراسيّة. ويبدو أنّ التربية البيئيّة قد حظيت بالتأييد أكثر ممّا ترجمت إلى أنشطة ملموسة في إطار المؤسّسات التربويّة ومناهج التعليم.

وتبيّن دراسة استقصائيّة (قامت بها Unesco) للمناهج التربويّة أجريت في 20 دولة (معظمها في البلدان النامية) أنّ غالبيّة هذه البلدان لم تُدرج التربية البيئيّة من مناهجها إلّا في حدود ضيّقة.

العناصر المشتركة بين التربية المواطنيّة والتربية البيئيّة

- الثقافة.

- عمليّة جماعيّة.

- عمليّة فرديّة.

- تطبيقها في المناهج المدرسيّة.

- دور الدولة في تنميتها.

- دور المدرسة.

- دور الأسرة.

- حقّ من حقوق المواطن (بيئة سليمة).

- نشاطات صفّيّة وغير صفّيّة.

- زيارات ورحلات تثقيفيّة.

- مواطن متكامل.

- مواطن متمتّع بالقيم وبحسن السلوك.

- تطبيقات علميّة.

- إستخدام الوسائل (أفلام – قصص – صور).

- قيم ومواقف وسُلوك.

الخاتمة

تتطوّر التربية المواطنيّة والتربية البيئيّة وتنموان من طريق استخدام الكتاب المدرسيّ والرحلات الميدانيّة والتطبيقات العلميّة العمليّة والصور والأفلام والرسوم البيانيّة والخرائط.

إنّ التخطيط العلميّ السليم مطلوب في عالمنا العربيّ أكثر منه في البلدان الأخرى، لأنّ الموارد الطبيعيّة في بلداننا تعرّضت لفترة طويلة من الاستغلال غير المنظّم الذي نتج منه تدمير الجزء الأكبر من الغابات والمراعي الطبيعيّة، وانقراض الكثير من أنواع الحيوانات أو انخفاض عددها انخفاضًا ملحوظًا.

والطريقة التي يتمّ فيها استغلال البيئة تهدّد مستقبل الأجيال المقبلة، لذا فالمحافظة على البيئة مسؤوليّة تقع على عاتق الجميع. فعلى المواطن التنبّه وإدراك مخاطر التطوّر على بيئته، فعليه السعي إلى المحافظة عليها واحترامها والتقيّد بالشروط المتّبعة لصيانتها.

فالمواطن الذي نسعى إلى وجوده لا يبنى من طريق التلقين والوعظ بل من خلال جعله عنصرًا أساسيًّا في العمليّة التربويّة من خلال المشاركة التي تبدأ من غرفة الصفّ ثمّ تنتقل إلى المجتمع. هذه المشاركة تتطوّر من طريق الاطّلاع على القضايا الاجتماعيّة التي تتضمّنها موادّ الاجتماعيّات لأنّها تدور حول الإنسان ونشاطاته، والتربية المواطنيّة في صلب نشاط المواطن وسلوكه وارتباطه بوطنه.

الموطن = بيئة سليمة، سلامة البيئة من سلامة المواطن.

أهمّ مبادئ الأنشطة المتعلّقة بالتربية المواطنيّة والتربية البيئيّة

أكتشف        أفهم        أبادر

Je découvre – Je comprends – Je réagis

من بين الأنشطة الصيفيّة واللاصيفيّة التي تنمّي معرفة الطالب أهميّة المواطنة والبيئة، اخترنا بعض الأمثلة: 

تلوّث الهواء – المحافظة على البيئة المحليّة – المحافظة على الغابات.

I – تلوّث الهواء: نعرّف الأولاد على أهميّة الهواء في حياة الإنسان والنبات.

  • نعرض صورًا تعبّر عن الهواء النقيّ وصورًا توضّح بعض مسبّبات التلوّث كمدخنة يتصاعد منها الدخان – أكوام قُمامة تحترق – أشخاص يدخّنون.
  • تعليق الأولاد على الصور.
  • نسأل الأولاد عن الآثار المترتّبة على تلوّث الهواء:

1. الإصابة بالأمراض

2. القذارة

-   نناقش مع الأولاد كيفيّة الوقاية من تلوّث الهواء:  

1. الابتعاد عن رائحة الدخان  

2. عدم حرق القمّامة

3. الإكثار من زراعة الأشجار لأنّها تساعد على تنقية الهواء.

4. تهوئة المكان

-    نقوم باختبار سريع في الصفّ، يشارك فيه الجميع. تحضير إناء زجاجيّ وقطعة مزدوجة من الشاش الأبيض.

-    نشعل ورقة صغيرة ونضعها في الإناء.

-        نغطّي الإناء بقطعة الشاش، ويلاحظ الأولاد بعد فترة تغيّر لون قطعة الشاش التي تتحوّل من الأبيض إلى اللون الداكن.

-    فيلاحظ الأولاد عدم خروج الدخان من الإناء. إنّ قطعة الشاش هي التي منعت الدخان من الخروج، وهذا ما يعرف "بالمُرشَّحِ" (Filtre).

1. نعرّف الأولاد على هدف Filtre الذي يجب أن تستخدمه المصانع ليبقى الهواء نقيًّا. وفي النهاية نطلب من الأولاد مطالعة بعض الكتب المتعلّقة بتلوّث الهواء.

2. إقتطاع الصور من المجلّات التي تعبّر عن البيئة النظيفة والملوّثة.

3. تحضير بطاقتين من الورق مرسوم عليهما وجه طفل مبتسم ووجه طفل عابس.

4. يلصق الأولاد الصور المعبّرة عن البيئة النظيفة على ورقة الوجه المبتسم وعلى الأخرى الصور المعبّرة عن البيئة الملوّثة. (أنظر: منهج رياض الأطفال بالوطن العربيّ "وحدة بيئتي" إعداد: سميرة عبد العال).

II – المحافظة على البيئة المدنيّة

يقصد بالبيئة المدنيّة المحيط الطبيعيّ والاجتماعيّ والتربويّ والإداريّ الذي تعيش فيه مجموعة من السكّان، والعلاقات التنظيميّة التي تربط فيما بينها. تقوم هذه العلاقات على مجموعة من العناصر، منها ماديّ، يتكوّن من شوارع المدينة وسكّانها وكيفيّة جعل الحياة سهلة وتحديد حريّة الفرد تجاه حريّة الآخرين. ومنها معنويّ أي العاطفة الوطنيّة المدنيّة وإرادة العيش المشترك: فكلّ اعتداء على القانون، وكلّ إهمال لحقوق الإنسان، ومخالفة قوانين السير يعتبر هدمًا للبيئة المدنيّة. إنّ تعلّم المحافظة على البيئة المدنيّة يبدأ مع الطفولة. الأهل في البيت والمربّون في المدرسة، مثل المحافظة على نظافة البيت والمدرسة والشارع، عدم مخالفة أنظمة السير، عدم استخدام منبّهات السيّارات إلّا للضرورة، احترام الجيران وحريّتهم وراحتهم، عدم إطلاق النار في المناسبات.

يقع على عاتق المدرسة والأهل تعريف الولد على القوانين العامّة، مثل الحريّة، هذه الحريّة التي نصّ عليها القانون لكنّه رسم لها حدودًا تنتهي عند حريّة الآخرين.

إنّ التزام الأنظمة يرسّخ فينا عادات المحافظة على حقوق الغير. فعلينا أن نطلب من الأولاد القيام بإجراءات عمليّة لترسيخ هذه القيم والمواقف:

  • كيفيّة التعاطي مع الجيران.
  • كيفيّة التصرّف في الشارع: مساعدة العجوز والأطفال وهم يجتازون الشارع.
  • إحترام الملكيّة الخاصّة (سلوكه في التعاطي مع أخوته ومع أثاث المنزل...).
  • إحترام الملكيّة العامّة (سلوك المواطن الصالح – عدم العبث بأملاك الدولة – عدم قطع الأشجار).

ومن الوسائل اللازمة لمنع هدم البيئة المدنيّة: وسائل الإعلام التي تؤدّي دورًا هامًّا في التربية المواطنيّة. ومن المستحسن دعوة التلامذة إلى إعداد يافطات وملصقات تنتقد المعتدين على الأرصفة والطرقات ومخالفي أنظمة السير. وتصوير أفلام قصيرة وعرضها على التلفزيون وإشراك الأطفال والطلّاب في تنفيذها وحثّ الأهل وجميع أفراد المجتمع على مشاهدتها (مشهد عائلة تضرم النار في البريّة لإعداد الطعام ثمّ تترك المكان ممتلئًا بالأكياس والفراغات من دون إخماد النار، وتتمّة المشهد تكون بالتهام مساحة من الغابة...).

ومن النشاطات الصيفيّة، وضع نموذج مصغّر لقانون السير يتدرّب عليه التلامذة وهم يلعبون. إقامة يوم نظافة وإشراك التلامذة فيه. وطلب كتابة أو رسم لوحات تدعو للمحافظة على البيئة المدنيّة.

هدف هذه الأنشطة تكوين شخصيّة الولد وإشباع حاجاته لاكتشاف العالم المحيط به من كائنات حيّة وظواهر طبيعيّة، وتعريفه بالممارسات الإيجابيّة للمحافظة على البيئة ومواردها، والممارسات السلبيّة المتلفة والمدمّرة للبيئة ومواردها. وهكذا تساهم التربية في تكوين شخصيّة الإنسان المواطن الصديق للبيئة.

المراجع

  1. برباري سوزان، أسرار ونصائح البيئة، الشركة العالميّة للكتاب، بيروت، 2004.
  2. التربية البيئيّة: دراسة مسحيّة مقارنة حول دمج التربية البيئيّة بالمناهج المدرسيّة، UNESCO، سلسلة التربية البيئيّة 17، 1989.
  3. التربية البيئيّة: عمليّة وضع منهج دراسيّ لتدريب المعلّمين قبل الخدمة. UNESCO، سلسلة التربية البيئيّة 26، 1988.
  4. تيّان أنطوان، البيئة والأديان، ج1، بيروت، 2011.
  5. جرجس (ميشيل) وحنّا الله (رمزي كامل)، معجم المصطلحات التربويّة. مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1998.
  6. الطائي (إياد عاشور) وعليّ (محسن عبد)، التربية البيئيّة، المؤسّسة الحديثة للكتاب، بيروت، 2010.
  7. طعمه جورج، التربية البيئيّة في لبنان. منشورات الجامعة اللبنانية، بيروت، 1987.
  8. عبد العال سميرة، منهج رياض الأطفال بالوطن العربيّ: وحدة بيئتي. المنظّمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 2007.
  9. العكره أدونيس، التربية على المواطنيّة، دار الطليعة، بيروت، 2007.
  10. فريحه نمر، فعّاليّة المدرسة في التربية المواطنيّة، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، 2002.
  11. نجّار فريد، المعجم الموسوعي لمصطلحات التربية، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 2003،
  12. نصّار ناصيف، في التربية والسياسة، ط.2. دار الطليعة، بيروت، 2005.   
  13. CHARRON (Denis) et CHARRON (Jacqueline), Éducation à l’environnement, éd. DP, Grenoble, 2005.
  14. FLONNEAU Monique, L’éducation à la citoyenneté aux cycles 2 et 3, éd : Nathan, Paris, 1998.
  15. GIOLITTO (Pierre) et CLARY (Maryse), Éduquer à l’environnement, éd : Hachette, Paris, 1994.

 


* أستاذة محاضرة في كلّيّة التربية – الجامعة اللبنانيَّة، تعليم الاجتماعيّات.

 
تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق