لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

خالد محمّد عبده

مجادلة حول قطعة من الصليب
من تاريخ العلاقات المسيحيّة اليهوديّة الإسلاميّة في مصر في العصر الوسيط

ثمّة نصوص مسيحيّة قديمة جمعها القسّ بولس سباط وانتخبها من خزانة كتبه الخطّية وعلّق عليها ونشرها تحت عنوان: "مباحث فلسفيّة دينيّة لبعض القدماء من علماء النصرانيّة" بالقاهرة العام 1929. من جملة هذه النصوص مقالة في الردّ على اليهود والمسلمين الذين يتّهمون النصارى بعبادة الأصنام، لسجودهم للصليب وإكرامهم صور المسيح والسيّدة والقدّيسين، صنّفها مار إيشوعياب بن ملكون مطران نصيبين. وهو نسطوريّ، عاش في القرن الثالث عشر، وتظهر المقالة - بالرغم من وجازتها- معرفة المطران بالعقائد الإسلاميّة وبالحجج الجدليّة، فإذا رأى المسلم أنّ تعظيم الصليب نوع من عبادة الأصنام والشرك يجيب المطران على ذلك قائلاً: "وليس تقبيلنا أو سجودنا نحو الصليب بأكثر من تقبيل الحجر الذي بمكّة والسجود نحو البيت من جميع جوانبه، فكما لا يلزم المسلمين أن يكونوا إذا قبّلوا الحجر وسجدوا نحو البيت عابدين له دون الله، كذلك لا يلزم النصارى أن يكونوا إذا قبّلوا الصليب لمعناه لا لذاته أن يكونوا قد عبدوه، فليس كلّ مسجود له معبودًا"[1].

يتذكّر القارئ هذه المجادلة ومثيلاتها عندما يطالع نشرة جديدة لنصّ تراثيّ. فالكتاب الذي بين أيدينا نصّ مجادلة مسيحيّة حول قطعة من الصليب، تنتمي إلى نصوص الأدب الجدليّ والدفاعيّ الاعتذاريّ في مصر. وتضمّن الكتاب ترجمة للنصّ ومقدّمة تضع النصّ في السياقات التاريخيّة والأدبيّة والدينيّة علاوةً على عدد من الفهارس المفيدة للباحثين. يتّخذ النصّ شكل مجادلة بين مسيحيّ قبطيّ، ويهوديّ، ومسيحيّ ملكيّ في بلاط الخليفة المسلم الذي يصير هو الآخر قطبًا مجادلًا. وتجري أحداث النصّ في القرن السابع الميلاديّ في عهد عبد العزيز الملك، أخي الخليفتين مروان (ت 684/685) وعبد الملك (ت705). تبدأ الأحداث عند اكتشاف قطعة من الصليب ضمن ممتلكات يهوديّ ويبدأ الخلاف حول من سيستحوذ على القطعة. يشارك في الجدال بطرك الإسكندريّة القبطيّ واسمه أنبا يونس، ويهوديّ اسمه هارون، ومسيحيّ ملكيّ لم يُسمَّ. بعد انتصار القبطيّ يختم النصّ بحوار حول الصلب مع الخليفة المسلم ينتهي باستحواذ القبطيّ على قطعة الصليب.

إعتمد المحقّقون على ثلاث مخطوطات (اثنتين من المكتبة الوطنيّة في باريس وواحدة من الجمعيّة القبطيّة في لوس أنجلس) واستبعدوا رابعة من المتحف القبطيّ في القاهرة لا تضيف شيئًا. وأشار المحقّقون إلى قطع قبطيّة وصلت إلينا من النصّ نفسه. ولغة النصّ لغة عربيّة وسيطة فيها أثر عاميّ وقد أبقى المحقّقون على اللغة الأصليّة خدمةً للباحثين المعنيّين بتطوّر العربيّة وتاريخها. وأشار المحقّقون في الهوامش إلى الخلاف بين المخطوطات والإحالات إلى الكتب المقدّسة ويلاحظ أنّهم أثبتوا نصّ هذه الخلافات في هوامش الترجمة الإنكليزيّة.

تمحورت المجادلة في أغلبها على جملة من العقائد المسيحيّة سنشير إلى بعضها في صلب هذا المقال، لكنّنا نحبّ أن نصف هذه المجادلة بـ(المجادلة القبطيّة) حيث يعلو فيها الصوت القبطيّ وينتصر، تمامًا كشأن المجادلات الإسلاميّة في العصور الإسلاميّة الأولى، فلا صوت من الخارج يمكنه أن ينتصر، ولا تستوي الحجج وقت المجادلة، ولا يترجّح بالعقل شيء على شيء، ولا يمكن إظهار فساد اعتقادين في وقتٍ واحد. ويرى المحقّقون أنّ النصّ شاهد قيّم على كيفيّة اقتباس الأقباط الكاتبين بالعربيّة لغة علم الجدل الإسلاميّ لمعالجة قضايا تخصّ جماعتهم. وبهذا كان الأقباط يحاولون بناء هويّة عربيّة مسيحيّة خاصّة للكنيسة القبطيّة في مصر في مواجهة الخلافات الدينيّة الداخليّة والخارجيّة. فالقضايا والأدلّة المطروحة كما يشرح محقّقو النصّ لا تُعنى بموادّ الجدل المسيحيّ – اليهوديّ - الإسلاميّ التي يمكن الأقباط استعمالها في وجه خصومهم فحسب، بل تتعدّى ذلك إلى شرحٍ لعقائد قبطيّة ليست موضوع جدل.

إنّ بعض نصوص الجدل الدينيّ كان حظّها حسنًا، فنُسبت إلى أصحابها وإلى زمانها، وتأكّدت تلك النسبة بالأدلّة التاريخيّة وبالنقل عن النصوص في سياقات أخرى وأزمنة مختلفة، لكنّ هذا النصّ فيما يظهر من صياغته وأبطاله ينتمي إلى قسمٍ آخر، لا يُعرف على وجه الدّقّةِ صاحبُه، ولا أبطاله، ولا يُقطع بزمانه، مهما كانت اللغة جزلة أو ركيكة، فيذكّرنا هذا النصّ منذ لحظة قراءته الأولى بنصّ رسالة الخليفة عمر بن العزيز إلى الملك ليو، ونصّ طيماثوس جاثليق النساطرة إلى الخليفة المهدي[2]، ونصّ عبد المسيح الهاشمي إلى الكندي[3]، وغيرها من نصوصٍ انصرفت جهود بعض الباحثين إلى دراستها عبر النقد الخارجيّ ونقد المتن، وانشغل كثيرون بنسبة النصوص ورفضها واعتبارها مختلقة. وقد ناقش المحقّقون قضيّة نسبة النصّ وتاريخه ورجّحوا نسبته إلى بدايات القرن الحادي عشر الميلاديّ على أبعد تقدير اعتمادًا على أدلّة داخليّة.

في هذا المقال سأحاول قراءة النصّ عبر موضوعه الذي أهتمّ به مقارنًا بينه وبين نصوص جدليّة أخرى، ومن المهمّ في البداية أن نذكر أنّ هذه المجادلة لم تكن موجّهة إلى المسلمين – كما يظهر من أسلوبها؛ فالمتلقّي هو القارئ القبطيّ كما أشرنا سابقًا. من هنا يجب أن نفهم أمرين: الأمر الأوّل أنّ شاغل المجادل/البطرك هو إثبات صحّة معتقده وأصالته، وأنّه وحده الأصوب من دون غيره من ألوان التديّن الأخرى المسيحيّة. الأمر الثاني أنّه مشغول بالردّ على اتّهام المسلمين للنصارى بالتثليث وغيرها من الأفكار التي باتت تقليدًا متّبعًا في الجدل الإسلاميّ المسيحيّ.

   سبق أن عرض يوحنّا الدمشقيّ عقيدة التوحيد عرضًا وافيًا في عمله الموسوم بِـ(الهرطقة المئة) و(مناظرة بين ساركانيّ ونصرانيّ)[4]، بالرغم من وصفه عباراتِ القرآن عن العقيدة المسيحيّة بأنّها لا تستحقّ إلّا السخريّة. وقد وصف "ساهاس" يوحنّا في دراسته[5] بدقّة الاستشهاد بالقرآن وهو أمرٌ محلّ نظر. ومن الواضح أنّ ما أثار السخريّة عند "يوحنّا" ليس حقيقة أنّ الله "أحد" "صمد" "لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد"، بقدر ما يتعلّق الأمر بما ذكره القرآن عن عيسى بوصفه "كلمة الله" و"روح منه" مع التأكيد أنّه مجرّد نبيّ، وليس إلهًا أو ابن إله.  وكذلك تتعلّق السخريّة بما ذكره القرآن عن الصلب، وأنّ اليهود شُبّه لهم، فصلبوا ظلّه كما يقول "يوحنّا". هذا الذي يثير السخريّة ولا يستحقّ إلّا الضحك؛ لأنّه عبث لا طائل منه[6].

يختلف الأمر عند البطرك أنبا صاحب المناظرة حول قطعة الصليب، فحينما يسأله الملك قائلًا: "إنّ في كتابنا مكتوبٌ أنّ الله لم يتزوّج بامرأة ولا يولد له ولدٌ، بل هو [أي المسيح] روح الله وكلمته قال له كن فكان"[7]. يجيبه البطرك: إذا كان هو كلمة الله كيف أكل وشرب وعمل كلّ شيء مثلنا سوى الخطيئة؟ فيجيب الملك: هو إنسان إذن. فيكمل البطرك من أجل إثبات عقيدته: إن كان إنسانًا فكيف أقام الموتى وصيّر الماء خمرًا وعمل العجائب التي قد وصفتُ لك اليسير منها؟ هنا لا يتوقّف الملك عن الإجابة فليس في القرآن ما يشير إلى تحويل الماء خمرًا، وإن ذُكر من معجزات المسيح أنّه أقام الموتى ونفخ فيها فاستعادت حياتها. بل يُكملُ الملكُ جواباته: "إنّه روحُ الله وكلمته"، ليكمل البطرك حواره فمن الذي أمسكوه وعلّقوه على خشبة الصليب؟!

لا يعلّق البطرك على نفي الملك المسلم موت المسيح وصلبه، فالمصلوب في نظره كان لصًّا عُلّق بجوار السيّد المسيح في لحظة الآلام وهو ما يمكن معرفته عبر الأناجيل لا القرآن وأحاديث النبيّ، ولا يُعلّق البطرك على تصوّر المسلم نهايةَ السيّد المسيح، بل ينتقلُ إلى محاولة إلزامه بما لا يلزم به، فإذا كان الشخص الذي صُلب كبديل للمسيح عبر إلقاء شبه المسيح عليه، ألا يمكن الشكّ في عدل الله؟ (فالآن صيّرت الله ظالمـًا أنّه أسلم إليهم بريئًا صلبوه)، فيردّ الملك أنّ هذا المصلوب كأضحية للمسيح يستحقّ هذا الجزاء لأنّه لصٌّ، والله لا يظلمُ أحدًا. لا يحاول البطرك هنا أن يتحدّث عن العقيدة المسيحيّة مثبتًا أو نافيًا مزاعمَ الملك، وينتقل للحديث عن عدل الملك وظلمه، فيما نشاهد عبر متابعة محاورته مع مخالفه في الملّة وخصمه اليهوديّ أنّه لا يترك مسألة من مسائل الاعتقادات إلّا ويقدّم جوابًا مسكتًا عليها، وسرعان ما يتحوّل مفعول الجواب إلى نوع من الكرامة، فيصبح خصمه مؤمنًا بعد أن كان كافرًا بما يقول[8].

وإن كانت نهاية الملك المسلم التسليم للخصم وعدم تحوّله إلى المسيحيّة، فإنّ الانتصار كان من نصيب البطرك كذلك، إذ أنطق الملك قائلًا: "بحقٍّ إنّي صرتُ قدّامك مثل الأخرس، لا أطيقُ على جوابك، وقد خاطبتُ فلاسفة كُثرًا ومنجّمين وغيرهم، ولم أر فيهم مثلك، وبحقٍّ ليس على الدّنيا دين غير دين النصرانيّة، فهو الدينُ الصحيحُ"، وأمر الملكُ بإكرامِ البطركِ وحِفظِ جنابه وإجلاله وسرّحه بسلام[9].

من الصعب على المسلم تصوّر أحد الحكّام والخلفاء مقرًّا بصحّة الديانة المسيحيّة، ومسلّمًا لأحد البطاركة بما يقوله، كما يصعب تصوّر إقرار الملك المسلم بأحقّيّة الديانة النصرانيّة من دون أن يبذل البطرك أيّ أدلّة عقليّة أو نقليّة في محاورته، في وقتٍ كانت الحكّام تكلّف العلماء المسلمين بالدّفاع عن الإسلام وإظهار عظمته[10].

سيلاحظ القارئ منذ البداية أنّ المجادلة مع اليهوديّ التي أقامها (أنبا يونس) النصرانيّ تحاول تأويل النصّ التوراتيّ تبعًا للرؤية المسيحيّة، ويصوّب فيها البطريرك لليهوديّ المعاني التي فهمها خطأً من النصّ الذي يؤمن به ويعتقد كلّ ما جاء فيه، وطبيعيّ أن ينتصر البطرك وتكون رؤيته هي الصّواب، وتؤوّل النصوص كلّها التي لا تخدم فكرته، بل وتضرب النصوص بعضها بعضًا، ويحدث الإيمان فجأة من دون أسباب ظاهرة فيصيح اليهوديّ "إنّي أومن بسيّدي يسوع المسيح أنّه ابن الله الحيّ وأنا أسألك يا أبي أن تعمّدني في هذه الساعة أنا وأهل بيتي" [11].

لا يختلف أمر التحوّل إلى الإسلام من خلال قراءتنا بعضَ النصوص الجدليّة عن التحوّل إلى النصرانيّة، فلا نكاد نعثر على معلومات قيّمة بهذا الشأن عند أغلب المتحوّلين إلى الإسلام والمساهمين في أدبيّات الجدل والدفاع، ونذكر هنا مثالًا عليّ بن ربّن الطبري، فلا يذكر في مؤلّفاته الجدليّة والعلميّة التي وصلت إلينا أسباب تحوّله عن النصرانيّة[12]، كمثل التي يسردها السمؤال بن يحيى اليهوديّ المغربّي في "قصّة إسلامه"[13] أو غيره من المهتدين إلى الإسلام، ما يجعل باب الاجتهاد مفتوحًا لاستنباط تلك الدوافع، اعتمادًا على الحدس والتخمين؛ كمثل ما فعل "بروكلمان" في ترجمته لعليّ الطبريّ، حيث اعتبر دخول عليّ الطبريّ في الإسلام قهرًا من الخليفة العبّاسيّ المعتصم بالله، وكما فعل "جان موريس فييه" مُستقرئًا لظروف عصر الطبري وحال المتحوّلين إلى الإسلام في هذا الوقت [14].

وعلى الباحث أن يتتبّع تلك الشذرات التي أوردها الطبري في مؤلّفاته؛ إذ يذكر في كتابه الدين والدولة أنّ عمّه [صاحب كتاب الردّ على أهل الأديان] اعتبر أنّ البلاغات من المشتركات بين الأديان، لا يبزُّ بها دينٌ على غيره، كما رأى أنّ أغلب من أسلم تابعًا لنبيّ الإسلام دخل في دينه دونما آية أو معجزة شهدها، ما لا يعطي الإسلامَ أيّة مزيّة، أو يمنحه رابطة سماويّة [15].

وكان أبو عليّ الطبري (المُلقّب بـ ربَّن) عالمًا بالإنجيل، ومترجمًا عن اليونانيّة، ومتألّهًا أيضًا، وهو الأمر الذي أثّر في تأسيس عقليّة ابنه وتشكيله وتهذيبه الروحيّ، إضافةً إلى صقل ذهنه بسجال عمّه وجداله، وقد كان أبوه في خدمة العلم قائمًا في بلاد المسلمين وتحت رعايتهم، وإذا كان عليّ الطبريّ قد أسلم في سنّ السبعين من عمره، فربّما كفلت له هذه النشأة وتلك الظروف مناخًا جيّدًا للبحث والمقارنة بين الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة، ليخرج من ذلك معتنقًا الإسلامَ متنصّلًا عن غيره.

إنّ اقتباسات الطبري عن التوراة والإنجيل، وترجمته كثيرًا من ألفاظه، وإتقانه كثيرًا من اللغات القديمة، ساعدته في الاطّلاع الوافر على الوثائق الخاصّة بهذه الديانات، مقارنًا بينها، متوصّلًا إلى نتائجه، ويدعم هذا القول ذلك التحليل الوجيز المركّز الذي يورده الطبري في كتابه الدين والدولة[16]، فلا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يُصدر ذلك الوصف الدقيق للقرآن إلّا بعد قراءته قراءةً متأنّية، مقابلًا ذلك بما خلّفته خبرته بالتوراة وكتب الأنبياء والمزامير والأناجيل.

وإذا اعتبرنا أنّ ثمة مقارنة وبحثًا واطّلاعًا قام بها الطبري، وما يذكره الطبري في رسالته في الردّ على النصارى "ولا سبيلَ إلى معرفة الأفضل من الأرذل إلّا باختبار؛ ولا يكون الاختبار إلّا بالعقل ؛ ولولا العقل لَمَا عُرِفَ أن لنا صانع [...] ومن لم يستعمل العقل جَهِلَ ، ومن جهل فقد ضلَّ"[17].

جاز لنا أنّ نرجّح أنّ الطبري قام برحلة بحث في الأديان حتّى وصل إلى الإسلام، ومن ثمّ أراد أن يعلن ذلك، فوجد في تأليفه كتابًا يناقش فيه معتقداته السابقة أفضل إعلان، آملًا أن تنتشر نتائج بحثه العقليّ؛ حتّى يعمّ خيرها على أبناء عمومته، متنصّلًا به عن ضلاله القديم.

علَى أنّ الطبري يتحدّث عن تجربته من خلال نصّ قصير يذكره في مقدّمة الردّ على النصارى يحسن ذكره هنا؛ إذ يقول:

"ولقد دعاني القديم من ذلك إلى أن ألفت كتابي هذا لِلتَّنصُّلِ من دين النصرانيّة والإعذار والنصيحةِ للنصارى كافّة ولئلّا يقول قائل منهم، أو من غيرهم : إنّي إنّما تركتُ دين النصرانيّة الذي كنت عليه من أوّل عمري إلى أن بلغتُ من العمر سبعين سنة، ورغبت في دين الإسلام الحنيفيّ؛ كي أبيع دُنيا بدين، أو سرورًا بغرور؛ بل ما توخّيتُ فيما ألَّفتُ من كتابي هذا إلّا: القُرْبَى إلى الله عزّ وجلّ، والإعذارَ والإنذارَ إلى كافّة النصارى ورجوتُ أن يكونَ ذلك على طريق النصيحةِ لهم؛ وإن كُنتُ لا أشكّ أنّهم يردُّون وجوههم عنه وآذانهم، وينقلبون، ولا يَقبلون" [18].

فربّما كان هذا النصّ قاطعًا لتكهّنات يمكن أن تثار إزاء إسلامه، أو أن يكون الطبري مُدافعًا بالفعل عن أقوال وُجِّهت إليه من قِبَل نصارى معاصرين له أو مسلمين قاموا بسؤاله؛ وخاصّةً أنّ هذه الفترة كانت شاهدة على تحوّلاتٍ من قِبل كثيرين مثله إلى الإسلام [19]، ممّا حدا بعمّار البصري (وهو عالم مسيحيّ معاصر للطبريّ)[20] أن يعزو أسباب هذا التحوّل والنفور من دين النصارى، إلى استعمال الإسلام للسيف، وبصرف النظر عن الأسباب التي ذكرها عمّار، فإنّنا إذا راجعنا الأخبار الخاصّة بهذه الفترة، وجدنا أنّ المتوكّل على الله قام بحملة شديدة على الكُتّاب، وكان جلّهم من النصارى، وجرّدهم من ممتلكاتهم، وزجّ ببعضهم في غيابات السجون، وألزم العامّة من النصارى بشروط شديدة تقييدًا لحريّاتهم [21]

فلا نستطيع إذن أن نغضّ الطرف عن سياسة الدولة آنذاك، وفي الوقت نفسه لا نستطيع أن نجازف بالادّعاء أنّ إسلام الطبري كان خوفًا من نكبة تحلّ به وهو في سنّ متقدّمة، سواء أكان ذلك ساعة استيلاء الدولة في خلافة المعتصم على طبرستان، أم في غضون موقف المتوكّل من النصارى، وتبنّي الدولة سياسة التضييق عليهم.

وذلك على الرغم من أنّ موقف الطبري الصامت، ودعمه فكرةَ السيف في الإسلام وأثره، فضلاً عن تأكيده انتشاره به، وجعل "غلبة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم آية من آيات النبوّة" وإدخال الناس كرهًا في دين الإسلام [22]- قد يدعم صحّة فرضيّة عمّار البصري بشأن إسلام الطبري والنصارى في عصره.

بالعودة إلى نصّ المجادلة حول قطعة الصليب، سنلاحظ لونًا من ألوان التناصّ، ففي حديث البطرك مع الملكي حول تجسّد السيّد المسيح ترد عبارات يمكن أن نقرأها في المجادلات المسيحيّة الإسلاميّة : "فلمّا تجسّد أبصروه بأعينهم ولمسوه بأيديهم" [23]تذكّرنا بآية من آيات سورة الأنعام[24] بالرغم ممّا تتّسم به لغة المحاورة في أغلبها من ضعف مقارنةً بغيرها من النصوص الجدليّة، إذ تشبه في أسلوبها قصّة عثور القدّيسة هيلانة على خشبة الصليب[25]، والكتابات المسيحيّة المتأخّرة.

بقي أن أشير إلى أهميّة درس هذه المجادلة مقارنةً بغيرها من النصوص التي تتحدّث عن "الصليب في الإسلام"، فأغلب الكتابات العربيّة الحديثة تضرب صفحًا عن مثل هذه المجادلات ولا تلتفت إلّا إلى ما يُدوّن في المصادر الإسلاميّة فحسب. فللمحقّقين جزيل الشكر على عنايتهم العلميّة بهذا النصّ وإخراجه بهذه الطبعة الأنيقة والدقيقة والعلميّة التي تخدم القارئين بالعربيّة والإنكليزيّة.

 

* مدير أبحاث (قسم الموروث الدينيّ) بمركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلاميّ. له كتبٌ وعشرات الأبحاث والمقالات المنشورة.

[1] راجع بولس سباط، مباحث فلسفيّة دينيّة لبعض القدماء من علماء النصرانيّة، نشرها بالقاهرة العام 1929، ص190 وما بعدها.

[2] أصل المحاروة باللغة السريانيّة، وهناك ترجمة أولى لها نُشرت في مجلّة المشرق بعناية لويس شيخو في المجلّد 19 ص359-374، 408-418 ثمّ أعيد نشرها أكثر من مرّة في المجلّة حديثًا، ونُشرت كتابًا في سلسلة "الشرق المسيحيّ" بدار المشرق تحت عنوان: "البطريرك طيموتاوس الأوّل أو الكنيسة والإسلام في العصر العبّاسيّ الأوّل، دراسة تاريخيّة وتحقيق لنصّ المحاورة بين البطريرك والخليفة المهدي"، بقلم بوتمان اليسوعيّ، بيروت 1986. ويمكن التأكّد من البيانات التوثيقيّة للمحاورة من خلال العودة إلى دراسة محمّد حمدي البكري التي تعدّ أقدم دراسة عربيّة معاصرة للموضوع (أنجزها العام 1947 ونُشرت في مجلّة كليّة الآداب، بجامعة القاهرة، راجع: المجلّد التاسع، العدد الأوّل والمجلّد 12 جزء 2 ص42 وما بعدها).

[3] خصّص عبد المجيد الشرفي فصليّة في كتابه الفكر الإسلاميّ في الردّ على النصارى حتّى القرن الرابع الهجريّ عن رسالة الهاشمي إلى الكندي [ص ص123-128 نشرة الدار التونسيّة]، والعودة إليها تجعل موقف محمّد حمدي البكري من الشكّ في الرسالة ونسبتها مرجّحًا، وتجعل القطع في نسبتها إلى المؤلّفين محلّ دراسة، كما أنّ الأستاذ الشرفي عرض للرسالة عرضًا مفصّلاً انتهى من خلاله إلى نتيجة مفادها أنّ كاتب الرسالة المسمّى (الهاشميّ) مجرّد اسم مستعار استعمله المؤلّف المسيحيّ قصد إضفاء صبغة واقعيّة على (الحوار/الجدل) الذي وضعه ورمى من ورائه إلى وضع حدٍّ لدخول النصارى في الإسلام، ولا يمكن بالتالي أن تدرج رسالته ضمن الآثار الإسلاميّة التي اهتمّت بالنصرانيّة.

[4] عُرّبت نصوص يوحنّا الدمشقي الجدليّة الهرطقة المائة، ومناظرة بين ساركاني ونصراني ونُشرت عن اللغة اليونانيّة العام 1998، من دون بيانات، [لا يُذكر فيها اسم المعرّب وصاحب الحواشي على نصّ يوحنّا].

[5]  قدّم ساهاس في دراسته نصوصَ كلٍّ من يوحنّا الدمشقيّ وتيودور أبي قرّة، والتي نشرها في ثلاثة ملاحق في كتابه:

Daniel J. Sahas, John of Damascus on Islam: the “heresy of the Ishmaelites”, E. J. Brill, Leiden 1972, pp. 132-159.  الملحق الأوّل (ص: 132-141) وهو الفصل رقم 100، أو رقم 101 بحسب اختلاف المخطوطات من القسم= =الثاني من كتاب ينبوع المعرفة عن "البدع". أمّا الملحق الثاني (ص: 142-155) فهو من تحرير ثيودور على لسان يوحنّا بعنوان "الجدل بين الساركانيّ والمسيحيّ"  Disputatio Saeaceni et Christiani، أمّا الملحق الثالث (156-159) فهو مواصلة للجدل بين المسيحيّ والمسلم. لفت نبيه أمين فارس نظر الدارسين منذ أكثر من خمسين عامًا إلى ضرورة درس هذه النصوص في كتابه دراسات عربيّة، دار العلم للملايين، بيروت 1957، ص29.

[6]  راجع في ذلك دراسة نصر أبي زيد: "الجدل اللاهوتيّ الإسلاميّ المسيحيّ في فترة التكوين الثقافيّ العربيّ في القرنين السابع والثامن الميلاديّين" دراسة غير منشورة، وقد تفضّلت زوجته الكريمة بتزويدي نسخة منها وقت إعداد هذه القراءة، فلها جزيل الشكر.

[7]  تبدو رؤية "يوحنّا الدمشقي"  أقوى تماسكًا وتعبيرًا عن الرؤية المسيحيّة، إذ يصيغ رأيه بوضوح: أنّ عقيدة القرآن عن المسيح هي عقيدةٌ مضطربة؛ فكيف يعترف القرآنُ بأنّه "كلمة الله" وأنّه "روح منه" ثمّ يقول إنّه مع ذلك "مخلوق" مثل سائر المخلوقات، وأنّه مات كما يموت سائر الخلق، من دون أن يكون قد صُلِب ثمّ عاد إلى الحياة قبل أن يُرفع إلى جوار أبيه؟ في رأي "يوحنّا" أنّ هذا التناقض يفضي إلى تصوّر أنّ "الله" قبل أن يخلق "الكلمة" و"الروح" كان بلا "روح" وكان بلا "كلمة"، وهنا يردّ الصاع صاعين للمسلمين: إذ كيف تتّهموننا بالشرك وأنتم تقولون إنّ المسيح كلمة الله وروح منه؟ فالكلمة والروح لا ينفصل أيّ منهما عن الواحد الذي انبثق منه. وعلى هذا إذا كان "الكلمة" في الله، فهو الله بلا شكّ. ولو كان الكلمة خارج الربّ فإنّ الله، طبقًا لتصوّركم، بلا كلمة وبلا روح. هكذا في محاولة نفي الشريك عن الله عطّلتم  الألوهيّة. ألم يكن القول بأنّ له شريكًا أفضل لكم من التعطيل وتصوّره كما لو كان حجرًا أو خشبًا، أو أيًّا من الجمادات؟‍ وعلى ذلك فاتّهامكم الباطل إيّانا بالشرك لا ردّ عليه سوى أن ندعوكم معطّلة. راجع الجدل اللاهوتيّ الإسلاميّ المسيحيّ، السابق نفسه، ص16-17. يمكننا من خلال رؤية يوحنّا متابعة صورة النبيّ في الأدبيّات الدفاعيّة المبكّرة، لكنّنا بأيّ حال من الأحوال لا نعثر داخل مجادلة البطرك على تصوّر متماسك حول النبيّ أو القرآن، إذ يغلب على المجادلة الاهتمام بصياغة العقيدة المسيحيّة وطرحها بصورة تقريبيّة للعوامّ، لا للّاهوتيّين أو علماء الكلام الإسلاميّ.

[8]  راجع مجادلة حول قطعة من الصليب، من تاريخ العلاقات المسيحيّة اليهوديّة الإسلاميّة في مصر في العصر الوسيط، نشرة دار المشرق بيروت، 2012 ص77-79.

[9]  السابق نفسه، ص79.

[10] بدايةً من القرن الثاني الهجريّ نعرف أنّ الجاحظ كتب الردّ على النصارى إرضاءً للخليفة المتوكّل، ومن قبله عليّ بن ربّن الطبري كتب الدّين والدولة في إثبات نبوّة النبيّ والدفاع عن الإسلام، ونصّ على أنّه قد ساعده في هذا التأليف الخليفة المتوكّل أو المعتصم، وحتّى القرن الثامن الهجريّ نجد أنّ تقيّ الدين الجعفريّ كتب تخجيل من حرّف التوراة والإنجيل تلبيةً لطلب السلطان كما أهدى الجعفري كتابه البيان الواضح المشهود من فضائح النصارى واليهود إلى الملك الكامل، وحسبما ذكر هو بنفسه أنّ السلطان كلّفه تكليفًا رسميًّا بالردّ على النصارى فقال: "كان طاغية الروم الإمبراطور قد أرسل إلى السلطان الكامل رحمه الله في سنة ثماني عشرة وستّمائة عدّة مسائل يطلب من المسلمين الجواب عنها. فأشار من أمره واجبٌ، وطاعته ضرب لازب، أن أصنع مسائل تتعلّق بدينهم الباطل، ومذاهبهم، وكشف أسرارهم، وأوضح اضطراب مذهبهم، وما اشتملت عليه صلاتهم". راجع: ورقة (5) من المخطوط، نقلاً عن ص36 من النصّ المحقّق، نسخة غير مطبوعة، أطروحة دكتوراه أعدّها الباحث خليل شوكت العام 1996، بكليّة أصول  الدين - جامعة الأزهر. 

[11] راجع مجادلة حول قطعة من الصليب، ص48.

[12] بخلاف ما يذكره بعضُهم من أنّ الطبري، كغيره من مسلمة أهل الكتاب، روى قصّة إسلامه، وليس هناك مصدر يمكننا تتبُّع المعلومة فيه. راجع بهذا الشأن نصًّا أورده د. عبد الرحمن بدوي في مقدّمته لكتاب الحكمة الخالدة لمسكويه، ص15 ط، مكتبة النهضة المصريّة، 1952.

[13] طُبعت هذه القصّة مع ردّه على اليهود، أكثر من نشرة، راجع نشرةً بتحقيق محمّد عبد الله الشرقاوي، دار الهداية، 1986، ونشرة دار الحرمين، القاهرة، 2001.

[14] راجع: جان موريس فييه، أحوال النصارى في خلافة بني العبّاس، ص128، 129.

[15] راجع الدين والدولة في إثبات نبوّة محمّد، نشرة منغانا، ص124، 125. ويأتي الطبري مباشرةً بعد عرضه هذه الفكرة ليناقشها، انظر: ص125 وما بعدها.

[16] السابق نفسه، ص44-48.

[17] الردّ  على النصارى، مخطوط  شهيد باشا عليّ،  2/أ.

[18] الردّ على النصارى، مخطوط، 2/ب.

[19] راجع : جان موريس فييه، أحوال النصارى في خلافة بني العبّاس، ص142.

[20] عمّار البصري كاتب مسيحيّ نسطوريّ مجهول، عاش في القرن التاسع الميلاديّ، من مؤلّفاته كتاب البرهان، حقّقه وقدّم له ميشال الحايك، بيروت، 1977 - مقدّمة بالفرنسيّة (ص 13-91) - المقدّمة بالعربيّة (ص 7-18) - النصّ (ص 19-90). وكتاب المسائل والأجوبة، حقّقه وقدّم له ميشال الحايك، بيروت، 1977 - النصّ (ص91-265)، وصدر كلاهما عن دار المشرق.

[21] راجع الكامل في التاريخ ط دار الكتب العلميّة، 6/98. وقارن طه الحاجري في كتابه عن "الجاحظ" حيث قرن بين إعلان الدولة خصومتها للنصارى في أيّام المتوكّل، والثورة التي قادها البطارقة في أطراف الدولة من جهة بلاد الروم..، واستأنس بقول الجاحظ (كتاب الحيوان 4/28) في الكلام على بعض رؤساء النصارى : "وفي حكمهم أنّ من أعان المسلمين على الروم يُقتل، وإن كان ذا رأي سملوا عينيه ولم يقتلوه".

[22] الدين والدولة، نشرة منغانا، ص50، 51.

[23] راجع مجادلة حول قطعة من الصليب، ص50.

[24] "وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ"، سورة الأنعام، الآية 7.

[25] نُشرت هذه القصّة اعتمادًا على مخطوطة دار الكتب المصريّة 1649 بعناية الدكتور إسحق عبيد في مجلّة الجمعيّة المصريّة للدراسات التاريخيّة، مجلّد 17، العام 1970، ص5-21.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق