لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ

نصر حامد أبو زيد: جرأة نقد الخطاب الدينيّ موضوعيًّا

مقدِّمة

يُعَدُّ المفكِّر المصريّ نصر حامد أبو زيد (10 تمّوز 1943 -5 تمّوز 2010)، أحد أعلام النهضويّين العرب المعاصرين الذين تبنّوا مبادئ الحداثة بانفتاح ومن دون عقد نفسيَّة، وأعلنوها بجرأة طريقًا إلى التحرّر من التخلّف والركود. ولقد أثارت كتاباته، ولا سيّما تلك التي تناول فيها مسألة الخطاب الدينيّ، وما يُلحق به من مسائل قراءة النصّ الدينيّ وتأويله، عاصفة من السجالات انتهت بإصدار محكمة الأحوال الشخصيَّة في القاهرة قرارًا بفصله عن زوجته في منتصف تسعينيَّات القرن الماضي، على أساس اعتباره غير مسلم، وبالتالي عدم جواز زواج مسلمة بغير مسلم. ونظرًا إلى الظروف التي سبقت قرار المحكمة وأعقبته ووضعت حياته في خطر، غادر أبو زيد وزوجته إلى هولندا فأقاما فيها إلى أن عاد إلى مصر بهدوء قبل سنة من وفاته.

كان لدراسات أبي زيد في تفكيك الخطاب الدينيّ بغية نقده وقعها الشديد، ليس لرصانتها ومنهجها العلميّ المتين فحسب، بل لأنَّها برزت في وقت بدأت فيه الاشتراكيَّة العربيَّة تتراجع عن الساحة السياسيَّة والشعبيَّة العربيَّة في أعقاب هزيمة 1967، وبدء الإسلام السياسيّ بملء الفراغ تدريجيًّا وبقوّة. والحال أنَّ فكره لم يفقد شيئًا بعدُ من حاليَّته وصلاحيَّته، وبوجه خاصّ كتابه بعنوان:نقد الخطاب الدينيّ[1]،وفيه يُبيِّن العناصر التي تكوّن الخطاب الدينيّ وتتحكَّم بمنطقه؛ كان هذا الكتاب بمثابة القشَّة التي قصمت ظهر البعير في ما خصّ علاقته بالمؤسَّسة الدينيَّة وبخصومه. والمهمّ في هذا الصدد أنَّ أبا زيد لم يرمِ في عمله إلَّا تحرير الدِّين من قبضة خطابه، لإيمانه بأنَّ الدِّين عنصر أساسيّ في كلِّ مشروع نهضة.

إنّ الهدف من هذه المقالة إلقاء الضوء على أفكار أبي زيد الأساسيَّة في هذا الكتاب بغية إبراز صوابيّة رأيه في ما خصّ الحالة الإسلاميَّة الراهنة في العالم العربيّ، بالرغم من أنَّ فكره كان متأثِّرًا ببيئته المصريَّة وظروفها الخاصَّة.

أوَّلًا - الخطاب الدينيّ بين التطرّف والاعتدال: وجهان لعملة واحدة!

تدور مسألة تأويل النصّ الدينيّ في حلقة مفرغة بسبب السجال الإيديولوجيّ النفعيّ الذي يثيره "اليمين الإسلاميّ" و"اليسار الإسلاميّ" على السواء، سجال يطغى على الخطاب العقلانيّ، ويُعطي الخطابَ الدينيّ الغلبة في نهاية المطاف. وليس من مخرج لهذا المأزق إلاّ في وعي طبيعة النصوص الدينيَّة وعيًا علميًّا. فمن شأن هذا التوجّه أن يجعل من الدِّين ما يجب أن يكون عليه، ألا وهو حافز على التقدّم والعدالة والحريَّة، وقد تحرَّر هو نفسه من الخرافة والأسطورة. وهذا التوجّه هو بالتحديد ما تمثّله العلمانيَّةُ في صميمها؛ فالعلمانيَّة لا تساوي الإلحاد كما يروّج بعضهم زورًا، وليست فصل الدِّين عن المجتمع كما يتهيّأ لبعضهم الآخر.

يتراوح الخطاب الدينيّ بين نزعة متطرِّفة وأخرى معتدلة، ولكنَّ الاختلاف بينهما يقتصر على حقل تطبيق المبادئ، وليس على المبادئ بحدّ ذاتها. فلا عجب أن تكون عناصر بنية الخطاب الدينيّ بنزعتَيه هاتَين هي نفسها، وإنْ كانت تلك العناصر ظاهرة في الخطاب الأوَّل وخفيَّة في الثاني. ولعلّ أهمّ هذه العناصر: الحاكميَّة والنصّ الدينيّويُضاف إليهما التكفير.

ينطوي مفهومُ الحاكميَّة الذي قام عليه فكر أبي الأعلى المودوديّ وسيّد قطب، على رفض التعدديَّة والاختلاف من جهة؛ ومن جهة ثانية، على المقابلة بين ما هو إنسانيّ وما هو إلهيّ مع تغييب حقيقة التأويل بصفته عملًا إنسانيًّا. فيصبحُ المفهوم هذا مرجعًا ذا صفة إلهيَّة لا تُمسّ، وينهي دور العقل، في حين أنَّه يعتمد تفسيرًا إنسانيًّا خاصًّا للنصّ. وأمَّا النصّ الدينيّفهو ضحيَّة الخطاب الدينيّ. ذلك أنَّ هذا الخطاب يمنع فهم النصّ في الواقع الراهن، بل تراه يفهم الواقع في ضوء قراءته الحرفيّة للنصّ الذي يعتبره بيِّنًا بحدّ ذاته، فيلغي بذلك التاريخَ وديناميَّته واللغةَ وتغيُّرَ مفاهيمِها طوال العصور، ويقع في الجمود والأسطورة. وأمَّا التكفيركما يبرز في فكر المؤسَّسة الدينيَّة الرسميَّة بوجه خاصّ، فلا يطاول الحكّام والمجتمعات، بل يركّز على تكفير أعمالٍ في حقول الفكر والفنّ والآداب وغيرها التي تُعدُّ خطرًا على الدِّين. وفي الواقع، يؤلِّف هذا التكفير نفسه جزءًا من إيديولوجيا الدولة لتبرير سياساتها وكم أفواه خصومها.

وفضلًا عن الاشتراك في بنية الخطاب الدينيّ، يعتمد أصحاب النزعتَين المعتدلة والمتطرّفة على الآليَّات نفسها في طرح المفاهيم، وأهمّها: أوَّلًا، "التوحيد بين الفكر والدِّين" بمعنى أنَّ للإسلام مفهومًا واحدًا ثابتًا على مرّ العصور وفي مختلف المجتمعات، وبالتالي لا مكان لأيّ تعدديَّة فعليَّة، وإبقاء هذا المفهوم ملكًا لرجال الدّين؛ وثانيًا، "ردّ الظواهر إلى مبدأ واحد" هو "الحاكميَّة" الإلهيَّة التي تُلغي دور الإنسان؛ وثالثًا، "الاعتماد على سلطة السلف أو التراث" بطريقة غير قابلة للنقاش ودمجها في الدِّين نفسه من خلال الخطاب الدينيّ، بحيث تصبح النصوص الثانويَّة مماثلة إلى حدٍّ بعيد النصوص الأوليَّة، بل وتكتسب النصوص الثانويَّة أحيانًا كثيرة منزلة أوّليَّة والنصوص الأوّليَّة منزلة ثانويَّة؛ ورابعًا، "اليقين الذهنيّ والحسم الفكريّ القطعيّ" أي الموقف الذي يدّعي تملّك الحقيقة الكاملة والشاملة، ويرفض كلّ خطاب لا يتأصّل في الإسلام؛ وخامسًاوأخيرًا، "إهدار البُعد التاريخيّ وتجاهله"، ويتجلَّى أساسًا بالحنين إلى عصر ذهبيّ ماضٍ يجب إعادة إنتاجه في الحاضر.

ثانيًا- التوفيقيَّة المستحيلة بين الإسلام السياسيّ واليسار

عرف المشهد السياسيّ العربيّ إبَّان الحرب الباردة وفي أعقاب هزيمة 1967، تقاربًا بين الإسلام السياسيّ والعلمانيَّة الاشتراكيَّة. وقد حيَّرت هذه الحالة العديد من المفكّرين والمراقبين، إذ بدا وكأنَّ ثمَّة زواجًا سريًّا قائمًا بين الطرفَين يُبشِّر بمستقبل واعد. ولكن إذا تمَّ تحييد العامل النفسيّ الناتج من الهزيمة العسكريَّة الذي يخلق جوًّا استثنائيًّا يسمح بمثل هذه الصيغ اللاعقلانيَّة، لا يمكن عقائديًّا الكلام على أيّ تزاوج أو تقارب أو توفيقيَّة بين الطرفَين. وهنا تبرز أهميَّة مساهمة أبي زيد في هذا السياق، إذ ينطلق من كتابات الدكتور حسن حنفي الذي نادى بيسار إسلاميّ وإصلاح دينيّ باسم هذا اليسار، ليبيِّن أنَّ هذه البُنى الفكريَّة تنطوي على قراءة النصوص الدينيّة قراءةً مُغْرضة، إذ ترفع شعارات العلم والموضوعيَّة والبحث المجرَّد، وتخفي توجّهاتها الإيديولوجيَّة المبطّنة. إذ إنَّها ترفض منهج التحليل التاريخيّ، فتصبح، في نهاية الأمر، قريبة من خطاب "اليمين الإسلاميّ". وكلاهما يجعلان الأصل في الماضي ويريان في الحاضر فرعًا؛ يرفع الأوَّل شعار "تجديد التراث هو الحلّ"، وينادي الثاني بأنّ "الإسلام هو الحلّ". لقد باتت المفاهيم القديمة والمعاصرة متوازية ومتشابهة. لذا، كما شأن "اليمين الإسلاميّ"، يقع "اليسار الإسلاميّ" في نهاية المطاف تحت هيمنة النصّ تبعًا لتفاسير التراث السائدة؛ فإنَّه يكرّس رؤية لا تاريخيَّة للنصّ الدينيّ. والحال هذه، ماذا يَبقى من اليسار وعلمه وعلمانيّته؟

ثالثًا - ضرورة التمييز بين الدِّين والفكر الدينيّ

إذا كان الدِّين يرتبط بنصٍّ مقدَّس ثابت تاريخيًّا، فالفكر الدينيِّ ليس مقدَّسًا ولا يكتسب صفة الديمومة، وهو محكوم بالقوانين البشريَّة وظروف المكان والزمان. ولكن ليس في هذا التعريف أيُّ نقدٍ سلبيّ لهذا الفكر، بل، على نقيض ذلك، إبرازُ أهميَّته في عصرنة معنى النصّ. ذلك أنَّ هذا الفكر، بقدر ما يواجه مسائل الزمن في بيئته الخاصَّة، ويسعى ليكشف عناصر التقدّم والتطوّر ويعزّزها، ويعزلُ عناصرَ التخلّف، يفتحُ الحاضر على المستقبل. فهكذا يكون للدِّين دوره الفعَّال في حياة المجتمع والإنسان. وليس هذا بالقول بالجديد، فروَّاد النهضة العربيَّة نادوا به منذ القديم، ودعوا إلى تأصيله في بنية الثقافة الدينيَّة والعربيَّة.

ولكنّ المشكلة تكمن في أنَّ الفكر الدينيّ التقليديّ السائد يفرض تفسيره النصوص، فينزع عنها طابعها التاريخيّ، ويُضفي عليها بُعدًا إلهيًّا، مكتفيًا بتبرير الواقع والدفاع عنه، بل يميل إلى العودة بالواقع إلى عصور سالفة. وترى هذا الفكرَ عينه يتحكَّم، ويا للأسف، بمختلف حقول العلوم والأدب والفنون ليعيق تقدّمها والإبداع فيها، فضلًا عن خدمته سياسة النظام.

لا يمكن فصل النصوص الدينيَّة عن ثقافتها ولغتها التي تنتمي إليها، ولا عن زمان انتمائها. لذا، فلا من مانع يحول دون إمكانيَّة إخضاع النصّ القرآنيّ للدرس والتحليل وفقًا لمناهج البشر، مع الحفاظ على طبيعته الإلهيَّة. وفي الواقع، يجعل هذا النهج نفسه بالإمكان التأسيس لمفاهيم عقليَّة جديدة تواكب التطوّر وتساهم في تحسين الحياة، على خلاف التأويلات الحرفيَّة التي تنطوي على توجّهات إيديولوجيَّة لا تعارض التقدّم فحسب، بل تعاديه.

خاتمة

بجرأة علميَّة موضوعيَّة وأسلوب واضح لا يخلو من الحدَّة، يكشف نصر حامد أبو زيد عن أحد الأسباب الرئيسيَّة الكامنة وراء حالة الركود والتخلّف التي يعيشها العالم العربيّ والإسلاميّ، ألا وهو الخطاب الدينيّ الأسير في سجن الماضيّ. ذلك أنَّ توقّف الاجتهاد يوجِّه الحاضر إلى الماضي عوض مواجهة تحدّيات الحاضر بتطلّع إلى المستقبل، ويُغَلِّبُ التفاسير البشريَّة على النصّ الأصليّ، ويجعل النصوص الثانويَّة محلَّ النصوص الأوّليَّة. وإضافة إلى هذا الواقع المأسويّ بل وبسببه، يتمّ توظيف هذا الخطاب بصيغتَيه اليساريَّة واليمينيَّة على السواء لخدمة مصالح القوى التي يمثِّلها أو يخضع لها.

لذا، ليس من مخرج لهذا المأزق إلاَّ بالتفريق بين الدِّين والفكر الدينيّ، وإطلاق حريَّة هذا الفكر ليؤوّل النصَّ الأصليَّ تأويلًا علميًّا راهنًا يتوافق ومسائل زمانه ومكانه، فيصبح للدِّين مساهمته في النهضة المرجوَّة، ويستعيد دورَه في التحفيز على العدل والحريَّة. وتبقى العلمانيَّة الإطار السليم الذي يسمح بالقيام بمثل هذه المبادرات الإصلاحيَّة الإنقاذيَّة، وقد فُهمت فهمًا صحيحًا بعيدًا عن اتِّهامها بالإلحاد وفصل الدِّين عن المجتمع وحياة الإنسان.

 

* مدير دار المشرق، وأستاذ محاضر في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.

[1]الدكتور نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الدينيّ، الطبعة الرابعة، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2008. صدرت الطبعة الأولى في بداية تسعينيّات القرن المنصرم.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق