لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب وليم سيدهم

مساهمة في تجديد الخطاب الدينيّ

1- مصطلح "لاهوت التحرير"

كلمة "لاهوت"

هذه الكلمة"لاهوت" كلمة عامّة وقديمة، استخدمها المسيحيّون بصفة عامّة، وأصلها يونانيّ "Theology" وتتكوّن من مقطعين Theosومعناه "الله"... وLogosمعناه "علم".. الكلمتان معًا تعطيان مصطلح "علم الله".. والمقصود بعلم الله هو تعلّم كلّ شىء يمتّ إلى الله بصلة مثل (صفاته، أسمائه، أفعاله، أقواله).. وموقف الناس من الله مثل (الإيمان به - الكفر به – الشكّ فيه - البشارة به - التحدّث عنه) وكذلك الكتب المقدّسة التي أوحى بها مثل الكتاب المقدّس أو المُنزلة مثل القرآن الكريم... إلى آخره.

وصنّفت هذه المعارف تقليديًّا تحت عناوين مثل "لاهوت العقيدة" أو "اللاهوت الرعويّ" كلّ تخصّص يتحدّث عن الله وضعت أمامه كلمة "لاهوت".. يقابل علم اللاهوت في المسيحيّة علم الكلام في الإسلام. 

كلمة "التحرير"

كلمة خاصّة ظهرت العام 1968 فى أمريكا اللاتينيّة، جاءت من كلمة حريّة.. وهي خبرة روحيّة يعيشها المؤمن بالمسيح، حينما يدرك أنّه في أثناء التأمّل فى حياته الشخصيّة اليوميّة وعلاقاته بالناس الآخرين، مؤمنين أو ملحدين أو باحثين عن الله.. أنّ هناك قوّة تتفوّق عليه وتحبّه، وتعمل على نموّه وتحقّقه بالنسبة إليه هو شخصيًّا هي قوّة الله جل جلاله، يساعده على التحرّر من خطيئته وضعفه ومن القيود التي تعرقل انطلاقه، وليس التحرّر على المستوى الذاتيّ وحسب، ولكنّه أدرك أنّ هذا التحرّر لا يكتمل إلاّ بتحرّر الآخرين مثله، والعمل على تحريرها من القيود نفسها التي تحرّر هو منها، وهذا ما أدركه رجال الكنيسة الكاثوليكيّة فى أمريكا اللاتينيّة، واختبروا فكرة التحرّر أنّهم عاشوا فترة قاسية تحت حكم الحكومات العسكريّة التي كانت تقيّدهم وتمنعهم من ممارسة حقّ التعبير، كالمشاركة فى الانتخابات ومنعهم بالقوّة من الإدلاء برأيهم، بحجّة أنّه ضدّ الأمن القوميّ أو السلم الاجتماعيّ.. وبالتالي كلمة التحرير تحتوي على شحنة وخبرة كبيرتين للرغبة في تغيير سلميّ للأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة باسم الله المحرّر.. المشكلة الآن أنّ الناس يعتقدون أنّ التحرير كلمة سياسيّة، يربطونها فورًا بالعنف، وبالتالي تلويح الديكتاتوريّين للفقراء بأنّ استخدام مصطلح التحرير هو التدخّل فى سياسة أمن الدولة، هو مغالطة كبرى القصد منها الإبقاء على كلّ القيود على الفقراء، حتّى لا يتغيّر الوضع من الديكتاتوريّة إلى ممارسة غالبيّة المواطنين حقوقهم السياسيّة والثقافيّة.. والإلحاح على هذه المغالطة يجعلنا نمحص كلمات الحكّام جيّدًا ونحلّلها، لنعرف دوافعها غير الأخلاقيّة التى تريد احتكار البشر والحجر لأنانيّتها البشعة، كلّ ذلك باسم الله وبالتالي فنحن أمام مفهومين ورؤيتين للعلاقة بالله، مفهوم استدعاء الله لقهر البشر واستدعاء الله لتحرير البشر.. فنحن مع أيّ المفهومَيْن؟.. ولماذا؟

2- "الحبّ التفضيلىّ للفقراء"

قرّر مجلس أساقفة أمريكا اللاتينيّة المنعقد فى مدينة "مدللين" بدولة كولومبيا مبدأ "الحبّ التفضيليّ للفقراء".. خلفيّة هذا القرار هي الاقتداء بالمسيح الفقير ومُحبّ الفقراء "كما جاء للإنجيل". وهذه خلفيّة كتابيّة، فحياة المسيح الفقيرة بدأت من ولادته فى مزود بقر وليس في أحد قصور القدس، ثمّ عمله نجّارًا في الناصرة مع يوسف، ثمّ شفاؤه البرص والعميان والعرج والكسحان، وكسره الخبز لمجموعة الفقراء ونقده المستمرّ للأغنياء مثل "الغنيّ ولعازر"و"الغنيّ الغبيّ" و"الكرّامين القتلة"...إلخ. أفعال الحبّ هذه دفع ثمنها غاليًا على يد أدعياء الدين من بني دينه أنفسهم بالحكم عليه بالقتل بحجّة "ازدراء الأديان"!!

السبب الثانى الرئيسيّ للاختيار التفضيليّ هو التحليل الاجتماعيّ الذي توصّل بأساقفة أمريكا اللاتينيّة إلى أن وضع ملايين الفقراء المسيحيّين فى القارّة، واستقلالهم كعبيد فى المزارع الشاسعة لمجموعة من كبار المُلّاك المسيحيّين.. أيضًا استقرّ ضميرهم وقرّروا العمل على تحرير القارّة من طغيان كبار المُلّاك المسيحيّين المتضامنين مع الكنيسة الرسميّة والانتقال من المعسكر التقليديّ لرجال الكنيسة المُشارك - بوجهٍ غير مُعلن - في استمرار اللاعدالة إلى معسكر الدفاع عن العدالة، والعمل جنبًا إلى جنب فى هذه النقطة فقط مع دعاة الاشتراكيّة والاعتراف بوجود صراع طبقيّ يخترق المجتمع الكنسيّ والمسيحيّ.

إنّ هذا الحبّ التفضيليّ ليس "كالكلام المدهون بالزبدة"، بل هو فعل محبّة يترجم في مواقف وقرارات يوميّة ترفض الظلم وتتحمّل نتائجه.. لأنّ حبّ الظالم هو التنديد بظلمه لتحريره من الطمع والجشع، والحديث هنا عن الغفران للظالم هو حديث فاسد، لأنّه خلط للمفاهيم ولعب على الألفاظ، يجب تفنيده وفضحه، لأنّ الغفران لا معنى له إذا كان من تغفر له لا يغيّر ظلمه بل يصرّ على فعلته.

ومن هو المحتاج إلى الحبّ؟.. الخاطئ الذي يتغيّر ويتبع طريق الصواب؟.. أم الخاطئ الذي يصرّ على أن يتّخذ من ظلم الفقراء منهجًا لحياته بدافع الجشع والسلطة والأنانيّة المفرطة؟ 

فماذا تفضّل؟.. التنديد بالظلم والظلمة أم الصمت على الظلم تجنّبًا للمشكلات تحت غطاء كاذب "محبّة الفقراء".. واللي في القلب في القلب؟

3- مصطلح "الكاهن خادم قبل أن يكون حارسًا للعقيدة"

لقد غيّر لاهوت التحرير مفهوم دور الكاهن فى البنية التراتبيّة للكنيسة الكاثوليكيّة في أمريكا اللاتينيّة، فصفات "الخدمة" و"المعايشة" و"المرافقة" حلّت محلّ صفات الآمر والناهيّ، وصاحب السلطة والصولجان والمتحدّث باسم الله.. واعتُبر الكاهن مختارًا من الناس وليس من طينة مختلفة عن الباقين، ومُكلّفًا بناءً على دعوة كنسيّة باسم المسيح ليتضامن مع الفقراء، ويتأمّل فى أحوالهم "ويُصلّي معهم وبهم ومن أجلهم" كما فعل المسيح مع معاصريه، كذلك فهو "خادم "بمعنى أنَّه يعمل على إطلاق طاقاتهم "الروحيّة" و"الفكريّة" و"الوجدانيّة" و"الجسديّة" وذلك لمجد الله ليس في أثناء "القداس" أو في ممارسة الأسرار الكنسيّة وحسب، بل في "مشاركتهم المدنيّة" كأعضاء ومواطنين في المدينة وفي الوطن.

ويعمل "الخادم" على توعية المؤمنين بأنّ الكنيسة جزء من المدينة أو القرية أو الوطن، تتقدّس بها الأسرة والحيّ والمدينة.

ويحافظ "الكاهن الخادم" على نضارته "الروحيّة" بألّا يتعالى على المؤمنين والمواطنين، ولا ينعزل عن نضالاتهم اليوميّة وانكساراتهم وانتصاراتهم الصغيرة، من دون أن يفقد هويّته الإيمانيّة الملتصقة بالله وبشخص المسيح المحرّر أبدًا.

4- القطيعة الإبستمولوجيّة

وكلمة "إبستمولوجية" كلمة يونانيّة مكوّنة من قطعتين "Epistème" وتعنى "معرفة " و"Logy" ومعناها "علم" وأوّل من استخدمها المفكّر الفرنسيّ "جاستون بلاشار".

وهى مصطلح مهمّ جدًّا فى لاهوت التحرير، والمقصود به رفض أو قطع العلاقة المعرفيّة بالغرب الرأسماليّ.. والمعروف أنّنا نحصل على ما نعرفه من مصادر كثيرة، مثل التليفزيون أو الفضائيّات بأنواعها، والكتب والمجلّات والصحافة، ومن الأصدقاء ومن الأعداء... إلخ.. وأيّ هذه المصادر قد يكون واسع الموارد أو ضيّق المعارف، موثوق فيه أو غير موثوق، خيّرة أو ضارّة، عقلانيّة أو غيبيّة، إيمانيّة أو إلحاديّة...إلخ.

كذلك قد نحصل على معارفنا من كتب أجنبيّة غربيّة كانت أو شرقيّة، وبعد هذا التوضيح قام لاهوتيّو التحرير برفض الحصول على معارفهم اللاهوتيّة والتاريخيّة والعقائديّة من الكنائس واللاهوتيّين الغربيّين من روما وباريس وبرلين والولايات المتّحدة الأميركيّة وإنجلترا... إلخ.. لماذا؟

لأنّ إنتاج المعرفة بأنواعها محكوم في رأيهم بحالة الغنى والفقر، وبالتالي تخاطب مؤمنين يعيشون رغد العيش، أو مؤمنين تحت حدّ الفقر، فلكلّ من هؤلاء تساؤلات ومصالح ومطالب تختلف بعضها عن بعض، وبالتالى اختاروا أن يبدأوا قراءة الكتاب المقدّس في ضوء ظروفهم الفقيرة والمعوّقة، ورفضوا "التعميم المخلّ" لمعارف لاهوتيّة من كل نوع قادمة من الغرب الرأسماليّ، وتفرضها السلطة الكنسيّة على جميع الكاثوليك فى أفريقيا وآسيا، ظنًّا أنّ وحدة الإيمان المسيحيّ الكاثوليكيّ تفترض تطبيق كلّ المعارف اللاهوتيّة بكلّ أنواعها العقائديّة والرعويّة والأخلاقيّة...إلخ.. تفترض تطبيقها فى كلّ زمان ومكان، وهذا خطأ استمرّ لعشرات السنين فى فرض هيمنة المعارف اللاهوتيّة والتاريخيّة والثقافيّة... إلخ على المسيحيّين فى البلدان الفقيرة.

وبالتالى يبدأ اللاهوت الصحيح من خلال قراءة الواقع الزمانيّ والمكانيّ، وما يفرزه من تساؤلات وتحدّيات يتمّ في ضوئها استنطاق النصوص الكتابيّة.

ويجب التمييز بين المعارف العلميّة والتكنولوجيّة والحكم على المناهج الإنسانيّة المطلوب تعلّمها من الغرب الرأسماليّ وبين المعارف اللاهوتيّة والتاريخيّة كما ذكرنا.

ومثال لتطبيق القطيعة المعرفيّة بوجهٍ واضح هو قرار مجلس الأساقفة الأمريكيّ اللاتينيّ مبدأ "الحبّ التفضيليّ للفقراء" - الذى ذكرناه سابقًا - والذي نتج منه بداية قراءة تاريخ أمريكا اللاتينيّة من زاوية دور الفقراء ومسيرتهم فى صنع تاريخ دول أمريكا اللاتينيّة، وصدور أحد الكتب تحت عنوان "قوّة الفقراء" ودورهم فى التغييرات والتحوّلات التاريخيّة الكبرى.

5- "المسيح" قبل "المؤسّسة الكنسيّة"

"الْحَجَرُ الَّذِى رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَة" (مز 118: 22).

فالمسيح هو مخلّص الكنيسة وليس العكس وهو السبب الوحيد لوجودها، فهو الذى ضحّى بحياته حبًّا فيها ودعاها إلى الوجود، لأجل أن تكون علامة بين الناس تشهد بقوّة قيامته وموته إلى منتهى الدهر.

وفي ظروف أمريكا اللاتينيّة الضاغطة، وتحت سطوة الحكومات العسكريّة التي أقامتها الولايات المتّحدة الأمريكيّة من طريق الانقلابات وأجهزة المخابرات، بحجّة الدفاع عن المسيحيّة ضدّ المدّ الشيوعيّ، اختبر الفقراء - وهم غالبيّة سكّان أمريكا اللاتينيّة - أصناف الظلم ووقعوا ضحيّة لهذا الصراع متعدّد الأبعاد بين قطبيالعالم فى ذلك الحين.. الاتّحاد السوفياتيّ والولايات المتّحدة.. وكان صراعًا متعدّد الأبعاد.. بعده الأوّل: صراع بين طريقتين في تقسيم الموارد البشريّة، الطريقة الاشتراكيّة والطريقة الرأسماليّة، والبعد الثاني: صراع على امتلاك الأسواق لتوزيع السلع المُصنّعة بين القوّتين، وصراع على بسط النفوذ والقوّة بين المتنافسين بطريقة تخدم مصالحهم الجشعة على حساب الفقراء.

وبما أنّ رجالات الكنيسة فى أمريكا اللاتينيّة من أساقفة وكهنة وشمامسة، ورهبان وراهبات وعلمانيّين وعلمانيّات كانوا يمارسون رسالتهم الروحيّة والاجتماعيّة والثقافيّة، من خلال المؤسّسات التعليميّة الدينيّة والثقافيّة المنتشرة في البلاد، فبالضرورة كانت لهم علاقات ممتدّة، ومصالح مختلفة لدى الحكومات العسكريّة.. ومن هنا نشأت الإشكاليّة الكبرى، كيف للمؤسّسة الكنسيّة أن توفّق بين تعاليم المسيح عن العدل والرحمة والمحبّة والسلام الاجتماعيّ، وتحتفظ فى الوقت نفسه بعلاقة وديّة بالحكومة العسكريّة، والطبقة الحاكمة التي تدّعي هي نفسها أنّها تدافع عن الحضارة المسيحيّة والكنيسة بقوّة السلاح، بل ترتكب المجازر وتنتهك المقدّسات وتحقّر الضعفاء، وتصادر الحريّات وتفرض الوصاية على الملايين من المسيحيّين.

كان ردّ لاهوت التحرير "المسيح" قبل المؤسّسة المسيحيّة" وبالتالى فإنّ المؤسّسات الكنسيّة التي "هجرها" المسيح لأنّ الإيمان فيها أصبح مجرّد "شعار" لتغطية صراع كبار اللواءات والعائلات المالكة "فقدت" سبب وجودها، لأنّ الكنيسة تستمدّ شرعيّتها وقيمتها من شخص المسيح ومن صاروا على دربه، وليس من ذاتها ولا من الحكّام العسكريّين وقد دفعت الكنيسة الكاثوليكيّة فى أمريكا اللاتينيّة ثمن اختياراتها من قتل وخطف وتعذيب الكهنة والرهبان والأساقفة، واحتفظت ودافعت عن حريّتها وإيمانها واستقلالها.. وكذا أسهم توجّه لاهوت التحرير فى إعادة وتقويم تأسيس الكنيسة على المسيح فعلًا وقولًا وأعاد الأمور إلى نصابها الصحيح.. وما زالت تطوّر نفسها، وتسهم في بناء المجتمعات والدول في أمريكا اللاتينيّة.

6- مصطلح "الفعل Praxis"

الإبركسيس هي القراءة الثالثة في القدّاس القبطيّ بعد قراءة "البولس" و"الكاثوليكون" في جزء ما يُسمّى بخدمة الكلمة "فى القدّاس القبطيّ". والمقصود بكلمة الإبركسيس اليونانيّة "أعمال" الرسل، فيتلو القارئ جزءًا يقصّ الأعمال الرسوليّة التي أنجزها الرسل (الحواريّون) فى زمانهم والصعوبات التى قابلوها في أثناء الكرازة، مثل منعهم من استخدام "اسم يسوع" من قبل الفرّيسيّين ووضعهم في السجن، وإطلاق سراحهم بطريقة معجزيّة وشفاء مُقعد، يتعاطى أمام الهيكل على يد بطرس وبولس...إلخ.

وكلمة "فعل" تقابلها كلمة "فكر" والكلمتان بينهما علاقات متعدّدة منذ ظهور اللغة وسيلةً للتخاطب بين الناس، وتداولها الفلاسفة واللاهوتيّون منذ عصر أفلاطون فى القرن الرابع قبل الميلاد حتّى الآن.. وأهمّ إشكاليّة فلسفيّة ولاهوتيّة تثيرها العلاقة بين المصطلحَيْن هي الأسبقيّة بينهما، ما الذى بدأ أوّلًا "الفعل" أم "الفكر"؟.. وحتّى إذا كان "الفكر" نفسه هو فعل من أفعال الإنسان، إلّا أنّ هذا الفعل يدور في ذهن الإنسان.. بينما بقيّة الأفعال بالمطلق تتجاوز الفكر، ليتحقّق بالفعل على أرض الواقع، فيغيّر حال الواقع بالإضافة أو الحذف.

ومصطلح "الفعل – البراكسيس" مصطلح "ماركسيّ" بامتياز فالفلسفة الماركسيّة تقدّم "الفعل" على "الفكر" واستخدم "ماركس" ومن بعده "لينين" مصطلح "الفعل - الممارسة" لتحليل الأفعال البرجوازيّة الاقتصاديّة، واستنتجا أنّ كبار البرجوازيّين يمتلكون المصانع والمزارع وأدوات الإنتاج، وتتعدّد أفعال استغلالهم للعمّال الذين يعملون عندهم من أوّل اعتبارهم "سلعة" تُباع وتشترى وتجريدهم هكذا من "إنسانيّتهم" إلى فعل دفع أجور متدنّية للغاية للعمّال والاستيلاء على فائض القيمة التي يضيفها العمّال بجهدهم وعرقهم، وجعل العمّال يعيشون حالة "اغتراب" وجوديّ عمّا صنعت أيديهم، بمعنى حرمانهم من الاستمتاع بالسلع التي أنتجوها بأنفسهم.

هذه المقدّمة الطويلة الغرض منها التركيز على سموّ المصطلح وعمقه، لأنّ تركيز لاهوتييّ التحرير على "الفعل البراكسيس" قبل "الفكر" هو اختيار ذو طبيعة إيمانيّة ولاهوتيّة وفلسفيّة.

فبناءً على هذا المبدأ "الفعل – البراكسيس" قبل "الفكر" اختاروا خبرة كتابيّة جاءت في (سفر الخروج في الفصل الرابع عشر) وهى خبرة الشعب اليهوديّ الذي تحرّر من عبوديّة مصر بيد الله القديرة.. واعتبروا هذه الخبرة الدينيّة المتكاملة حدثًا مؤسّسًا لا يرقى إليه الشكّ، يمكن التيّار اللاهوتيّ الجديد أن يبنى عليه إيمانه بالله المحرّر من كلّ القيود الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة، ويؤسّس رؤيته للخلاص والتحرير، ليس التحرّر الروحيّ وحسب ولكن التحرّر السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ... إلخ.

وبالتالي أصبح الإبركسيس هو فعل التحليل المستمرّ للرأسماليّة المستغلّة، وكشف بنى الفساد والظلم والعنف لبلوغ الصلاح والعدالة والمصالحة والبناء.

7 - مصطلح "الجماعات القاعديّة"

بدأت فى العام 1968 فى شكلها الجنينيّ على أيدي الكاثوليك في البرازيل، ثمّ تكاثرت وامتدّت إلى كلّ أنحاء بلدان أمريكا اللاتينيّة.. ولدت هذه الجماعات القاعديّة نتيجة الحراك الاجتماعيّ والديموقراطيّ في قرى أمريكا اللاتينيّة ومدنها. قامت بمساندة الفلّاحين الأُجراء، وخلقت لهم جمعيّات تعاونيّة زراعيّة وغذائيّة وصحيّة، كما عملت لهم مراكز لتأهيل أطفال الشوارع، ومراكز لتأهيل الفتيات والسيّدات ضحايا العنف، كما اهتمّت ببناء المنازل لإيواء من ليس لهم منازل.

عملت أيضًا على توفير الماء الصالح للشرب، ومدّ خطوط الكهرباء للأحياء العشوائيّة والقرى النائية... إلخ.

غالبًا ما تكوّنت هذه الجماعات القاعديّة المسيحيّة من النشطاء المؤمنين بدور المجتمع المدنيّ، وبناء الدولة الديموقراطيّة الحديثة.

حلّت هذه الجماعات محلّ البيئة الكنسيّة التقليديّة التي كانت تفتقر إلى المرونة والتفاعل مع المؤمنين.

فأضفت على جسد الكنيسة اللاتينيّة حيويّة وإبداعًا كانت تفتقر إليهما الكنيسة التقليديّة.

إنتشر هذا النموذج اللاتينيّ الأمريكيّ إلى الكنيسة الكاثوليكيّة فى بلاد أفريقيا وآسيا، ولكن جاء ذلك بمبادرة من رؤساء الكنائس وليس من الشعب والعلمانيّين، كما حدث فى أمريكا اللاتينيّة.

8- مصطلح "الخطيئة الجماعية"

ظهر المصطلح بوضوح فى العام 1968 في مؤتمر "ميدللين لأساقفة أمريكا اللاتينيّة" في إطار ما سمّي "لاهوت الخلق" ويختصّ بعلم الله بصفته "خالق الإنسان والكون" ولاهوت الخلاص، حيث يرى لاهوت الخلق أنّ "الخطيئة الجماعيّة" تظهر بوضوح على أنّها تاريخ عمليّة فقدان الإنسان المخلوق علاقته بمصدر خلاصه، واعتبار كلّ أشكال عبوديّة الإنسان تمتدّ جذورها إلى "أنانيّة الإنسان" وفي "الخلل الباطنيّ" الذى طرأ على "حريّة الإنسان".. وأنّ المظالم والخطايا الاجتماعيّة تندرج تحت عنوان "الشرور التي ارتكبت بفعل البشر أنفسهم" وليست تحت عنوان "القضاء والقدر" فالجهل الذي يعانيه الملايين من البشر، والجوع الذي يموت بسببه الملايين من البشر، والبؤس والقهر، والقتل، والبغاء، تجارة المخدّرات، تجارة السلاح، الحروب، والديكتاتوريّة، كلّها خطايا ارتكبها ومازال يرتكبها البشر والحكومات العسكريّة، بشر يتحمّلون وزر خطاياهم الاجتماعيّة ولا دخل للقضاء والقدر فيها، بالرغم من ذلك فالأمل والرجاء ما زالا بين يدي الإنسان.. والحكومات العسكريّة والديكتاتوريّة هما مجموع إرادات انحازت للشرّ على حساب الخير.

الإيمان المسيحيّ يرى أنّ الخلاص من هذه الشرور ماثل في الإيمان بالله المحرّر الذى ظهرت كامل محبّته فى ابنه يسوع المسيح الذى فدانا بقوّة صليبه، وينتظر من كلّ مؤمن أن يقبل بحريّته فعل الفداء هذا، ويتماهى مع ما قاله القدّيس بولس " أشارك فى آلام المسيح" وهذه المشاركة في الآلام الرسالة هي المشاركة في عمل الفداء اليوميّ الذي أتمّه المسيح باسم البشر جميعًا ولا يحتاج إلّا إلى تصديق حرّ وشخصيّ لكلّ منّا ليأتي بمفعوله.

وفي مؤتمر بوبيلا المنعقد فى المكسيك العام 1979 الذى حضره البابا يوحنّا بولس الثانى، يتساءل أساقفة أمريكا اللاتينيّة عن مصدر بشاعة وامتداد رقعة فضيحة "العنف المؤسّسيّ" والمآسي الدراميّة للمظالم والمجازر التى ارتكبت في أمريكا اللاتينيّة من قبل المؤسّسات العسكريّة في القارّة، عمّا إذا كان هذا هو العالم الذي يريده الله الآب.. والذي خلقه في أحسن صورة وهو سيّد التاريخ.. أهذا هو مخطّط الله لإسعاد البشر؟.. ألم يعطِ الربّ الأرض وما عليها للبشر ليتقاسموها بالعدل ويستثمروها بما لا يخلّ بالاحتياجات الأساسيّة لكلّ إنسان؟

ويختتم أساقفة "بوبيلا" وثيقتهم بالقول: "نطالب بأن يكون الملهم والمُحرّك الأساسيّ لتقاسم الخيرات والمنافع التي وهبها الله لكلّ البشر مبنيًّا على الحبّ والعدل الذى خلق الله به العالم والبشر في بداية الخليقة، وليس بالأنانيّة المخلّة".

وهكذا يتّخذ مفهوم الخطيئة الفرديّة الذى اختزل في مجرّد فعل طقسي روتينيّ إلى سرّ نبويّ حيّ وديناميكيّ بُعدًا جماعيًّا، إذ ندّد الأساقفة أنفسهم بالممارسات الظالمة والعنيفة التي ترتكبها الحكومات العسكريّة والسلطات الحاكمة باعتبارها "خطايا جماعيّة" بنويّة لا تنحصر آثارها على مرتكبيها، بل تؤثّر سلبًا في المجتمعات بأكملها، وإن اتّخذت شعارات متخفّية ومضلّلة مثل "الدفاع عن الحضارة المسيحيّة" أو "محاربة الشيوعيّة" أو "محاربة الإلحاد"... إلخ.

9- "اليوتوبيا"

من لفظ يونانيّ (οὐτόπος) "أوتوپوس" وبالإنكليزيّة: "Utopia" ويعني "اللامكان" وأوّل من أعطى هذا اللامكان معنى هو "توماس مور" حينما اعتبر هذا اللامكان عبارة عن دولة مثاليّة، بمعنى أنّها لا تتحقّق في مكان معيّن على الأرض، بل مكانها في ذهن "توماس مور" وقلبه بصفتها حلمًا يسكنه، وغير متحقّق في مكان معيّن فى العالم، واستخدم "توماس مور" هذا المصطلح العام 1566 م. فى كتابه يوتوبياالذي تصوّر منه دولة مثاليّة يسود فيها الخير والسعادة للناس وليس فيها أيّ شرّ.

واستخدم لاهوتيّو التحرير هذه الكلمة للتعبير عن "طاقة الأمل" الكامنة في الإيمان المسيحيّ التي تدفع إلى تغيير الواقع الظالم، مقابل "انسداد أفق التغيير" والإيحاء بعدم إمكانيّة الإفلات من قبضة الظروف الاقتصاديّة والسياسيّة والأمنيّة... إلخ من قبل الحكومات العسكريّة في ثمانينيّات القرن الحادي والعشرين.

وهكذا تخيّر لاهوت التحرير مفهوم كلمة "يوتوبيا" من لفظ يعنى الإشارة إلى مجتمع مثاليّ افتراضيّ - كما عبّر عنه توماس مور - غير واقعيّ ومتخيّل إلى قوّة إيمانيّة تقتحم الواقع الظالم، وتجعله قابلًا للتغيير إلى واقع تسوده المحبّة والعدالة والشجاعة.

واستخدم كلمة "يوتوبيا" بعد "توماس مور" الفلاسفة المفكّرون في وصف الأعمال السابقة على عمل "توماس مور" والحالمة بواقع مثاليّ، ليطلقوا عليها مصطلح "المدينة الفاضلة" مثل "جمهوريّة أفلاطون" و"مدينة الله" للقدّيس أغسطين و"مدينة الشمس" لكامبانلا العام 1626 و"أتلانتس الجديدة" للفيلسوف فرنسيس بيكون العام 1627... إلخ

10- "التنديد النبويّ"

فنقرأ مثلًا ما جاء في سفر النبيّ ميخا إصحاح 2 والأعداد من 1–4: 

1 "ويل للمتفكّرين بالبطل والصانعين الشرّ على مضاجعهم. في نور الصباح يفعلونه لأنّه في قدرة يدهم. 2 فإنّهم يشتهون الحقول ويغتصبونها والبيوت ويأخذونها ويظلمون الرجل وبيته والإنسان وميراثه. 3لذلك هكذا قال الربّ. هاءنذا أفتكر على هذه العشيرة بشرّ لا تزيلون منه أعناقكم ولا تسلكون بالتشامخ لأنّه زمان ردىء".

التنديد النبويّ هو الفضح والتجريس، هو الإثارة الصريحة بمكمن الداء. قام الأنبياء فى العهد القديم والمسيح نفسه في العهد الجديد بنزع السترة المقدّسة عن حكّام الشعب المختار في العهد القديم والفرّيسيّين والكتبة حُماة الحقّ المقدّس في تفسير النصوص المقدّسة والطقوس التي كانت متّبعة في تنظيم العلاقة بين الله والمؤمنين.

أتت رسالة الأنبياء كما رسالة يسوع تقوم فى أساسها على "تطهير" صورة الله عند المؤمنين بما التصق بها من "مغالطات" و"أخطاء" و"قيم" لا تليق بالله وبالتالى لا تعبّر إلاّ عن انحرافات الذين لم يفرّقوا بين طموحاتهم الشخصيّة وطموحات الله، وبين مصالحهم الأنانيّة والمصالح التي يبتغيها الله مجّانًا لعباده، بين الطقوس الدينيّة التي كان الغرض منها الوصول إلى الله وتأليه هذه الطقوس نفسها وتنزيهها منفصلة عن الله متحوّلة إلى "أصنام" جديدة.

إستخدم لاهوت التحرير هذه الرسالة ليفرّق بين "مصالح" "الحكومات العسكريّة" وأهدافها، الأنانيّة التى نتجت من "السلطة" ومن صورتهم هم عند "الحضارة المسيحيّة" و"محاربة الشيوعيّة" وفرض "قراءتهم للنصوص المقدّسة" وهي قراءة مُسخّرة لتحقيق أهدافهم وليس لتحقيق أهداف الله.

وعليه فإنّ "التنديد النبويّ" أو الفضح و"التعرية" هي ممارسة تحريريّة بامتياز فهي تخاطر بأن تشير إلى مَن يدّعي "القداسة" أو "الرياسة" أو "احتكار السياسة"، فتحمى بذلك حقوق الضعفاء والمُهمَّشين، وتزوّدهم بالوعي الكافي بقدرتهم على التواصل مع فطرتهم في التعبير عن حقوقهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة والروحيّة..... إلخ.

التنديد هنا يتناول الممارسات الظالمة التي أملتها إرادة وحرّيات منحرفة مراوغة ومغالطة للسيطرة على مقدرات الشعوب اللاتينيّة.

إنّ المعيار الذى يمكننا أن نفرّق بين ما هو تنديد نبويّ وما هو تنديد غير نبويّ هو الدوافع التي تحرّك الأنبياء، والتي غالبًا ما تكون دوافع محبّة شديدة لله، أو للبشر تجعلهم يرفضون أن يكونوا جزءًا من الشرّ أو الصمت أمامه.

11- مصطلح "التبعيّة"théoryDependency

نظريّة التبعيّة هى مجموعة من النظريّات التي ترى في فشل دول العالم الثالث المتخلّفة تحقيق تنمية حقيقيّة يرجع إلى "تبعيّتها" للدول الرأسماليّة المتقدّمة.

لجأ لاهوتيّو التحرير في قراءتهم لتاريخهم السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ إلى "نظريّة التبعيّة" التي كانت سببًا رئيسيًّا في موقفهم من "القطيعة المعرفيّة" مع الغرب الرأسماليّ كما ذكرنا سابقًا.. وكوّنت إطارًا نظريًّا مهمًّا لاختيارهم "الحبّ التفضيليّ للفقراء".

كان فرناندو هنريك كاردوز عالم الاجتماع البرازيليّ حجر الأساس فى أوّل صياغة لنظريّات التبعيّة، وتبعه فى ذلك كلّ من راءول بربيش عالم الاقتصاد السياسيّ في جامعة سنتياجو بشيلي، وانشغل بربيش بدراسة العلاقات بين البنية الطبقيّة بمعنى طبقة الأغنياء وطبقة الفقراء وتفريعاتها مثل طبقة العمّال وطبقة الفلّاحين....إلخ فى مجتمعاتهم اللاتينيّة ومسارات تطوّرها، ثمّ انضمّ إليهم عالما التاريخ الاجتماعيّ الثقافيّ "فلور ستانفير نانديد" و"بابلو جونزاليزا كازانوفا" اللذان درسا الدلالات الاجتماعيّة السياسيّة الثقافيّة للبنى الاجتماعيّة الجديدة، التي ظهرت في التفاعل الطويل بين بلدان أمريكا اللاتينيّة المتخلّفة آنذاك والبلدان المتقدّمة فى أوروبّا والولايات المتّحدة.

يؤكّد علماء "نظريّة التبعيّة" أنّ البحث التاريخيّ أثبت أنّ "التخلّف" الذى عانته دول أمريكا اللاتينيّة والعالم الثالث وما زالت تعاني منه هو إلى حدّ بعيد النتاج التاريخيّ للعلاقات الاقتصاديّة وغير الاقتصاديّة فى الماضي والحاضر بين البلدان التابعة المتخلّفة والبلدان المتقدمة، بالإضافة إلى أنّ هذه العلاقات جزء جوهريّ من بنية النظام الرأسماليّ وتطوّره.. وعليه فإنّ العالم الثالث (المتخلّف) محكوم عليه بالركود، لأنّ الفوائض التي يحقّقها تتأثّر بها الدول الرأسماليّة المتقدّمة من خلال مؤسّسات مثل الشركات المتعدّدة الجنسيّات.

واستنتج لاهوتيّو التحرير أنّ دولهم لن تحقّق النمّو الحقيقيّ، إلّا إذا قطعت صلاتها الإذعانيّة مع الرأسماليّة وتبنّت إستراتيجيّات تحرّريّة جديدة مبنيّة على النديّة، وابتكار أشكال جديدة للتنمية تقوم على عدالة توزيع الثروة والمعرفة والسلطة.

12– مصطلح "الاغتراب"

حينما نسمع مصطلح "اغتراب" فقد يتبادر إلى أذهان بعضنا أنّه يعبّر عن ترك الشخص لمجتمعه، وانتقاله إلى مجتمع آخر.. ولكن..

تبنّى لاهوت التحرير هذا "المصطلح" الماركسيّ لما فيه من تحليل اقتصاديّ نفسيّ فلسفيّ يُعطي الإيمانَ المسيحيّ مفردات مهمّة تجسّد مدى بشاعة الظلم والاستغلال الذي يعانيه الفقراء في أمريكا اللاتينيّة.

إن شعرت "بالاغتراب" وسط من تعرفهم وأن تصل إلى الشعور بألّا أحدًا ممَّن حولك فعلًا مثل أسرتك أو أصدقائك أو زملائك فى المدرسة أو العمل يشعر بما تشعر به من ألم، أو من فرح، أو من غضب مكتوم، فهذا ما نسمّيه عادةً الإحساس "بالاغتراب" أو "العزلة" أو "الوحدة".. أن تتلاشى كلّ منافذ الاتّصال بالبشر من حولك لدرجة أنّ أحدًا لا يشعر بما أشعر، أو يستنتج ما يحدث في باطنك.. هذا هو قمّة الشعور "بالاغتراب"، فقد بلغت مرحلة مهمّة من التطوّر النفسيّ تطرح تساؤلات على ما نعيشه.. أن يختزل الناس من حولك علاقتك بهم في مجرّد شبكة علاقات خارجيّة مظهريّة مهما كان الاحتفاء الظاهر بك، بينما تشعر به بأعماقك يخالف تمامًا ما ظهر منّي ومنهم، هذه هي الغربة والوحدة على المستوى النفسيّ.. أمّا على المستوى الاجتماعيّ فتسمّى "عزلة". وأمَّا على المستوى الفلسفيّ فاتّخذت كلمة "اغتراب" أو "عزلة" الإحساس بالانفصال الذي يتمّ بين "الشخص" و"نفسه"، فالانفصال الباطن يتمّ بين الشخص الذي هو يفكّر والشخص الذى هو "متخيّل" أي من صُنع خياله.. وهنا الاغتراب يتمّ حينما يعي الشخص أنّه شخصيّتان، شخصيّة رجلها على أرض الواقع والأخرى شخصيّة مُحلّقة منطلقة، تتحرّر من قيود الواقع لتصل إلى درجة من الوعي يرفض الشخصيّة المرتبطة بالواقع والخاضعة لقوانين وغالبًا ما تكون مغلولة اليد. والاغتراب هنا يصيب الشخص فى كيانه وهويّته لأنّه يجد نفسه غريبًا عن نفسه.

أمّا "الاغتراب" فى المفهوم الماركسيّ فالمقصود به هو الشعور بالانفصال بين "الشخص" و"أفعاله"، وإذا كان "فعل" الإنسان يحدث تغييرًا في الواقع أو في نفسه، فإنّ العامل الذى يعمل "يفعل" في مصنع أو في مزرعة أو في مكتب، ينتج مثلًا "آلة" أو "سريرًا" أو "تمثالًا" وهذه المنتجات تقدَّر بثمن وهذا الثمن هو عبارة عن:

أ - ثمن الخامة (نحاس – فضّة – ذهب – خشب)

ب - ثمن المجهود الذي بذله العامل لينتج هذا "التمثال مثلًا".

يقوم الإحساس بالاغتراب عند الإنسان، خاصّةً العامل، حينما يرى أنّ ثمن مجهوداته لصنع شيء ما دخل فى جيب الرأسماليّ (صاحب المصنع) وأنّ جزءًا ضئيلًا جدًّا من ثمن مجهوداته هو الذي يُعطى له، لا يضمن له حدّ الكفاف. بالإضافة إلى أنّه لن يستطيع الاستمتاع بما صنعت يداه، لارتفاع أسعاره كسلعة تخضع لقوانين العرض والطلب، ويتحكّم فيها صاحب المصنع، وبالتالي فهو يعاني "الاغتراب" لأنّ جزءًا من نفسه (الممثّل في أفعاله) انفصل عنه، لا بل يعمل ضدّه. كيف؟ من خلال امتلاك صاحب رأس المال للسلع التي كانت عبارة عن موادّ خام أضاف إليها هو "قيمتها" بفضل جهده وعرقه.. وفي كلّ الأحوال لا يستطيع العامل إلّا أن يخضع لشروط صاحب العمل، لضمان قوته اليوميّ على حساب صحّته وكيانه وأسرته وراحته، والأصعب من ذلك أن يشعر الإنسان "بالاغتراب" حينما يعامل هو نفسه بصفته "سلعة" تباع وتشترى وبالتالي يفقد إنسانيّته وكرامته وحقوقه الأصليّة.


* الأب وليم سيدهم، أستاذ في علم اللاهوت في معهد السكاكينيّ بالقاهرة. 

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق