لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة دنيا حشيمه بو خليل

التطوّر الخجول لوجود المرأة اللبنانيَّة في السياسة، من الخمسينيّات حتّى اليوم

مقدّمة: وجود المرأة انطلاقًا من تحديد عبارة "سياسة".

عندما نتكلم على السياسة، إنّما نعني كلّ النظم والقوانين المتعلّقة بحكم الشؤون العامّة وإدارتها، ما يحتّم استطرادًا تكريس حقّ المواطن السياسيّ المجسّد بالمشاركة في الحكم على صعيد الدولة، ومن خلال المواطنية. تجمع هذه الأخيرة الإناث والذكور في بوتقة واحدة في إطار الدولة اللبنانيّة التي كانت إحدى الدول العربيّة السبّاقة التي اعترفت للمرأة بحقوقها السياسيّة.

كان ذلك سنة 1952، إذ نالت النساء اللبنانيّات حقوقًا مقيّدة أصبحت أكثر عدالة سنة 1953 على أثر مطالبة حثيثة قامت بها رائدات لبنانيّات نذكر منهن: إبتهاج قدّورة، لور تابت، إيلين ريحان، أنيسة نجّار... شكلَّن المجموعة الأولى من النساء اللواتي أنهين دراساتهن المتقدّمة أمحليّة كانت أم خارجيّة، ما جعلهن يقمن بدور مشرّف للنساء اللبنانيّات، حيث رفعن تحدِّيًا جدِّيًّا تطلّب الشجاعة الآيلة الى التحرّر من انغلاق المجتمع وتخلّفاته. لقد تحلَّت أولالك السيّدات الرائدات بروح مسؤوليّة اكتسبنها وأعطينها سواهنّ، كما حظين بدعم معنويّ للمثابرة وتطوير دورهن المهنيّ في المجموعة. لقد ترتّب عليهن تخطّي العقبات القبليّة والعائليّة التي حرّمت عليهن سابقًا الثقافة العالميّة بما تتضمّنه من علمٍ وأخلاق وأسس تنظيميَّة اجتماعيَّة تشكّل دورًا إيجابيًّا في المجتمع بمجالاته كافّة، وتحديدًا في المجال السياسيّ.

معالجة التزام المرأة من خلال التركيبة السياسيّة في لبنان

تتكوّن المجموعة من عناصر يتفاعل بعضها مع بعض ضمن النظام الأساسيّ لتلك المجموعة Ensemble et éléments، فالمرأة تشكّل عنصرًا من مجموعة تخضع طبيعيًّا لنظامها أو لبنيتها المجتمعية التي تندرج في سياق تطوّر تاريخيّ أساسيّ لبناء الدولة الأمّ الحاضنة لكلّ تركيبة سياسيّة.  

أ - محاولة وضع أطر التركيبة السياسيَّة في لبنان

لا يسعنا التكلّم على التركيبة السياسيّة من دون أن ننطلق من البيئة المجتمعيَّة الحاضنة. يقترح غبريال ألمون[1]الباحث في العلوم السياسيَّة، تحديدًا للتركيبة السياسيَّة Le système politiqueفيقول: "إنها مجموعة العلاقات السائدة في المجتمعات المستقلّة والتي تقوم بوظائف التكامل Intégration، والتكيّف Adaptationفي الداخل وعلى مستوى المجتمعات الأخرى، وذلك باللجوء أو التهديد باللجوء الى إكراه مادّيّ وشرعيّ". من شأن التركيبة السياسيّة القيام بالمحافظة على النظام في المجتمع أو تبديل آخرٍ به.

نتكلّم هنا على شرعيَّة نسبيَّة تتضمن تركيبات سياسيَّة دكتاتوريَّة، غالبًا ما تكون شرعيّتها موضوع استفهام، أو تركيبات ثوريَّة تتضمَّن أسسًا شرعيّة متّجهة نحو التغيير.

نعتبر أن الإكراه المادّيّ La contrainte physiqueيشكّل الطابع الوحيد الذي يميِّز التركيبة السياسيّة عن البنى الاجتماعيّة الأخرى.

أيضًا تكمن أهميَّة الإكراه المادّيّ الذي يمارسه الإنسان في مساهمته في صناعة شخصيّة حرّة قادرة على التضحية بالذات عندما يدعو الواجب الوطنيّ.

مَن هي المرأة الملتزمة بوطنها؟

إنّها تلك التي تكرّس حياتها والتزاماتها التربويّة لتلقين أبنائها قيم التضحية بالذات، وتنشئتهم على الحسّ الوطنيّ وعلى الإلمام بالتربية المدنيّة المبنيّة على التمسّك بصوت الحقّ وبميزان العدل اللذين لا يستويان إلّا بمعرفة الحكّام قضايا شعبهم وتفاعلهم معها وصولًا الى التفاني والتضحية بالذات. تلك هي الصفات الحميدة التي يدخلن التاريخ من خلالها، فيتمجد الإنسان في وطنه وتنتصر الحرية.

نتوقف في هذا السياق على أهمية "معرفة الحكّام قضايا شعبهم وتفاعلهم معها" للتشديد على تلازم تلك المعرفة مع أهميّة معرفة البنية المجتمعيَّةوالسعي إلى ترسيخها، ذلك أنها العنصر الأول في بناء الدولة، كما أنّها تقومُ بدورٍ حاسمٍ في تكوين المؤسّسات السياسيّة وفي تحديد طبيعة الذهنيّة ونمط الممارسة السياسيّة؛ فإنّ بنية لبنان المجتمعيّة تتألّف من مجموعة بنى تقليديّة وبنى حديثة متداخلة تترابط داخليًا، كما تترابط في ما بينها العلاقات التقليديّة الفطريّة الآليّة الموروثة، والعلاقات الإداريّة العقلانيّة الراعية. غير أنّ النمط الأوّل من العلاقات (أي مجموعة البنى التقليديّة)، لا يزال مسيطرًا في المرحلة الحاضرة من تطوّر لبنان الاجتماعيّ والسياسيّ.

دور الطوائف: 

تشكّل الطوائف الإطار الثاني للتركيبة السياسيّة في لبنان. إنّها وحدات تتحلّى ببنية داخليّة دقيقة، منظّمة ومختلفة بحسب الطائفة والعقيدة الدينيّة العائدة الى تلك الطائفة والظروف التاريخيّة التي مرّت بها. 

تتألّف الطائفة من جماعات يترابط بعضها ببعض بنوع من العصبيَّة المتشدّدة الحاوية اتّجاهات سياسيّة متعدِّدة، تتنازع السلطة في الطائفة الواحدة بهدف التوصّل إلى الزعامة داخل الطائفة الواحدة، بحيث تُحدَّد من خلالها الزعامة الطائفيّة في سلطة الدولة.

دور العصبيّة السياسيّة:

تشكّل هذه العصبيَّة مظهرًا من مظاهر العلاقات التقليديّة الفطريّة والتعصّب لجماعة يرتبط بها الإنسان بحكم الوضع الجينيّ كما بتأثير الذهنيّة المتوارثة. 

إنطلاقًا من هذا التحديد، نجد أن العصبيّة السياسيّة تنفي كلّ خيار إراديّ وكلّ وعي سياسيّ شامل خارج عن إطار الطائفة. 

تستعبد الطائفيَّة من جهة أخرى كلّ روابط اجتماعيّة سياسيّة نابعة من إدراك الوضع الاجتماعيّ مجموعةً من الأفراد، فتُدخل الفرد في إطار من الطائفيّة والتطيّف المختلفين كلّ الاختلاف عن الالتزام الدينيّ وعن التديّن.

 

ب - تطوّر وضع المرأة عبر الأنظمة السياسيّة المختلفة:

طالب[2]Condorcetالفيلسوف والسياسيّ الفرنسيّ العام 1790 بالمساواة السياسيّة الكاملة للنساء كما طالب أوليمب دوغوج بحق المرأة في الوصول إلى المنبر، كما لها حقّ الوصول إلى المشنقة. وشجَّع سان سيمون رجل دولة في القرن الثامن عشر، تحرّر المرأة ودعاها إلى الجمع بين واجباتها زوجةً وأمًّا، والإلمام بالعلم كمعرفة الطبّ والقانون والتغذية والتربية.

تمتلك المرأة المواطنة حقوقًا سياسيّة بدأت تحرّكاتها سنة 1848 حين سجَّلت بداية ثورة التجمّعات النسائيّة الموحّدة للحصول على حقوقها السياسيّة؛ في خضمّ تلك الأجواء التجدديّة، نشرت هند نوفل[3]سنة 1892 في مجلة الفتاة، مقالات جمعت من خلالها بين النساء الزوجات والأمّهات في الإسهام في نهضة النساء الأخريات وذلك عن طريق المثابرة على المطالبة بنيل حقوقهن انطلاقًا من فرض كفاءاتهنّ العلميّة والمهنيّة. 

إنطلقت تلك الحملات بالرغم من مساجلات حادّة قام بها رجالٌ هاجموا بشدة "الموجة الجديدة من الفوضى المؤذية".

أما هربرت ماركوز المفكّر الذي انتقد العالم الرأسماليّ في القرن التاسع عشر، فقد اعتبر أن عجلة الاستهلاك تبتلع الأشياء والثياب والنساء والأثاث وتعمّم الخوف من الحرب[4].

ويحلّل ماركوز في كتاباته ظاهرة تواجد الحبّ والحضارة والاستلاب الجنسيّ للمرأة في المجتمع الرأسماليّ المتقدّم، والذي ينعكس بدوره على المجتمعات المتخلّفة، عبر العلاقات الاستعماريّة القديمة والجديدة ومنها المجتمعات العربيّة.

يقول ماركوز عالم الاجتماع الثوريّ: "حين يصبح للجنس قيمة تجاريّة واضحة، فإنّه يتحوّل الى أداة للتماسك الاجتماعيّ"، معتبرًا مبدأ الحياةEros  حتميًا شأنه شأن نقيضه Thanatosوغريزة الموت. فكلاهما يتصارعان لبلوغ اللذة المرفوضة من الحضارات القمعيّة التي تكافح الحقّ في الحريَّة.

أمّاWilheim Reichالذي كتب عن "الثورة والثورة الجنسيَّة" فيعتبر أن الإصلاح الجنسيّ مرتبط بتغيير البنية الاقتصاديّة للمجتمع؛ توقّف Reichعلى قيمة الزواج في النظام الطبقيّ التي هبطت بشكل ملحوظ، كما تزايدت حالات الطلاق والزنا تزايدًا كبيرًا.

إنتقد ظاهرة طهارة الفتيات ودعاها بالكبت الجنسيّ، محذّرًا من نشوء البغاء والزنا، هاتين الظاهرتَيْن اللاأخلاقيّتيين هما نتيجة الأخلاقيّة المزدوجة التي تُمنح للرجل قبل الزواج وبعده وتُرفض للمرأة. أما المحرّك فيعود إلى أسباب اقتصاديّة في الأنظمة الرأسماليّة.

ويبقى السؤال، هل الاشتراكيّة تقدّم حلولًا جذريّة لمشكلات المرأة؟ 

لقد أكّد الفيلسوف كارل ماركس وزميله إنجلز في البيان الشيوعيّ، أنّ المجتمع الاشتراكيّ اللاطبقيّ هو وحده الذي سيحرّر المرأة ويلغي كلّ بغاء؛ يذكر ماركس في كتابه رأس المال: "إنّ المساهمة في الإنتاج والتحرّر من الاستغلال الرأسماليّ هما المرحلتان الأساسيّتان لتحرّر المرأة. كما أكّد إنجلز في كتابه أصل الأسرة الملكيّة الخاصّة والدولةأنّ عبوديّة المرأة مرتبطة بظهور الملكيّة الخاصّة، ولقد استطرد من جهة أخرى أنّ موقف الرجل من المرأة يحدّد درجة تحوّل سلوك المجتمع إلى المرأة عامَّة.

هل تعطي الأنظمة التقدميّة الحديثة حلولًا جذريّة لمشكلات المرأة؟

لقد أعطت تلك الأنظمة مشاركة المرأة اللبنانيّة معنًى أيديولوجيًّا، انطلاقًا من نوع المشاركة في البناء الوطنيّ والتحرّر والوقوف بوجه الرجعيّة، توصّلًا الى تشجيعها على الانخراط في القوّات المسلّحة ودخول البرلمان ولو بشكل رمزيّ، كما شجعت سعيها إلى خلق الاتّحادات والجمعيّات النسائيّة... بحيث استفادت المرأة اللبنانية من تقديمات النظامَيْن الليبراليّ والتقدّميّ معًا.

أتساءل في الخلاصة، هل النساء في لبنان هنّ اليوم مستعدّات لتخطّي الخجل والسير إلى الأمام في خطى سياسيّة ثابتة نحو تطبيق النظم والقوانين المتعلّقة بحكم شؤون وطنهم العامّة وإدارتها؟

 

* الدكتورة دنيا حشيمه بو خليل، دكتوراه دولة علوم اجتماعيّة.

[1]   Gabriel Almon, The politics of the developing areas, Princeton University press, 1970.

[2]ماري تيريز رونار، مشاركة المرأة في الحياة القوميّة، باريس 1965، دار النشر أوفريير، ص15.

[3]مي غصوب، المرأة العربيّة وذكورية الأصالة، دار الساقي، لندن 1991.

[4]د. خليل أحمد خليل، المرأة العربيّة وقضايا التغيير، بحث اجتماعيّ في تاريخ القهر النسائيّ، دار الطليعة، بيروت 1972، ص147.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق