الأب فريد جبر (1922-1993)

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور جيرار جهامي

فريد جبر في فكره الفلسفيّ

يمثِّل فريد جبر ظاهرةً فريدةً لم تشهدها الجامعة اللبنانيّة ولا الجامعة الخاصّة. لا أبالغ! فهو صاحب مدرسة فكريّة عمّرت في نفوس طلّابه وعقولهم، وتجلّت في النصوص الفلسفيّة التي حقّقوها ووضعوها مؤلّفاتٍ ومعاجمَ وموسوعات. وما زالت تتوالى كشفًا عن تحقيقات فلسفيّة تترجم فلسفته ورؤاهم الخاصّة على صعيدَي الفكر والفعل.

فأنّى لك أن تجد معلِّمًا له قُدرة لسانيّة فائقة لا تُجارى؟ فهو يُتقن اللغات قديمَها وحديثَها، قارئًا كلّ نصّ فلسفيّ بلغته أكانت عربيّة أم سريانيّة، أم فارسيّة، وأجنبيّة لاتينيّة، فرنسيّة، إنكليزيّة وألمانيّة.

وأنّى لك أن تجد أستاذًا يُعيد تأهيل نفسه كلّما طرأ علمٌ جديد في ميدان العلوم الإنسانيّة والفلسفيّة بخاصّة؟ هكذا فعلَ يوم أُدرجت مادّة المنطق الرياضيّ في مناهج الفلسفة الجامعيّة. فإذا به يأتي بكلّ لوازمها، ويدرسها على نفسه، ليتحوّل أستاذَها في غُضون سنتَيْن من التحضير المضني. وقد ساعده في هذا التهيُّؤ امتلاكُهُ معطيات المنطق الأرسطيّ اليونانيّ وباليونانيّة، ومناهج العلوم الإنسانيّة على اختلاف منابعها.

وأنّى لك أن تجد معلِّمًا أشرف على أكثر من مائة رسالة دبلوم وماستر وأطروحة دكتوراه في ميادين الفكر العربيّ والغربيّ، وقد كان يفرِض على طالبها أن يأتي بجديد في الحقل الذي يعمل ضمنه، علاوةً على ضرورة إجادته لغةً أجنبيّة إلى جانب اللغة العربيّة توسيعًا لمجالات قراءاته للمصادر والمراجع وتحليلاته إيّاها.

 

لن أسترسل في الكلام على هذه الصفات التي تميّز فرادة الفريد، إنّما أودّ أن أذكُرَ خِصلتَيْن قلّما نجد أستاذًا جامعيًّا أو مفكّرًا يتحلّى بهما. عنيتُ أوّلًا تفانيه لطلّابه على مختلف مذاهبهم ومشاربهم، أكانوا لبنانيّين أم عربًا أم أجانب. فهو ألّف مدرسةً فكريّة من خلال كتاباتهم، إذ راحوا ينشرون نظريّاته الفلسفيّة في تعاليمهم وشروحاتهم انتهاءً بتآليفهم وإبداعاتهم. في مدينة Princeton  الأميركيّة شهر نوڤمبر من العام 1983 قال:

“Certainly it is always somewhat awkward, if not naïve, to speak about ones own accomplishments”. ما ترجمته:

«من نافل القول إنّه من الصعوبة بمكان، إن لميكن من السَّذاجة، أن يتكلّم الإنسان على مؤلّفاته أو عن جدارته». هذه الموضوعيّة الصريحة قلّما يتحلّى بها العلماء في بلادنا.

أمّا عن فكره الفلسفيّ الذي أودّ أن أطلعكم على خطوطه العريضة فلن أستفيض في تحليله، إنّما أحدّده كما أوردته ملخِّصًا اتّجاهاتهفي مقدّمة كلّ فصل ضمن الكتاب الذي حقّقتُ عن فكره الفلسفيّ هذا:[1]

الاتّجاه الأوّل: الإحاطة بفيلسوف أو مدرسة

أراد من عبارة «أنا اختصاصيّ بالغزالي» التبحّر في فكر الإمام الجامع لكلّ المناحي الفكريّة والدينيّة الإسلاميّة، والغوص على مبادئه ويقينيّاته، من خلال العلوم الإسلاميّة المؤسّسة للفكر الإسلاميّ. ودعا تاليًا كلَّ مفكّر ومعلّم يتحوّل مرجعًا في دراساته لفيلسوفٍ أو متكلّمٍ، أو فقيهٍ، أو متصوّفٍ، أو مدرسةٍ أو مذهبٍ ما. ينطلق منها ليبني ذاتيّاته، وليس في الأمر عيب إذ اللاحق يهتدي دومًا بالسابق، والخلَف بالسلَف.

إنطلاقًا من هذه الدراسة الغزاليّة، والتي وازتها دراساتُه لفلاسفة العرب، أسّسَ مبادئ ما أطلق عليه اسم «فلسفة الخبر». وهي تكوِّن جزءًا من بدايات فلسفته الذاتيّة. فالخبر المُغلَق على العقيدة، والذي يحدّد مسارَ العقل الفلسفيّ وتاليًا الدينيّ، حوّل مفكّري العرب إلى تلقّي الحقيقة انفعالًا لا فعلًا مؤثِّرًا، تصديقًا علويًّا إيمانيًّا لا تصديقًا ذاتيًّا واعيًا. لذا طالب بمقارنة الخَبَر بالخُبْر، أي بالاختبار العينيّ والاستنتاج العقليّ. فناشد المفكّر العربيّ تطويرَ قُدراته وطاقاته الذهنيّة كي لا يبقى أسيرَ الماضي على جموده، وليُبدِعَ باستقلاليّة ذاتيّة.

 

الاتّجاه الثاني: الأصالة الفلسفيّة

وقد عبَّر عن هذه الأصالة بالقول: نريد فلسفة من عندنا وبلغتنا، وهو عنوان مقالٍ وضعه إبرازًا لحاجة الإنسان العربيّ، أو الناطق باللغة العربيّة، إلى تبيين نظرته الخاصّة والمتمايزة إلى الكون والحياة، إلى الإنسان والمجتمع، من دون نحلٍ أو تغريب. فكي نجيد التعبير عن فكرنا الفلسفيّ اليوم، علينا أن ننهَلَ من مَعين التراث الفلسفيّ، في ظلّ العلوم الإسلاميّة وبوساطة العلوم اللغويّة، شرطَ أن تكوِّن لدينا وسائلَ تفكير لا غاية التفلسف بحدّ ذاتها. وهو أمرٌ صالحٌ أيضًا ينطبق على التعبير العربيّ عن الإيمان المسيحيّ، عنوان مقالٍ آخر من مقالاته في هذا الصدد.

 الاتّجاه الثالث: التحقيق الفلسفيّ اللبنانيّ

لكلّ فيلسوف نظرتُه الذاتيّة الشموليّة، الجزئيّة والكليّة، إلى الكون والحياة. ومن أجل بلورتها يتوسّل منهجيّة خاصّة بها: من مبادئ ومقولات وبراهين وتحليلات، ولا سيّما من مصطلحات تؤدّي كلَّ مقالٍ مقامَه وضروراتِه. هنا ابتدعَ جبر مصطلح التحقيق الفلسفيّلأنّه افترض أنّ زمن الفلسفة بمذاهبها المنسّقة قد ولّى. وجَزمَ أنّنا لم نعد نهتمّ بالمجرّدات، في أيّامنا، منسلخةً عن واقعها. فالفلسفة علمٌ وعملٌ، كما هي حال علم التصوّف عند الغزالي. وجلّ اهتمامنا ينصبّ اليوم على تحقيق فلسفيّ يُنقذ الإنسان في الوطن العربيّ من الاتّكاليّة والجمود والتخلُّف. لذا سعى فريد جبر إلى إنماء وعيٍ ذاتيٍّ عند كلّ من التقاهم من طلّابه، تطويرًا لكفاءاتهم الذاتيّة وقدراتهم الذهنيّة أو إعدادهم ليكونوا رُسُلًا فاعلين في محيطهم. يقول في هذا التوجُّه «إنّما يواجهنا أناسٌ كلٌّ منهم هو، في أُطر زمانه ومكانه وواقعه العينيّ، تحقيقٌ فرديٌّ للإنسانيّة جمعاء، بحيث ألّا يَبرُز في الآن نفسه، هو هو بما كان عليه إنسانًا، وهو، ضمنًا ومعنويًّا ومن خلال مجتمعه ووطنه، تلك الإنسانيّة الكليّة التي جاء تحقيقًا غيبيًّا لها».

الفلسفة إذًا تحقّقٌ فكريٌّ بمرمى عمليّ أكثر ممّا هي علمٌ نظريّ ماهويّ. تتناول إنسانًا مدركًا عارفًا مسؤولًا، وهي صفاتٌ تجعل نفسَه أقنومًا يتجاوز بوساطته فرديّةَ الشخص الماديّ، فتروقُ كلَّ إنسانٍ مهما كان عصره ومِصره. غرضيّة هذه الفلسفة التفاعليّة إحداثُ أنماطٍ فكريّةٍ جديدة، متحرّرة من كلّ عقيدة، وإن أبقت على إيمانيّتها فهذا شأنها، شأن كلّ فيلسوف حرّ.

هذا الزخم الفكريّ الثقافيّ الواعد وجده جبر تهيّؤًا عند اللبنانيّ ونبوغًا لمكانته ودوره في هذا الشرق، وهو المطلّ على الغرب كذلك، مقدّرًا تجربة كمال الحاج في وضع قواعد للفلسفة اللبنانيّة وصفاتها المتجسّدة في العقلانيّة والواقعيّة والإيمانيّة، معبَّرًا عنها باللَّسَن العربيّ.

 

الاتّجاه الرابع: إبتداع المفاهيم ونحت المصطلحات

أخضعَ جبر المصطلح الفلسفيّ الكلاميّ العربيّ للتخريج والتعليل والتوليد، في ضوء منهجيّات تعبيريّة عربيّة وأجنبيّة، تأثيلًا وضبطًا وتكريسًا للمفاهيم الفلسفيّة. واختار لنقلها، عند تعريبها، العودة إلى أصولها النحويّة والفقهيّة، متجاوزًا التقليد المتّبع عند المترجمين. وأضحى همُّه الأوّل أن تجاري هذه المصطلحات الذوقَ العربيّ ليرتاح إليها القارئ حتّى يكاد لا يشعر بأنّها مترجمة؛ كما فعل عند تعريب تاسوعات أفلوطين من اليونانيّة مباشرةً. وقد أوردتُ عشرةَ مصطلحات في خاتمة الكتاب اعتبرتُها نماذج واضحة عن منهجيّة تخريج الألفاظ التي ابتدعها وتعليلها. وهاكم بعضًا منها: تكافؤ الأدلّة تعبيرًا عن (Antinomies de la raison)، الأفهوميّة (Conceptualisme)، الحِرَفيّةEmpirisme)).

الاتّجاه الخامس: مبادئ النهضةالقويمة

هل أحجم فريد جبر عن وَصْل ما انقطع بين الحاضر والماضي؟ هل همّش النهضة التي جاءت برأيه في أطر دينيّة إصلاحيّة؟

إعتبر أنّ فكر النهضة يتنازعه خطّان: الأوّل منهما ينطلق من الدين والعقيدة، تُلصق بهما عوارف أجنبيّة الأصل والصيغة، لذا استحال الصهرُ بينهما. والثاني انطلق من أصول أجنبيّة صيغت بالعربيّة وهي غريبة عنها. فطُمست إمكانيّة الإبداع الفلسفيّ المستقلّ. ممّا حدا به إلى تقعيد تحقيق فلسفيّ يبقى شرقيّ المنحى، ساميّ الجذور، عقلانيّ النزعة وعربيّ التعبير بأصالته. فطوّره بعد أن أبان عثرات الفلاسفة والمتكلّمين وقصوراتهم. سدّ الثغرات التراثيّة، مستنهضًا ذات الإنسان وروحَه ليحوّله أقنومًا متمايزًا بالقول والفعل.

نشرنا في كتابنا المذكور مخطوط كتابه الأخير غير المنجز بعنوان: "مصطلح الفكر العربيّ بين الأيسيّات والقدريّات"La terminologie de la pensée arabe entre la philosophie de l’être et de la valeur،وقد عالج فيه كيفيّة تحويل علم الأمور الفلسفيّة وأيسيّاتها إلى علم القدريّات وأفعالها، قائلًا: «إنّ فلسفتنا إنّما تُحقَّق منجزاتُها بالاستقلال التامّ عن أمور الوحي». ففصل بذلك وبوجه تدرّجيّ موضوعيّ بين الإنسانيّ والإلهيّ من زاويتين: الأولى وجوب إعطاء العقل كاملَ قدراته ليظلّ هو المصدر والمرجع مع إمكانيّة تطويره الأبحاث اللاهوتيّة لتبقى في خدمة البشر. والثانية: جعل الإنسان منبع القُدُر بعيدًا عن كلّ تكليف علويّ أو عقيديّ إذ هو يظلّ خالقَ أفعاله.

إنّ فريد جبر أخرج المفكّر العربيّ من حبائل التلقّي الأجوف والانفعال الجامد. وأوصى بأن يحوّل الأئمّة والفقهاء، ورجال الدّين إجمالًا، ما ينقلونه من تعاليم، باجتهاداتهم وتأويلاتهم، إلى ثقافةٍ دينيّةٍ منفتحةٍ، وبأدوات فكريّةٍ وعمليّةٍ ذاتيّةٍ تلائم التحديث. هذا الاجتهاد وذاك التأويل يجب أن يخرجا حاضرًا ومستقبلًا من رَحِم العقل المنفتح على كلّ وافد جديد. يجب أن يَحصُلَ كلّ ذلك في جوّ تربويّ دينيّ، داخل المدارس والجامعات والجوامع، وبوساطة وسائل إعلاميّة موضوعيّة تبشّر بثقافة الحياة الناهضة.

إنّ رياح الأصوليّة المقيتة التي تهبّ على شرقنا منذ سنوات راحت تطمُسُ معالم كلّ محاولة نهضويّة، كونها سدّت منافذَ الإصلاح على صُعده كافّة. فلو عاد فيلسوفُنا إلى الحياة لوجدَ أنّ محاولاته الفكريّة أضحت بحاجة إلى إعادة صياغة جديدة في ظلّ ما قد نسمّيه «نهضة المجابهة». فالتلقّي المعاصر للدّين وأصولهِ يحتاجان إلى انقلاب في النظرة إلى الكون والحياة المعاصرة من أجل إرساء الدولة الديموقراطيّة الحديثة. جُلّ ما تحقّق من أحلام فريد جبر المؤلّفات والموسوعات الفلسفيّة التي عَمِلنا على تأليفها وتحقيقها كما شاءها أدواتِ تحقيقٍ فلسفيٍّ ذاتيٍّ ومُبدِع.​

 

* الدكتور جيرار جهامي أستاذ الفلسفة العربيّة والمنطق في جامعة القدّيس يوسف، معهد الآداب الشرقيّة – بيروت 

[1]فريد جبر في فكره الفلسفيّ، تحقيق وتعليق جيرار جهامي، بيروت، دار المشرق، 2017

.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق