مخطّط لمدينة إسلاميّة

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور بلال الأرفه لي

فُرَص توظيف الأدباء في البلاطات الإسلاميّة في القرن الرابع الهجريّ

يُقلِق سوق العمل المشتغلين بالأكاديميا، في بدايات مشوارهم المهنيّ على الأقلّ، إذ يكبّ طلّاب الدراسات العليا على الاستعلام من أساتذتهم عن إجراءات التوظيف المـُتَّبَعة لملء شواغر المناصب الأكاديميّة. تأتي الإجابة واضحة. فبعد تدريب تعلّميّ جادّ يُفضَّل أن يتمَّ في جامعة مرموقة، على الطالب أن يستطلع سوق العمل، غالبًا بتصفّح شبكة الإنترنت وقوائم البريد الإلكترونيّ أو مواقع إلكترونيّة متخصّصة، ليُعاين وظائف مُتاحَة مناسبة ويتقدّم لطلبها. ويُعدّ البحث والتعليم والعمل الإداريّ التنظيميّ من أبرز المهامّ المتوقَّعة من شاغلي المناصب الأكاديميّة في الجامعات. يشتمل ملفّ طلب التوظيف عادةً على خطاب وسيرة ذاتيّة (CV) ورسائل توصية وأحيانًا على عيّنة كتابة أو جزء من عمل منشور. ويتبع ذلك كلّه مقابلة شخصيّة، وإذا حالف المتقدِّم الحظّ يحصل على عرض، وفَوْر مناقشة عرض العمل والاتّفاق المبدئيّ عليه، يوقِّع الطرفان، الشخص المتقدِّم والمؤسّسة، عقدًا. وفيما يسارع بعض المتقدِّمين إلى قبول العرض المتاح من دون تعديل، يفاوض آخرون سعيًا لانتزاع شروط عمل أفضل. بعضهم يشغلون المنصب نفسه طوال مسيرتهم الأكاديميّة وترتبط أسماؤهم بالمؤسّسة التي يعملون بها، أمّا بعضهم الآخر فيتوقون إلى آفاق أرحب ما يضطرّهم إلى خوض تجربة البحث والتقديم الطويلة نفسها ثانيةً. تتفاوت المناصب بالطبع من حيث الجهد الذي تتطلّبه وكذا من حيث الأجور وسوى ذلك. أمّا بعض الباحثين فتمنحهم شهرتهم المكتسَبَة مع الوقت حرّية التنقّل بين الجامعات، حتّى إنّ منصبًا ما قد يُعدّ ويُهيّأ لاستدراج باحثين محدّدين.   

فهل كانت الأمور تسير بالطريقة نفسها في العالم الإسلاميّ الوسيط؟ كيف كان العلماء والأدباء يحصلون على المناصب في البلاطات؟ وكيف كانوا ينتقلون من بلاط إلى آخر؟ يعالج هذا المقال قضايا عدّة حول "سوق العمل" في الوسَط الأدبيّ في العالم الإسلاميّ طوال القرن الرابع الهجريّ، وذلك من خلال استعراض أمثلةٍ مُنتقاةٍ من كتابَي مختارات ذائعَي الصيتلأبي منصور الثعالبي (ت.429/1039).

كان أبو منصور عبد الملك بن محمّد بن إسماعيل الثعالبي أديبًا، وشاعرًا، وناقدًا، ولغويًّا، ومؤرِّخ أدب، وعالِمًا غزير التأليف، وواحدًا من أبرز الوجوه الأدبيّة ما بين القرنَين الرابع والخامس الهجريَّين.[1]ولعلّ أهمّ إسهامات الثعالبي في المكتبة العربيّة تصنيفه في التأريخ الأدبيّ سيّما كتابَيه الشهيرَين في المختارات، نعني بهما يتيمة الدهروذيله تتمّة اليتيمة. ويقع كتاباليتيمةفي أربعة مجلّدات تضمّ مختارات شعريّة ونثريّة تُعتبَر بمثابة مسحٍ شاملٍ لنِتاج الأدب في العالَم الإسلاميّ في النصف الثاني من القرن الرابع الهجريّ، وهو كتاب مُرتَّب جغرافيًّا ويشتمل على 470 شاعرًا وواضع نثر. ويتبع كتابالتتمّةالترتيب نفسه، إلّا أنّه يُدرِج مصنِّفين عرفهم الثعالبي في حياته لاحقًا بعد تأليفه الكتابَ الأوّل. وتكمن فرادة هذين العملَين في أنّهما يتناولان الأدب المعاصر (للثعالبي) حصرًا وأنّهما يرتِّبان مادّتهما الأدبيّة جغرافيًّا، وليس على العصور أو الموضوعات. 

* * *

طلبَ كثيرٌ من الأدباء، من الشعراء ومؤلِّفي النثر على السواء، رعايةَ الأمراء والوزراء والولاة أو العائلات النافذة. وقد كانت بلاطات القرن الرابع الهجريّ عامرة في المدن المختلفة بالعالَم الإسلاميّ، في فَيء الدويلات المتناحِرة التي نشأت في ظلّ الدولة العبّاسيّة، وقد تزاحم الأدباء للتكسّب فيها. ففي هذا القرن لم يعد بلاط الخليفة العبّاسيّ في بغداد هو المحجّة. وقد أسهم تنوّع البلاطات بطبيعة الحال في زيادة عدد المناصب المتوافرة وكذا في زيادة الحاجة إلى أفراد متعلِّمين للقيام بمهامّ محدَّدة فيها. على أنّ الحُكّام كانوا انتقائيّين، وكانت المنافسة بينهم شرِسة. وقد اختلفت أيضًا طبيعة المناصب، فكان مِنَ الأدباء زائرون طارئون أو مقيمون في البلاطات لفترات أطول؛ وقد اكتفى بعضهم بمناصب ثابتة ومحدّدة ككاتب في ديوان الرسائل أو أمين مكتبة أو مجرّد نديم، فيما تطلّع آخرون إلى مَكْرُمات الحُكّام وعطاياهم الفوريّة بين الحين والآخر.

وقد ظلّ عدد من الشعراء أوفياء لحاكم راعٍ واحد فقضوا معظم حياتهم في بلاطه أو مسكنه. وبِذا ارتبطت أسماؤهم بهذا الحاكم. يذكر الثعالبي مثلًا أنّ أبا الفرج الإصفهاني (ت. 356/967) مكث في بلاط المهلّبي طوال عمره (ت. 352/963).[2]ومثله القاضي أبو الحسن عليّ بن عبد العزيز الجرجاني (ت. نحو 403/1012) الذي استقرّ في بلاط الصاحب بن عبّاد (ت. 385/995) بعد رحلات طويلة،[3]وأبو الحسن عليّ بن أحمد الجوهري (ت. 377/987) الذي كان من المحظيّين عند الصاحب.[4]أمّا أبو العبّاس النامي (ت. 399/1009) فقد خلص بولائه لسيف الدولة (ت. 356/967) فكان ثانيًا بعد المتنبّي (ت. 354/965).[5]ومن جهته، كان أبو منصور يحيى بن يحيى الكاتب (ت. نحو 435/1043) مُقرَّبًا من الأمير أبو الفضل الميكالي (ت. 436/1044).[6]ويعبِّر الثعالبي عن علاقات مماثلة بـ"شديد الاختصاص بـ"، و"اختصّ بـ"، و"اصطنعه لنفسه".

وعادةً ما كان الأديب يهمّ بترك بلاط ما عندما تتدهور علاقته بصاحبه ويتوقّف الأخير عن التكرّم عليه بالأعطيات والهدايا. لكنْ قبل الالتحاق ببلاط جديد، كان الأديب أحيانًا يمتلك من الحكمة ما يكفي ليُخفي موقفه الحقيقيّ من حاكمٍ يمقته. فترى أبا الطيّب الطاهري (ت. نحو 321/933) مثلًا "يخدم آل سامان جهرًا ويهجوهم سرًّا". وقد نال قسطًا من كرهه لهم وزراؤهم ومأموروهم وحتّى عاصمتهم بُخارى.[7] 

 

الالتحاق بالبلاط

كان الأدباء يتسابقون للتكسّب من أيّ بلاط من بلاطات المدن الكبرى. وبطبيعة الحال، كان معظمهم مضطرًّا إلى الرضا بدايةً ببلاطات متواضعة أو محلّيّة ثمّ متابعة السعي خلف فرص أفضل قبل الوصول إلى الشهرة، فالمشهورون منهم كانوا يتنقّلون بحريّة نسبيًّا من بلاط إلى آخر. تنقّل أبو بكر الخوارزمي )ت. 383/993) مثلًا بين ستّة بلاطات بلا دعوة تستقدمه؛ وإن كان احتاج إلى وساطة الصاحب بن عبّاد ليزور عضد الدولة [ت. 372/983]. وهنا نشير إلى ما زعمه التوحيدي [ت. 414/1023] في كتابهأخلاق الوزيرَين أنّ الخوارزمي كان يتجسّس لصالح الصاحب، وهذا ربّما يُبرِّر تلكّؤ عضد الدولة في استضافته في بلاطه.[8]وعلى العموم، قد يدعو أمير علَمًا مشهورًا إلى بلاطه مشفِّعًا دعوته بالهدايا التشجيعيّة، كما حدث مع الصاحب بن عبّاد وأبي إسحاق الصابي.[9]ويمكن رفضَ الأديب أن يستثير غيظ المضيف صاحب الدعوة، فلم يكن تحريض كلّ من الصاحب والمهلّبي الأدباءَ للكتابة ضدّ المتنبّي إلّا لأنّه رفض دعوتَيهما.[10]وكان على الأديب أحيانًا أن يردّ بلباقةٍ دعوة وُجِّهت إليه لأسباب عمليّة. فمثلًا رفض الصاحب بن عبّاد عرض الأمير نوح بن منصور الساماني (ت. 387/997) تسلّم منصب الوزارة لديه بحجّة عدم قدرته على الانتقال بحمولة كتبه الثقيلة التي تحتاج في نقلها إلى نحو أربعمائة ناقة.[11]ويُرجَّح أن تكون هذه حجّة مفبركة أو علامة على أنّ العرض بذاته غير كافٍ، لكنّها تبرهن أيضًا على أنّ بعض الأدباء كانوا راضين بمناصبهم ولم يفكّروا بالانتقال.  

أمّا طلب الرعاية من حاكم أو أمير فموضوع متواتر في الأخبار منذ القرن الثالث للهجرة.[12]كان استقبال شاعر في بلاط ما مرتبطًا بمدى اطّلاع أمير ذاك البلاط على شعره. وفي القرن الرابع الهجريّ لم يكتب كثير من الأدباء الهواة أو المبتدئين دواوين أو كتبًا مشهورة ومتداولة؛ بل عمدوا عوضًا عن ذلك إلى إرسال نتاجاتهم المتواضعة إلى الثعالبي في أوراق متفرّقة أو رسائل عسى أن يضمّها إلى نسخته الثانية من اليتيمةأو ذيلها التتمّة.[13]فإن هم وُفِّقوا إلى ذلك، تبدأ أعمالهم تُتداوَل ما يكسبهم نوعًا من الاعتراف بتلك الأعمال خصوصًا إذا علّق عليها إيجابًا ناقد مشهور كالثعالبي. من هنا صارت المختارات التي يجمع فيها مؤلِّفها أعمالًا لمصنّفين معاصرين له وسيلة لنشر الأدب الأصيل،[14]أدب أولئك الشعراء الذين لم يتّخذوا الشعر صنعتهم الرئيسة ولم تكن دواوينهم مشهورة، لكنّهم كانوا بالرغم من ذلك لا يزالون يرجون الانتشار والولوج إلى البلاطات. 

كانت تسبق الأديبَ سمعتُه إذا حالفه الحظّ، لكنّه كان مُحتاجًا أحيانًا إلى إقامة (أو توثيق) عُرى التواصل بينه وأمير معيّن بأن يبعث إليه شيئًا من نِتاجه –رسالة أو قصيدة، أو كتابًا- ليبرهن على موهبته. وربّما صرّح الأديب أحيانًا برغبته في زيارة هذا البلاط أو ذاك؛ أمّا إذا كان عائدًا إلى بلاط فكان يصحّ له في هذه الحال أن يبرِّر غيابه وربّما أن يعتذر عنه.[15]وقد يحدث في أحيان أخرى أن تطرق مسامع الأمير نيّة الأديب زيارته، فيبتدئه بإرسال دعوة للقدوم إليه.[16]

وربّما يلتمس الأديب وساطة طرف ثالث. في صغره، حضر الهمذاني (ت. 398/1008) برفقة والده إلى بلاط الصاحب مثلًا.[17]وقد ظهر مع هذه الوساطات الشائعة آنذاك، بحسب بياتريس غروندلِر، نوعٌ جديدٌ من شعر المدح وفيه يُعظَّم الوسيط والأمير الذي قَبِل الوساطة كلاهما.[18]يذكر الثعالبي مثلًا أنّ الخوارزمي نصح أبا طالب المأموني [ت. 383/993] بمدح الشيخ أبي منصور كُثيِّر بن أحم لدفعه إلى التوسّط باسمه ليجد له مكانًا بين الأدباء بحاشية أمير الجيش أبي الحسن بن سيمجور.[19]وتكون الوساطة أحيانًا توصية خطّيّة. وهنا يورد الثعالبي أيضًا ثلاث رسائل الأولى كتبها الصاحب بن عبّاد موصيًا بأبي الحسن السلامي (ت. 393/1003) الذي أراد الانضمام إلى بلاط عضد الدولة وبأبي الحسن الجوهري الذي كان طامعًا بعناية أبي العبّاس الضبّي [ت. قبل 429/1037] وبأبي الحسن السجزي النوقاتي الذي سأله أن يكتب له رسالة مماثلة قبل عودته إلى موطنه سجستان.[20]ولم يوجِّه الصاحب توصيته بالسلامي إلى عضد الدولة مباشرةً بل إلى كاتبه ووزيره عبد العزيز بن يوسف (ت.388/998).[21]ويسجِّل الثعالبي تلقّي رسالة الصاحب: 

ولم يزل السلامي بحضرة الصاحب بين خير مستفيض، وجاه عريض، ونِعَم بيض، إلى أن آثر قصد حضرة عضد الدولة بشيراز، فجهّزه الصاحب إليها، وزوّده كتابًا بخطّه إلى أبي القاسم عبد العزيز بن يوسف نسخته:قد علم مولاي أطال الله بقاءه أنّ باعة الشعر من عدد الشَّعر، ومن يوثَق بأنّ حليه التي يهديها من صوغ طبعه، وحلله التي يؤدّيها من نسج فكره أقلُّ من ذلك. وممّن خبَرته بالامتحان فأحمدته، وفَرَرْته بالاختبار فاخترته أبو الحسن محمّد بن عبد الله المخزومي السلامي أيّده الله تعالى، وله بديهة قويّة توفي على الرويّة، ومذهب في الإجادة يهشّ السمع لوعيه، كما يرتاح الطرف لرعيه. وقد امتطى أمله وخُيّر له إلى الحضرة الجليلة رجاء أن يحصل في سواد أمثاله، ويظهر معهم بياض حاله. فجهّزت منه أمير الشعر في موكبه، وحلّيت فرس البلاغة بمركبه، وكتابي هذا رائده إلى القطر، بل مشرعه إلى البحر. فإن رأى مولاي أن يراعي كلامي في بابه، ويجعل ذلك ذرائع إيجابه، فعل إن شاء الله تعالى. فلمّا وردها تكفّل به أبو القاسم، وأفضل عليه، وأوصله إلى عضد الدولة، حتّى أنشده قصيدته... فاشتمل عليه جناح القبول، ودفع إليه مفتاح المأمول...[22].

مقابلة صاحب البلاط

تتطلّب مقابلة صاحب البلاط في المرّة الأولى أداءً خاصًّا من جانب الأديب، لأنّ الكلمات الأولى التي يقدِّم بها نفسه ستضبط إيقاع العلاقة المستقبليّة بينهما. وفي مطالعتها مقابلة صاحب البلاط عنصرًا أساسيًّا في الكتب المخصّصة للشعراء من القرن الثالث/التاسع ميّزت بياتريس غروندلِر أدواتٍ وشخصيّاتٍ مكرَّرة في مشهديّة المقابلة هذه.[23]وتنقل لنا الأخبار فياليتيمةعن الشعراء الذين قوبِلوا بالترحيب، أمّا أولئك الذين لم يُوفّقوا إلى ذلك فظلّوا طيّ الكتمان في غالب الأمر. 

ومن بين كثير من تلك القصص المرويّة في الأخبار ينقل الثعالبي أنّ أبا الحسن العلوي الوصي الهمذاني (ت. بعد 388/998)[24]أطال التفكير والتأمّل بلقائه الصاحب أوّل مرّة قبل أن يستعير الإشارة إلى يوسف من آية قرآنيّة إذ قال: "ما هذا إلّا بشر كريم"،[25]وبمثله ردّ الصاحب بذكاء مستعينًا بآية أخرى من السورة نفسها: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.[26]  

مغادرة البلاط

تنقّل الأدباء المدرجون في اليتيمةوالتتمّةبين البلاطات، متحوّلين بولائهم بسهولة من هذا الأمير إلى ذاك. وما العيش في كنف الأمراء إلّا عقد أو اتّفاق يؤدّي الإخلال بأحد شروطه إلى إنهاء العلاقة بين طرَفَيه. وقد اختصر الشاعر أبو الحسن النوقاتي هذه الشروط في البيتين التاليين:

إذا بخلــــتَ ببــرّي                  ولمْ أنَلْ منكَ رِفـــدا

فأنتَ مثلي عبــدٌ            وفيمَ أخدمُ عبدا؟[27]

وفي حالات كثيرة قد يقع ما يُغضِب الأمير أو يُذلّ الأديب فيضطرّ الأخير إلى الرحيل. وقد ذُكِرت حوادث مماثلة عديدة في مدخل الصاحب بن عبّاد، كإطلاق ريح غير مقصود مثلًا، وهو ما حصل مرّتين في بلاط الصاحب: "وحدّثني الهمذانيّ قال: كان واحد من الفقهاء يُعرف بابن الخضيريّ، يحضر مجلس النظر للصاحب بالليالي، فغلبته عيناه مرّة وخرج منه ريح لها صوت، فخجل وانقطع عن المجلس، فقال الصاحب: أبلغوه عنّي:

يا ابن الخضيريّ لا تذهبْ على خجلٍ                 لحادثٍ منكَ مثل النـاي والـعـودِ

فـــــــإنّــــــها الريـــحُ لا تستطيـــعُ تحــــبـسـهـا               إذ أنتَ لستَ سـلـيمـان بـنداودِ

وحُكي أنّ مثل هذا الأمر وقع للهمذانيّ في مجلس الصاحب فخجل، وقال: صرير التخت، فقال الصاحب: أخشى أن يكون صرير التحت. فيُقال إنّ هذه الخجلة كانت سبب مفارقته الحضرة وخروجه إلى خراسان.[28]

وقد جُمِع الحادثان لتشابههما ولأنّهما وقعا في بلاط الصاحب، وهذا ما أتاح للثعالبي أن يُسقِط الجزء الأوّل من الخبر الثاني صارفًا اهتمامه إلى افتراق النتيجة: أظهر ابن الخضيري ندمه فغُفِر له، أمّا الهمذاني فلم يعترف بفعلته وكان عليه أن يرحل. 

وربّما يفرّ الأديب أحيانًا من غير أن ينتظر قافلةً حتّى، كما حدث مثلًا مع أحد المستشعرين الذي انتحل من شعر الصاحب.[29]لكنّ الأمير قد يقبل تصرّفًا أرعن من أديب متمرِّس، فكذا فعل المهلّبي مع ابن لنكك البصري (ت. 360/970). يقول الثعالبي:"ودعاه [ابن لنكك] يومًا الوزير المهلبي إلى طعامه، فبينا هو يأكل معه إذ امتخط في منديل الغمر، وبزق فيه، ثمّ أخذ زيتونة من قصعة فغمزها بعنف حتّى طفرت نواتها فأصابت عين الوزير، فتعجّب من سوء شرهه، واحتمله لفرط أدبه".[30]

وقد يحدث أن يصحِّح أديب وأمير علاقتهما بعد انقطاع. على سبيل المثال، اتّصل أبو محمّد الخازن (ت. نحو 383/998) بالصاحب بن عبّاد بعد عشر سنوات من البعاد معتذرًا عن تركه بلاطه "طوعًا"، متحدِّثًا عن المحن التي ابتُليَ بها طوال تلك السنوات، مشدِّدًا على أنّه عائد اضطرارًا وعلى أنّ الغربة قد أدّبته.[31]  

لكنّ ارتحال أديب عن بلاط لم يكن سببه بالضرورة تنافرًا بين الأديب وصاحب البلاط؛ فقد ترك ابن الحجّاج بلاط ابن العميد وهو لمـّا يزل يمدحه ومن دون أن يحدِّد وجهته أو سبب مغادرته.[32]حتّى إنّ الأدباء قد يطلبون الإذن بالرحيل من الأمير. وذاك حال أبو طالب المأموني بعد أن أفسد أعداؤه علاقته بالصاحب (قيل إنّه لعن المعتزلة)،[33]وهو الذي أصرّ في قصيدته الوداعيّة على أنّه سيظلّ يحكي عن كرم الصاحب. أمّا بعض الشعراء فيظهر أنّهم قد استمتعوا بأوقاتهم التي قضوها في البلاطات لكنّهم ببساطة رغبوا بالعودة إلى الديار. وهذا ما حدث مع أبي الحسين محمّد بن الحسين الفارسي وأبي الحسن السجزي النقطي اللذين حصّلا إذنًا خطّيًّا من الصاحب بالمغادرة. في هذه الأذون، يمدح الصاحب الأديبَين، ويثني على مهاراتهما الأدبيّة وطبائعهما، ويؤكِّد أنّه كان يرجو استبقاءهما في البلاط.[34]ومن جهته، حاز الشاعر السلامي على تقديم إلى بلاط عضد الدولة من الصاحب بن عبّاد راعيه السابق.[35]

* * *

يظهر في اليتيمةوالتتمةجانب من حياة البلاطات في القرن الرابع الهجريّ كما يبرز دور الثعالبي مؤرّخًا أدبيًّا. فالثعالبي يخبرنا عمّا كان يبحث أصحاب البلاطات: كيف كانوا يتخيّرون الأدباء المتقدّمين للالتحاق ببلاطاتهم، وكيف كانت تبدو آنذاك رسائل التوصية، وامتحانات القبول، ومقابلات العمل، والعروض، والمفاوضات على الشروط. وقد كانت الكتب توضع وتُهدى للأمراء وتُعنوَن باسمهم أحيانًا. ونرى أنّ الثعالبي كان يبسط القول في تلقّي الأمراء كتبًا مماثلة وفي المكافآت التي كانوا يجزون بها مؤلِّفيها. 

وتسطّر معظم هذه الأخبار قصص نجاح وتوفيقات في الوصول، شاهدة بذلك على مهارة الأدباء وموهبتهم. كما وتبرهن على كرم الأمراء وحرصهم على انتقاء أدباء البلاط. والأخبار ممتعة من جهة، ويُسجّل فيها عدد من الأقوال والتواقيع والرسائل القيِّمة من جهة أخرى. وتؤهِّل هاتان الميزتان هذه الأخبار لتُضمَّن في كتب الاختيارات الأدبيّة.

علاوةً على ذلك، إنّ رعاية البلاطات وسعي الأدباء في طلبها ثيمتان شائعتان في كتب الاختيارات الأدبيّة في القرن الرابع الهجريّ. ولعلّه يمكن القول إنّه من أهداف اختيارات الثعالبي الترويج لأعمال من عاصره من الشعراء والأدباء، وإضاءة الطريق لهم من خلال أخبار هذه الشخصيّة المثال أو تلك التي يُراد لهم أن يسيروا على خطاها، وكذلك عَبْر قصص النجاح والفشل التي توضع بين أيديهم. لم تكن كتب الاختيارات دائمًا مصنّفات ثانويّة تجمع أجزاء من دواوين أصيلة و"كتب" شائع تداولها، بل كانت أحيانًا، كما هي حال اليتيمة، ثمرة تواصل حيويّ بين الأدباء. كان الثعالبي بذلك يحرس بوّابة عالَم الأدب المعتبَر الجدير بالتقدير. من خلال الأخبار التي جمعها في عمله، أرشد الثعالبي أدباء عصره، سيّما أقرانه الخرسانيّين إلى كيفيّة الحصول على منصب في البلاط وكيفيّة المحافظة عليه، والعمل على استعادته إن هم يومًا فقدوه.

 

قائمة المصادر والمراجع

المصادر

التوحيدي، أبو حيّان. أخلاق الوزيرين. تحقيق محمّد تاويت الطنجي. بيروت: دار صادر، 1992.

الثعالبي، أبو منصور.تتمّة اليتيمة. تحقيق مفيد محمّد قميحة. بيروت: دار الكتب العلميّة، 1983.

_____. يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر. تحقيق محمّد محيي الدين عبد الحميد. القاهرة: المكتبة التجاريّة، 1956.

العتبي، محمّد بن عبد الجبّار. اليميني في شرح أخبار السلطان يمين الدولة وأمين الملّة محمود الغزنوي. تحقيق إحسان ذنون الثامري. بيروت: دار الطلبعة، 2004.

المراجع

Bosworth, C. E. The Ghaznavids: Their Empire in Afghanistan and Eastern Iran, 994–1040. Edinburgh: Edinburgh University Press, 1963.

Gruendler, Beatrice. Medieval Arabic Praise Poetry. London 2003.

—.“Meeting the Patron: An AkhbārType and Its Implication for MuḥdathPoetry.” In Sebastian Günther(ed.),Ideas, Images, and Methods of Portrayal. Leiden 2005, 59–88.

Naaman, Erez. Literature and Literary People at the Court of al-Ṣāḥib Ibn ʿAbbād, PhD dissertation, Harvard University, Cambridge 2009.

Orfali, Bilal. The Anthologist’s Art: Abū Manṣūr Al-Thaʿālibī and His Yatīmat Al-dahr. Leiden: Brill, 2016.

—. The Art of Anthology: Al-Thaʿālibī and His Yatīmat al-dahr, PhD dissertation, Yale University, New Haven 2009.

—. “The Sources of al-Thaʿālibī in Yatīmat al-Dahrand Tatimmat al-Yatīma.” Middle Eastern Literatures16 (2013), 1–47.

Rowson, Everett. “Religion and Politics in the Career of Badīʿ al-Zamān al-Hamadhānī.” Journal of the American Oriental Society107 (1987), 653–73.

 

* الدكتور بلال الأرفه لي: أستاذ الدراسات العربيّة في الجامعة الأميركيّة في بيروت ورئيس دائرة العربيّة ولغات الشرق الأدنى.

** ترجمة مريم سعيد العلي: حاصلة على دكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها من دائرة العربيّة ولغات الشرق الأدنى بالجامعة الأميركيّة في بيروت.

[1]لترجمة مُفصَّلة له راجع،      

Bilal Orfali, The Art of Anthology, chaps. 1–2; Everett Rowson, "al-Thaʿālibī, Abū Manṣūr ʿAbd al-Malik b. Muḥammad b. Ismāʿīl", EI2X, 426a–427b.

[2]  الثعالبي، يتيمة الدهر(يتيمة) 3، 114.

[3]  نفسه4، 3.

[4]  نفسه4، 27.

[5]  نفسه1، 241.

[6]  الثعالبي، تتمّة اليتيمة (تتمّة)،194.

[7]  الثعالبي، يتيمة4، 96.

[8]  التوحيدي،أخلاق الوزيرين108. للتفصيل انظر،

Erez Naaman, Literature and Literary People at the Court of al-āib Ibn ʿAbbād,61.

[9]  الثعالبي، يتيمة2، 246.

[10]نفسه1، 136، 138.

[11]نفسه3، 196-7.

[12]لدراسة تعالج هذا النوع من الأخبار وأهمّيتها انظر،

     B. Gruendler, “Meeting the Patron: An AkhbārType and Its Implication for MudathPoetry”59–88.

[13]أنظر،

     Bilal Orfali, The Sources of al-Thaʿālibī in Yatīmat al-dahr and Tatimmat al-Yatīma,8.

[14]أنظر تعدادًا لمثل هذه الكتب في:

     Bilal Orfali, The Anthologist’s Art, 30-31.

[15]أنظر مثلًا تجربة أبي تغلب مع عضد الدولة، الثعالبي، يتيمة2، 117؛ وأبي القاسم الزعفراني مع الصاحب بن عبّاد، نفسه3، 354.

[16]أنظر مثلًا خبر الصاحب بن عبّاد مع القاضي أبي البشر الفضل بن محمّد الجرماني، نفسه3، 254.

[17]الثعالبي، يتيمة3، 197 و4، 257. لا يحدّد الثعالبي موقع بلاط الصاحب، لكنّه كان في الريّ العام 380/990؛ أانظر العتبي، اليميني في شرح أخبار السلطان يمين الدولة، 116. ويشير روسن من جهته إلى أنّ الهمذاني كان قُدِّم للصاحب صبيًّا بعمر الثانية عشرة، إن نحن صدّقنا حكاية يوردها الهمذاني نفسه في ديوانه؛ أنظر

     E. Rowson, “Religion and Politics”,654.

[18]  أنظر

     Beatrice Gruendler, Medieval Arabic Praise Poetry,9.

[19]الثعالبي، يتيمة4، 163-4. عن أبي الحسن السيمجوري انظر العتبي، اليميني في شرح أخبار السلطان يمين الدولة،143؛ أنظر أيضًا،

     C. E. Bosworth, Tha Ghaznavids, 58.

[20]الثعالبي، يتيمة4، 342. ويختم الصاحب هذه الرسالة بالقول إنّ خطّه المميّز وأسلوبه الإنشائيّ هما الشاهدان على موثوقيّتها. لترجمة لهذه الرسالة وبحث حولها انظر

     =Erez Naaman, Literature and Literary People at the Court of al-āib Ibn ʿAbbād,69–70.

     = ويشير الثعالبي أيضًا إلى أنّ أبا دُلَف الخزرجي (ت. 390/1000) حمل معه عدّة رسائل توصية كتبها له الصاحب فتحت له أبواب البلاطات. أنظر الثعالبي، يتيمة3، 357. 

[21]  عن عبد العزير بن يوسف انظر نفسه2، 313 وما بعدها.

[22]  نفسه2، 401-2.

[23]  أنظر،

     B. Gruendler, “Meeting the Patron.”

[24]  وقد خلف الصاحب بن عبّاد في بلاط الأمير محمود الغزنوي (ت. 421/1030)؛ أنظر العتبي، تاريخ اليميني163.

[25]الثعالبي،يتيمة3، 204؛ إشارة إلى الآية: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، يوسف 31:12.

[26]الثعالبي، يتيمة3، 204؛ يوسف 94:12.

[27]الثعالبي، يتيمة4، 343.

[28]  الثعالبي، يتيمة3، 202.

[29]نفسه3، 200.

[30]يتيمة2، 352.

[31]نفسه3، 325-326؛ لأخبار مماثلة انظر نفسه3، 203. وعن هروب الخازن من بلاط الصاحب انظر، 

Erez Naaman, Literature and Literary People at the Court of al-āib Ibn ʿAbbād,58.

[32]الثعالبي،يتيمة3، 94.         

[33]نفسه4، 161-2. وقد تناول إيريز نعمان هذه الرواية بالتحليل في،

     Erez Naaman, in Literature and Literary People at the Court of al-āib Ibn ʿAbbād47ff.

[34]الثعالبي،يتيمة4، 342-3، 385.

[35]نفسه2، 401.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق