لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس

الردّ على مـحمّد عابد الجابري في نسبة كتاب «تهذيب الأخلاق» إلى يحيى بن عديّ

 

«ذَكِّرْهُم بِذَلِكَ وناشِدْهُم في حَضرَةِ اللهِ أن يَتَجَنَّبوا المُماحَكَة،

فإنَّها لا تَصلُحُ إلَّا لِهَلاكِ الَّذينَ يَسمَعونَها»،

رسالة القدِّيس بولس الثَّانية إلى طيموتاوس 2/14.

كتاب تهذيب الأخلاقنسَبه النسَّاخ إلى عدَّة مؤلِّفين، هم: يحيى بن عديّ[1](ت 974م)، ابن الهيثم[2](ت١.٤١م)، الجاحظ (ت 868م)، ابن عربي (ت 1240م). أمَّا محقِّقو الكتاب فمعظمهم عزاه إلى يحيى بن عديّ، وقد اجتهدوا في إثبات صحَّة نسبته إليه[3]. في العام 2001 نشر محمد عابد الجابري[4]كتاب العقل الأخلاقي العربيّ. وحاول فيه أنْ يبيِّنَ أنَّ كتاب تهذيب الأخلاقليس ليحيى بن عديّ إنَّما للعالم الرياضي الفيزيائي ابن الهيثم![5]

ومنذ صدور كتاب الجابري حتَّى اليوم لم يقم أحدٌ من الباحثين، على حدِّ علمنا، بدراسةٍ جدِّيَّة يناقش فيها رأي الجابري في نسبة كتاب تهذيب الأخلاق إلى يحيى. فكان اختيارنا أنْ نتولَّى هذه المهمَّة الَّتي تكتنفها صعوبات عديدة سنشير إليها في سياق مقالنا. وركيزتنا الأساسيَّة أكثر من عشر سنواتٍ أمضيناها في دراسة نصوص يحيى في الفلسفة واللاهوت والأخلاق، وقد ولَّدت لدينا درايةً لفكره وألفةً لأسلوبه[6].

سنحاول ابتداءً أنْ نتبيَّنَ حجج محمد عابد الجابري، ونناقشها، ونتفكَّر في ما سنتوصَّل إليه من نتائج نبني عليها حكمنا؛ نعرض بعدها ملخَّصًا لمضمون كتاب تهذيب الأخلاق. وقبل أنْ نبدأ مهمَّتنا نودُّ أنْ نشير إلى أمرٍ أساسيٍّ يتعلَّق بمقاربة عددٍ كبيرٍ من الباحثين مسألة صحَّة نسبة الكتاب إلى مؤلِّفٍ بعينه (ولا سيَّما يحيى بن عدي) من خلال البحث عن عبارات تشير إلى انتمائه الدينيّ. وهي مقاربة خاطئة برأينا لأنَّ الكتاب في الفلسفة الأخلاقيَّة، والبحث في المواضيع الفلسفيَّة يجب أنْ يكون بمنأى عن الدِّين إلَّا إذا كان البحث في مجال فلسفة الدِّين.

قسَّم الجابري كتابه العقل الأخلاقي العربيّقسمَين. عنْوَن الأوَّل: «المسألة الأخلاقيَّة في التراث العربيّ»، والثاني: «نُظُم القيَم في الثقافة العربيَّة: أصولها وفصولها». عمد في القسم الأوَّل إلى استعراض معاني الألفاظ الاصطلاحيَّة الَّتي يعبَّر بها في التراث العربيّ عن الأخلاق، وناقشها باستحضار مضامينها في الموروث الَّذي تنتمي إليه، وقارن بعضها ببعض، وانتهى إلى النتيجة الآتية وهي أنَّ: «التعدُّد والاختلاف اللذَين يطبعان مفهوم كلمتَي "أخلاق" و"أدب" في الثقافة العربيَّة إنَّما يعكسان ظاهرة حضاريَّة تجد مرجعيَّتها، أساسًا، في تعدُّد واختلاف نظم القيَم الَّتي عرفتها الساحة الثقافيَّة العربيَّة بسبب التداخل، بل الصراع، بين موروثات ثقافيَّة متعدِّدة تواجدت، بهذه الصورة أو تلك، على الساحة العربيَّة منذ الفتوحات الإسلاميَّة، وأيضًا بسبب الاحتكاك الحضاريّ بالتجارة وغيرها»[7]. أمَّا القسم الثاني فخصَّصه للكلام على الموروثات الثقافيَّة في التراث العربيّ، فحصرها في خمسة موروثات، هي: الموروث الفارسيّ أو أخلاق الطاعة؛ الموروث اليونانيّ: أخلاق السعادة؛ الموروث الصوفيّ: أخلاق الفناء... وفناء الأخلاق؛ الموروث العربيّ الخالص: أخلاق المروءة؛ الموروث الإسلاميّ في البحث عن أخلاق إسلاميَّة. وجاء الكلام على تهذيب الأخلاقفي الباب الثاني عشر من القسم الثاني الَّذي حمل عنوان: «النزعة العلميَّة: 2، هندسة الأخلاق... ونزعة إنسانيَّة».

نحن لا نتَّفق مع الجابري في تصنيف الأخلاق في التراث العربيّ في فئاتٍ تعبِّر عنها عناوين فصول كتابه، مثل عنوان الباب الثاني عشر الَّذي ذكرناه، وكذلك عنوان الفصل الحادي عشر من القسم الثاني: «طبّ الأخلاق... ومستشفى لتهذيبها». لكنْ لا مجال لمناقشة ذلك في مقالنا هذا، لذا سنكتفي بالردِّ عليه في مسألة نسبة كتاب تهذيب الأخلاقإلى يحيى بن عدي.

سنقسِّم نصَّ الجابري إلى نقاط/أفكار نناقشها كما يأتي: 

1- يقول الجابري إنَّ إبطالَ نسبة الكتاب إلى الجاحظ وابن عربي أمرٌ يسير لكلِّ مَن اطَّلع على الكتاب وكان على معرفةٍ بفكرهما، إذ لا شيء يجمعه بهما؛ ونحن نوافقه على ذلك. ويقول أيضًا إنَّ نسبة الكتاب إلى يحيى بن عدي يكتنفها قدرٌ من الشكِّ لأنَّ اسم ابن الهيثم قد ورد في مخطوطَين، وأنَّ إحدى المخطوطات كُتب فيها على الهامش وبخطِّ الناسخ أنَّ مصنِّفها هو أبو الحسن بن الحسن بن الهيثم. ويضيف: «وممَّا قوَّى هذا القدر من الشكِّ حتَّى لدى بعض المستشرقين أنَّ كتب التراجم القديمة (ابن النديم، القفطي، ابن أبي أصيبعة) لم تذكر ليحيى ابن عدي أيَّ كتاب في الأخلاق بينما ذكرت لابن الهيثم كتبًا في الأخلاق والسياسة»[8].

ونحن نخالف الجابري في ما ذهب إليه لأنَّ ورود اسم ابن الهيثم في مخطوطتَين لا يؤكِّد نسبة الكتاب إليه (وإن كانت إحداهما من أقدم المخطوطات). فخبرتنا في العمل في المخطوطات لأكثر من عشر سنوات تجعلنا لا نعوِّل كثيرًا على هذا الأمر؛ فقد يخطئ النسَّاخ في نسبة كتابٍ ما إلى مؤلِّفٍ بعينه، وهذا ما يعزِّزه تعدُّد أسماء المؤلِّفين المذكورين في مخطوطات كتاب تهذيب الأخلاق[9]. ونحن نعلم أنَّ ابن الهيثم وضع في الفترة الأولى من حياته مؤلَّفات في الأخلاق، لكنَّها كلَّها مفقودة.

أمَّا قول الجابري إنَّ التراجم القديمة لم تذكر عناوين في الأخلاق ليحيى فليس دقيقًا. ولا يُستدلُّ منه، ولو كان صحيحًا، على أنَّ يحيى لم يضع مؤلَّفات في هذا الباب؛ إذ قد وصلت إلينا أربعة مؤلَّفات له في الأخلاق[10]، فضلًا عن مقالة في سياسة النفسالَّتي ذكرها ابن أبي أصيبعة (ت 1270م)، ويعتقد الباحثون أنَّها قد تكون هي نفسها كتاب تهذيب الأخلاقلورود عبارة سياسة النفس في الكتاب عدَّة مرَّات؛ وكذلك كتاب في منافع الباه ومضاره وجهة استعماله، وقد ذكره ابن أبي أصيبعة والقفطي (ت 1248م)[11]. وإذا كان ابن النديم (ت 385 ه)، صديق يحيى بن عدي، لم يذكر له إلَّا ثلاثة مؤلَّفات فقط[12]، فهل يعني ذلك أنْ ننكرَ نسبة عشرات المؤلَّفات الَّتي وضعها يحيى؟!

2- يقول الجابري إنَّ القرائن الَّتي ترجع إلى ما ذكره الَّذين ترجموا للرجلَين، وكذا إلى المقارنة بين أسلوب كتاب تهذيب الأخلاقومنهجه ومضمونه مع ما يُعرف عنهما في هذا المجال فجميعها يشهد لصالح ابن الهيثم. من هذه القرائن يستخلِص «أنَّ الكتاب ليس ليحيى بن عدي قطعًا، وأنَّه لابن الهيثم ترجيحًا»[13]. ويضيف أنَّه يفكِّر في ثابت بن قرَّة الحرَّاني (ت 901م)، أو ابنه سنان (ت 943م)، لأنَّ النسخة الأقدم للكتاب لم ينسَب فيها الكتاب إلى أيِّ مؤلِّف، ويوجد فيها نصُّ كتاب تهذيب الأخلاقمُدمجًا في رسالة سياسة النفوسلسنان بن ثابت. ويقول: «وبما أنَّ مصادرنا (القفطي وابن أبي أصيبعة) تنسب كتابَين في الأخلاق لثابت بن قرَّة الحرَّاني هما كتاب الأخلاقوكتاب مختصر في أصول الأخلاق، ولا تنسب له كتابًا بعنوان سياسة النفوسولا لابنه سنان، وبما أنَّ ابن أبي أصيبعة ينسب كتابًا بعنوان مقالة في سياسة النفسليحيى بن عدي، فمن الجائز التخمين بأن كتاب تهذيب الأخلاق-المدمَج في سياسة النفوس- هو لابن قرَّة، بينما أنَّ سياسة النفوسهو لابن عدي. هذا مجرَّد تخمين. ولكنَّه يتحوَّل إلى فرضيَّة للعمل حينما نضع في الاعتبار الطابع "الإنساني" الذي لا يتعصَّب لدين ولا يتحرَّج في ذكر "المساجد والكنائس وأماكن العبادة" في عبارة واحدة، و"الرهبان والزهَّاد ورؤساء الدين والواعظين" في جملة واحدة كذلك. وخلو الكتاب خلوًا تامًّا عمَّا يشير إلى أنَّ مؤلِّفه يعتنق المسيحيَّة أو الإسلام. ومثل هذا الموقف لا يقبله الباحث بسهولة لا من ابن الهيثم ولا من ابن عدي. ولكنَّه سيكون موقفًا طبيعيًّا تمامًا إذا صدر من صابئي حرَّاني (وثني) كثابت بن قرَّة. فلعلَّ البحث يتَّجه في المستقبل هذا الاتِّجاه لإثبات جدوى هذه الفرضيَّة أو عدم جدواها. وإلى أن يتمَّ ذلك فنحن نرجِّح نسبة الكتاب إلى ابن الهيثم نظرًا للقرائن التي ذكرنا أعلاه»[14].

سنردُّ على قوله هذا بما يأتي:

  1. إنَّ وجود نصِّ كتاب تهذيب الأخلاقفي المخطوط مدمجًا في رسالة سياسة النفوسلا يدلُّ بالضرورة على أنَّ الكتاب لسنان بن ثابت؛ فالأمر يتعلَّق باهتمامات الشخص الَّذي أراد جمع هذه النصوص في مخطوطٍ واحدٍ من جهة، وبالناسخ الَّذي دمج النصَّين لسببٍ لا نعرفه من جهةٍ أخرى.
  2. إنَّ محاولة الاستناد إلى كتب التراجم لتخمين أنَّ الكتاب لثابت بن قرَّة دليلٌ ضعيف.
  3. ليس مستهجنًا أو غريبًا أن يذكرَ يحيى «المساجد والكنائس وأماكن العبادة في عبارة واحدة، والرهبان والزهَّاد ورؤساء الدين والواعظين في جملة واحدة كذلك» كما يعتقد الجابري؛ لأنَّه ذكر آيتَين منالقرآن الكريمفي مقالَين من مقالاته[15]، ونسَخَ تفسير الطَّبري للقرآن مرَّتين، فضلًا عن أنَّه لم ينتقد الإسلام ولا المسلمين أبدًا في جميع مؤلَّفاته (أي ما هو متوفِّر لنا منها، سواء المطبوعة أم المخطوطة). وكذلك فطلَّابه كانوا مسلمين ومسيحيِّين، والمسيحيُّون ينتمون إلى المذاهب الثَّلاثة (اليعقوبيَّة، النَّسطوريَّة والملكيَّة).
  4. إنَّ الحكم بنسبة كتابٍ إلى فيلسوفٍ ما لا يتطلَّب البحث عن عباراتٍ تدلُّ على دينه، فمصادر الفيلسوف ليست الدِّين بالضرورة. فضلًا عن أنَّ الكتاب لا يخلو من معانٍ وألفاظ مسيحيَّة بخلاف ما يقول الجابري؛ فهو يذكر الرهبان في غير موضعٍ من الكتاب مثل كلامه على فضيلة الزهد، وعلى ضرورة مجالسة الرهبان والزُّهاد لمَنْ أراد قمع نفسه الشهوانيَّة؛ لكنَّ ذلك لا يدلُّ على أنَّ المؤلِّف مسيحيّ لأنَّ الكلام ورد في إطار الوعظ والإرشاد. وكذلك فإنَّ النصح بترك الشراب (لا تحريمه)، وإنْ كان يتعارض مع صريح الآيات القرآنيَّة الَّتي تحرِّم المُسكِر، لا يدلُّ على أنَّ المؤلِّف ليس مسلمًا، فابن سينا (ت 1037م) مثلًا كان إذا أطال السهر وخاف غلبة النوم يشرب قدحًا من الخمر ليستعيد به قوَّته. وكذلك فليس مستغربًا أنْ يعالجَ يحيى موضوع تهذيب الأخلاق بأسلوب فلسفيّ (وقد اعتمد فيه تقسيم النَّفس الثلاثي عند أفلاطون) من دون الاستناد إلى مصادر مسيحيَّة، لأنَّه منطقيٌّ يعتمد العقل والفلسفة في معالجة مختلَف القضايا، حتَّى اللاهوتيَّة منها[16]. ونسأل الجابري وفقًا لمنطقه: ألا تتعارض محاولة نسبة الكتاب إلى الصابئي ثابت بن قرَّة مع ورود ألفاظ المساجد والكنائس والرهبان والزهَّاد ورؤساء الدين فيه؟

3- يذكر الجابري أنَّ ابن الهيثم تولَّى وزارةً في البصرة، وتولَّى بعض الدواوين في القاهرة للحاكم بأمر الله (ت م1021). أما يحيى بن عدي فلم يذكر أحد أنَّه تولَّى مثل هذه المناصب. «ومن المعلوم أنَّ جلَّ الَّذين كتبوا في الأخلاق والسياسة، في الثقافة العربيَّة، كانت لهم علاقة بالملوك والوزراء وكثيرون منهم عملوا في الدواوين»[17].

ونحن نستغرب فعلًا قول الجابري هذا لأنَّه لا يرقى إلى مستوى الحجَّة؛ فوضعُ مؤلَّفات في الأخلاق لا يمكن أن يكونَ مرتبطًا بتولِّي مناصب سياسيَّة! وكذلك فإنَّ يحيى كانت له صلة أو معرفة ببعض الحكَّام. فقد وضع رسالةً تلبيةً لطلبٍ من الأمير سيف الدولة (ت 967م)، كما يذكر في مطلع رسالته نسخة ما كتب به يحيى بن عدي في الحكومة بين إبراهيم بن علي المعروف بأبي نصر بن عدي الكاتب ومناقضِه فيما اختلفا فيه من أنَّ الجسم جوهر وعرض وكتابته إلى الأمير سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان: «قال أُوصلَت إليَّ انا يحيى بن عدي رقعةٌ منسوبة إلى إبراهيم بن علي نسختها <ابراهيم> قرأت ما أنفذه سيِّدنا الأمير سيف الدولة إليَّ من خطّ يحيى بن عدي بما ذكره في الجسم ولو كان غيره المتكلِّم لما أجبته عنه وذلك لما أعرفه من فهمه وقد وصفته بذلك مرَّات وليس من عادتي أنْ أظنَّ بمثله إلَّا أحسن الظنون...»[18]. وكذلك فقد نسخ يحيى تفسير الطَّبري للقرآن مرَّتين وحملهما إلى ملوك الأطراف كما يذكر صديقه ابن النديم[19]. فضلًا عن أنَّ أبا القاسم عيسى بن علي بن عيسى (ت 1001م) ابن الوزير علي بن عيسى الجرَّاح (ت 946م) كان من طلَّابه، وقد قرأ المنطق عليه وأكثر الأخذ عنه، كما يورد القفطي[20]. ويذكر يحيى اسمه في مستهلِّ مقالةٍ دوَّن فيها إجابته على مسألةٍ أثبتَها في المجلس الَّذي كان أبو القاسم حاضرًا فيه: «قال يحيى بن عدي: وهذه حكاية المقدِّمتَين اللتَين أثبتَ بهما أنَّ حرارة النار ليست جوهرًا في المجلس الَّذي اجتمعنا فيه بحضرة أبي القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن الجرَّاح...»[21].

4- يقول الجابري: إنَّ أسلوب استهلال الكتاب والختام «أقرب إلى طريقة ابن الهيثم في كتابه الوحيد الَّذي بين أيدينا وهو أهم كتبه على الإطلاق: كتاب المناظر»،وأنَّ عبارة الختم في الكتابَين متطابقة: فقد ختم كتاب المناظرقائلًا: «وهذا حين نختم هذه المقالة» وهي العبارة نفسها التي ختم بها كتاب الأخلاق: «وهذا حين نختم القول في تهذيب الأخلاق». ويضيف أنَّه رجع إلى المقالات المنشورة ليحي بن عدي (اللاهوتيَّة والفلسفيَّة) فلم يجد في خواتمها عبارة مماثلة لهذه[22].

سنردُّ على قوله هذا بما يأتي:

  1. كتاب المناظرليس الكتاب الوحيد لابن الهيثم، فله رسائل أخرى مخطوطة ومطبوعة[23].

2.    صحيحٌ أنَّ ثمَّة تطابقًا بين ختام كتاب المناظر: «وهذا حين نختم هذه المقالة» وبين العبارة الَّتي يوردها الجابري: «وهذا حين نختم القول في تهذيب الأخلاق»، لكنَّ ذلك لا يثبت شيئًا لسببَين؛ الأوَّل: لا يختم ابن الهيثم كتبه دائمًا بهذا العبارة[24]، والثاني: لا تتَّفق مخطوطات كتاب تهذيب الأخلاقفي إيراد هذه العبارة بالذات في خاتمة الكتاب؛ بل إنَّنا نجد في ثلاثة مخطوطات على الأقلّ عبارةً تتطابق مع العبارة الَّتي يختم بها يحيى عادةً كتاباته: «والمجد لواهب العقل دائمًا أبدًا آمين»[25].

5- يقول الجابري: إنَّ أسلوب يحي بن عدي يختلف اختلافًا بيِّنًا عن أسلوب كتاب تهذيب الأخلاق. «فابن عدي كاتب مجادل، وقلَّما يخلو نصٌّ من نصوصه من الردِّ أو الاعتراض على الغير... أمَّا ابن الهيثم فأسلوبه علميّ هادئ لا أثر للجدل فيه بل هو أسلوب العالم الرياضي الفيزيائي... وأسلوبه لا يمتُّ بصلةٍ لأسلوب المتكلِّمين ولا المناطقة، هو يقرِّر المسائل الأخلاقيَّة التي يعرضها كما تُقرَّر الحقائق العلميَّة في كتب العلماء. والذي يقرأ صفحةً من كتاب المناظرلابن الهيثم وينتقل مباشرةً إلى صفحة من هذا الكتاب - تهذيب الأخلاق - لا يشعر قطّ بأيِّ اختلافٍ في الأسلوب. أمَّا إذا انتقل إلى كتاب لابن عدي فسيشعر بالفرق في الحين، فعبارة هذا الأخير غالبًا ما تطول وتتخلَّلها جمل اعتراضيَّة، كما هو شأن أسلوب التراجمة/الفلاسفة»[26].

سنردُّ على قوله هذا بما يأتي:

  1. نتَّفق مع الجابري في أنَّ يحيى مجادلٌ في نصوصه، غالبًا ما ينزع في كتاباته إلى الردِّ على نقدٍ أو رأيٍ ما، لكنَّنا نخالفه في وصف أسلوب ابن الهيثم أنَّه «لا يمتُّ بصلةٍ لأسلوب المتكلِّمين ولا المناطقة»؛ ذلك أنَّ الاطِّلاع على نصوص ابن الهيثم، سواء كتاب المناظرأم المقالات الأخرى (الَّتي يبدو أنَّ الجابري لا يعرفها)، يدلُّ على أنَّ أسلوبه منطقيٌّ يشبه أسلوب يحيى ومناطقة عصره. ونعجب فعلًا من قوله إنَّ المسائل الأخلاقيَّة في الكتاب كانت تُقرَّر «كما تُقرَّر الحقائق العلميَّة في كتب العلماء»، لأنَّها كانت تُطرَح وتعالَج في إطارٍ إجتماعيّ يراعي الجنس والعمر والعادة...
  2. أمَّا كلامه على تشابه أسلوب كتاب المناظر لابن الهيثم مع أسلوب تهذيب الأخلاق إلى الحدِّ الَّذي يجعل القارئ لا يشعر بالفرق بين الكتابَين، واختلاف الأسلوب إذا ما قارنَّاه بكتابات يحيى بن عدي، فهو كلامٌ غير دقيق؛ ذلك أنَّنا نرى تشابهًا من حيث التأليف المنطقيّ بين أسلوب كتاب تهذيب الأخلاق من جهة وأسلوب ابن الهيثم ويحيى بن عدي من جهةٍ أخرى. لكنَّنا نلاحظ أنَّ الأسلوب البلاغي في النَّصِّ هو أقرب إلى يحيى بن عدي منه إلى ابن الهيثم.
  3. لمَّا كان ابن الهيثم عالمًا في البصريَّات فإنَّنا نستغرب عدم التطرُّق إلى ذكر حاسَّة البصر في الكلام على القوَّة الشهوانيَّة لأنَّ البصر محرِّك أساسيّ للشهوات! 

6- يرى الجابري أنَّ الكتاب ينتمي، من حيث المضمون، إلى مدرسة جالينوس، وأنَّه «يقع في أفق طبِّ الأخلاق أو الطِّبِّ الروحاني. فهو يتبنَّى تعريف جالينوس للخُلُق ويبني الأخلاق على قوى النفس الثلاث (الشهوانيَّة والغضبيَّة والناطقة) ويفهم تهذيب الأخلاق من منظور الطبيب الَّذي يشخِّص المرض ويعيِّن الدواء...»[27]. ويقول إنَّ «ابن الهيثم كان ذا صلةٍ قويَّة بكتب جالينوس: فقد لخَّص كثيرًا منها ومن بينها كتبه الطبِّيَّة، فهو معدودٌ من علماء الطِّبّ. أمَّا يحي بن عدي فلم تكن له صلة لا بالطِّبِّ ولا بجالينوس بشهادته هو نفسه... ونحن نجزم أنَّه لا يمكن لمؤلِّفٍ أنْ يكتبَ كتابًا في الأخلاق كالَّذي بين أيدينا ما لم يكن مرجعه الأساسيّ جالينوس»[28].

سنردُّ على قوله هذا بما يأتي:

  1. نستغرب فعلًا رأي الجابري هذا؛ إذ كيف يمكن تصنيف كتابٍ على أنَّه ينتمي إلى مدرسة جالينوس الطبِّيَّة بسبب ورود عبارة واحدة في بدايته؟! والأغرب هو وصفه أسلوب الكتاب المنطقيّ أنَّه أسلوب «الطبيب الَّذي يشخِّص المرض ويعيِّن الدواء»!!! فمنهج الكتاب ومضمونه لا صلة لهما بالطِّبّ. ونتعجَّب كثيرًا من «الجزم» أنَّ جالينوس هو مرجع الكتاب الأساسيّ! فضلًا عن أنَّ يحيى عرف جالينوس وكتبه وإنْ لم يكن طبيبًا. ولا بدَّ من أنْ نذكر أنَّ ابن الهيثم، وإن كان قد لخَّص كثيرًا من كتب جالينوس في الطِّب، كما يذكر الجابري، واهتمّ بتشريح العين من باب فهم كيفيّة الإبصار، إلَّا أنَّه لم يباشر أعمال الطِّبِّ في شكلٍ فاعل، «ولم تكن له دربة بالمداواة»، كما يقول ابن أبي أصيبعة[29].
  2. أمَّا العبارة الَّتي جعلت الجابري يربط الكتاب بجالينوس فترد في بداية الكتاب في تعريف الخُلُق: «إنَّ الخُلُق هو حالٌ للنفس، به يفعل الإنسان أفعاله بلا رويَّة ولا اختيار»[30]. ولنا ملاحظتان على هذا التعريف؛ الأولى: لم تتَّفق المخطوطات على الكلمة الأخيرة في التعريف؛ فقد كُتبَت في بعضها «اختبار»، وفي البعض الآخر «اختيار»[31]. ولا يمكن حسم الأمر لأنَّ النسَّاخ كثيرًا ما يخطئون في تنقيط الحروف. الثانية: قد يتطابق هذا التعريف مع تعريف جالينوس للخُلُق من حيث العبارة، لكنَّه يختلف من حيث المعنى؛ فالخُلُق عند جالينوس يصدر عن النفس الشهوانيَّة والنفس الغضبيَّة، ودور النفس الناطقة هو تخفيف الإفراط أو التفريط، أي إعادة الاعتدال. أمَّا في كتاب تهذيب الأخلاق فالخُلُق يجب أنْ يفهمَ بربطه بالكلام الَّذي يأتي بعد التعريف مباشرةً حيث نجد أنَّ الخُلُق يصدر عن قوى النفس الثلاث: «والخُلُق قد يكون في بعض الناس غريزةً وطبعًا، وفي بعض الناس لا يكون إلَّا بالرياضة والاجتهاد. وقد يوجد في كثيرٍ من الناس من غير رياضة ولا تعمُّد، كالشجاعة والحلم والعفَّة والعدل، وغير ذلك من الأخلاق المحمودة. وكثيرٌ من الناس يوجد فيهم ذلك، فمنهم مَنْ يصير إليه بالرياضة، ومنهم مِنْ يبقى على عادته، ويجري على سيرته...»[32]. ومعنى ذلك أنَّ الخُلُق قد يكون في بعض الناس طبعًا من دون جهدٍ ومران، وقد يكون في البعض الآخر نتيجة الجهد والسعي إلى تبديل عادات النفس السيِّئة واكتساب فضائل وأخلاق محمودة. وهنا يأتي دور النفس الناطقة في ترويض النفس الشهوانيَّة والنفس الغضبيَّة وتهذيبهما. بعبارةٍ أخرى فإنَّ الخُلُق هو حال للنفس يصدر عنها إمَّا طبعًا (من دون مران)، وإمَّا نتيجة الترويض الَّذي تقوم به النفس الناطقة. وهذا ما يتَّفق مع تعريف الإنسان في مطلع الكتاب أنَّه: «ذو فكرٍ وتمييز»[33].
  3. إذا أردنا أنْ نتبيَّن أسلوب الكتاب، أي بنيته المنطقيَّة، فيمكننا ذلك من خلال النظر في منطق التأليف والعبارات الَّتي تدلُّ عليه، مثل: قال... وإذا كان ذلك كذلك... إلَّا أنَّ... فمن أجل ذلك... وندلُّ أيضًا... وقد يتنبَّه أيضًا... وكذلك...

7- يعتبر الجابري أنَّ الكتاب يهتمُّ اهتمامًا بالغًا بأخلاق الملوك إلى درجةٍ تحمل على الاعتقاد في أنَّه كُتِب بطلبٍ من ملك أو أمير أو وزير، أو أنَّه قَصَد به أحد هؤلاء[34].

ورأينا أنَّ هذا الاعتقاد سطحيٌّ لا يعبِّر عن الفكرة الجوهريَّة الَّتي شُيِّد عليها منطق الكتاب، ألا وهي أنَّ الإنسانَ مجبولٌ على الشَّرّ، لكنَّه يستطيع أنْ يتحرَّرَ من جميع الشرور والرذائل، ويصبحَ إنسانًا كاملًا حائزًا جميعَ الفضائل، وأنَّ ذلك ممكنٌ لأنَّ جوهرَ الإنسان هو العقلُ وهو الجانب الإلهي فيه. وهنا تظهر الصلة بين الجانب الأخلاقيّ والجانب الميتافيزيقيّ في الكتاب.

نتوقَّف عند مفهومَين في هذا الصدد:

  1. الشرّ: إنَّ الاعتقاد بغلبة الشرّ على طبيعة الإنسان يذكره يحيى في إحدى مقالاته حيث يقول: إنَّ الأشرار هم أكثر الناس «بحسب ما نشاهد في الوجود»[35].
  2. العقل: إذا صحَّ أنَّ كتاب تهذيب الأخلاقليحيى بن عدي أمكننا فهم دور العقل عنده باعتباره وسيلة الاتِّصال بين الله والعالم. ففي مقالة في وجوب التأنُّسيقول يحيى إنَّ العقل هو القوَّة الَّتي بها يستطيع الإنسان أنْ يدركَ حقائقَ الأشياء ويدرك الإلهَ ويتَّحد به[36]. ويمكننا أيضًا أنْ نفسِّرَ مفهوم الموت عنده فهو يعرِّفه بأنَّه «تركُ النَّفسِ استعمالَ الحواس، على غير المجرى الطَّبيعيّ»، وكذلك معنى القول إنَّ موتَ الإنسان يكون «بتركِ استعمال نفسه بعض أعضائه»[37]. فلعلَّ الجزء الَّذي لا تفارقه النَّفس عند الموت هو العقل لأنَّه يمثِّل الجانب الإلهيّ في الإنسان، ولأنَّه القوَّة الَّتي بها يستطيع أنْ يدركَ الإلهَ، كما ذكرنا.

وفي هذا السياق يمكن أنْ نفهم معنى القول: «فإنَّ النَّاسَ قبيلٌ واحدٌ متناسبون، تجمعهم الإنسانيَّة، وحِلْيةُ القوَّة الإلهيَّة الَّتي هي في جميعهم وفي كلِّ واحدٍ منهم، وهي النَّفس العاقلة. وبهذه النَّفس صار الإنسانُ إنسانًا، وهي أشرفُ جزئَي الإنسان اللَّذَين هما النَّفس والجسد. فالإنسانُ بالحقيقة هو النَّفسُ العاقلة، وهي جوهرٌ واحدٌ في جميع النَّاس، والنَّاسُ كلُّهم بالحقيقة شيءٌ واحد، وبالأشخاص كثيرون...»[38]

فالمقصود في هذا النصِّ أنَّ الإنسانَ مكوَّنٌ من جوهرَين هما النَّفس والجسد؛ وأنَّ النَّفسَ أشرفُ من الجسد، وأنَّ الجزءَ العاقل فيها (القوَّة النَّاطقة) هو ما يميِّز الإنسانَ عن الحيوان؛ وأنَّ النَّاسَ متساوون، جوهرُهم واحد وهو الإنسانيَّة، أي العقل الَّذي هو جوهرُ الإنسان وحقيقتُه، وهو يمثِّل الجانب الإلهيّ فيه لأنَّه «حِلْيةُ القوَّة الإلهيَّة». والقول بـ «وحدة العقل» كما جاء في هذا النصِّ لا يتناقض مع العقيدة المسيحيَّة، بخلاف ما يذكر الجابري[39].

8- يكرِّر الجابري القول إنَّ الكتابَ يخلو «من أيَّة عبارة دينيَّة، إسلاميَّة كانت أو مسيحيَّة، إلى درجة أنَّه يمكن أن يوقِّعه كاتب وثني (…) أو مسيحي أو مسلم»...[40]وأنَّ ذلك يتَّفق مع أسلوب ابن الهيثم في كتاب المناظر، ومع ما ذكره ابن الهيثم في سيرته الفكريَّة من ضرورة اعتماد العلوم العقليَّة ونشدان كلِّيَّة الخير. ويضيف الجابري أنَّ مَنْ ينظر إلى بنية الكتاب العميقة يلاحظ «طريقة الفقيه على مستوى جهات الحكم الَّتي يستعملها والَّتي تشي بها كلمات عديدة مثل: مكروه، جائز، مستحسَن، واجب، لا يليق إلخ»[41].

نتعجَّب فعلًا من التناقض في كلام الجابري، فكيف يمكن التوفيق بين القول بخلوِّ النصِّ من عبارات دينيَّة وبين الحكم أنَّ طريقة المؤلِّف هي طريقة الفقيه؟ وكذلك فإنَّ ضرورة اعتماد العلوم العقليَّة لم يتفرَّد ابن الهيثم بذكرها فإنَّنا نجدها في نصوص يحيى بن عدي أيضًا. ففي مقالة في تبيين حال ترك طلب النَّسل في التَّفضيل أو التَّرذيل يقول يحيى إنَّ اقتناء العلوم الحقيقيَّة هو أفضل ما يمكن أن يحصِّله الإنسان فهي تؤدِّي إلى تحصيل السَّعادة. فالإنسان يولد مزوَّدًا بقوَّة على التَّعلُّم يسمِّيها يحيى «العقل الهيولانيّ»، وحين يخرج هذا العقل من القوَّة إلى الفعل باقتناء العلوم الحقيقيَّة والحكمة الإلهيَّة يُسمَّى «العقل الكامل». والعلوم العقليَّة تفضي إلى معرفة الله والاتِّصال به؛ وهذه غاية الإنسان وسعادته القصوى[42]. ويقول في مقالته في البحوث الأربعة العلميَّة عن صناعة المنطق وهي: هل هي وما هي وأيّ شيء هي ولِمَ هي وسمَّاها: الهداية لمن تاهَ إلى سبيل النَّجاة: إنَّ صناعة المنطق هي «صناعة أَدَويَّة يميَّز بها بين الحقِّ والباطل في العلم النَّظريّ وبين الخير والشَّر في العلم العمليّ... وأّنَّ الخير المحصَّل بها والمدرَك بتوسُّطها ليس ممَّا يوازيه خير إذ هو السَّعادة التَّامَّة، فلا سعادة أَتمّ في النَّظر من اعتقاد الحقِّ وبها يدرَك، ولا في العمل أَتمّ من إحراز الخير ومن دونها لا يملَك»[43].

 

أمَّا بعد، فقد انتهينا من تفنيد حجج الجابري، ويتوقَّع القارئ منَّا أنْ نبرهنَ أنَّ كتاب تهذيب الأخلاقليحيى بن عدي، وقد كان هذا طموحنا ومسعانا، لكنَّه اصتدم بصعوباتٍ كثيرة حالَت دون ذلك. فقد بحثنا في نصوص يحيى المطبوعة (والمخطوطة الَّتي تمكَّننا من الاطِّلاع عليها) لنجد عباراتٍ مطابقة لما ورد في تهذيب الأخلاق،أو أفكارًا تربط الكتاب بيحيى بشكلٍ يقطع الشكَّ باليقين، لكنَّنا لم نوفَّق، لأنَّ ما وجدناه شائعٌ عند الفلاسفة، مثل القول إنَّ الإنسان جوهران (النفس والجسد)، وتقسيم النفس الأفلاطونيّ (النفس الشهوانيَّة، الغضبيَّة، العاقلة)... وكذلك فإنَّنا لم نجد ذكرًا للكتاب عند تلاميذ يحيى أو المفكِّرين العرب المسيحيِّين الَّذين نقلوا الكثير عنه، ولا سيَّما في الدِّفاع عن العقائد المسيحيَّة (التَّثليث والتَّجسُّد). أمَّا الباحثون الَّذين نشروا الكتاب، واجتهدوا في بيان صحَّة نسبته إلى يحيى، فلم يستطيعوا أنْ يثبتوا ذلك من خلال المضمون للسبب الَّذي ذكرناه، وهو عدم وجود عباراتٍ أو أفكار مطابقة في مؤلَّفاتٍ أخرى ليحيى.

فهل يعني ذلك إنَّ كتابتهذيب الأخلاقليس ليحيى بن عدي؟ لم نقصد قول ذلك. لكنَّ الحقَّ يقتضي منَّا أنْ نذكرَ بنزاهةٍ النتيجة الَّتي توصَّلنا إليها، وهي أنَّ الحُكْم الفصل في هذا الأمر في الوقت الحالي غيرُ متاح. ونأمل أنْ نتوصَّل في المستقبل القريب إلى حُكْمٍ صائبٍ مُنصِف في هذه المسألة، ولا سيَّما إذا قمنا بتحقيق النصِّ تحقيقًا نقديًّا بعد الاطِّلاع على جميع المخطوطات. ونشير إلى أنَّ نشر نصوص يحيى الَّتي ما تزال مخطوطة قد يساعد في حلِّ هذه المسألة.

وأخيرًا لا بدَّ من أنْ نقدِّم للقارئ ملخَّصًا عن مضمون الكتاب. 

يتَّسم كتابتهذيب الأخلاقبالوضوح والبساطة وتسلسل الأفكار. يخاطب فيه المؤلِّف جميع النَّاس (العامَّة والخاصَّة). ويعالج أسباب اختلاف الأخلاق وكيفيَّة تهذيبها، ويبيِّن السَّبيل الَّذي يجب أنْ يسلكَه الإنسان العاديّ ليصبح إنسانًا تامًّا، وكذلك الملك ليصيرَ إنسانًا كاملًا حائزًا جميع الفضائل.

يقول المؤلِّف إنَّ الإنسانَ يميل بطبيعته إلى الشَّرّ وأنَّه مطبوعٌ على الأخلاق الرَّديئة. ولذلك كان الافتقار إلى الشَّرائع لردع الظَّالم ومعاقبة الفاجر. أمَّا السَّبب في اختلاف أخلاق النَّاس فهو اختلاف نفوسهم (قواهم) الثَّلاث: الشَّهوانيَّة، الغضبيَّة والنَّاطقة. فجميع الأخلاق تصدر عن هذه القوى. وكلُّ نفسٍ لها فضائلها ورذائلها. ومتى سيطرت القوَّة الشَّهوانيَّة على إنسانٍ ما أصبح أقرب إلى البهائم منه إلى البشر، وصار همُّه في الحياة إشباع رغباته. ومتى تحكَّمت به القوَّة الغضبيَّة غدا أشبه بالسِّباع، وكثر غضبه وحقده، وأمعن في معاداة إخوانه من البشر[44].

أمَّا صلاح الأخلاق فيكون بتذليل القوَّتَين الشَّهوانيَّة والغضبيَّة وسيطرة النَّفس النَّاطقة عليهما. فالنَّفس النَّاطقة هي الَّتي تميِّز الإنسان عن الحيوان، وبها يكون الفكر والتَّمييز والفهم. فإذا كانت خيِّرةً فاضلةً قاهرةً للقوَّتَين الباقيتَين كان صاحبها خيِّرًا عادلًا، وإذا كانت شرِّيرةً خبيثة مهملةً للنفسَين الأخريَين كان صاحبها شرِّيرًا خبيثًا جاهلًا[45]. فمن أجل ذلك يجب على الإنسان أنْ يروِّضَ قواه الثَّلاث. ولا بدَّ له ابتداءً من أنْ يعرفَ الفضائل والرَّذائل. لذا يذكر المؤلِّف عشرين فضيلةً، أبرزها: العفَّة، القناعة، الحِلم، الودّ، الرَّحمة، الوفاء، والعدل... وعشرين رذيلة، منها: الفجور، الشَّره، السَّفه، العشق، الغدر، الخيانة، والجَوْر[46]. ويعتبر أنَّ الفضائل والرَّذائل ليست واحدةً عند جميع النَّاس. فحبُّ الزِّينة مثلًا مستحسنٌ من الملوك والرُّؤساء والنِّساء لكنَّه مستقبحٌ من الرُّهبان والشُّيوخ ورجال العلم؛ وكذلك فالقسوة مكروهةٌ من جميع النَّاس ما عدا الجند...[47]

ونادرًا ما تجتمع الفضائل كلُّها في إنسانٍ واحد؛ أمَّا الرَّذائل فقلَّما نجد أحدًا خلوًا منها جميعًا. ويتفاضل النَّاس بفضائلهم ومحاسن سيَرهم لا بالمال والجاه كما يعتقد بعض النَّاس. والحقّ مع ذلك أنَّه إذا اجتمع للإنسان الغنى والثَّروة مع الأخلاق الجميلة توفَّرت له سعادةٌ أكبر[48].

أمَّا اكتساب الفضائل فيتحقَّق بإخضاع القوَّتين الشَّهوانيَّة والغضبيَّة لسيطرة النفس النَّاطقة وممارستها الأفعال المحمودة. ويتمُّ تذليل القوَّة الشَّهوانيَّة بأنْ يدرِّبَ الإنسان نفسه على استبدال الشَّهوات الرَّديئة (كالسُّكر واستماع السَّماع) بعادات جميلة، وأنْ يكثرَ من مجالسة الزُّهاد وقراءة كتب الأخلاق. وينبغي لمَنْ يريد ترويض قوَّته الغضبيَّة أنْ يراقبَ التَّصرُّف المضحك الَّذي يقوم به الإنسان في رعونته وسورة غضبه؛ فهذا يدفعه إلى أنْ يخفِّف من حدَّة غضبه إذا أثاره أمرٌ ما؛ وعليه كذلك أنْ يتجنَّب السُّكر وحملَ السِّلاح ومجالسة الأشرار والسُّفهاء. أمَّا تقوية النَّفس النَّاطقة فيكون بأنْ يكتسبَ المرء العلوم العقليَّة، ويدرسَ كتب الأخلاق والسِّياسة، ويُعمِلَ الفكر للتمييز بين الخير والشَّرّ، ويجعلَ غرضه في كلِّ فضيلة الوصول إلى الدَّرجة الأعلى فيها. أمَّا مَنْ لا يستطيع ذلك فعليه أنْ يتوسَّط في الفضائل ويبلغ مرتبةً مرضيَّة[49].

ولكي يصبح الإنسان تامًّا عليه أنْ يجتهدَ ليصل إلى مرتبة الكمال. والإنسان التَّام هو «الَّذي لمْ تفُته فضيلة ولمْ تشِنه رذيلة». وهذا الحدُّ نادرًا ما يصل إليه أحد لأنَّ الإنسانَ مطبوعٌ على الشَّرّ. وإذا انتهى إليه كان أشبهَ بالملائكة منه بالإنسان. ومع ذلك فإنَّ التَّمامَ، وإنْ كان عزيزًا بعيدَ التَّناول، فهو ممكن؛ «وهو غاية ما ينتهي إليه الإنسان، ونهاية ما هو متهيِّئ له». أمَّا الأوصاف الَّتي يجب أنْ يتحلَّى بها الإنسان التَّام فهي:

  1. أنْ يتوقَ إلى المرتبة العليا، وأنْ يعتبرَها مجرَّد مرحلةٍ في سيره نحو الكمال الخلقيّ.
  2. أنْ يتوفَّرَ على تحصيل العلوم الحقيقيَّة، ويقرأ كتب الأخلاق والسِّيَر (سيَر القدِّيسين والفلاسفة) ويدرسَ الأدب والبلاغة؛ وأنْ يكونَ مستلذًا لمحاسن الأخلاق وعاشقًا لصورة الكمال.
  3. أنْ يعاشرَ العلماء والحكماء ويبتعدَ عن الخلعاء.
  4. أنْ يقصدَ الاعتدال ويتجنَّبَ السَّرف والإفراط في مختلف الأمور واللَّذات.
  5. أنْ يحتقرَ المال ويصرفه في فعل الخير.
  6. أنْ يعوِّدَ نفسه محبَّة النَّاس جميعًا وأنْ يرأفَ بهم لأنَّ النَّاسَ على مستوى العقل، الَّذي هو جوهر الإنسان، يؤلِّفون أسرةً واحدة، فواجبٌ إذًا أنْ يكونوا متحابِّين.[50]

وإذا نجح الإنسان في أنْ يصبح إنسانًا تامًّا صار ملكًا ورئيسًا في مملكته الخاصَّة الَّتي هي ذاتُه، واستمدَّ جلالَه من نبل نفسه وممارسته الفضائل؛ وهذه هي الرِّئاسة الذَّاتيَّة. أمَّا الملك فلكي يصير إنسانًا تامًّا فعليه أنْ يحرزَ جميع الفضائل، ومنها احتقار الملكيَّة والاستهانة بالمال ومكافأة العلماء والانفاق في وجوه الخير والبِرّ. وهي فضائل يصعب على الملك إحرازُها لأنَّ الشَّهوةَ مستحبَّة عنده والمال والجاه أمورٌ مستحسنة لديه. وهو إذا لم يستطع أنْ يتخلَّصَ من الرَّذائل ويجمعَ محاسن الأخلاق كان ملكًا بالقهر وكانت رئاستُه مزيَّفة[51].

خلاصة القول، إنَّ الإنسانَ مجبولٌ على الشَّرّ، غير أنَّه يستطيع أنْ يتغلَّبَ على غريزته ويصبحَ إنسانًا كاملًا حائزًا جميعَ الفضائل. وهذا ممكنٌ لأنَّه توَّاقٌ بطبعه إلى الكمال، لا بل عاشقٌ «صورة الكمال». هذه الصُّورة يمكن أنْ تفسَّر على أنَّها صورة الإنسان الكامل (كما نجد عند الفارابي مثلًا)، أو صورة المسيح باعتباره الكمال بالذات، والنَّموذج الَّذي يحتَذيه المسيحيُّ إيمانًا واختيارًا ويتَّبعه في أقواله وأعماله. وهذا المعنى الأخير يصحُّ فقط إذا كان المؤلِّف هو يحيى بن عدي، وإذا ربطنا مفهوم الكمال في تهذيب الأخلاقبإحدى مقالات يحيى اللاهوتيَّة الَّتي يقول فيها إنَّ المسيح قد نهج للبشر الطَّريقَ المخلِّصة لهم من هلاك النَّفس، المؤدِّية بهم إلى الحياة الروحانيَّة الدَّائمة وهي الاتِّصال بالخالق[52].

كانت هذه رحلتنا في رحاب كتاب تهذيب الأخلاق، نختمها بهذا القول ليحيى بن عديّ: «أَفضل الأَشياء المانِعة من قول الباطل، ظاهرًا كان أَو خفيًّا، تقوى الله والعقل والدِّين والحياء».

 

مختصرات المصادر والمراجع

 

-     ابن أَبي أُصَيبِعة، عيون الأَنباء= ابن أَبي أُصَيبِعة، عيون الأَنباء في طبقات الأَطبَّاء، ج 3، ط 4، بيروت، دار الثَّقافة العربيَّة، 1987.

  • ابن الهيثم، مجموع الرسائل= ابن الهيثم، مجموع الرسائل للعلّامة الفيلسوف الحسن بن الحسن بن الهيثم البصريّ رحمه الله تعالى المتوفى سنة ثلاثين وأربع مائة هجرية، ط1، حيدر آباد الدكن، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، 1357هـ.

-     بدوي،دراسات= عبد الرحمن بدوي، دراسات ونصوص في فلسفة العلوم عند العرب، بيروت، المؤسسة العربية، 1981.

  • الجابري،العقل الأخلاقي العربي= محمد عابد الجابري، العقل الأخلاقي العربي- دراسة تحليليّة نقديّة لنظم القيم في الثقافة العربيّة، "نقد العقل العربي" (4)، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2001.
  • حاتم،تهذيب الأخلاق= جاد حاتم، يحيى بن عديّ وتهذيب الأخلاق، دراسة ونصّ، بيروت،دار المشرق، 1985.
  • الحكيم، الحكمة العمليَّة= عاطف خليل الحكيم، الحكمة العمليَّة عند يحيى بن عدي، 4، معهد القدّيس بولس للفلسفة واللاهوت- حريصا، "دراسات جامعيّة وأبحاث"، جونيه- لبنان، منشورات المكتبة البولسيّة، 2006.
  • خليفات،مقالاتمقالات يحيى بن عديّ الفلسفيَّة، تحقيق سحبان خليفات، عمَّان، منشورات الجامعة الأُردنيَّة، 1988.
  • عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث= نادين عبّاس، نظريَّة التَّوحيد والتَّثليث الفلسفيَّة عند يحيى بن عديّ في كتابه "الرَّد على الورَّاق" (تحقيق المخطوطات ودراستها)، "مجموعة البحوث العربية المسيحيّة"، 3، بيروت، جامعة القديس يوسف، مركز الشّرق المسيحيّ للبحوث والمنشورات، 2014.
  • عبّاس،ثلاث مقالات لاهوتيَّة= نادين عبّاس،ثلاث مقالات لاهوتيَّة ليحيى بن عديّ (إضاءةٌ على بعض القيَم الأخلاقيَّة في المسيحيَّة)، المشرق 89، ج1، كانون الثَّاني- حزيران 2015.
  • عبّاس،الجوانب الفلسفيَّة= نادين عبّاس، الجوانب الفلسفيَّة في مقالة في ترك طلب النَّسل ليحيى بن عديّ، المشرق 87، ج2، تموز- كانون الأوّل 2013.
  • عبّاس،الفلسفة واللّاهوت والأخلاق= نادين عبّاس، الفلسفة واللّاهوت والأخلاق عند يحيى بن عديّ، التفاهم 48، 2015.
  • عبّاس،النَّفس: المبدأ والمعاد= نادين عبّاس، النَّفس: المبدأ والمعاد في فلسفة يحيى بن عديّ، المشرق 91، ج2، تموز- كانون الأوّل 2017.
  • يحيى،البحوث الأربعة=يحيى بن عديّ، «مقالة في البحوث الأربعة العلميَّة عن صناعة المنطق وهي: هل هي وما هي وأيّ شيء هي ولِمَ هي وسمَّاها: الهداية لمن تاهَ إلى سبيل النَّجاة»، في:

-     «Yaḥyā Ibn ‘Adī ve neṣredilmenuṣ bir risalesi», ed. Mubahat Türker, in: Ankara Üniversitesi Dil ve Tarih-Coğrafya Fakültesi Dergisi, 14, 1956.

  • يحيى، ترك طلب النَّسل= يحيى بن عديّ، مقالة في تبيين حال ترك طلب النَّسل في التَّفضيل أوِ التَّرذيل، ط 2، تحقيق الأَب منصور مستريح، حلب، دار مكتبة العائلة، 1997.
  • يحيى،الجسم جوهر وعرض =يحيى بن عديّ،«نسخة ما كتب به يحيى بن عدي في الحكومة بين إبراهيم بن علي المعروف بأبي نصر بن عدي الكاتب ومناقضِه فيما اختلفا فيه من أنَّ الجسم جوهر وعرض وكتابته إلى الأمير سيف الدولة أبي الحسن عليّ بن عبد الله بن حمدان»، في:

-     «Yaḥyā ibn ʿAdī and Ibrāhīm ibn ʿAdī on whether body is a substance or a quantity: Text, translation and commentary», ed.Robert Wisnovsky and Stephen Menn, in: Arabic Sciences and Philosophy, vol. 27, Cambridge, Cambridge University Press, 2017.

-     يحيى،الردّ على النسطوريَّة= يحيى بن عديّ، «مقالة شيخنا أَبي زكريَّا يحيى بن عديّ بن حميد بن زكريَّا – أَطال الله بقاه – في تبيين ظلالة (sic)النَّسطوريّ المعجب بكلام أَبي الحسين أَحمد محمَّد المعروف برمق المصريّ في نصرته النَّسطوريَّة ومناقضته في ردِّه عليهم ما يعتقده من أَنَّ المسيح جوهران»، ج 2، في:

-     La Grande Polémique Antinestorienne de Yahya B. ‘Adi,II, ed. Emilio Platti, coll. CSCO, vol. 437, Scriptores Arabici, tomus 38, Lovanii, Aedibus E. Peeters, 1982.

-     Endress, Works= Gerhard Endress, The Works of Yahya Ibn ‘Adi. An analytical inventory, Wiesbaden, Dr Ludwig Reichert Verlag, 1977.

-     Khalil, Le Tahḏīb al-Aḫlāq= Samir Khalil, «Le Tahḏīb al-Aḫlāq de Yaḥyā Ibn ‘Adī (m. 974) attribué à Ǧāḥiẓ et à Ibn al-‘Arabī»,in : Arabica21, 1974.

-     Khalil, Nouveaux renseignements=  Samir Khalil, «Nouveaux renseignements sur le Tahḏīb al-Aḫlāq de Yaḥyā b. ‘Adī et sur le “Taymūr Aḫlāq 290”», in : Arabica26, 1979.

-     Wisnovsky, New Philosophical texts= Robert Wisnovsky, «New Philosophical texts of Yaḥyā ibn ‘Adī: A supplement to Endress’ Analytical invontory», in: Islamic Islamic Philosophy, Science, culture, and religion, Studies in Honor of Dimitri Gutas, edited by Felicitas Opwis and David Reisman, Leiden Boston, Brill 2012.

-     Yahya, Tahdhib Al-akhlaqYahya Ibn ʻAdi: A Critical Edition and Study of His Tahdhib Al-akhlaq, ed. Naji al-Takriti, Beirut- Paris, Editions Oueidat,1978.

 

 

* الدكتورة نادين عبّاس: رئيسة قسم الفلسفة، ومديرة "مركز لويس پوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشرقيّة التابع لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.

[1]   يحيى بن عديّ فيلسوف عربيّ مسيحيّ يعقوبيّ. وُلِد في مدينة تكريت العام 893م، ترأّس المدرسة المنطقيَّة في بغداد بعد وفاة أبي بشر متّى بن يونس، وهو تلميذ الفارابيّ. وضع مؤلّفاتٍ كثيرة في الفلسفة واللاهوت المسيحيّ (التَّوحيد والتَّثليث، التَّأَنُّس، صدق الإنجيل وتفسير بعض آياته). وقد تميّز باستناده إلى العقل والمنطق في الدِّفاع عن العقائد المسيحيَّة. للتعرُّف إلى سيرته راجع: عبّاس،التَّوحيد والتَّثليث، ص51-63.

[2]   وُلَد الحسن بن الحسن بن الهيثم في البصرة العام ٩٦٥م، وتوفّي في القاهرة العام ١.٤١م. قام بأبحاثٍ عديدة في علم البَصَريات، وحرص على تطويره وتحسينه. وضع مؤلَّفاتٍ كثيرة في الهندسة والرياضيَّات وعلم البَصَريات، أبرزها كتابه علم المناظر. للتعرُّف على سيرته راجع: ابن أبي أُصَيبِعة، عيون الأَنباء، ص149-162.

[3]   طُبع الكتاب أكثر من عشرين طبعةً حتّى اليوم. لمعرفة مخطوطات النصّ وطبعاته، راجع:

   Endress, Works,p 82-85، الحكيم، الحكمة العمليّة، ص236-248.

نشير إلى مقالَين درس فيهما الأب سمير خليل مخطوطات الكتاب:

Khalil, Nouveaux renseignements, p. 158-178; Khalil, Le Tahīb al-Alāq, p. 111-138.

[4]   محمد عابد الجابري (1936-2010) مفكِّر عربيّ من المغرب. وضع أكثر من ثلاثين مؤلفًا في قضايا الفكر العربيّ الكلاسيكي والمعاصر، أبرزها: نحن والتراث: قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي، تكوين العقل العربيّ، بنية العقل العربيّ، العقل السياسي العربيّ، ابن رشد: سيرة وفكر.

[5]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص315-338.

[6]   نشير إلى أنَّنا أثبتنا في مقالٍ سابقٍ لنا خطأ نسبة رسالة رؤيا في تعريف النَّفسإلى يحيى بن عدي. انظر: عبّاس، النَّفس: المبدأ والمعاد، ص416-419.

[7]   الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص124.

[8]   الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص317.

[9]      نشر عبد الرحمن بدوي تهذيب الأخلاقسنة 1981، لكنَّه لم يستطع حسم أمر نسبته إلى يحيى أو ابن الهيثم، فوضع له العنوان الآتي: «مقالة في الأخلاق لأبي علي الحسن بن الحسن بن الهيثم؟ أو ليحيى بن عدي؟»، وقد أشار إلى ذلك الجابري واستنتج أنَّ هذا يرجِّح كفَّة ابن الهيثم على كفة يحيى بن عدي بالنظر إلى المخطوطات فقط، لأنَّ بدوي اعتمد على مخطوطٍ في طهران يحمل عنوان: «مقالة في الأخلاق لأبي علي الحسن بن الحسن بن الهيثم»! راجع: الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص318؛وبدوي، دراسات، ص105- 106.

[10]  وضع يحيى ثلاث مقالات في موضوع الرهبنة أو ترك النسل، هذه عناوينها:مقالة في تبيين حال ترك طلب النَّسل في التَّفضيل أو التَّرذيل؛مخاطبة بين صديقَين لي، في معناها؛ إجابة صديقنا عمَّا استفتيناه فيه من المسائل الثلاث [في ترك طلب النَّسل] الواردة في المحرّم سنة ثلاث وخمسين وثلاث مائة. راجع: يحيى، ترك طلب النَّسل.؛ وكذلك: عبّاس، الجوانب الفلسفيَّة، ص635- 653. كما ألَّف رسالةً ردَّ فيها على نظريَّة الكسب عند الأشاعرة، عنوانها: نسخة ما كتب يحيى بن عديّ بن حميد بن زكريَّا إلى أَبي عمر سعد بن [سعيد] الزَّينبيّ في نقض الحجج التي أَنفذها إليه في نصرة قول القائلين إنَّ الأَفعال خلق لله واكتساب للعباد. راجع: خليفات: مقالات، ص303- 313. فضلًا عن ذلك فقد تطرَّق لمسائل أخلاقيَّة في مقالاتٍ وضعها في تفسير آياتٍ من الإنجيل، هي: تفسير قولِ الإنجيل الطَّاهر: «إن شَكَكَتْكَ عَيْنُكَ فاقْلَعْها، أو رِجْلُكَ، وكُلُّ واحِدٍ يُمَلَّحُ بالنَّار، وغَيْرُ ذَلِك»؛ وقول له في تضليل مَنْ حذفَ من الصَّلاة الإنجيليَّة «إِغْفِرْ لنا كما غَفَرْنا لِمَنْ أَخْطَأَ إلَيْنا»، مختصَرُ إجابتِه عن طلبِ سببِ إكرامِ النَّصارى للصَّليب المُقدَّس، وغيرُ ذلك. راجع: عبّاس، ثلاث مقالات لاهوتيَّة، ص351-376.

[11]  أورد إندرس كتاب في منافع الباه ومضاره وجهة استعمالهفي باب المؤلَّفات الطبِّيَّة، وكذلك فعل معظم الباحثين، مع أنَّ يحيى لم يكن طبيبًا. ونعتقد أنَّ معالجة الموضوع أخلاقيَّة، لكنَّ الكتاب – للأسف - ضائع، فلا يمكن التأكُّد من ذلك! راجع: 

Endress, Works,p 124.

[12]  نقصد هنا المؤلَّفات الَّتي وضعها يحيى (وهي تبلغ ثلاثة فحسب)، لا تلك الَّتي ترجمها أوفسَّرها، وقد بلغت أكثر من عشرين عنوانًا ذكرها ابن النديم في ثنايا كتابه الفهرست.

[13]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص318.

[14]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص319 (هامش 8).

[15]  انظر: يحيى، «قول له في تضليل مَنْ حذفَ من الصَّلاة الإنجيليَّة «إِغْفِرْ لنا كما غَفَرْنا لِمَنْ أَخْطَأَ إلَيْنا»، في: عبّاس،ثلاث مقالات لاهوتيَّة، ص370 (ف 8)، وقد ذكر فيها مضمون الآية «لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ»، سورة البقرة، الآية 286؛ وكذلك: يحيى،الردّ على النسطوريَّة، ص166، وقد ذكر فيها حرفيًّا الآيةٍ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَيِّتُونَ﴾، سورة الزُّمر، الآية 30، وذلك في الرَّدِّ على مجادله المسلم، فقال له إنَّ هذه الآية هي «الأفضل فصاحةً في لغة العرب»، ومعناها «إنَّك السَّاعةَ حيٌّ ويمكن أنْ تكونَ ميْتًا».

[16]  راجع:عبّاس،التَّوحيد والتَّثليث، ص63-70؛ وكذلك مؤلَّفات يحيى الفلسفيَّة الَّتي نشرها خليفات.

[17]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص321.

[18]  يحيى، الجسم جوهر وعرض، ص20.

[19]  راجع:عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص53.

[20]   راجع: خليفات:مقالات، ص39.

[21]  Wisnovsky,New Philosophical texts,p 325.

[22]الجابري، العقل الأخلاقي العربيّ، ص321.

[23]انظر: ابن الهيثم، مجموع الرسائل،وهي تحوي ثماني رسائل لابن الهيثم.

[24]انظر: ابن الهيثم، مجموع الرسائل،حيث يختم معظم رسائله بعبارةٍ مختلفة عن تلك الَّتي ذكرها الجابري. فمثلًا في رسالة أضواء الكواكبيختم الرسالة بقوله: «وذلك ما قصدنا لنبيّنه في هذا القول»، ص8؛ وكذلك يختم رسالته المرايا المحرِقة بالقطوعبالقول: «وذلك ما قصدنا في هذه المقالة»، ص13. ونشير إلى أنَّه تمَّ ترقيم كلّ رسالة في كتاب مجموع الرسائل بشكل مستقل.

[25]  Yaḥyā, Tahdhib Al-akhlaq, p 143.

[26]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص322.

[27]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص322.

[28]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص322-323.

[29] ابن أبي أُصَيبِعة، عيون الأَنباء، ص149.

[30]   حاتم، تهذيب الأخلاق، ص47.

[31]  Yahya, Tahdhib Al-akhlaq, p.70.

[32]  حاتم،تهذيب الأخلاق، ص47.

[33]   حاتم، تهذيب الأخلاق، ص45.

[34]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص323.

[35]  يحيى،ترك طلب النَّسل، ص65.

[36]  عبّاس، الفلسفة واللّاهوت والأخلاق، ص139، 153-157.

[37]    عبّاس، النَّفس: المبدأ والمعاد، ص419-422.

[38]  حاتم، تهذيب الأخلاق، ص82.

[39]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص336 (هامش 33).

[40]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص323.

[41]  الجابري،العقل الأخلاقي العربيّ، ص324.

[42]   يحيى، ترك طلب النَّسل،ص26-27.

[43]  يحيى،البحوث الأربعة،ص98-99.

[44]حاتم، تهذيب الأخلاق، ص47-52.

[45]حاتم، تهذيب الأخلاق، ص52-53.

[46]حاتم، تهذيب الأخلاق، ص54-64.

 [47]حاتم، تهذيب الأخلاق، ص61، 65.

[48]حاتم، تهذيب الأخلاق، ص66-67.

[49]حاتم، تهذيب الأخلاق، ص69-76.

[50]   حاتم، تهذيب الأخلاق، ص76-84.

[51]   حاتم، تهذيب الأخلاق، ص84-86.

[52]  يحيى،«مختصَرُ إجابتِه عن طلبِ سببِ إكرامِ النَّصارى للصَّليب المُقدَّس، وغيرُ ذلك»، في: عبّاس،ثلاث مقالات لاهوتيَّة، ص375، ف 42.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق