إلياس الحويّك مؤسّس جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة اللبنانيّة المارونيّات
مقدّمة
يعتبر البطريرك إلياس الحويك من النخبة المميّزة في تاريخ لبنان الحديث والمعاصر ومن تاريخ الكنيسة المارونيّة نظرًا إلى الأعمال البارزة التي حقّقها على صعيد الوطن والكنيسة، وهو من الأحبار القلائل الذين برزت أسماؤهم ساطعة في تاريخ الكنيسة المارونيّة، ذلك لأنّه وضع كلّ طاقاته الماديّة والمعنويّة واللاهوتيّة في خدمتها. كما يعتبر شخصيّة وطنيّة بامتياز، إذ برزت عظمته في الحقبة التي تولّى فيها مسؤوليّة السدّة البطريركيّة على أكمل وجه إذ انفتح بجديّة ومصداقيّة على كلّ مكوّنات الوطن ما جعله يحوّل بكركي إلى صرح وطنيّ تلتقي فيه الشخصيّات السياسيّة والروحيّة والوفود الشعبيّة التي اعتادت أن تؤمّ هذا الصرح في الظروف والأزمات المصيريّة، فيلاقون منه الترحيب والاحترام ولا عجب إذا قلنا إنّ المواقف التاريخيّة والوطنيّة التي أعلنها على الملأ قد خفّفت كثيرًا من وطأة المآسي التي عاش في ظلّها اللبنانيّون على مدى أكثر من عقدين من الزمن. خاصّةً وأنّه فتح أبواب بكركي لجميع المحتاجين الذين وجدوا لديه كلّ عطف وأبوّة وحنان. وعندما ضربت المجاعة لبنان في الحرب العالميّة الأولى وذهب ضحيّتها عشرات الألوف من اللبنانيّين، عمد هذا الرجل الكبير إلى إقامة أفران يوزّع عليها الطحين مجانًا لمساعدة الجياع والمرضى والعاجزين.
إنّ هذا البحث يركّز على نقطتين أساسيّتين:
الأولى:شخصيّة البطريرك منذ طفولته حتّى سيامته كاهنًا فأسقفًا فبطريركًا، وأبرز الإنجازات التي حقّقها على صُعُد الدين والسياسة والاجتماع ومعالجة المعضلات الأساسيّة التي حصلت في أيّامه، وخاصّةً قضيّة إطعام الجياع ودفن الموتى المكدّسين في الشوارع ليس هناك مَن يدفنهم تحت التراب، ما جعله يفتح أبواب مخازن المؤن في الصرح البطريركيّ للتخفيف من حدّة هذه الكارثة المعيشيّة والصحيّة وذلك في أثناء الحرب العالميّة الأولى. هذا بالإضافة إلى المشكلة التي حصلت بينه وبين جمال باشا الذي كان يخطّط لإعدامه او لنفيه من البلاد. ولكنَّ العناية الإلهيّة قد أنقذته من مخالب هذا الذئب الكاسر. واستمرّ في سياسته لرعيّته خاصّةً، ولمعالجة القضايا الوطنيّة عامّةً، بما في ذلك تنظيم علاقاته بالفرنسيّين وبالملك فيصل الذي كان يطمح إلى إنشاء حكومة عربيّة في لبنان موالية له.
الثانية: هذه النقطة ستأخذ الحيّز الأكبر من هذا النصّ فهي الإنجاز الذي حقّقه البطريرك على الصعيد الدينيّ من حيث إبراز دور المرأة، ومقدرتها على تحمّل أعباء مسؤوليّات جسيمة ومصيريّة في تاريخ الكنيسة والوطن. ومن هذا المنطلق أسّس "جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات".
في هذا الشقّ من البحث سنتطرّق إلى شرح الدوافع والخلفيّات التي دفعت البطريرك المارونيّ إلى الإقدام على هذه المحاولة السابقة لعصرها في أيّامه والأهداف التي سعى إلى تحقيقها من خلالها على صُعُد الدين والتربية ومعالجة المشكلات الإنسانيّة والإجتماعيّة والاقتصاديّة، وخاصّةً من جهة الإعداد لتأسيس عائلة مسيحيّة مميّزة منزّهة عن التعصّب والتمييز العرقيّ والطائفيّ. كما توخّى منها أن تكون صاحبة رسالة تبشّر بالإنجيل وتعمل على نشر القيم المسيحيّة بين العائلات والأفراد والمدارس وفي الرهبانيّات.
بعد ذلك سنسلّط الأضواء على القوانين الخاصّة بهذه الجمعيّة والمراحل التي مرّت بها، إلى أن وصلت إلى الصيغة النهائيّة كما هي اليوم، مع إلقاء نظرة تقويميّة عليها. يضاف إلى ذلك أنّ الدراسة ستتابع مسيرة هذه الجمعيّة والعقبات التي أخذت تعترضها بعد أشهر قليلة على تأسيسها، وأبرزها أنّ المتبتّلة أورسلا لحّود قد تراجعت عن هبتها لدير مار يوسف إلى البطريركيّة، ما اضطرّ الرهبنة للتفتيش عن مقرّ آخر، حيث استقرّت أخيرًا في عبرين. إلّا أنّ العقبة الأشدّ إيلامًا قد تجسّدت باستشهاد الأمّ الرئيسة العامّة والمؤسّسة روزالي نصر، مع التطرّق إلى بعض وقائع الجريمة.
أمّا على صعيد إنجازات هذه المؤسّسة فنشير إلى انصراف هؤلاء الراهبات إلى الاهتمام بالشؤون الصحيّة كالمياتم والمستشفيات، والمؤسّسات التربويّة وخاصّةً من جهة فتح المدارس المجانيّة والخاصّة.
وفي النهاية سنختم موضوعنا بفصل خاصّ عن الرئيسات العامّات اللواتي عقبن الرئيسة العامّة المؤسّسة روزالي، وبلغ عددهنّ ستّ رئيسات عامّات مع الإشارة إلى أبرز إنجازات كلّ واحدة منهنّ، وإلقاء نظرة تقويميّة بوجه عامّ على عهد كلّ واحدة منهنّ، وعلى موضوع الدراسة ككلّ.
الفصل الأوّل
أوّلًا: شخصيّة الحويّك وأبرز إنجازاته
أ - مولده ونشأته
ولد في بلدة حلتا - قضاء البترون العام 1843، والعام 1851 دخل مدرسة يوحنّا مارون في كفرحي - قضاء البترون أيضًا. والعام 1859 دخل إكليريكيّة غزير، وظلّ يتابع دروسه فيها حتّى العام 1865 حيث أرسله البطريرك بولس مسعد لإكمال دروسه في روما في مدرسة نشر الإيمان المقدّس، وظلّ هناك حتّى العام 1870.
بعيد عودته إلى لبنان حاملًا شهادة الملفنة في اللاهوت، وبتنويه صادر عن رؤسائه، دوّن على لائحة الشرف إلى جانب اسمه باللغة اللاتينيّة: Juvenus ad maiora natus[1]
أي "وفتى ولد للعظائم" وانصرف حالًا إلى ممارسة الوعظ والتبشير والرياضات الروحيّة.
ب - الحويّك كاهنًا
بعد عودته من روما درّس سنتين في مدرسة كفرحي، غارسًا في نفوس تلامذته التعبّد للعذراء. وفي العام 1870 تقبّل الدرجة الكهنوتيّة في 5 حزيران يوم عيد العنصرة، ولكنّ شهرته الواسعة المزيّنة بالقيم والفضائل المميّزة قد ترامت إلى مسامع البطريرك مسعد فعيّنه أمين سرّ للبطريركيّة، وعُيّن محاميًا لشؤون الزواج في المحكمة البطريركيّة طيلة 18 عامًا قضاها بالعمل بجديّة وتجرّد وأمانة[2].
ج - الحويّك مطرانًا
في 28 نيسان 1890 انتخب المطران يوحنّا الحاجّ بطريركًا فانتدب الحويّك ممثّلًا له لزيارة الأعتاب الرسوليّة ليحصل له على درع التثبيت. فمثل لدى البابا لاوون الثالث عشر الذي منحه بركته مثنيًا على تعلّق الكنيسة المارونيّة بروما. كما كلّفه بالقيام بالتفاوض مع المسؤولين هناك لإعادة فتح المدرسة المارونيّة في روما التي كان نابليون قد وضع يده عليها يوم دخل روما فاتحًا العام 1798، فأقفل مدرستها وباع أملاكها وشرّد تلامذتها. فنجح بمهمّته على أكمل وجه وأدخل البهجة في قلب البطريرك، وخاصّةً بعد أن حصل على 8 منح لطلّاب موارنة ليدرسوا في معهد سان سوليبس في باريس. وتمكّن أيضًا بفضل الاتّصالات الحثيثة والجادّة من تأسيس كنيسة سيّدة لبنان في باريس العام 1914 وهذا ما أعاد الروابط الجيّدة بين لبنان وفرنسا إلى سابق عهدها.
وتحقيقًا لهدف الحصول على 50 ألف فرنك لإعادة فتح المدرسة المارونيّة في روما، قام بجولة على المدن الفرنسيّة ثمّ توجّه إلى سويسرا لمقابلة الإمبراطور الفرنسيّ فرانسوا الأوّل، وفي طريق عودته إلى الوطن "عرّج على الأستانة ليشكر السلطان عبد الحميد على إعفائه البطريرك المارونيّ من فرمان الاعتراف بسلطاته البطريركيّة من السلطان العثمانيّ[3].
خدم الحويّك لبنان والكنيسة المارونيّة طيلة حياته، والحديث عنه يطول ويتشعّب حول أبعاد نشاطاته التي لا حدّ لها في الوطنيّة والسياسة والاجتماع والشؤون الكنسيّة والروحيّة والإنسانيّة[4].
د - الحويّك بطريركًا
توفّي البطريرك يوحنّا الحاج ليلة عيد الميلاد 1898، فعقد الأساقفة مجمعًا خاصًّا لانتخاب بطريرك جديد للطائفة، فانتُخب المطران إلياس الحويّك بطريركًا في الجلسة الأولى في 6 كانون الثاني 1899، وعلى الفور اختطّ لنفسه أسلوبًا إنسانيًّا وحازمًا في الوقت نفسه، ومن الأمور الجديدة التي اعتمدها لعهده: المائدة البطريركيّة المشتركة التي كانت معلمًا من معالم العيش المشترك الذي كان يرفع شعاره حيث كان يشترك فيها كلّ المتواجدين في الصرح من رجال دين وعلمانيّين، بمن فيهم الكبار والصغار. وشمل كلّ مرؤوسيه برعاية تجسّد العطف، والحنان، كما اهتمّ بممارسة الطقوس الدينيّة كالقداديس والصوم وتساعيّة الميلاد ورتبة الآلام ودرب الصليب. كما بذل عناية كبيرة لإقامة رياضات روحيّة للأساقفة والمطارين في الكرسيّ البطريركيّ، وخصّ العذراء مريم بتكريم خاصّ في صلواته ومظاهر عبادته لها، فكان يتلو يوميًّا مسبحة الورديّة ويشارك بإقامة زيّاحٍ لها، وأخذ ينسّق مع القاصد الرسوليّ لإقامة مذبح لها في حريصا[5]. أبرز إنجازاته:
- تشييد كنيسة المقرّ الصيفيّ العام 1903 حيث تحوّلت إلى قصر فيما بعد وسمّاه: "ذكرى جديدة قنّوبين" وجرّ إليه المياه الغزيرة من أراضي الدير حيث تحوّلت الأراضي البور القاحلة إلى حدائق وجنائن غنّاء.
- توسيع أملاك بكركي واستصلاح الأراضي القاحلة فيها بعد أن جرّ إليها المياه من درعون فأصبحت مساحات خُضرًا خصبة.
- توسيع أملاك بكركي واستصلاح الأراضيّ القاحلة فيها بعد أن جرّ إليها المياه من درعون فأصبحت مساحات خُضرًا خصبة .
- إنفاق مبالغ طائلة لتزيين كنيسة الصرح في بكركي حيث تحوّلت إلى تحفة فنيّة وأصبحت من أعظم كنائس لبنان بفضل عمل ابن أخته الفنّان يوسف الحويّك.
- تفقّده للأبرشيّات التابعة له في أثناء انتقاله إلى المقرّ الصيفيّ في الديمان أو بالعكس من الديمان إلى بكركي، إذ اعتاد أن يزور القرى التابعة له، ويطّلع على همومها ومشاكلها المختلفة وخاصّةً من الناحية الروحيّة، وكان يعمل على إيجاد حلول لها وللمشكلات الماديّة أيضًا.
- إهتمامه بالمدرسة المارونيّة في روما كما مرّ معنا سابقًا .
- إعطاؤه أهميّة خاصّة بموارنة الاغتراب وتتّبع أخبارهم. ومن هذا المنطلق أنشأ مطرانيّة في مصر بناءً على طلب الموارنة هناك.
- الاهتمام بواقع الأبرشيّات في الداخل أيضًا، فبناءً على طلب رعايا مطرانيّة صيدا وصور أصدر أمرًا بقسمتها إلى مطرانيّتين مستقلّتين.
- من أعماله الرسوليّة أيضًا بالإضافة إلى تأسيس أبرشيّة صور المارونيّة، تحرير الوكالات البطريركيّة في باريس والقدس ومصر، وأوفد مجموعات من المبشّرين إلى نواحي أفريقيا وأميركا حيث أشادوا الكنائس والملاجئ والمياتم والمصحّات، وعزّزوا الصحافة والجمعيّات الثقافيّة في قارّة أميركا.
هـ - تشديده على تأسيس الرهبانيّات المحليّة النسائيّة والرجاليّة
ومن الأمور الأبرز في عهده درس ملفّات تطويب راهبَين لبنانيّين نعمة الله الحرديني وشربل مخلوف من بقاع كفرا والراهبة رفقا الريّس من حملايا، كما جرى في عهد تطويب الأخوّة المسابكيّين الثلاثة. وتجدر الإشارة إلى أنّ الحويّك قد أعلن في 10 تشرين الأوّل 1926 تطويب الشهداء المسابكيّين الثلاثة الذين قُتلوا في دمشق، في أثناء أحداث 1860 الطائفيّة وأمر بأن تُقام على أرواحهم احتفالات بكلّ كنائس الأبرشيّة البطريركيّة على مدى ثلاثة أيّام متتالية بين 12 و14 أيلول المناسب عيد ارتفاع الصليب. وحاول إنشاء مدرسة إكليريكيّة عامّة في البترون، إلّا أنّ نُشوب الحرب العالميّة الأولى قد أجهض المشروع. ونتيجةَ مساعيه الخيّرة قدّمت الحكومة الفرنسيّة إلى الموارنة ديرًا وكنيسة في باريس.
بعد انتهاء الحرب المذكورة جمع البطريرك مطارنة الطائفة للبحث مجدّدًا في موضوع إنشاء البطريركيّة. وبعد مفاوضات استمرّت حتّى إلى ما بعد وفاته تمّ الاتّفاق على أن يعهد بهذا العمل إلى الآباء اليسوعيّين، فأسّسوا المدرسة في غزير. كما نشأت إكليريكيّة أخرى شبيهة لها في مار عبدا هرهريا بإشراف البطريركيّة. وكانت كلّ واحدة منها تضمّ مئات التلامذة.
إزاء النقص في وجود الرهبانيّات في الجبل، برزت الحاجة إلى القيام بنهضة شاملة لتطوير المجتمع. هذا بالإضافة إلى ظهور مجموعات من البروتستانت والكاثوليك تركّز على ضرورة تعليم المرأة الشرقيّة. وهذا ما خلق الحاجة إلى نساء لبنانيّات يتولّين رعاية الفتيات اللبنانيّات.
أمّا على صعيد إنجازاته السياسيّة فنشير إلى قضيّة سياسيّة ووطنيّة خطيرة وهي أنّه بعد دخول تركيا الحرب العام 1915 إلى جانب ألمانيا ضدّ الحلفاء، استدعي البطريرك إلى الديوان العرفيّ في عاليه من قبل جمال باشا 3 مرّات وتمكّن بقوّة شخصيّته وجرأته من أن ينجو من الإعدام أو النفي إلى الأستانة.
بعد ثلاث زيارات للبطريرك الحويّك إلى الديوان العرفيّ في عاليه، وكان فيها مصيره مهدّدًا حتّى الموت وتمكّن من تسوية وضعه مع السفّاح، فقد قام جمال باشا بزيارة تاريخيّة إلى المقرّ الصيفيّ للبطريركيّة المارونيّة في الديمان. وهذا ما يبيّن المكانة الرفيعة التي كان يحتلّها البطريرك المارونيّ دوليًّا ومحليًّا[6].
وعندما انتشرت المجاعة في لبنان ومات أكثر من ثلث السكّان بسببها، أمر على الفور بفتح مخازن بكركي والأديرة والمطرانيّات أمام الجياع، وسعى لتأمين القمح والمساعدات الضروريّة لهم، كما بذل أموالًا طائلة لدفن جثث الموتى المكدّسين في الشوارع.
في هذا السياق أيضًا وبعد أن انتهت الحرب العالميّة واندحر الأتراك، توجّه إلى مؤتمر الصلح في باريس وقاد المفاوضات باسم الوفد اللبنانيّ الموحّد لتوسيع رقعة لبنان الجغرافيّة من خلال "إعلان دولة لبنان الكبير"[7].
وقبيل عودة المطران عبدالله الخوري من باريس مترئّسًا الوفد اللبنانيّ الثالث إلى مؤتمر الصلح المذكور، قابل في 27 آب 1920 قداسة البابا بنيدكتوس الخامس عشر وأطلعه على خريطة لبنان القديم قبل 1920 وخريطة لبنان الحديث، فما كان من قداسته إلاّ أن دوّن عليها عبارة بالفرنسيّة، وممهورة بتوقيعه، وقد جاءت ترجمتها:
"عشيّة تحقيق أماني أبنائنا اللبنانيّين الأعزّاء، نحرص على تهنئتهم ونمنحهم البركة الرسوليّة بقلب رحب". وذلك في 27 آب 1920.[8]
وتجدر الإشارة في هذا المجال أيضًا إلى الحديث عن علاقاته الإيجابيّة بالفرنسيّين وخاصّةً مع المفوّض السامي في لبنان دي جوفنيل، وصادف أنّ البطريرك كان يستعدّ لزيارة دي جوفنيل، ثمّ يقوم بالاحتفال بيوبيله الأسقفيّ، ففوجئ بأنّ المفوّض السامي قد سبقه إلى المقرّ البطريركيّ ليقدّم إليه واجب التهنئة باليوبيل[9].
ثانيًا: قوانين جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة
أ - كتابة القوانين
بناءً على طلب البطريرك الحويّك بدأ البحث بوضع قوانين لهذه الجمعيّة تبيّن بوضوح واجبات الراهبات المنطويات، ليتسنّى لكلّ واحدة منهنّ معرفة الفرض الذي من أجله دخلت في عضويّة هذه الجمعيّة، وخاصّةً من جهة تقديس ذاتها وإتقان أعمال البرّ.
ب - دوافع كتابة القوانين
إنّ هذه الرهبانيّة التي أسّسها الحويّك وبذل لها عقله وقلبه، بدأت على الفور ممارسة نشاطها الرسوليّ بوجهٍ عشوائيّ من دون تخطيط أو تنظيم، وبدون برنامج عمل واضح. فكتبت الرئيسة الثانية الأمّ ستيفاني إلى البطريرك طالبةً منه وضع قانون ينظّم عملها الرسوليّ. بدأ العمل بوضع القانون الأبوان إبراهيم حرفوش ويوحنّا السبعلي واهتمّا بتبويبه وتنقيحه والتدقيق فيه. وانتهى العمل العام 1901 حيث تسلّمت الأمّ المذكورة نسخة عن مشروع القانون، ولكنّها استمرّت في مناقشتة والتعليق عليه وإبداء الملاحظات المناسبة حتّى العام 1910، وبعد ذلك طبعت القوانين بشكلها النهائيّ، ثمّ أعيدت صياغتها وثبتت نهائيًّا العام 1928 وظلّ معمولًا بها حتى العام 1977[10].
- فرض الحضّ على الراهبات
- فرض الانتخاب السريّ لتأمين حريّة الانتخاب داخل الجماعات الديريّة
- لا تنتخب رئيسه إلّا بعد الأربعين من عمرها وبعد ثماني سنوات لنذورها
- فرض الاعتراف والمناولة أقلّه مرّة في الشهر واستقدام كاهن غير اعتياديّ أقلّه ثلاث مرّات في السنة.
النسخة الانتقاليّة 1977 (دستور حياة)
كتبت هذه النسخة بعد استطلاع رأي الأخوات في أعقاب المجمع الفاتيكانيّ الثاني وصدور القرار المجمعيّ من تجديد الحياة الرهبانيّة. وورد في هذه النسخة مكان مخصّص للمشاورات بين الرئيسة وأخواتها للتعاون من أجل إتمام المسؤوليّات المشتركة[11].
الطبعة الحاليّة 1992 الأمر الجديد في هذه النسخة يتبيّن أنّ الراهبات لأوّل مرّة يكتبن قانونهنّ ويعبّرن فيه عن حقيقة حياتهنّ التي اخترنها والتي يردن تحقيقها في حياتهنّ الرهبانيّة. ولأوّل مرّة يكون للقوانين مرجع كنسيّ يحدّد ماهيّة الحياة الرهبانيّة بالإضافة إلى تحديد أطرها.
نظرة تقويميّة للقانون الجديد
إنّ الحالة الرهبانيّة هي طريق للحياة المشتركة في مؤسّسة معيّنة تثبّتها الكنيسة، وفيها يتّبع المؤمنون المسيح بفعل الروح القدس اتّباعًا أشدّ التزامًا، فيتّخذونه معلّمًا ومثال القداسة ويكرّسون ذواتهم على نحوٍ جديد وخاصّ بنذرهم نذرًا عمومًا الطاعة والعفّة والفقر، وممارستها بحسب الفرائض تحت قيادة رئيس شرعيّ، متخلّين عن العالم وعاكفين كليًّا على اكتساب كمال المحبّة في خدمة الله لأجل بناء الكنيسة وخلاص العالم كعلامات تنبئ مسبقًا بالمجد السماويّ[12].
أمّا المميّز في هذا القانون فهو أنّه أعطى الرئيسة العامّة حقّ قبول النذور، هذا الحقّ الذي كان من سلطة البطريرك وهنا لا بدّ من إلقاء نظرة تقويميّة إلى هذا القانون بصيغته الأخيرة[13].
أوّلًا: من حيث الشكل او الصيغة (الصياغة) والفصل بين كلّ مادّة وأخرى من موادّه، واستحداث كتاب التنفيذ، هذا العمل كتاب الرسوم، وجعل لكلّ مادّة تتعلّق بمقوّمات الحياة الرهبانيّة أساسًا لاهوتيًّا، وكتابيًّا، ومتطلّبات قانونيّة، مع ترك المجال مفتوحًا لتحقيق مبادرات فرديّة تسعى إلى تطوير كلّ فرد بحسب تطلّعاته الروحيّة.
ثانيًا: من حيث التحويرات والتعديلات القانونيّة، جرى اتّباع معطيات الحقّ العامّ ومبادئه والذي بدأ العمل به منذ العام 1991.
ثالثًا: توجّهت القوانين بوجهٍ أوضح إلى الكنيسة الجامعة وإلى المجتمع وإلى الخدمة الرسوليّة، والانفتاح على مشكلات عالم اليوم، والسعي من أجل التضامن الإنسانيّ، كما أخذت بعين الاعتبار معطيات العلوم الإنسانيّة التي يمكن أن نشعر بها كخليقة شفّافة تشمل معظم القوانين.
رابعًا: يتميّز متن النصّ بأنّه يذخر بالمراجع الإنجيليّة خاصّة والكتابيّة عامّةً.
خامسًا: يبدو من خلال صياغة القوانين هذه أنّ النصوص الكنسيّة لا تغيب عن مضمونها، وكذلك توجيهات الكنيسة.
سادسًا: إنّ استخدام كتب التنشئة Ratio institutionsيتوخّى تولّي مسؤوليه الاهتمام بأساليب التنشئة الحديثة بكلّ ما تحوي من مقوّمات إنسانيّة ونفسيّة، وأنتروبولوجيّه، ومقوّمات لاهوتيّة وكتابيّة وقانونيّة تغطّي معظم وجوه الحياة الرهبانيّة ومظاهرها، بالإضافة إلى الاهتمام الحثيث بالعلوم الأكاديميّة والمهنيّة. وهذا الكتاب وضع قيد الاختبار منذ العام 1992، وسيعرض على المجمع العامّ قبل التصويت عليه.
إنّ هذه الصيغة الجديدة تؤلّف وحدة متكاملة كما أنّ الجمعيّة موحّدة ومتكاملة لتكون جسمًا كنسيًّا متّحدًا بالمسيح، تعمل في خدمته وتتتلمذ له.
وفي شرحنا مفهومَ الحياة الرهبانيّة التاريخيّ يمكن القول: لا عشوائيّة ولا فوضى في الحياة الرهبانيّة، بل هي "عمل مؤسّسيّ" ولا عفويّة في الأهداف والتطلّعات المستقبليّة. والحياة الرهبانيّة، بتعبير أدقّ هي "موهبة الروح" ولكنّ ذلك لا يعني أنّها موهبة كاملة مطلقة، بل لها مشاكلها وتعقيداتها واحتياجاتها وبيئتها الخاصّة.
إنّ إعادة كتابة هذه القوانين وصياغتها ثانيةً في ضوء تحرّك كنسيّ معتمد على زخم في النصوص، وتبدّل في شكل المجتمع المعاصر، هي نداءات صريحة لنا للقيام بمسؤوليّاتها الضروريّة على هذا الصعيد، وهي حتميّة روحيّة وتاريخيّة أُخذت بعين الاعتبار في أثناء صياغة هذه القوانين. لأنّ مجتمعنا متعدّد الحضارات والانتماءات وممزّق، تتجاذبه تيّارات متناقضة على مختلف الصُعُد. لذا، فإنّ حياتنا الرهبانيّة القائمة والمعيوشة، وشهادتنا الإنجيليّة هما المحكّ، وعلى أساسها تظهر الكلمة الفصل، ويصبح بالتالي سهلًا الحكم على مدى مطابقتنا لهذه الحياة سلبًا أم إيجابًا.
الرزاء العظيم بموت مؤسّسه راهبات العائلة المقدّسة[14].
الفصل الثاني
البطريرك الحويّك وجمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات
أوّلًا:الحويّك مؤسّس جمعيَّة راهبات العائلة المقدّسة
أ - خلفيّات تأسيس الجمعيّة
أسّس الحويّك هذه الجمعيّة للعناية بتهذيب البنات وتثقيفهنّ وبذلَ من أجل تنفيذ هذا المشروع من ماله الخاصّ مئة ألف ليرة عثمانيّة ذهبًا، بالإضافة إلى تبرّعات المحسنين في لبنان وفرنسا، وعند مماته كانت هذه المؤسّسة قد ظهرت إلى الوجود بوجهٍ نهائيّ، وتعدّدت مدارسها في سوريا ولبنان وأوستراليا، وأعطت نتائج باهرة في مجالات التربية والأخلاق والدين. وهذا ما جعل الحويّك يغادر هذه الدنيا قرير العين بالإنجازات التي حقّقها على مختلف الصُعد.
ومن غريب الصدف أنّه قبل مائة عام من إعلان البابا والأمم المتّحدة "سنة العائلة" ثمّ "سنة المرأة"كان الحويّك يعمل على تأسيس جمعيّة يسمّيها جمعيّة العائلة، غايتها تنشئة الشبيبة وخاصّةً الفتيات على القيم والمبادئ السامية. إنّه فعلًا "نبـيّ"كسميّه.
ب - ظروف ولادة الجمعيّة
آمن الحويّك بأنّ ما يقوم به في إدارة هذه الجمعيّة هو بتكليف من الروح القدس. وكان على ثقة أنّه بعد مغادرته العالم ستواصل عملها تحت نظر العناية الإلهيّة بتدبير ربّانيّ، لنشر تعاليم الإنجيل على أيدي قافلة عذارى العائلة المقدّسة، تسير مثقلة بالمسؤوليّات الجسام لمجابهة حاجات العصر وهمومه وآلامه ومتطلّباته، لترافق شعب الله، متّكلةً على العناية الإلهيّة التي لا تسمح بأن ترزح هؤلاء المرسلات تحت عبء الأحداث الجسيمة والمسؤوليّات الخطيرة. فعلى أكتافهنّ وصلواتهنّ تنهض الإنسانيّة، لأنهنّ يزرعن كنوز الإنجيل غير عابئات بما يخبّئ لهنّ المستقبل من مفاجآت.
وقد ورد في القوانين الجديدة لهذه الجمعيّة المستوحاة من المجمع الفاتيكانيّ ومن روحانيّة المؤسّس: "تفرض علينا الطاعة البحث الفرديّ والجماعيّ عن إرادة الله في الصلاة أو في الحوار المنزّه عن الهوى الذاتيّ، والمركّز على الخير العامّ ونجاح الرسالة. هذه الطاعة هي تطلّع يوميّ إلى إرادة الله".
إنّ الراهبة المنتميّة إلى هذه الجمعيّة تتمثّل بالقدّيس يوسف في طاعته، ويكون خضوعها بدافع من الروح القدس وبالانقياد لروح الله بإيمان وسخاء. فالراهبة في هذه "العائلة" تسلّم نفسها تسليمًا بنويًّا كاملًا لله لتصبح ذبيحة مقدّسة مرضيّة عند الله. وهي لا تخاف العزلة لأنّ "الله معها". ومن فقرها تغني الآخرين في لبنان كما في سوريا وأستراليا، وتجاهد في مسيرتها اليوميّة لتتلمذ كلّ الأمم. إنّها مكرّمة لله، وأعمالها أيضًا يجب أن تكون كذلك.
إنّ هؤلاء الراهبات يعشن دعوتهنّ بالتعاون مع أسقف الأبرشيّة وكاهن الرعيّة والعلمانيّين الملتزمين، مجسّدات روحانيّة المؤسّس في القطاع التربويّ كما في القطاعين الروحيّ والإنسانيّ، وتعمل كلّ واحدة منهنّ بروح الكنيسة متّكلة على الله، مع الثقة التامّة بأنّ حياتهنّ الرسوليّة هي من صلب تكريسهنّ سواء كان في المدارس أم خارجها أم في المجتمع والأبرشيّة وفي المؤسّسات الإنسانيّة.
إنّ عمل الراهبة يقوم على الالتزام بالأساليب الجديدة في العمل الرعويّ الرسوليّ المستند إلى توصيات السينودس المتمحورة على التربية وخدمة المرضى لأنّالكنيسة مدعوّة لأن تكون أمّ المتألّمين تحوطهم بمحبّتها لأنّهم أبناؤها، فتواصل بذلك رسالة الآب الإله. والمرأة المكرّسة بكينونتها وعملها تكشف حضور الله وتجعله فاعلًا ومؤثّرًا في هذا المجتمع. والمرأة المكرّسة هي أيضًا علاقة محبّة الآب للبشر وحنانه. والسينودس في هذا المجال يشرح كيف أنّ الأنوثة هي علاقة الأزمنة اليوم، وهي شهادة لخدمة الكنيسة البتول والأمّ. فالبتوليّة ترتبط بالأمومة من خلال ممارسة المنشورات الإنجيليّة[15].
وفي هذا السياق لا بدّ من توضيح موقف الحويّك من مبدأ الطاعة لدى الراهبات. وقد لخّص ذلك في رسالة وجّهها إلى الراهبات في 3 آب 1925 يحثّهنّ فيها على الطاعة للرئيسة التي أرسلها الله تعالى برعاية خاصّة، إنّها تعمل من أجل خير الأخوات، وخير الجمعيّة المباركة، وتحاول أن تعطيهنّ كلّ ما منّ الله عليها من مواهب. ويؤكّد بروح إيمانيّة أنّ إرادة الله توهَب لهنّ بواسطة الأمّ الرئيسة، ويشير في مقطع آخر إلى طاعة الرئيسة حتّى ولو لم تكن أهلًا للرئاسة.
ج - تأسيس الجمعيّة
إنّ فكرة تأسيس هذه الجمعيّة راودت الحويّك منذ بداية حياته الكهنوتيّة. وقد تعزّزت هذه الفكرة بعد جولته على القرى الجبليّة فور تسلّمه مهامّه الأسقفيّة، ولاحظ في أثنائها حاجة البلاد إلى التقدّم، واعتقد أنّ التقدّم يعتمد على التربية، ومَنْ أجدر بالتربية من المرأة؟!.
تعرّف البطريرك في قرية كفيفان إلى الراهبتَيْن اللتَيْن مرّ ذكرهما (تقلا) روزالي نصر، واستيفاني كردوش، من جمعيّة راهبات الورديّة من ناصرة الجليل، وهي أرثوذوكسيّة وتتعاطى التعليم. وذلك في العام (1893) وقد أسّستا مدرسةً في كفيفان.
عندما أُعجب البطريرك بشخصيّة هاتين الراهبتين عرض عليهما إنشاء رهبنة نسائيّة على غرار جمعيّة الورديّة فوافقت الرئيسة ولكنّها اشترطت موافقة مسبقة من بطريرك القدس. وصادف أن التقى المطران الحويّك البطريرك المذكور في مدرسة البروباغندا وحصل منه على موافقة رسميّة لهذا المشروع، مع موافقة البطريرك على إبقائهما بتصرّف الحويّك. ولمّا عاد هذا الأخير من روما أوائل تمّوز 1893 أبلغ الأمّ روزالي بما حصل بينه وبين البطريرك فقبلت الأمر وباشرت فورًا بالتنفيذ متّكلة على حكمة الله وتدبيره ودعم البطريرك. وظهرت هذه الجمعيّة إلى الوجود (أوّل جمعيّة نسائيّة وطنيّة رسوليّة) في 15 آب 1895 وكانت الولادة في جبيل (دير مار يوسف). وقد أبدت الأمّ روزالي اهتمامًا كبيرًا بشؤون العمل الرسوليّ وخدمته.
ويعود السبب في اختيار هذا المكان إلى أنّ المطران لم يكن يملك المال الكافي لبناء دير يكون مقرًّا لهذه الجمعيّة. وصادف أنّ راهبة من عمشيت تُدعى أرسلا هارون أو أرسلا لحّود تنتمي إلى راهبات الورديّة وكانت تجمع الأموال لبناء دير وكنيسة ومدرسة لتعليم أولاد الفقراء وإيوائهم. فحقّقت ما أرادت، ثمّ وهبت الدير المذكور للبطريركيّة المارونيّة. وفي 14 آب 1895 تسلّمت الأمّ روزالي مفاتيح الدير المذكور من الخوري بطرس رزق العمشيتيّ، وقُرعت أجراس الدير ابتهاجًا بالحدث السعيد. وتوافد الناس من مختلف أنحاء جبيل لحضور الذبيحة الإلهيّة التي ترأّسها المطران الحويّك شخصيًّا، وجرى احتفال كبير لهذه المناسبة. وبعد الانتهاء من هذه المراسم سلّم المطران الحويّك الأمّ روزالي مقاليد الرئاسة العامّة للجمعيّة فعُيّنت الأخت استيفاني مساعدة لها ومعلّمة، ودخلت عشر بنات سلك التعليم والامتحان في مدرسة دير العائلة[16].
د - أهداف الجمعيّة
هدف الحويّك من تأسيس هذه الجمعيّة تحقيق طموحاته المعبّرة عن محبّته لأبناء وطنه وكنيسته وأبناء طائفته، والمشدّدة على الإيمان خشيةً عليهم من الضياع والتشتّت والانحلال الروحيّ. وهذا الشعور المتعدّد الوجوه دفعه إلى التفكير بتأسيس جمعيّة نسائيّة لتحتضن في رسالتها الفضائل في المجتمع، والعناية بتربية الفتيات على مختلف الصُعُد بغية تأمين قيام عائلة صلبة العود، عزيزة الجانب تتحلّى بمكارم الأخلاق والحياة الحرّة المسؤولة القائمة على جوهر الإيمان المسيحيّ.
في أثناء انهماك الحويّك بتحقيق هذا المشروع، ارتأى أن يفاوض في هذه القضيّة الغالية على قلبه الراهبة روزالي نصر المنتمية إلى "راهبات الورديّة" التي جاءت إلى لبنان بغية إنشاء إرساليّات فيها. وقد جمعت العناية الإلهيّة هذين الشخصيّن على درب الخير والإيمان والفضيلة، وبدأ الحلم يدخل حيّز التنفيذ في دير صغير في مدينة جبيل كانت قد وهبته إلى البطريركيّة متبتّلة من عمشيت اسمها أورسلا لحّود.
وفي الخامس عشر من آب 1895 المصادف عيد انتقال العذراء احتفل الحويّك في كنيسة الدير المذكور بالذبيحة الإلهيّة لمناسبة التأسيس، وقد حضر القدّاس الأمّ روزالي والأخت استيفاني. وكانت الراهبة روزالي حجر الزاوية في بنيان هذا الصرح الروحيّ، أي "جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات". وعلى الفور هبّت الأمّ روزالي إلى القيام بأعباء هذه المهمّة متّكلةً على العناية الإلهيّة وتشجيع البطريرك البارّ، وأخذت تشجّع الفتيات على الدخول في هذه الرهبانيّة، وأفسحت لهنّ المجالات الواسعة لعيش الفضائل المسيحيّة قبل أن تستشهد دفاعًا عن المبادئ السامية الحقيقيّة، والمثُل الرهبانيّة المميّزة. وظلّت هذه الجمعيّة تشقّ طريقها على دروب الكمال معتمدة على توجيهات الرئيسات العامّات ومجالسهنّ، وتشجيع البطريرك غير المحدود إيّاهنّ.
هـ - العلاقة بين جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات وجمعية المرسلين اللبنانيّين
بدأ مشروع فكرة إنشاء جمعيّة الراهبات يراود مخيّلة البطريرك الحويّك عندما كان يملي على الأب إبراهيم حرفوش مراحل حياته وإنجازاته حيث مرّ في حينه ذكر إنشاء جمعيّة راهبات تُعنى بتهذيب الفتيات، وهذه الفكرة الحلم كانت تهجس بباله منذ أمد بعيد[17].
لا تتوافر لدينا دلائل وإثباتات قاطعة حول طبيعة العلاقات بين هاتين المؤسّستين. غير أنّ الثابت بحسب أرشيف كلّ منهما أنّه بعد تأسيس جمعيّة الراهبات بثلاثة أشهر كان الرئيس العامّ لجمعيّة المرسلين يفتتح أوّل رياضة روحيّة لهؤلاء الراهبات المرسلات، وذلك بطلب من مؤسّسهنّ الذي كتب إلى الرئيسة الأولى للجمعيّة في 29 تشرين الثاني 1895 يخبرها بذلك مسبقًا، وهو الأب الخوري إسطفان قزاح رئيس عامّ المرسلين الكريميّين، ثمّ توالى بعده عدد من الآباء في هذه المهمّة.
والعام 1900 كلّف البطريرك الأبوين يوحنّا السبعلي وإبراهيم حرفوش بإعداد قوانينها الأولى والتي عاد السبعلي فصاغها ثانيةً وطبعت 1930. والعام 1918 فوّض الحويّك إلى الرئيس العامّ ترؤس المجامع العامّة للراهبات، وبعدها بعشر سنوات وقّعت بوحي منه وبإشرافه "المعاهدة" بين رئيسي الجمعيّتين تنصّ على إسناد الإدارة الروحيّة للراهبات إلى المرسلين[18].
و - عقبات ما بعد انطلاق المسيرة
- العقبة الأولى
فيما كانت المسيرة في جبيل (دير مار يوسف) سائرة في طريقها القويم إذا بالمتبتّلة أورسلا التي تبرّعت أصلًا بالدير المذكور للبطريركيّة، تعود لتطالب باسترداد ملكيّته متخلّية عن الهبة، ما اضطرّ إدارة الجمعيّة إلى مغادرة الدير المذكور لتستقرّ مؤقّتًا في مدرسة بطرس شحادة في جبيل بالرغم من أنّ بناءها غير صالح للسكن، فاضطرّت إدارة الرهبانيّة للانتقال إلى عبرين في البترون بعد إقامة قصيرة لبضعة أشهر في كفيفان ريثما يصبح البيت الذي اشتراه المؤسّس قد أصبح جاهزًا لاستقرار الراهبات فيه، وكان ذلك في العام 1896 أي بعد حوالى سنة على التأسيس.[19]
- العقبة الثانية
تجسّدت باستشهاد المؤسّسة الأمّ روزالي نصر في 23 آب 1899 عندما أقدمت فتاة لم تقبلها الأمّ روزالي في عداد الراهبات على الانتقام منها بطعنها بخنجر بصدرها وهي نائمة في سريرها، فعمّدت بدمائها مسيرة هذه الجمعيّة المباركة، وشقّت بذلك طريقها نحو القداسة[20].
تولّى رئاسة هذه الجمعيّة طوال قرن من الزمن منذ تأسيسها رئيسات عامّات تناوبنَ على مسؤوليّة إدارتها وتنظيم مسيرتها على أكمل وجه. ولا بدّ من الاطّلاع على مآثر كلّ واحدة منهنّ، وأبرز إنتاجهنّ ولنا عودة إلى هذا.
ز - إستشهاد الرئيسة
يوم الأربعاء 23 آب 1899 استشهدت مؤسّسة هذه الجمعيّة الأخت روزالي إبراهيم نصر في منتصف ليل 22-23 آب ودفنت في اليوم التالي في كابيلا ديرها المشيّد في عبرين بحضور المطران بولس عوّاد وكلّ كهنة مديريّة البترون وجمهور كبير من الشعب والرسميّين، وكانت مظاهر الحزن والأسى بادية على وجوه المشاركين. وقد اشترك ثلاثة مجرمين في قتلها وبطريقة وحشيّة جدًّا. والغريب في دقّة تنفيذ عملية القتل هذه أنّ راهبة ثانية تدعى الأخت صوفيا شهوان كانت نائمة معها في الغرفة لم تنتبه إلى حدوث ما حصل وبالتالي لم تتمكّن من أن تقدم إليها أيّ مساعدة. وقبل لفظ أنفاسها الأخيرة أخذت تصرخ وتستدعي الكاهن لأداء واجباتها الروحيّة[21].
فور شيوع النبأ المشؤوم تقاطرت الوفود من مختلف القرى المجاورة وأعلمت المراجع الأمنيّة والقضائيّة بالأمر. أمّا البطريرك الحويّك فأرسل ثلاثة مراسيم فور تبلّغه نبأ الحادثة: إثنين إلى الخوري بطرس أرسانيوس رئيس مدرسة القدّيس يوحنّا مارون والثالث وجّهه إلى الراهبات معبّرًا عن تعازيه الحارّة بالحدث الخطير، ووُجِّهت دعوات النعي إلى القرى المجاورة والأديار وكهنة الرعايا، وأهل الشهيدة. وفي صباح يوم الخميس عقد اجتماع للكهنة والراهبات والنائب البطريركيّ بولس عوّاد وكاتب الأسرار البطريركيّ القسّ إغناطيوس وهيبة لحضور صلاة الجنّاز في أجواء من الحزن والأسى خيّمت على أرجاء الدير وأجواء مختلف القرى المجاورة[22].
بعد أن قدّم البطريرك واجب التعزية إلى راهبات هذه الجمعيّة، وأبلغهنّ بأنّه كلّف حضرة المطران بولس عوّاد النائب البطريركيّ لترؤّس صلاة الجنّاز نيابةً عنه، داعيًا لنفسها الطاهرة الرحمة الإلهيّة، كما يمنحهنّ البركة الرسوليّة تكرارًا.
ح - مراسم الدفن
لقد دفنت الرئيسة الشهيدة في كابيّلا الدير بحسب أوامر السيّد البطريرك، وقد عاون النائب البطريركيّ في مراسم الدفن جمهور غفير من الكهنة والرهبان وقد تُلي الرقيم البطريركيّ، وبعد ذلك ألقى كلمة التأبين الخوري بطرس أرسانيوس الذي مرّ ذكره، ثمّ ابّنها ثانيةً النائب البطريركيّ بأمر من السيّد البطريرك وشدّد على صفاتها ومزاياها الفاضلة وظروف استشهادها وجاء في التأبين: إنّها تقلا بنت إبراهيم ولدت في القليعات بين 1838-1839 ثمّ انتقل أهلها من القليعات إلى جديدة غزير وفي التاسعة من عمرها دخلت مدرسة اللعازريّات في بيروت أيّام رئاسة الأمّ جالاس التي أسّست أديارهنّ في بيروت. وكانت تقلا من تلميذاتها الأولات، وقضت عندهنّ مدّة تسع سنوات: سبع سنوات في بيروت واثنتين في دمشق. وتميّزت في هذه المرحلة الدراسيّة بالذكاء والاجتهاد والتقوى، ودرست فيها اللغة الفرنسيّة، فبرعت فيها مع شيء من قواعد اللغة العربيّة. فأحبّتها الرئيسة المذكورة والراهبات حبًّا مفرطًا. وكانت الرئيسة تعتمد عليها في تدبير شؤون الدارسات وتدريسهنّ. كما عهدت إليها أمر تدريسهنّ طيلة ثلاث سنوات من وجودها عندها... وفي الثامنة عشرة من عمرها عندما كانت في دير اللعازاريّات تعرّفت إلى بعض من راهبات الناصرة كنّ قد زرن دير اللعازريّات وتردّدن إليه برهة. ولمّا سألتهنّ عن قانونهنّ وأجبنها أحبّت الترهّب عندهنّ، وطلبت من رئيستها الأمّ جالاس السماح لها بذلك. فسمحت لها. وعلى الفور ذهبت إلى الأرض المقدّسة مع اثنتين منهنّ بادئ ذي بدء وليلة عيد الميلاد لبست في الناصرة ثوب الابتداء. وبعد انقضاء فترة الابتداء لبست الإسكيم. فترهّبت وبقيت في هذه الرهبانيّة أربعًا وعشرين سنة كانت فيها قدوة صالحة في الجدّ والكدّ لخدمة مصالح الرهبانيّة. فسعت لتشييد أربعة أديرة في الناصرة وحيفا، وعكا، وشفاعمرو بالخصوص. وقد سعت لجلب فرمان من والي الشام ببناء دير في بيروت. وقد أتت بأعمال جبّارة من خلال هذه الرهبانيّة. وبعد أن نذرت نذورها المؤبّدة نحو 14 سنة استدعاها المرحوم الخوري يوسف طنّوس الناصريّ اللاتينيّ لمساعدته على تأسيس رهبانيّة الورديّة. ولجأ إلى وسائل عديدة مع المجمع المقدّس والديوان البطريركيّ الأورشليميّ لبّت طلب الخوري المذكور، وتمكّنا بفضل جهودهما المشتركة من تأسيس الرهبانيّة المذكورة وعاونته في وضع قانون لها. وظلّت تمارس مهامّ الرهبانيّة في هذه المؤسّسة إلى أن استدعاها المطران إلياس الحويّك لإنشاء رهبانيّة العائلة المقدّسة كما مرّ معنا سابقًا حيث تأسّست في 15 آب 1896. بالإضافة إلى تأسيس عدّة مرسليّات لرهبانيّة الورديّة، وأقامت لها ديرًا كبيرًا في القدس، فقد أسّست 4 مرسليّات لراهبات العائلة اللبنانيّة في عمشيت ودوما وكفيفان وجران[23].
ط - مدبّرو مؤامرة الأخت روزالي نصر[24]
تبّين بعد التحقيقات القضائيّة أنّ القتلة هم: اوجني يوسف صادر، عسّاف جرجس صادر، وإلياس يوسف زهرا وكلّهم من كفيفان واشتركوا جميعًا في جريمة الراهبة الشهيدة، وقد شارك في هذه الجريمة أيضًا بوجهٍ غير مباشر كاهن من غادير وعلمانيّان من الشبّان كانا يكاتبان أوجني المذكورة وكان هؤلاء المجرمون يخطّطون أيضًا لاغتيال البطريرك الحويّك.
نشاط الجمعيّة في سوريا
بدأ هذا النشاط بتأسيس مدرسة ابتدائيّة في بانياس 1937 وتولّى شؤون رئاستها الأخت كريستين خوري وقد ساعدتها الأختان سابين شيخاني وماري إيلي حبيش. وقد بدأت الراهبات نشاطهنّ هناك في منزل قدّمه إليهن القاضي غانم إلياس وشملهنّ برعايته على مختلف الصُعُد. وبعد وقت قصير أصبح هذا العقار بالإضافة إلى عقار ملاصق له ملكًا لهنّ. وقد حظيت مدرسة هؤلاء الراهبات بعطف ظاهر من السلطات السوريّة، فازدهرت بوجه مميّز لدرجة أنّها ضمّت حوالى 1200 طالبة في مختلف مراحل التعليم. وظلّت تمارس نشاطها حتّى 1967 حيث أقفلت المدارس الكاثوليكيّة هناك. ومن بين خرّيجاتها زوجة الرئيس السوريّ حافظ الأسد.
أمّا في اللاذقية فبدأت الجمعيّة نشاطها بفتح مدرسة ابتدائيّة العام 1943، بإدارة الأخت كريستين خوري، ثمّ تحوّلت إلى مدرسة إعداديّة فثانويّة العام 1947. وتمّ أيضًا بناء مدرسة حديثة كان يقصدها مجموعات من الطالبات من مختلف أنحاء سوريا وفيها فرع داخليّ، وظلّت مزدهرة حتّى موعد إقفالها العام 1867.
وفي ما يتعلّق بالخدمات الصحيّة لهذه الجمعيّة في مختلف أرجاء سوريا نذكر:
- إدارة مستشفى طرطوس الوطنيّ 1946-1954
- إدارة مستشفى حمص الوطنيّ 1949-1973
- إدارة مستشفى المجتهد في دمشق 1956-1965
- إدارة مستشفى اليازجي الخاصّ في اللاذقيّة 1954-1964
بعد إقفال هذه المدارس والمؤسّسات الصحيّة انصرفت الراهبات في البلاد السوريّة إلى الخدمة الروحيّة والاجتماعيّة من تعليم دينيّ في الرعايا، وتوجيه أخلاقيّ واجتماعيّ للنشء الجديد إلى فتح بيت لطالبات الجامعات في دير اللاذقيّة وحضانة للأطفال في بانياس.
الفصل الثالث
واقع الجمعيّة التربويّ
أوّلًا: زيارات راهبات العائلة المقدّسة
في رسالة وجّهها البطريرك الحويّك بتاريخ 14 آب 1915 إلى هذه الجمعيّة، شدّد على أنّ هذه الجمعيّة هي جمعيّة رهبانيّة رسوليّة تهدف إلى الاتّحاد بالله وخدمة البشر.
وهذه الجمعيّة – وكما مرّ معنا سابقًا- حملت هموم التربية والتعليم وتولّت رسالة نشر العلم والثقافة في لبنان، وتربية النشء، تربية مسيحيّة وإنسانيّة وعلميّة تساعد الناشئ على تلوين شخصيّته الجسديّة والمعنويّة والعقليّة، وترسيخ حريّة تفكيره وانفتاحه على الغير بروح من المسؤوليّة الواعية.
وإدراكًا من الجمعيّة أهميّةَ الدور التربويّ في بناء الوطن والمواطن، فقد أنشأت مكتبًا تربويًّا يعمل لوضع خطط تربويّة تتجسّد من خلال سياسة تربويّة واعية تعمل الجمعيّة على تطبيقها على أكمل وجه، وفق تعاليم الكنيسة المقدّسة في مجالي التربية والتعليم. ولمناسبة اليوبيل المئويّ لتأسيس الجمعيّة، نظّم المكتب المذكور مؤتمرًا تربويًّا تركّز جدول أعماله على نقطتين فقط:
1 - شموليّة التربية
2 - التأهيل، والتأهيل المتواصل
إنعقد المؤتمر على ثلاث مراحل وغطّى بوجه كامل جميع المناطق اللبنانيّة:
الأوّلفي حوش حالا لمدارس البقاع،
والثانيفي فتقا ومخصّص لمدارس بيروت وجبل لبنان والجنوب،
والثالث في طرابلس لمدارس الشمال وذلك طوال الفترة الواقعة بين 16 آذار و28 منه 1995.
لقد توسّعت المناقشات وتشعّبت وتمحورت هذه المواضيع على خمسة محاور:
المحور الأوّل: المتعلّم
1. الاهتمام بإعداد الناشئ إعدادًا محكمًا، ما يساعده على التطوّر والنموّ بوجهٍ سليم.
2. تدريب الناشئ على الاستفادة من الآلة واستعمالها بالوجه السليم والفعّال.
3. ضرورة التوفيق بين التكنولوجيا والكتاب في التعليم والتثقيف.
المحور الثاني: المعلّم
- المعلّم هو المساهم الأكبر في عمليّة التعلّم ولا بديل له مهما تطوّرت التكنولوجيا، وخاصّ من جهة كونه القدوة والمثال.
- يجب أن يؤمن المعلّم بالديموقراطيّة في التفكير وبحريّة الرأي.
- على المعلّم أن يخضع دائمًا لعمليّة تأهيل وإعادة تأهيل ليظلّ محافظًا على دوره الرياديّ في عمليّة التربية والتعليم.
المحور الثالث: الإدارة
الإدارة هي المحرّك الأساسيّ في العمليّة التربويّة وهي رأس الهرم التربويّ في المؤسّسة التربويّة. ومن أهمّ مسؤوليّاتها:
- توفير الإطار الضروريّ والمناسب والملائم للولد لتأمين أفضل الظروف التربويّة له.
- تنظيم لقاءات وندوات ?
الأكثر قراءة
الذات والعهد ولبنان
دولة لبنان الكبير 1920 – 2021
الوجه المفقود للمسيحيّين في سورية
الأطفال وصعوبات التعلُّم.
شفاء القلب
الطاقة الخلّاقة للمعاناة
إختر الحياة
لماذا أخشى أن أقول لك من أنا؟
من الصدق إلى الحقيقة
حبّ مُتفانٍ لأرض مُهملة
فنُّ العيش بتناغم
لماذا أخشى أن أحبّ؟
سائحة
ثق فتتجدّد
السعادة تنبع من الداخل
رحلة في فصول الحياة
القرار
أسرار الناصِرة
العائلة بين الأصالة والحرّيّة
نحو حياة أفضل (5)
الأيادي الضارعة
موعد مع يسوع المسيح
شبيبة متمرّدة
من يهديني؟
لا أؤمن بهذا الإله
اليقظة
حبّ بلا شروط
في بداية الحياة فرح ورجاء
الشعور بالرضا
في سبيل لاهوت مسيحيّ للأديان
دليلُكَ لفهم الأيقونات
على درب الجلجلة
المنجد
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
الكتاب المقدّس - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
العهد الجديد - الترجمة الكاثوليكيّة (اليسوعيّة)
تعليقات 0 تعليق