شابّة مصريّة تقف أمام كوبري (جسر) قصر النيل الّذي يقود إلى ساحة التحرير بعد خمس سنوات على اندلاع ثورة يناير ٢٠١١. بعدسة ناريمان المطفي.

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الأب صلاح أبوجوده اليسوعيّ

من أجلِ ربيعٍ عربيٍّ ناجح

مقدّمة

يبدو مستقبل العالم العربيّ بعد انقضاء ثماني سنوات على ما بات يُعرف بــحدث "الربيع العربيّ"، شديد الغموض. فمن جهة، لا تزال الانتفاضات الشعبيّة التي أشعلها محمّد البوعزيزي في تونس يومَ 17 كانون الأوّل 2010 نارًا تحت الرماد، إذ إنّ العوامل التي أدَّت إلى اشتعالها لا تزال قائمة؛ ومن جهة ثانية، يأتي انتعاشُ أنماط حكمٍ بدت لوهلة وكأنّها قد بطُلَت عقب الانتفاضات، والحروبُ الأهليّة الكارثيّة المستعرة في غير بلدٍ عربيّ، لتضعا علامة استفهام كبرى بشأن مصير أيّ تحرّك شعبيّ جديد. فبقدر ما أنّ توق الشعوب العربيّة إلى الإصلاح حقيقيّ وشديد، لا سيّما في ظلّ أوضاع اقتصاديّة وسياسيّة خانقة، لا تزال شروط قيام "ربيع" ناجح غير متوافرة.

أوَّلًا - نارٌ تحت الرماد

لا تزال عوامل تفجّر الانتفاضات الشعبيّة الجديدة في العالم العربيّ قائمة. فالعديد من البلدان العربيّة التي بقيت خارج حلبات الحروب الأهليّة، تعاني من اختلال اقتصاديّ خطير، يرافقه نموّ سكّاني بوتيرة متصاعدة ينعكس ارتفاعًا في نسبة البطالة والفقر، وبالتالي يفاقم من حالة التململ الشعبيّ، في حين أن بعض الدول العربيّة لا يزال يرزح تحت نير الأنظمة التسلّطيّة التي تتابع سياسة الاحتكار الاقتصاديّ والسياسيّ، وتغطّي الفساد، وتحمي الفاسدين.

في ما خصّ الناحية الاقتصاديّة، تشير تقارير البنك الدوليّ للعام الراهن إلى تحقيق نسب نموّ متواضعة في بعض البلدان العربيّة، مثل مصر وتونس والمغرب. وتعود أسباب هذا النموّ الأساسيّة إلى الصادرات النفطيّة، أو بعض التحسّن في قطاعات السياحة والزراعة والصناعات الموجّهة إلى التصدير[1]. ولكن تبقى الآفاق الاقتصاديّة في تلك البلدان ضعيفة بسبب غياب البرامج الإصلاحيّة الجديّة والرؤى المستقبليّة التي يجب أن تشمل تطوير البُنى التحتيّة، وتزويد القوّة العاملة مستوىً عاليًا من المهارات، وتشجيع القطاع الخاصّ والاستثمارات الخارجيّة. في حين أنّ بلدانًا أخرى، مثل لبنان والأردنّ، تواجه ضغوطات اقتصاديّة كبيرة من جرّاء الأوضاع الإقليميّة المضطربة، وترزح تحت أعباء خدمة الدَّين الباهظة. أمّا البلدان التي تدور فيها حروب أهليّة، أيْ سوريا والعراق واليمن وليبيا، فتحدّياتها الاقتصاديّة الصعبة تبقى في إيجاد مصادر ماليّة لإعادة الإعمار، إن اتّجهت الأوضاع فيها إلى الاستقرار.

ومع غياب المعالجات الاقتصاديّة الجديّة، لا يبدو قطاعُ التربية والتعليم الذي يُعَوَّل عليه لتطوير أوضاع المجتمعات العربيّة، أفضل حالًا. فعدد الأميّين كان 54 مليون نسمة العام 2015، ومن المتوقّع ألَّا يتراجع عن 49 مليون أمّيّ العام 2024[2]. ومن ضمن هذه الإحصاءات، ثمّة خمسة ملايين طفل لم يلتحقوا بالتعليم الابتدائيّ، وما لا يقلّ عن ثلاثة ملايين ونصف بقوا خارج المرحلة الثانية من التعليم الأساسيّ العام 2016، فضلًا عن أنّ تحقيق التكافؤ بين الذكور والإناث في مرحلتَي التعليم الابتدائيّ والثانويّ لا يزال بعيد المنال[3]. وإنْ كان ثمّة نجاحات بارزة حقّقتها بلدان عربيّة على صعيد التعليم الجامعيّ، وبوجه خاصّ في المملكة العربيّة السعوديّة ودول خليجيّة أخرى، إذ احتلّت بعضُ جامعاتها مراكز متقدّمة جدًّا إقليميًّا ودوليًّا في تصنيفات ضمان الجودة[4]، فإنّ دور تلك الجامعات في خدمة حقوق الإنسان والعمل على المساواة بين الرجل والمرأة ونشر الثقافة الديموقراطيّة وتطوير المجتمعات العربيّة شبه معدوم.

أمّا في المشهد السياسيّ فإنّ نزعة احتكار السلطة المرفقة بالقمع وخنق الحريّات الخاصّة والعامّة وحرمان المواطنين من حقوقهم السياسيّة التي بدت وكأنّها بطُلَت أو على الأقلّ وهنت مع حَدَث الربيع العربيّ في بعض المجتمعات، قد عادت بزخمٍ شديد؛ ويُوظَّف خطابُ محاربة الإرهاب لشرعنتها، وكذلك الصراعات الإقليميّة والدوليّة التي تتّخذ من بعض البلدان العربيّة مسرحًا لها، وتُعطَى عناوين مختلفة، لعلّ أشهرها الصراع السنيّ-الشيعيّ، والتركيّ-الكرديّ، والروسيّ-الأميركيّ، والأميركيّ-الإيرانيّ المستجدّ. يُضاف إلى ذلك كارثة الحرب الأهليّة في سوريا التي تُعدّ نتائجها من أسوأ كوارث الحروب في التاريخ الحديث، وكذلك اليمن حيث يعيش على حافّة الجوع أكثر من ثمانية ملايين نسمة، وليبيا التي أصبحت فعلًا دولة فاشلة.

يرى الدكتور مروان المعشّر، نائب رئيس مؤسَّسة كارنيغي للسلام، أنّ العالم العربيّ عاش عاصفتَين أثناء عقد واحد: الأُولى يمثّلها حدثُ الربيع العربيّ العام 2011 وقد أدَّى إلى التخلّص من حكّام مستبدّين في عدد من البلدان، وزرع الرجاء في مستقبل ديموقراطيّ، ولكن - باستثناء تونس - بحيث أفضى إلى اضطراباتٍ وحروبٍ أهليَّة مريعة؛ وعاصفة ثانية تسبّب بها انهيارُ سعر النفط العام 2014، الأمر الذي هدّد قادة عرب عديدين يعتمدون على مداخيل النفط لتثبيت أنظمتهم. على أنّ هاتَين العاصفتَيْن ليستا إلاّ أعراضًا أوليّةً لتغيير عميق قد يحصل في المنطقة. ففي نظر مروان المعشّر، إنْ لم يبادر قادةُ المنطقة ومن دون تأخير إلى عقد تفاهمات مع مواطنيهم، فثمّة عواصف أعتى ستهبّ في بلدانهم[5]. ويُقصد بتلك التفاهمات إجراء إصلاحات اقتصاديّة وسياسيّة وتربويّة متكاملة، بحيث تتحقَّق عدالة اجتماعيّة مقبولة، ويُمنح المواطنون فرصة المشاركة الفعليّة في الحياة السياسيّة وتأسيس الأحزاب، وتحديث القطاع التربويّ ليصبح معاصرًا. ولكن، لا يبدو إلى الآن أنّ أيّ بلدٍ عربيّ يولي تلك الإصلاحات أهميّة، باستثناء تونس التي تبقى كمن في مختبر نظرًا إلى التحدّيات الاقتصاديّة والأمنيّة الجسيمة التي تواجهها، وإلى وموقف حركة النهضة الملتبس-وهي تُعدّ الأقوى شعبيًّا- بشأن اعتناق الديموقراطيّة اعتناقًا كاملًا. وفي هذا السياق، اعتبر رئيس الحركة، راشد الغنّوشيّ، أنّ حركته "تمثّل اليوم نموذجًا في الفكر الإسلاميّ، وهو البديل الوحيد عن تنظيم داعش، والبديل عن رؤية الإرهاب والتشدّد"[6].

لذا، إذا كانت عوامل قيام انتفاضات شعبيّة متوافرة في العديد من البلدان العربيّة، فالسؤال الذي يبقى مطروحًا، كما سلف القول، يتّصل بحظوظ نجاحها. ذلك أنّ التحرّكات الشعبيّة العفويّة التي تفتقر إلى برامج سياسيّة واقتصاديّة واضحة لن تؤدّي إلى نتيجة، باستثناء وصول الأحزاب الإسلاميّة إلى السلطة، كونها الوحيدة المنظّمة والقادرة على ملء أيّ فراغ، كما حصل بمصر في أعقاب الإطاحة بنظام الرئيس مبارك، أو الانزلاق إلى الفوضى والحرب الأهليّة.

ثانيًا - دور المؤسّسة الدينيّة الرسميّة

في ظلّ غياب أحزاب سياسيّة ديموقراطيّة أو شبه ديموقراطيّة فعّالة ومستقلّة عن السلطة، تتّجه الأنظار بديهيًّا إلى المؤسّسة الدينيّة الرسميّة التي يمكنها أن تضطلع بدور رائد مزدوج: أوَّلًا، على المستوى الشعبيّ من خلال توضيح موقفها من الحركات الإسلامويّة أو الإسلام السياسيّ؛ وثانيًا، على مستوى العلاقة بالسلطة من خلال تبنّيها خطابًا ينادي بضرورة احترام الحريّات العامّة والخاصّة، وفي مقدّمتها حريّة التعبير.

في ما خصّ الموضوع الأوّل، ومنذ العام 2014، برزت بتزايد مشكلة جسيمة قديمة تبقى في حاجة إلى حلّ، تمثّلت بلغة الأزهر المزدوجة المتعلّقة بتكفير داعش. فبالرغم من إدانة أفعال تلك الجماعة المتطرّفة، لم يصدر أيّ موقف رسميّ ينفي انتماءَها إلى الإسلام. ولا شكّ في أنّ هذا الموقف الملتبس يصبّ في صالح حركات الإسلام السياسيّ عمومًا. فبصرف النظر عن الظروف السياسيّة والاقتصاديّة التي تخلق أرضًا خصبة لنموّ الإسلامويّين، كما حصل في العراق مثلًا، إذ برز داعش وحركات دينيّة متطرّفة أخرى كردّ فعلٍ على تهميش السّنّة في الحياة السياسيّة والوطنيّة بعد الاحتلال الأميركيّ، فإنّ خطاب الإسلامويّين ينجح في تعبئة الجماهير لأنّه يقوم على قراءة النصّ الدينيّ بطريقة تركّز على تمجيد "الأمّة" وعلى "الجهاد" لنصرة الإسلام، وتقديم الإسلام بصفته دينًا قادرًا على حلول جميع المشاكل الإنسانيّة، الأمر الذي يثير حماسة الناس ضاربًا على وتر تتميم "الواجبات" تجاه الدِّين. لذا، وإن كانت القراءة "الجوهرانيّة" للإسلام السياسيّ تهمّش عن خطأ الظروف السياسيّة والاقتصاديّة التي تغذّي هذه الظاهرة، فإنّ هذه القراءة نفسها تبيِّن أنّ الظروف المذكورة لا تكفي وحدها لشرح الظاهرة الآنفة. إذ لا يمكن تجاهل قوّة الخطاب الدينيّ الإسلامويّ الذي يستند إلى عناصر تاريخيّة-لاهوتيّة الطابع لا تزال حيّة في المخيّلة الشعبيّة، ومدى تأثيرها في الناس. وتبقى المرجعيّة الدينيّة الرسميّة وحدها القادرة بامتياز على حسم مسألة الخطاب الدينيّ الإسلامويّ التعبويّ من خلال تجريده من نهجه التقليديّ في تفسير النصّ الدينيّ، أو، بكلام آخر، من خلال "عصرنة الدّين" بدءًا بتفسير النصّ الدينيّ تفسيرًا ينسجم مع حقوق الإنسان والتعدّديّة الدينيّة والفكريّة ورفض العنف رفضًا قاطعًا. ذلك أنّ الخطاب الدينيّ الرسميّ الذي يقتصر حتّى اليوم على إبراز وجه التسامح والصفح والعدل في الإسلام، واتّخاذ موقف الدفاع في وجه أنصار الإسلاموفوبيا، لا يكفي لتبديد وقع خطاب الإسلام السياسيّ في الأوساط الشعبيّة. وفي هذا السياق، يمكن المفكّرين الليبراليّين المسلمين أن يساهموا مساهمة فعّالة في بلوغ الأهداف المرجوّة إذا أعطتهم المرجعيّة الرسميّة الدينيّة مكانتهم التي يستحقّونها في دور التعليم الدينيّ والجامعيّ.

أمّا بشأن الموضوع الثاني فالحاجة تبرز إلى ضرورة استقلال المرجعيّة الدينيّة الرسميّة عن السلطة التي تستند إليها تقليديًّا لتعزيز شرعيّتها أو، ببساطة، لإضفاء الشرعيّة على نفسها. ولا شكّ في أنّ مثل هذا الموقف سيسمح للمرجعيّة الدينيّة الرسميّة، من جهة، بأن تقوم بنقد فعّال وموضوعيّ لأداء السلطة؛ ومن جهة ثانية، بأن تصبح في موقع يخوّلها الإصغاء أيضًا بموضوعيّة إلى الأوساط الشعبيّة، وترشيدها وعقلنتها في التعبير عن حقوقها والدفاع عنها، بحيث يتمّ تحاشي الفوضى أو الانزلاق إلى الحرب الأهليّة، لا سيّما في ظلّ غياب أحزاب سياسيّة لادينيّة قويّة مستقلّة عن السلطة.

خاتمة

تضع نتائجُ حَدَث "الربيع العربيّ" حكّام الدول العربيّة وشعوبها ومرجعيّاتها الدينيّة الرسميّة على السواء إزاء وضع شديد التعقيد يتكشَّف على احتمالات مختلفة. ففي حين أنّ أوضاع القمع تطاول كلّ أشكال المعارضة، بل وحتّى المنظّمات غير الحكوميّة في عدد من البلدان العربيّة التي تتفاقم فيها الأوضاع الاقتصاديّة، تغيب عن الساحة العربيّة-باستثناء تونس ولبنان- الأحزاب السياسيّة المستقلّة عن السلطة، وتبقى أحزاب الإسلام السياسيّ هي الأقوى. وإذ تُطرح علامات استفهام كثيرة على رغبة الأنظمة العربيّة القائمة في إجراء إصلاحات سياسيّة واقتصاديّة جديّة، تُطرح علامات مماثلة على نتائج أيّ تحرّك شعبيّ محتمل. وإزاء هذا الواقع، تبدو المرجعيّات الدينيّة الرسميّة في موقع يسمح لها بالاضطلاع بدور يخدم في آن واحد رسالتها الدينيّة ومصالح الناس، انطلاقًا من تمييز موقعها وخطابها تجاه السلطة وتجاه الإسلام السياسيّ.

 

* مدير دار المشرق، وأستاذ محاضر في جامعة القدّيس يوسف - بيروت


2   راجع: النشرات الإحصائيّة لــ "المرصد العربيّ للتربية": 

http://www.alecso.org/marsad/site/?p=2154&lang=ar;http://www.alecso.org/marsad/site/?p=2168&lang=ar.

3   راجع: تقرير "ﻣﻨﻈﻤﺔ ﺍﻷﻣﻢ ﺍﻟﻤﺘﺤﺪﺓ ﻟﻠﺘﺮﺑﻴﺔ ﻭﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ": 

https://en.unesco.org/gem-report/sites/gem-report/files/regional_overview_AS_ar.pdf

4   راجع على سبيل المثال: http://www.shanghairanking.com/ar/ARWU2015.html

5     راجع:Marwan Musher, “The Next Arab Uprising”, in: Foreign Affaires (November/December 2018); https://www.foreignaffairs.com/articles/middle-east/2018-10-15/next-arab-uprising?cid=nlc-fa_fatoday-20181102

6   الغنوشى-النهضة-الكيان-الأقوى-فى-تونس-ونحن-البديل-الوحيد-لـ/3115196https://www.youm7.com/story/2017/2/23/

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق