جزء من منحوتة الحرّيّة، للفنان العالميّ زينوس فروداكيس، فيلادلفيا، الولايات المتّحدة الأميركيّة.

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتور هنري كريمونا

مهنة صنع الشخص الإنسانيّ

أقول مهنة لأنّها أمّ المهن كلّها، وهي في أساس قيام العائلة والمجتمع والكنيسة. فالمهن المجتمعيّة التي نُهيِّئ ذواتنا لها وندرّب أولادنا عليها لا معنى ولا قيمة لها، إذا لم تُبنَ على أساس المهنة القاعدة، ألا وهي بناء الإنسان فينا. فالمهن التي نمارسها في حياتنا المجتمعيّة ليست أكثر من خدمات نؤدّيها للمجتمع ونؤمّن من خلالها استمراريّة حياتنا الماديّة. أمّا مهنة صنع الإنسان فينا فإنّها فعل كيانيّ يحقّق كرامتنا الذاتيّة، من دون أيّ منفعة ماديّة. فماذا ينفع الإنسان إن أصبح مهندسًا أو معلّمًا أو كاهنًا إذا لم يكن إنسانًا! صخرة الوجود تكمن في الإنسان، وعلى صخرة الإنسان تُبنى المهن والعائلة والوجود كلّه.

سأعرض الأسس الكيانيّة لماهيّة الإنسان التي تكوّنُ جوهر وجوده، ولا وجود له من دونها، مجتمعة فيه، ومتكاملة لتؤلّف وحدته الذاتيّة. فما يكوّن الإنسان ليس الطعام  أو الكساء أو المال أو العلم أو القوّة، هذه كلّها ربّما تكون ضروريّة، ولكن لا توجَد في ذاتها، وحتّى إن لم تتوافر للإنسان، فإنّه يستمرّ إنسانًا ويجد كيانه في تلك الأسس التي يمكن تسميتها أيضًا ميولًا كيانيّة أو حتّى حاجات ذاتيّة، وهي: الحاجة إلى الحبّ، الحاجة إلى المعرفة والحاجة إلى الوحدة.

1 – الحاجة إلى الحبّ

يرغب الإنسان في عيش الحبّ بأسمى معانيه، أي أن يكون هو بذاته محبوبًا، ليس بصورة جزئيّة، بل بوجهٍ كامل. المحدود لا يُشبع قلب الإنسان، فهو يتوق في كينونته إلى اللامحدود وإلى اللامتناهي. فالذي يتلقّى حبًّا محدودًا، لن يُعطي بدوره إلاّ حبًّا محدودًا ومشروطًا أيضًا. يحبّ الإنسان أخاه الإنسان بقدر ما يكون هو بذاته محبوبًا. أمّا الذي يتلقّى الحبّ الكامل من الله، الذي هو محبّة كاملة في جوهره، فإنّه يستطيع عندئذٍ أن يُعطي بدوره حبًّا كبيرًا. بدون الحبّ الكامل الآتي إلينا من قلب الآب، لن نستطيع أن نحبّ وفق وصيّة الربّ: "أحبوا بعضُكم بعضًا كما أحببتكم، ليس لأحد حبّ أعظم من أن يبذل ذاته في سبيل أحبّائه" (يوحنّا 12:15–13).

فالحبّ الذي يناله الولد في العائلة من والديه، إذا كان حبًّا بشريًّا ونفسيًّا وماديًّا فقط، فإنّه يحدّ من قدرة عطائه، أمّا إذا استقى الوالدان حبّهما لولدهما من الحبّ الذي يعيشانه في علاقتهما بالحبّ الإلهيّ، فإنّهما يستطيعان عندئذٍ أن ينمّيا في قلبه الحبّ الكبير الذي سيزرعه بدوره بين إخوته البشر وفي عائلته المستقبليّة.

2 – الحاجة إلى المعرفة

على قياس هذا الحبّ الإلهيّ يبحث الانسان عن المعرفة، ويرغب في كشف أسرار وجوده ومعنى وجود الكون كلّه، وفي معرفة الآخر، كلّ آخر، أكان إنسانًا شبيهًا به أم إلهًا يقولون له إنّه موجود! والمعرفة التي يرتضيها الإنسان وتُشبع رغبته هي المعرفة الكاملة، لأنّ المعارف الجزئيّة في قوانين الطبيعة وملحقاتها تخدّر عقله وتحدّه، ولا تشفي غليل عطشه إلى بلوغ ما هو أبديّ في معرفته. هنا يمكننا أن ندرك معنى كلام الربّ يسوع في إنجيل يوحنّا حيث يقول: "الحياة الأبديّة هي أن يعرفوك أنت الإله الحقّ وحدك، ويعرفوا الذي أرسلته يسوع المسيح" (يوحنّا 3:17).

فأيّ عمل أو تصرّف أو موقف يأتي به الإنسان يكون انعكاسًا للمعرفة التي لديه وعلى قياسها. فكلّما كانت المعرفة عنده مرتقية وفي أسمى معانيها، كلّما كان عمله ساميًا، بمقدار سموّ معرفته. فالذي يعرف الله يعمل أعمال الله، وتبطل عنده أعمال البشر. لذلك فإنّ أسمى الأعمال ليست في بناء الحجر ولا في صياغة القوانين ولا في تنفيذ المشاريع، بل هي في خدمة الإنسان تحقيقًا لخيره الأسمى أي لبلوغ المعرفة الكاملة. فالإنسان يحيا ليعرف أوّلًا وليس ليعمل، وقمّة المعرفة هي معرفة الله في المسيح، وهي تولّد أسمى الأعمال وتؤسّس لأبهى العائلات المستقبليّة وأجملها. والمعرفة التي يبنيها الزوجان ليست معرفة الواحد للآخر وحسب، بل هي بناء هذه المعرفة المتبادلة في ضوء معرفتهما سويّة لكمال المعرفة في المسيح يسوع.

3 – الحاجة إلى الوحدة

من خلال هاتين الحاجتين في الحبّ والمعرفة، ومعهما، يبحث الإنسان عن الوحدة مع الآخر، أي الاتّحاد بشبيهه ليؤلّف معه شراكة حياتيّة. وتأخذ هذه الشراكة أشكالًا ومراتب متعدّدة منها: الصداقة، العائلة، المجتمع، الكنيسة... وقمّة هذه المراتب وتجلّيها هي الوحدة مع الله بالذات. والوحدة التي أعنيها هنا ليست عمليّة توافق أو اتّفاق أو تناغم أو مسايرة للآخر، بل هي وحدة ديناميّة تنمو على مثال وحدة الثالوث في ذاته، كما يقول الربّ يسوع : "ليكونوا واحدًا كما نحن واحد: أنا فيهم وأنت فيّ ليبلغوا كمال الوحدة" (يوحنا 17: 22-23).

فالوحدة ليست انصهارًا ولا ذوبانًا للذات في الذات الأخرى، بل إنّها وحدة تُبنى على أساس التعدّد أي في تأكيد كلّ ذات في ذاتها، والتمييز بينها وبين الذات الأخرى. في هذا تكمن ماهيّة العائلة، حيث المشاركة في الحبّ وفي المعرفة المتبادلة، تتألّف وحدة العائلة في واقعها وفي مرتجاها.

*     في هذه  الثلاثيّة في الحبّ والمعرفة والوحدة، وتفاعل عناصرها عبر صيرورة الإنسان اليوميّة، تكمن مهنة "صنع" الإنسان وفق ماهيّته. وهي، كما قلنا، أوّل مهنة وأعمقها وأشملها، يمتهنها الإنسان منذ ولادته ولا ينتهي منها إلاّ لحظة مماته. 

*     فالإنسان، كلّ إنسان، طفلًا أو راشدًا، مدعوّ إلى أن يتفرّغ لهذه المهمّة، ويعمل بها ولها أوّلًا، مستخدمًا قواه الذاتيّة في الذكاء والإرادة. إذ إنّه كلّما تذوّق الإنسان صناعة هذه المهنة فيه، كلّما رغب في تنميتها واستثمارها، وهذا ما يولّد الفرح الداخليّ فيه والسلام في قلبه. 

*     أمّا الإنسان الذي لم يُحسن بعد إتقان هذه المهنة، ولم يتمتّع بعد بالفرح والسلام هذين، أكان زوجًا او زوجة أو مدرّسًا أو كاهنًا أو محاميًا... فإنّه يتصرّف بطيش وضياع، لأنّه لم يجد أمرًا ممتعًا في داخله، فيملّ ويضجر في علاقاته كلّها، ويفضّل العيش خارج ذاته، في ترحالٍ دائم، وخارج عائلته، وخارج محيطه، وخارج كنيسته.



مقوّمات استمرار المؤسّسات في احتضانها الأشخاص

إنّ مبرّرات استمرار المجتمع والكنيسة والعائلة والدير والرهبنة وكلّ مؤسّسة، لا تكمن في المؤسّسة نفسها، في قوانين المجتمع أو الدير...  بل تكمنُ في مقدّمات وجود هذه المؤسّسة، وقبل تكوينها، أي في التنشئة على مهنة صنع الإنسان التي تبدأ منذ ولادته. وتقع مسؤوليّة هذه التنشئة أوّلًا على الوالدين، بمقدار أوسع على المدرسة والجامعة، وبصورة أشمل على الرعيّة والإعلام ووسائل التواصل.

سيسألنا الله غدًا!ماذا فعلتم بالشبّان والشابّات والتلاميذ الذين أوكلت تربيتهم إليكم؟ إلى أين أوصلتموهم؟ - هل أوصلتموهم إليّ؟ أم اكتفيتم بأن تصنعوا منهم مهندسين ومحامين وأطبّاء وفنّانين! هل أوصلتموهم إلى أخيهم الإنسان؟ هل نمّيتم فيهم صورة الإنسان الذي خلقته على صورتي؟

من هنا ضرورة إحداث تغيير جذريّ في مناهجنا التربويّة وفي وسائل إعلامنا، فنعيد إلى القيم الإنسانيّة والمسيحيّة مكانتها في عقول أبنائنا بعد أن هجرت عقولنا قبل عقولهم. لقد تناسينا القيم يوم أسقطناها إلى مستوى الكلمات المعسولة، وتردّدنا في المناداة بالحقيقة التي نؤمن بها أي حقيقة التجسّد الإلهيّالذي هو مصدر القيم في المحبّة، والعدالة، والصدق، والحوار، والحريّة، والتضامن، والصبر، والمغفرة، والتواضع، والفرح، واحترام الحياة، والحسّ بالواجب، والخدمة، والإصغاء، وأسمى هذه القيم كلّها المجّانيّة.

فلنقضِ اليوم على الروح النسبيّة المتغلغلة إلى عقولنا والمستحكمة في جامعاتنا ووسائل إعلامنا وحتّى في كنيستنا! فلننزع القناع عن شيطان هذا العصر، لأنّه يتزيّا بزيّ ملاك النور، فتبدو النسبيّة مفهومًا متألّقًا بحجج المنطق لإقناع العقول الضعيفة. النسبيّة سمّ الحقيقة. نحن نعلم أنّ الحقيقة ليست أفكارًا ومفاهيم وطروحات عابرة، الحقيقة جسد، أي أنّ التنشئة على القيم لا تكون بواسطة التلقين الفكريّ، بل تتمّ من خلال أجسادنا. أبناؤنا بحاجة إلى شهادات حيّة في القيم، يتطلّعون إلينا، يرونا محبّين فيتعلّمون المحبّة، يرونا عادلين فيتعلّمون العدالة، يرونا صادقين فيتعلّمون الصدق، يرونا مُصغين فيتعلّمون الإصغاء. لم يخلّص المسيح العالم بتعاليمه وحدها، بل خلّصه بجسده.

علينا واجب إعادة قوّة التعليم والتنشئة المسيحيّة، إلى مدارسنا وجامعاتنا، بوجهٍ جدّيّ ورصين، فيتعلّم أبناؤنا كيفيّة قراءة الكتاب المقدّس ودراسته، فينهلون منه روح الله الذي يسكن فيهم، ويكتشفون شخص يسوع المسيح الحيّ، يجذبهم إليه ويتصادقون معه ويترافقون سويّة في معيّته، يبنون عائلة روحيّة معه،  قبل أن يؤسّسوا عائلة بشريّة أو رهبنة كنسيّة أو مجتمعًا ديموقراطيًّا...

فلنهيّئ شبّاننا وشابّاتنا على فهم سرّ الحبّ الحقيقيّ فعلَ تجسّد على مثال الكلمة المتجسّد. فإذا لم تقم العائلة أو الكنيسة أو الرهبنة على صورة الحبّ هذا، في بذل الذات، فلن تكون من عائلة، ولا كنيسة ولا رهبنة. والحبّ هذا بصفته فعلَ عطاء الذات ليس اختراعًا بشريًّا، ولا يمكن أحدًا أن يحياه من دون صاحبه. وصاحب الحبّ هذا اسمه يسوع المسيح. فليس من حبّ يُحيي العائلة، أو الكنيسة، أو الدير أو أيّ مؤسّسة اجتماعيّة، إذا لم يسكن المسيح فيها. تقوم هذه كلّها على مساكنة حقيقيّة يكون فيها الربّ يسوع الشخص الثالث مع الرجل والمرأة، الشخص الثالث بين الكاهن وأبناء رعيّته، الشخص الثالث بين الأسقف وكهنته، الشخص الثالث بين رئيس الدير والراهب، الشخص الثالث بين المدير والموظّف ... هذه الثلاثيّة تصبح عربون ولادة لثالوثيّة أخرى مطابقة لها، بين الرجل والمرأة والولد، ويكون الولد صورة حيّة للحبّ في أبهى معانيه، والعمل الرسوليّ بين الكاهن ورعيّته فيكون الحبّ الحقيقيّ في الفعل صورة للحبّ الإلهيّ وفق إرادة الربّ...

فلا نخف اليوم ولا نتردّد في إعلان هذه الثلاثيّة في كلّ مواقع وجودنا:  صورة العائلة المسيحيّة البهيّة، على سبيل المثال، وتقديمها مثالًا حيًّا لجميع البشر، كي تسقط الصور الأخرى في التفلّت والمثليّة. "شدّوا أيديكم المسترخية وركبكم الملتوية، واجعلوا سبلًا قويمة لخطاكم" (عبرانيين 12:12). الإيمان المسيحيّ، والفكر المسيحيّ، والقيم المسيحيّة أرفع وأقدس وأجمل وأسمى وأبهى من جميع الأطعمة التي يستنبطها البشر من ضعفهم ومحدوديّتهم. فلا ندع الناس جائعين إلى الحقّ والخير والجمال. ولا ندع أبناءنا يبكون غدًا على ما تخلّفنا عن الشهادة له اليوم!

* أستاذ في الماورائيّات والفكر المسيحيّ​

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق