مسرح بيار أبو خاطر، حرم العلوم الإنسانيّة، جامعة القدّيس يوسف في بيروت

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

البروفسور سليم دكّاش اليسوعيّ

إيقاعات على نوتات لبنانيّة...

بالأمس كنّا في مدرّج بيار أبو خاطر في الجامعة اليسوعيّة، نستمع إلى مقطوعات موسيقيّة لموسيقى الفرقة كتبها مؤلّفون ملهمون لبنانيّون من أمثال بوغوص جلاليان وإياد كنعان وكلود شلهوب وناجي حكيم. شطحات موسيقيّة تتداخلها نغمات في قمّة الروعة والبهاء عزفها شخصان موهوبان جورج دكّاش على البيانو وماريو الراعي على الكمان.

من بوغوص جلاليان (1937-2011) استمعنا إلى السوناتا القصيرة أو الوجيزة للبيانو والكمان. من المعروف أنّ جلاليان أدّى دورًا هامًّا في صياغة الموسيقى الرحبانيّة وآل لحود، على مستوى مهرجانات بعلبك حيث لمعَ نجمه موزِّعًا وقائد أوركسترا. عرف المؤلّف الشهير شتوكهاوزن الذي ألّف المقطوعة الشهيرة عن مغارة جعيتا واعتمدَ فيها على الموسيقى الصوتيّة اللانغميّة فتَأثَّر به جلاليان في نظم المقطوعة الموسيقيّة ذات الطبع الكلاسيكيّ، إلّا أنّه أضاف لونًا خاصًّا به مستلهمًا الفولكلور الأرمنيّ والشرق أوسطيّ عمومًا. والسوناتا الوجيزة التي طربنا لها في ثلاث حركات هي خير معبِّر عن نضوج بوغوص جلاليان الموسيقيّ حيث تتمازج قوّة الشكل مع تدرّج الإيقاع وترداد النغم والجملة الموسيقيّة مع الألوان المختلبة أكانت فرِحَة أم حزينة. بوغوص جلاليان قمّة الإبداع في شخص كلّه إحساس وشعور.

وانتقل إلى الموسيقار صاحب الكمان كلود شلهوب وهو من الشبّان الموسيقيّين الموهوبين الذي ذاع صيته أبعد من القاع، حيث ولد في العام 1974، وبيروت حتّى وصلَ إلى لندن عاصمة الضباب وكبريات المدن الموسيقيّة العالميّة. سمعنا منه المقدّمة والحركة السريعة من مقطوعة للكمان والبيانو. شطحاتُه الموسيقيّة النغميّة لها طابع روحانيّ صوفيّ كأنّك لا تسمعها من الآلات أو من الخارج، بل كأنّها من باطنه هو. هذا الموسيقيّ المنحدر من عائلة أحد عشر موسيقيّين عنده الكثير من الإحساس الممزوج بالألم والنوستالجيا الشرقيّة. المقطوعة في حركتها الأولى البطيئة روعة في نغمها الموسيقيّ وفي قدرتها على ترويض النفس البشريّة في مختلف مراتبها حتّى الكاملة منها. إنّها بمجملها مقطوعةٌ بلغت درجة عالية في كمال الشكل وبلاغة المعنى وطرب النغم.

المقطوعة الثالثة كانت من إياد كنعان (من مواليد بيروت 1971) وهي كناية عن سوناتا في ثلاث حركات تقليديّة. تخال نفسك مبحرًا في لجّة النغم البسيط والمتوتّر معًا وفي جوّ رومنسيّ تنشد في طيّاته الحبّ والهناء وتذوّق الأشياء الطيّبة. فأنت على مقربة في هذه السوناتا بين يوانس براهمس وأنطون بروكنر، تسعى معهما إلى الأعالي وكأنّ لا سقف لجمال النغم. إشتهر إياد كنعان بمقطوعات كوراليّة ومقطوعات متنوعة فيها انتباه للشكل إنّما يأخذ الشكل مكانه ومكانته من خلال ذلك النغم الكنعانيّ الآتي من أعماق المؤلّف الذي وحده يعرف سرّه.

وأخيرًا مقطوعة الموسيقار الكبير الاختصاصيّ بالأرغن ناجي حكيم (من مواليد بيروت 1955) الموضوعة أصلًا لهذه الآلة تحوّلت إلى مقطوعة موسيقيّة للبيانو والكمان. وناجي حكيم الذي كان حاضرًا للاستماع إلى هذا الإبداع العالميّ الذي سمعناه للمرّة الأولى من مدرّج أبو خاطر أخذته الدهشة أمام قدرة الموهوبين دكّاش والراعي، الأوّل على البيانو والثاني حاملًا الكمان، في أداء المقطوعة بفنٍّ كبير ومهارةٍ سليمة. وحضوره كما حضور إياد كنعان الشخصيّ أضفى على الاحتفال هيبةً وعاطفة جيّاشة عند الجميع.

مع هذا الرباعيّ الموسيقيّ اللبنانيّ كُنّا في حالة ثانية وفي قمّة السعادة! وعندما خرجنا من القاعة واجهتنا رياح ساخنة هي رياح السياسة والسياسيّين اللبنانيّين، فيها رائحة من الضياع والفساد والقهر والتعب وانعدام الرؤية.

الحلّ هو في ازدياد عدد الموسيقيّين اللبنانيّين حتّى ولو أنّ الموسيقى وحدها لا تطعم خبزًا!

 

* رئيس جامعة القدّيس يوسف، ورئيس تحرير المشرق.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق