لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة دنيا حشيمة بو خليل

أخطار ظاهرة المطابقة Le conformisme على وجود الشخصيّة المميّزة لدى الإنسان المعاصر

جرت العادة في مجتمعاتنا المعاصرة أن يسعى الأفراد إلى التصرّف الدارج كي يظهروا بمظهر "الموضة الدارجة"، "To be INN" ما أفقدهم الخصوصيّة والهويّة المميّزة.

لذا أتوقّف في هذا المقال على مفهوم المطابقة لما له من آثار سلبيّة في صحّة التصرّف وصدق الوجود المجتمعيّ المعاصر، ما يجعلنا نتطرّق إلى نقطتين ألا وهما: الحركيّة الاجتماعيّة والحركيّة المتجرّدة.

1 - الحركيّة الاجتماعيّة:

أ   - النشاط العقليّ.

ب - الوراثة والجنس البشريّ.

ج - الحدس والشعور.

2 - الحركيّة المتجرّدة:

أ   - التعالي Le transcendantalisme.

ب - الحقيقة.

ج - المذهب العقليّ Le rationalisme.

الحركيّة الاجتماعيّة هي القوّة البشريّة التي تمحي الفوارق وعدم التعادل والمساواة كما تزيل التفاوت والتنوّع الأصليّين، بحيث يصبح الأفراد حبيبات من الرمل المتشابهة، المستديرة الحجم، الملساء والمصقولة تمامًا، على حدّ تفسير الفيلسوف "نيتشي".

لكنّ النشاط العقليّ الذي يميّز الإنسان من المخلوقات الأخرى، يجعلنا نتوقّف على دور العقل البشريّ شرطًا وأثرًا للحياة الاجتماعيّة.

فهو يكيّفها وهو سبب لوجودها في الوقت ذاته، ما يكوّنُ علاقة مزدوجة غالبًا ما نخالها متناقضة. ينطلق هذا القول من كون العقل قوّة قادرة على التركيز والجمع من جهة، وعلى التركيب Synthétiser من جهة أخرى في عالم ذي أوجه ثلاثة: العالم الخارجيّ، المجتمع الحاضن ومجموعة أعضاء الإنسان L’organisme humain.

لذا فإنّ العقل يتكوّن نتيجة الوراثة والجنس البشريّ وليس نتيجة الحقل الاجتماعيّ الحاضن له وحسب.

نستطرد بذكر حقيقة مفادها أنّ المجتمعات البشريّة تتمتّع بالذكاء الفرديّ المميّز المعبّر عنه بالتوسّع والتحرّك المتغيّر والتغاير على عكس الجماعات الحيوانيّة، فلقد دأب البحّاثة في إطار علم الوراثة La génétique على دراسة الجينوم البشريّ انطلاقًا من A.D.N.، سعيًا إلى العثور على آثار أسلاف مجموعة بشريّة تتضمّنها نقطة دم. هذا وإنّ الأبحاث العلميّة المتطوّرة تؤكّد أنّ الإنسان مسيّر بجيناته كما أنّ التراث البشريّ يوجد مطبوعًا في خليّته الأساسيّة، ولقد استطاع علماء الوراثة المعاصرون وضع خريطة متطورّة لترداد وتكاثر الجينات عبر العالم انطلاقًا من العودة في الزمن إلى أربعة ملايين سنة حين انحصرت الحياة في مجموعات أسلافنا الأسماك على أنواعها.

أُسّست نوادي تسلسل النسب الجينيّة Club de généalogie في فرنسا وفي الولايات المتّحدة الأمريكيّة وذلك على مستويَيْن:

Ÿ دراسة التاريخ الوراثيّ L’histoire génétique العائدة إلى عشرة آلاف سنة والتي من شأنها وضع النسب المئويّة للأصول البشريّة، الآسيويّة منها أو الأميركيّة أو الأوروبيّة.

Ÿ تاريخ الأسرة العاطفيّ L’histoire affective إذ إنّ الأبحاث المتطوّرة تؤكّد أنّ لا حدود لعلم الوراثة انطلاقًا من الأمراض الفيزيولوجيّة المنتقلة من جيل إلى جيل، كما تنتقل أيضًا الانعكاسات المرضيّة النفسيّة ذات الطابع الوراثيّ.

إنطلاقًا من هذا الواقع، أكبّ المختصّون، الفرنسيّون خاصّةً، على دراسة حالات تتناول أطفالًا يملكون معلومات وضع جينيّ محدود Statut génétique Un يوجب وجود مرافقين Accompagnateurs يعالجون مرضًا وراثيًا محدّدًا، أو يتداركون الوقوع في مطبّات أمراض أخرىAction curative et préventive.

ولقد صنّف د. شرايير المجموعات البشريّة في الولايات المتّحدة الأميركيّة بحسب مميّزاتها الوراثيّة وذلك في إطار شركات بيوتكنولوجيّة متخصّصة لشأن تسويق نماذج اختبارات قرابة الأسلافTests d’ascendance على المستوى الجماهيريّ، ومن ثمّ شأن ملاحقة المجرمين انطلاقًا من A.D.N. في إطار التحقيقات البولسيّة، وتعتبر المملكة البريطانيّة سبّاقة في هذا المجال، إذ إنّ الشركات البيوتكنولوجيّة تراقب كلّ إنسان متواجد فيها بحسب A.D.N. خاصّ ومميّز يبوّب في إطار فهرس إلكترونيّ.

أمّا الحدس والشعور فهما يساهمان أيضًا في عمليّة تكوين العقل البشريّ، ذلك أنّ الحدس هو تحديدًا الخبرة الشخصيّة الآنيّة التي ترى العالم المجتمعيّ من منظار الرؤية الملموسة المرسِّخة للأنا الأنانيّ والعاطفيّ ما من شأنه تفعيل إرادة العيش الفرديّة بمواجهة الآخر. يتغذّى هذا الحدس من نبع الحياة ومن عمق أحاسيس الفرد وتصرّفاته الانفعاليّة في الفرح وفي حالات البؤس والوجع وفي كلّ وجود تلقائيّ Spontané.

نتطرّق في القسم الثاني من هذا البحث إلى الحركيّة المتجرّدة؛

إنّها الانتقال إلى عالم اللامواجهة بين الأنا الأنانيّ والآخر، أي بين الفرد والمجتمع، في إطار حركيّة تُدعى التعالي البنّاء أو Transcendantalisme للفيلسوف برغسون والفيلسوف إيمرسون المبشِّرَين بمجتمع مثاليّ حيث تتّحد الأرواح في كنف نمط وجوديّ راقٍ.

تتداعى في هذا الإطار حواجز الفرديّة وتتّحد الأنا المجرّدة بأترابها في إطار العمل الدينيّ أو العمل الجماليّ، وصولًا إلى المجتمع البشريّ المثاليّ انطلاقًا من الشخصيّة الفرديّة المميّزة.

يدعى هذا الحدس الحسّي بالأصيل، ذلك أنّه عرضة للاختبار الحقيقيّ الصادر من نبع الحياة اليوميّ والدائم والذي يظهر من طريق الأحاسيس وردّات الفعل، ومن طريق الميول والأفراح والآلام العفويّة.

ونتساءل عن جدوى وجود المطابقة أيضًا وأيضًا. فحين ننطلق من حقيقة مجرّدة تكوّن دائمًا عنوان مجموعة تعتني بالأطفال مثلًا، نرى أنّ قيمة تدعى المحبّة أو قبول الآخر أو التضامن... توجّه دومًا أفراد تلك المجموعة وتُنظِّمهم عقليًّا، وتطلب منهم الطاعة الروحيّة المطلقة.

ونطرح السؤال المتعلّق بالحقيقة فنحاول التعريف عنها.

Ÿ إنّها أوّلًا ذات طابع عقليّ وفكريّ، تتحلّى بالوضوح وبتحديد المعاني كما تتحلّى أيضًا بتوافق الأفكار مع الواقع المعيوش وبتوافق الآراء في ما بينها؛ إنّه تحديد الحقيقة العقليّ.

Ÿ أمّا تعريف الحقيقة الثاني فهو ربطها بالحاجة البشريّة المباشرة، وبفعّاليّتها العمليّة.

وتبقى الحقيقة، في كلتا الحالتين، العنصر الموحِّد بين مختلف أوجه الإدراك، بحيث تؤمّن التهذيب الفكريّ والتماسك المجتمعيّ.

نتطرّق أخيرًا إلى مفهوم المذهب العقليّ La rationalisme.

الهادف حاليًا إلى الهيمنة الاجتماعيّة من منظار الهيمنة المجسّدة في الاقتراحات العامّة التي يتّفق حولها الأفراد كافّة، والتي تفسَّر بوجود المطابقة النفسيّةLa conformité psychologique لهذه النفوس المختلفة الرازحة تحت ثقل هذه الهيمنة، والتي تحاكي بعضها بعضًا قبولًا لحقيقة أو لظاهرة اجتماعيّة معيّنة.

يقضي التقليد مثلًا أن يطبَّق نموذج جماليّ للأنف أو للعينين أو للوجنتين أو للثديين... فيطابقونه ويسود التشابه ويستحيل التمييز بين فرد وآخر. وتظلّ هذه الحقيقة على رسلها عندما يتعلّق الوضع باختيار مهنة والدخول في عالم الاختصاص، فغالبًا ما يصل التشابه إلى حدّ الاستنساخ بحيث تكثر المضاربات وتتوالى الإفلاسات وتشحّ فرص العمل. هكذا يتزعزع الاقتصاد المحلّي القائم على الخدمات خاصّةً، وتبرز ظاهرة الفرد البشريّ الرازح تحت ثقل الإلحاح والملازمة لنموذج ذي معيار عالٍ، Les obsédés du standing.

لا بدّ من العودة إلى العقل وفعّاليّة الذكاء الفرديّ لنؤكّد أنّ الفرادة ثروة يفعّل الفرد من خلالها طاقاته الخاصّة المميَّزة والمتنوّعة، كما لا بدّ من الاعتراف بأنّه لا يمكن العيش منفردًا، ولا تتكوّن الذهنيّات الشخصيّة وتتطوّر سوى من خلال المؤثّرات الاجتماعيّة؛ فإذا تناطحت قوى الخير والشرّ فلندع الخير ينتصر خدمةً لازدهار الإنسان وتفتّحه البنّاء.

وأختم مقالي هذا بالعودة إلى الفيلسوف بلوتين (205 – 270 AC) حين حدّد "الإدراك بكونه الفكر الذي يتعالى عن الصغائر كي يرفع الروح إلى مستوى راقٍ، وكأنّي به يدعو الفرد المجتمعيّ إلى التصرّف بذكاء وإدراك، وأن يزيّن عاطفته بعقله، وأن يَسبُر أعماق ذاته الفريدة والخاصّة كي يستنبط مواهبه وكلّ عطاء جديد يضفي على ما ورثه من الأجداد وما عايشه من مكتسبات وثوابت وذهنيّات اجتماعيّة.

إنّها دعوة ملحّة نحو التطوّر الفريد والبنّاء بعيدًا عن التطابق المبنيّ على "ما أمتلك من المظاهر" L’avoir نحو التميّز المبنيّ على "الموجود الحيّ" L’être.

نستشهد بكلام الفيلسوف ديكارت في هذا السياق حين قرن الوجود بالتفكير وبقدرات العقل البشريّ لتبرير أيّ وجود: " أنا أفكّر، أنا أدرك، إذًا أنا موجود".

 

*         دكتورة في علم اجتماع التربية والأنتروبولوجيا.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق