لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

ندى عيد

الإعلام بين تقليديّ وجديد: تحدّيات صناعة المحتوى العربيّ

يعيشُ الإعلام اليوم تحدّيات متنوّعة وخاصّةً وسائله التقليديّة التي تواجه خطرًا يهدد وجودها في مواجهة إعلام جديد ينمو باطّراد وبسرعة، حتى أصبح هو أيضًا عرضة لمجموعة من التحدّيات بعدما بدا للجميع أن لا منافس له، وأنه خارج دائرة الخطر، لكنه سرعان ما وجد نفسه هو الآخر في مواجهة عددٍ من التحدّيات.

أحدث ظهور وسائل الإعلام تغييرات جذريّة في الحياة اليوميّة لدى مختلف الشعوب، إذ حملت معها هذه الوسائل المباشرة وأبرزها "الخطبة والنّشرة والكتاب والمسرح والجريدة والإذاعة والتّلفزة والسّينما"، ووسائل غير مباشرة كالكتاب، ومنها فرديّة أو جماهيريّة[1]" حملت معها جميعها المعرفة والوصول الى المعلومات ومواكبة الأحداث وغيرها من الإيجابيّات التي رافقتها سلبيّات - من دون أدنى شكّ - لا يتسع المجال لسردها.

أدّت هذه الوسائل أدوارًا أساسيّة في حياة الناس وتنوّعت بين دور اجتماعي وتربوي وتوعوي وترفيهي وغيرها من الأدوار التي ساهمت كلّها في تعزيز الديموقراطيّة حتّى اعتبر الإرشاد الرسولي: "إن منبر الأزمنة الحديثة الأول هو عالم الإعلام الذي يوحّد البشرية جاعلًا إيّاها كما يُقال "قرية كبيرة". فلقد ارتدت وسائل الإعلام من الأهمية ما أصبحت معه، بنظر الكثيرين، الوسيلة الأولى للاطلاع والتنشئة. فهي توجه وتلهم تصرف الأفراد والعيال والمجتمعات"[2]

نجحت وسائل الإعلام واحتلت مكانتها في الحياة العامّة، وصارت كلمتها، أي موقفها، يُحسب لها ألف حساب، حتى استحقت عن جدارة لقب "السلطة الرابعة" في سلّم السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائيّة، وأصبح للعاملين فيها دور وطنيّ وإنسانيّ وأخلاقيّ يتماهى ودورَ المرسلين وأصحاب القضايا والرسائل السامية، ولسان حالهم أنّ رسالتهم هي قول الحقيقة والحفاظ على الخير العامّ. 

فحريّة الإعلام ضروريّة من أجل حسن سير الديموقراطيّة، مع ما طرحه ذلك من سجالات حول رسم حدود وإيجاد ضوابط لهذه الحرية لئلا تقع في "التشهير، والقدح والذم والقذف، ونشر الصور الخلاعية والحضّ على الفحشاء وارتكاب الأعمال الجرميّة في أثناء جمع المعلومات، وهي أعمال تخضع للملاحقة القضائيّة"[3]، وقد ضمنت دساتير بعض الدول، كالولايات المتحدة الأميركيّة مثلًا، حرية الإعلام وألزمت الصحافيّ "أخلاقيًّا ومهنيًّا" بألاّ ينام على المعلومات التي يحصل عليها، وأن عليه نشرها في أسرع وقت ممكن.

ثمّة تشابكٌ عميق بين حرّية الإعلام وحقّ الاطلاع على الحقيقة كاملة، وهذا ما دعا إليه الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان في المادة رقم 19 التي تنصّ على الآتي: "لكلّ شخص الحقّ في حرّية الرأي والتعبير. ويشمل هذا الحقّ حرّية اعتناق الآراء من دون أي تدخل، والتماس الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأي وسيلة من دون التقيد بالحدود الجغرافيّة"[4].

خاضت وسائل الإعلام والصحافيون العاملون فيها معارك شرسة للمطالبة والدفاع عن حقوقهم وأبرزها حق الوصول إلى المعلومات، مطلبًا أساسيًّا يمكّن المواطن من الحصول على حقه في معرفة الحقيقة كاملة وغير مجتزأة أو مشوَّهة، واستكمالًا وتنفيذًا لمتطلبات المادة 19 ونتيجة نضال حقيقيّ في مختلف دول العالم، أنشأت لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في العام 1993 مكتبًا خاصًّا باسم "مكتب المقرر الخاص حول حرية الرأي والتعبير"، وجاء في التقرير السنويّ للمكتب في العام 1993 "إن حق طلب المعلومات والحصول عليها وبثها يفرض على الدول تأمين الوصول إلى المعلومات (...) ويعتبر لبنان بين الدول المتخلفة في إقرار هذا الحق، إذ أقرّ مجلس النواب قانونًا بهذا الشأن في 19 كانون الثاني 2017"[5].

إن ثورة التكنولوجيا ومعها ثورة الاتّصالات التي شهدها العالم أحدثتا تغييرات جذرية في حياتنا، ففي العام 1977 أصدرت الصحافيّة الأميركيّة في مجلة "الإيكونيميست" فرنسيس كيرنكروس، كتابها الأول بعنوان "موت المسافات - كيف ستغيّر ثورة الاتّصالات حياتنا"[6]، تحدّثت فيه عن تغييرات جذريّة ستطال الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة. هذه التغييرات لم تعد مجرد توقّعات لصحافية تحلّل وتملك رؤية لتطوّر الأحداث، بل أصبحت واقعًا.

تخطّى هذا الواقع الرؤية الأولى التي عرضتها المؤلفة في الكتاب، ما دفعها إلى إصدار كتاب ثانٍ بالعنوان نفسه كتحديث للكتاب الأول، كلّ ذلك نتيجة سرعة تطوّر التكنولوجيا وانعكاساتها على حياة البشر جميعًا.

اليوم، نلمس هذا التغيير من خلال تداعيات ثورة الاتّصالات التي أثّرت في حياة جميع البشر اليوميّة، فطالت مهنهم وأفكارهم وتعاطيهم داخل العائلة والمجتمع والوطن وأثّرت بشدّة في وسائل الإعلام التقليديّة وأدّت إلى ولادة الإعلام الجديد.

صارت وسائل الإعلام تُعرف بالإعلام التقليدي في مواجهة الإعلام الجديد أو "نيو ميديا" الذي لم تتوافر له تعريفات علميّة بعد، بل مرادفات منها: الإعلام البديل، والإعلام الاجتماعيّ، وصحافة المواطن، ومواقع التواصل الاجتماعيّ[7]. وتختلف وسائل الإعلام هذه عن الإعلام التقليدي بأنها لا تحتاج إلى تضافر جهود مجموعة من الأشخاص أو المهنيين أو المحترفين في صناعة الكتابة أو التحرير أو التصوير وصولًا إلى الطباعة والنشر والتوزيع، بل يكفي توفُّر جهاز إلكتروني من حاسوب آلي أو هاتف ذكي أو جهاز لوحيّ، واتصال بشبكة الإنترنت، مع اشتراك في أحد مواقع التواصل الاجتماعيّ مثل "فايسبوك"، أو "تويتر"، أو "إنستاغرام" أو "لينكدإن" أو "يوتيوب"، أو أحد المنتديات أو امتلاك موقع إلكترونيّ أو صفحة مدونة أو غير ذلك من المنصّات أو المواقع.

أزمة الإعلام الجديد

نعيش اليوم على وقع الإعلام الجديد الذي من الصعب جدًّا تقييده حتّى في ظلّ أشد الأنظمة ديكتاتوريةً وقمعًا، فهو لا يعاني أزمة حرية تعبير أو وصول إلى المعلومات، بل يعيش أزمة من نوع آخر هي أزمة المحتوى، إذ لم تعد المعرفة الآنية والوصول إلى مصادر المعلومات ونشرها هي المأزق، بل أصبحت بحكم "تحصيل الحاصل"، خصوصًا مع انتشار استخدام هذه الوسائل بين مختلف أطياف الناس، وتشجيع بعض  وسائل الإعلام الأفراد على خوض غمار تجربة "كل مواطن مراسل" نتيجة الثورات العربية والحاجة إلى تغطية من قلب الحدث، في ظلّ تعذّر وصول الطواقم الصحافية المتخصصة إلى أرض المعركة، فراحت تتبنّى تسجيلات الهواة ورسائلهم بغضّ النظر عن رداءتها وغياب الاحتراف في تنفيذها، ما شجّع الجميع على خوض التجربة، هذا فضلًا عن استغلال الأحزاب والأطراف المتقاتلين لوسائل الإعلام الجديد لإطلاق أفكارهم والتعبير عن مشاريعهم. والأمثلة هنا لا تُعَدّ ولا تُحصى. يكفي أن نتذكر تنظيم الدولة الإسلامية واستغلاله وسائل الإعلام الجديد.

قبل منتصف العام الحالي 2019 عقدت منتديات عدة حول الإعلام، منها في دبي (الإمارات العربية المتحدة)، منتدى القاهرة للإعلام (مصر)، وقمة رواد التواصل الاجتماعي (دبي) وغيرها. وركّز النقاش على محتوى الإعلام سواء أكان رقميًّا أم تقليديًّا، فالمأزق اليوم هو في توفّر المحتوى، لذا يمكننا القول إن أبرز ما يواجهه الإعلام بشقَّيه (التقليديّ والجديد) يتمثل في مسائل كبرى منها:

  • تأمين محتوى لائق؛ موثوق؛ جديّ؛ سليم الصياغة والتحرير؛ دقيق؛ محايد إذ ليس من السهل توفّر الموضوعية، لكنّ الحياد أمر أساس في نقل المعلومات.
  • مواجهة الأخبار الكاذبة والمفبركة وتصحيح مسار الأخبار المتداولة.
  • التحقّق من الصور والفيديوهات قبل نشرها وتعميمها، والأمثلة كثيرة عن الصور الزائفة والمنسوبة إلى غير مكانها وظروف التقاطها التي انتشرت بسرعة البرق واتضح لاحقًا زيفها.   
  • مواجهة تدخّل الآلة في وظائف الإعلام، كمثل قراءة روبوت لنشرة الأخبار أو تقديمه عرضًا تلفزيونيًّا، مثلما فعل الإعلاميّ مصطفى الآغا حين جاء بروبوت ليعتلي المنصّة في دورة منتدى الإعلام بدبي (آذار 2019).
  • البحث عن حلول للتخلّص من الحسابات الوهميّة والحملات التي تشنّها الجيوش الإلكترونيّة، وهي المجموعات التي تنتمي إلى حزب أو عقيدة وتتصرف على مواقع التواصل وفق ما يُطلب منها، كمواجهة حسابات أشخاص مغضوب عليهم أو معارضين سياسيين أو خصوم أو غيره.
  • مواجهة ظاهرة "الذباب الإلكتروني" والعمل على وقف الحملات الجائرة التي تدعو إلى إغلاق حسابات أشخاص معينين بهدف حمل التطبيقات على إلغاء الحساب تلقائيًّا (كما يحدث في "تويتر" و"فايسبوك"). معبّر جدًّا عن حقيقة الوضع التقرير الذي وزعته منظمة "أفاز" غير الحكوميّة المدافعة عن قضايا البيئة وحقوق الإنسان قبيل انطلاق انتخابات البرلمان الأوروبيّ، ومفاده أن شركة "فايسبوك" أغلقت ما يناهز 500 صفحة مشبوهة تبثّ معلومات كاذبة داخل الاتّحاد الأوروبيّ.    
  • العمل على نشر ثقافة الأخلاقيات المهنيّة وأدبيات السلوك على مواقع التواصل الاجتماعيّ، بهدف الحدّ من ثقافة إلغاء الآخر المختلف دينيًّا وعقائديًّا أو ثقافيًّا، وقبول التنوّع.
  • الحدّ من ظاهرة المؤثرين الذين يبنون شهرة زائفة تقوم على إبهار المتابعين أو استغلال عصبياتهم وغرائزهم، والإقدام على تسويق مفرط وتزييف الحقائق، لاستثمار ذلك في كسب المزيد من المال من الشركات التجارية أو الجهات الممولة التي يهمّها تمرير الرسائل في توقيت محدد. 
  • مواجهة انتشار المحتوى المصنوع من غير المهنيين وطغيانه على المحتوى الجدّي والرصين.
  • ففي أثناء إحدى جلسات منتدى دبي للإعلام الإماراتيّ حملت عنوان "“المحتوى الإماراتيّ على وسائل التواصل"، قُدّمت دراسة بحثيّة تبين من خلالها أن 36.4% من المؤثرين في الخليج يقدّمون حياتهم اليوميّة كمحتوى يشاركون به متابعيهم، وأن 27.3%، ينشرون محتوى ساخرًا ومضحكًا لجذب المتابعين فقط، وأن نسبة 54% منهم ينشرون فورًا بلا إعداد مسبق أو مراجعة أو تدقيق[8].
  • العمل على ابتكار برامج تكوينيّة دراسيّة جامعيّة تساعد المختصين (أي الصحافيين المحترفين) وغير المختصين تؤهل الأشخاص للحضور البنّاء على وسائل التواصل، كتابة وتحريرًا وإدارة، وتؤمّن لهم حضورًا رقميًّا لائقًا.  

التحدّيات التي يواجهها الإعلام العربيّ كثيرة ومتنوعة لا يتّسع المجال للوقوف عليها جميعها، لا سيّما في ظلّ تطوّرات تقنية متسارعة الوتيرة والتأثيرات، مع اعتبار أن عالم اليوم أطاح كلّ الحدود الفاصلة بين التلفزيون والشبكة العنكبوتية (الويب) والراديو والصحافة المكتوبة (...). "الصحافة الرقميّة كوكب نكاد نكتشفه غير أن اقتحامه سيغيّر مهمة جميع الصحافيين بالعمق[9]".  

ولكن ألسنا جميعنا "صحافيين رقميين"، ومدعوين إلى مواجهة التحدّيات المذكورة آنفًا؟ سؤال معنيّ بالإجابة عنه كلّ فرد يملك حضورًا رقميًّا.

 

 

*   صحافيّة وكاتبة لبنانيّة ومنسّقة الدبلوم الجامعيّ في المحتوى الرقميّ العربيّ. 

[1]   مسلّم أنيس، وسائل الإعلام بين الرأي العام والإرادة الشعبيّة، صادر عن التعاونية اللبنانية للتأليف والنشر، بيروت، لبنان، (لا ذكر لرقم الطبعة ولا سنة الإصدار).

[2]   وثائق فاتيكانية المجلس الحبري لوسائل الإعلام، إرشاد رعويّ "عهد جديد" Aetatis Novae بشأن وسائل الإعلام، لمناسبة الذكرى العشرين لصدور الإرشاد الرعويّ "إتّحاد وتقدّم" Communio et progressio، منشورات اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام، جل الديب - لبنان، (لم تذكر السنة).

[3]   إدمون صعب، العهر الإعلاميّ، من إبراهيم اليازجي إلى غسان تويني أشرف مهنة مهدّدة بقواعدها وأخلاقيّاتها، دار الفارابي، الطبعة الأولى أيّار 2018، بيروت، لبنان، صفحة 68.

[4]   الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، المادّة 19، الموقع الرسميّ لمنظمة الأمم المتحدة، على الرابط الآتي:

www.un.org/ar/universal-declaration-human-rights

[5]   إدمون صعب، المرجع السابق، صفحة 72.

[6]     Frances Cairncross, Death of Distance: How the Communications Revolution Will Change Our Lives, Harvard Business School Press; First Printing edition (1 Oct. 1997),

[7]  الموسوعة الحرّة ويكيبيديا. 

[8]   جريدة البيان الإمارتيّة، نقاش الـ100 إعلامي ومؤثر في قالب تفاعلي جديد ضمن أجندة الدورة الخامسة لمنتدى الإعلام الإماراتي، عدد يوم الأربعاء 22 أيار/مايو 2019، على الرابط التالي: https://www.albayan.ae/across-the-uae/news-and-reports/2019-05-22-1.3566470

[9]  أليس أنتوم، الصحافة الرقميّة، ثقافة للنشر والتوزيع، نقله إلى العربيّة سامي عامر بمشاركة جورج سعد، الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى تشرين الأول/أكتوبر 2017.    

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق