مدرسة أثينا الفلسفيّة، بريشة الفنان الإيطاليّ رافائيل، علماء الفلسفة يتحاورون في إحدى الفصول الدراسيّة، ومن بينهم ابن رشد

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نجلاء حمادة

حول نقد الفلسفة الأخلاقيّة لدى الفلاسفة المؤمنين

عندما كنت طالبة دكتوراه في جامعة جورجتاون في الولايات المتّحدة الأميركيّة، صادفَ أن استمعت إلى محاضرة عن النسق الأخلاقية في الفلسفة الإسلاميّة ألقتها أستاذة متخصّصة في الفلسفات الشرقيّة. كانت وجهة نظر الأستاذة أن الأخلاقيّات في الفلسفة الإسلاميّة تقتصر على تعداد ما ينبغي فعله أو تجنّبه، من غير أيّ تعليل لجدوى هذه الإملاءات أو أيّ ذكر لمرتكزات قيمتها. إستغربت حينها ما قالته المحاضِرة، إذ حتّى الطفل الصغير يبادرك بالسؤال "لماذا؟" عندما تأمره بأمر أو تنهاه عن سواه.

عزوت ما ذكرته الأستاذة من نقص في فلسفات الأخلاق الإسلاميّة ممّا قد يجعلها غير مستوفية للشروط الفلسفيّة التقليديّة التي لا تقبل إلّا بما يعلّل وما يتوصّل إليه من طريق الجدليّات المحكمة، إلى وجود العنصر الإلهيّ فيها. فالرجوع إلى القرآن و/أو السُنّة، ممّا قد يعتبره "الفيلسوف" المؤمن منطلقًا لا يرقى إليه الشكّ ولا يتطلّب تبريرًا لا يقنع إلّا من يشاركونه المعتقدات الدينيّة نفسها. وبالتالي يكون هذا الرجوع نقصًا كبيرًا، من الناحية الفلسفيّة المحضة.

وفي أوائل شهر أيّار من العام الحاليّ، عُقد مؤتمر في الجامعة الأميركيّة في بيروت موضوعه "التصوّف والأخلاق في الإسلام". واستمعت في أثناء المؤتمر إلى محاضَرة لصوفيا فاسالو[1] ذكّرتني بالمحاضرة التي استمعت إليها في جورجتاون منذ ما يزيد على الثلاثين سنة. كان عنوان ورقة فاسالو: "هل وضع الغزالي نظريّة في الأخلاق؟" حيث شكّكت المحاضرة في إمكانيّة اعتبار فلسفة الغزالي في الأخلاق "نظريّة (فلسفيّة)". فكانت وجهة نظرها أنّ الإبهام في تنقّل الغزالي بين الخطاب الفلسفيّ والخطاب الصوفيّ، كما في اعتباره الذي لا يقدّم إليه تبريرًا أنّ المعرفة الأخلاقيّة (الكمال الفكريّ) تؤدّي إلى اختيار طريق مرضاة اللّه والتغلّب على الشهوات، هو نقص في "النظريّة"، من ناحية فلسفيّة.

وقد بدا لي أنّ كلًّا من فاسالو والمحاضرة التي استمعت إليها زمن الدراسة تتّفقان في نكران المستوى المقبول فلسفيًّا عن فلسفة الأخلاق الإسلاميّة، واحدة عند الغزالي على وجه التحديد والثانية بوجهٍ عامّ، متعاميتَين عن أنّ "النقص" نفسه يطال الكثير من الفلسفات الأخلاقيّة عند فلاسفة مسيحيّين.

ومع أنّ بعض الفلاسفة المسيحيّين الغربيّين المتديّنين، أمثال بلايز باسكال[2] وبول ريكور[3]، حاولوا اتّباع النمط العقلانيّ في جدليّاتهم الفلسفيّة[4]، الذي ساد لقرون عديدة، فبعضهم الآخر كسر متطلّبات هذا النمط فاستخدم في جدليّاته الفلسفيّة معتقدًا دينيًّا، بوجه مباشر أو غير مباشر، كما فعل القدّيس توما الأكويني، أو تحدّى المنطق جاعلًا مخالفته أمرًا في أساس فلسفته (تغليب الوجود الواقعيّ على الجوهر العقليّ)، كما فعل سورين كيركيغارد. وكلاهما يصحّ انتقاده، من منطلق الفلسفة التقليديّة، بمثل ما انتقدت به المحاضرتان المذكورتان فلسفةَ الأخلاق الإسلاميّة.

فالأكويني، وقد تبع أرسطو في كثير من منطلقاته، غلّب الإيمان على العقل، بعكس ما فعل الفيلسوف الأرسططاليّ المسلم ابن رشد الذي غلّب العقل على الإيمان. وبالرغم من أنّ الأكويني ماشى أرسطو في كثير من المنطلقات، ومنها اعتبار الطبيعة خيّرة في جوهرها، إلّا أنّ إيمانه بالنصوص الإنجيليّة دفعه إلى مخالفة أرسطو حول الطبيعة الإنسانيّة التي وجدها أرسطو خيّرة. فالأكويني يعتبر أنّ الإنسان ورث عن أبيه آدم ميله إلى ارتكاب المعاصي، ما يبقيه محتاجًا إلى أن يمنّ اللّه عليه بتنقيته من الميل إلى الخطيئة حتّى يكتسب بعدًا إلهيًّا يرفعه أخلاقيًّا. أمّا الغزالي الذي سبق الأكويني في استلهام أرسطو بما يزيد عن قرن من الزمن، معتبرًا مثله أنّ الفضيلة طبيعة أو ميل تُكرّسهما الممارسة، فعاد وانفصل عن أرسطو كما عن جميع الفلاسفة فانحاز كليًّا إلى المعتقد الدينيّ، إذ وضع المرجعيّة الأخلاقيّة في الشريعة. وقد تطرّف الغزالي أكثر من الأكويني في جعل المكانة الأولى في الأخلاق للعقيدة الدينيّة، فأناط الأخلاق عامّةً بالمعتقد الدينيّ قائلًا إنّ الحسن هو في درجة أدنى ما يوافق غرض صاحبه لكنّه في معناه الأكمل هو ما حسّنه الشرع، والقبيح هو ما قبّحه الشرع ونهى عنه.[5]

وانتقاد فاسالو للغزالي يسري على الأكويني وعلى كلّ جدليّة فلسفيّة تقحم العقيدة الدينيّة طرفًا في جدليّاتها الفلسفيّة. بل لعلّ موقف الغزالي كان أقوى انسجامًا لأنّه لم يزاوج بين الفلسفة العقلانيّة والمعتقد الدينيّ، كما فعل الأكويني، بل ادّعى في "تهافت التهافت" الخروج كليًّا على الفلسفة والفلاسفة، وهو القائل عنهم: "أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلّا دخول مطالب منكر، لا دخول مدّع مثبت". وبالتالي يصحّ انتقاد الأكويني على إقحام العقيدة الدينيّة في الفلسفة أكثر ممّا يصحّ انتقاد الغزالي الذي أقرّ بالخروج من البوتقة الفلسفيّة. ولعلّ الالتباس في أمر الغزالي في هذا المجال يرجع إلى أنّه استخدم الجدليّات الفلسفيّة، من ناحية، وأنكر الفلسفة جملة وتفصيلًا، من ناحية أخرى، وإلى أنّه كان أرسططاليًّا ثمّ غدًا ناكرًا لكلّ الفلسفة ومعاديًا لها.

أمّا كيركيغارد، الفيلسوف الوجوديّ المؤمن، فجعل الإيمان (Faith) في غير موقع العقل (المرجع الفلسفيّ التقليديّ)، وحتّى في غير موقع اليقين أو الاعتقاد (Belief) الدينيّ[6] الموازي لما اتّخذه كلّ من الأكويني والغزالي مرجعًا أساسًا. فالاعتقاد الدينيّ هو ثقة بوجود اللّه ترتكز على براهين (أو شبه براهين) تحثّ الرغبة في الخلاص على القبول بها، أمّا الإيمان فهو شغف(Passion)  ذاتيّ يعاش بعزلة فرديّة. وهو بطبيعته مخالف للعقل. فالإيمان عند كيركيغارد هو "قفزة في العتمة"[7] لا ينيرها أيّ تبرير، وكأنّه بهذا يردّد المقولة المنسوبة إلى ترتوليان: "أؤمن لأنّه غير معقول".

وقد وجد هذا الفيلسوف الهولنديّ أنّ الفضائل التي ينصّ عليها الإيمان هي إطاعة أمر اللّه. ولحظ أنّ هذه الطاعة قد تتطلّب كسر النظم الأخلاقيّة التي نصّت عليها الوصايا العشر كما قد تتطلّب كسر قوانين المنطق. فالاعتراف بطاعة تتحدّى النظم والمنطق المعترف بهما مطلوب لفهم أمر اللّه لإبراهيم بأن يقدّم ابنه الوحيد ذبيحةً إلهيّة[8]. وهنا وضع كيركيغارد البعد الإلهيّ غير المفهوم إنسانيًّا فوق الاعتبارات الأخلاقيّة وفوق الوصايا الإلهيّة عينها كما فوق المنطق، وفي مواجهة هذه كلّها.

فإطاعة اللّه في هذه الحال لم تكن غير منطقيّة لأنّ المنطق لا يحتمل أن يكون الأب، وهو بطبيعة دوره الحامي الأكبر لابنه، قاتلَه وحسب، بل إنّها كانت مخالفة للشرائع الدينيّة التي تحرّم القتل، خاصّةً قتل البريء، أو قتل الابن أو الابنة.

ويبدو أنّ كلًّا من الغزالي وكيركيغارد كانا منسجمَين مع نفسيهما أكثر ممّن حاولوا المواءمة بين العقل والإيمان كما فعل القدّيس الأكويني وكما حاول بول ريكور أن يفعل. ووحده باسكال، المؤمن الذي لم يقحم الإيمان في جدليّته إلّا كمُفترَض (بضمّ الميم وفتح الراء) قد يصحّ أو لا يصحّ، بقي بمنأى عن هذا النوع من النقد.  فالغزالي أعلن الخروج على الفلسفة وبالتالي لم تعد تصحّ محاسبته فلسفيًّا، وكيركيغارد اتّخذ المنحى الوجوديّ المغاير لتاريخ الفلسفة في ذلك الزمن، منطلقًا من فكرة أنّ الوجود، بما فيه الإيمان، هو فوق المنطق وفوق الانسجام العقلانيّ في تمحيص الأمور، فلم يعد يصحّ انتقاده على الجمع في فلسفته بين الإيمان وبين الجدليّات العقلانيّة التي توصل إلى أنّ الإيمان هو بطبيعته خارج متناول هذه الجدليّات.   

وعندما يعتبر الفلاسفة الصوفيّون أنّ الطبيعة الإنسانيّة تتجدّد بين حال وحال ولا تصبح ثابتة إلّا حين تتشبّه بأخلاق اللّه ويصبح المريد مرادًا فوصفُهم هذا يُشبه وصفَ هيغل للتطوّر الديالِكتيكيّ للوعي (وهيغل أوجد منطقًا مخالفًا للمنطق الأريسططاليّ يزاوج بين الكون وما يناقضه وصولًا إلى الكينونيّة الدائمة الحركة)، عندما يعتبرون أنّ الفضائل هي وسيلة للسعادة والحريّة، لكنّهم، في الوقت نفسه، يقولون إنّ ممارسة الفضائل تحرّر الإرادة من البعد الشخصيّ فتوصلها إلى العبوديّة للإرادة الإلهيّة. فهم في وصفهم هذا يتبنّون قفزًا فوق المنطق يطابق ما نجده عند الوجوديّين عامّةً وكيركيغارد خاصّةً. وهم يشبهون الأخير أكثر عندما يرون أنّ السلوك الأخلاقيّ وسيلة إلى الانعتاق من القيود، حتّى من قيود الشعائر الدينيّة ومن قيود الفضائل الأخلاقيّة، للوصول إلى أحوال ومقامات لا يمكن إنسانًا عاديًّا أن يُعبّر عنها فلسفيًّا ولا حتّى أن يتصوّرها.

لكنّ هذه "الوجوديّة" في الفلسفة الإسلاميّة، قبل ظهورها المعترف به في الغرب، هي غير مقبولة من الفلاسفة التقليديّين ولو معاصرين، كما في المثلين اللذين بدأتُ مقالتي بهما. فيبدو أنّ طغيان الإيمان على الفلسفة مسموح به عندما تكون العقيدة الدينيّة مألوفة أو معترف بها، لكنّ هذا الطغيان غير مقبول عندما تكون العقيدة الإيمانيّة مغايرة لما يدين به الناقد أو يألفه من معتقد.  

ولأنّه مِن أُسُس النقد البدء بالسؤال عن مقاصد الكاتب فيلسوفًا كان أم لا، فلعلّه من غير المناسب ومن الظلم انتقاد "فلاسفة"، غربيّين كانوا أم شرقيّين، مسيحيّين أم مسلمين، لأنّهم لم يتقيّدوا بأساليب الفلسفة الكلاسيكيّة، عندما لا يكون هذا التقيّد من أهدافهم أصلًا، أو عندما ينطلقون من نمط من الفلسفة يلائم مراميهم وإن لم يتناسب وأساليبَ الفلسفة العقلانيّة التي يصرّ عليها ناقِدوهم. وفي رأيي المتواضع، العقل والإيمان مجالان مختلفان، فلا دور للإيمان في مجال بمتناوَل العقل، مع العلم أنّ فلاسفة كثيرين حاولوا التوفيق بين الاثنين، كما فعل مثلًا ديكارت، فغضبت منه الكنيسة ومنعت كتبه من الانتشار.

 

*         حائزة شهادة دكتوراه في الفلسفة من جامعة جورجتاون في الولايات المتّحدة الأميركيّة. درّست الفلسفة والتسلسل الحضاريّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت (1986-1999) وفي الجامعة اللبنانية الأميركيّة (2001-2012). لها دراسات كثيرة في موضوعات فلسفيّة وتربويّة وفي ما يناط بحقوق النساء. 

[1]   هي محاضرة منتسبة إلى قسم اللاهوت الفلسفيّ في جامعة برمنغهام. لها دراسات عن علم الأخلاق عند المعتزلة وعن شوبنهاور وابن تيميّة، وحاليًّا تعدّ هذه الدراسة عن الغزالي.

[2]   إشتهر عن باسكال ما وضعه من نظريّة تقول إنّ الرهان على وجود اللّه هو رهان حكيم، فإمّا تفوز بكلّ شيء وإمّا لا تخسر شيئًا. أنظر

Connor, James, A. (2006), “Pascal’s Wager: The Man who Played Dice with God”. San Francisco: HarperSanFrancisco, pp. 180-181.

[3]   يقول بول ريكور في "الحبّ والعدالة" إنّ محبّة جميع المخلوقات، بما فيهم الأعداء، مطلوبة مقابل كلّ ما أنعم اللّه به علينا من حبّ وخيرات، وبذلك تكون محبّة جميع مخلوقات اللّه مبادلة جزئيّة للحبّ الطاغي الذي أبداه اللّه لكلّ واحدٍ منّا.

[4]   منذ بداية الفلسفة في زمن الإغريق وجد منحى يغلّب الوجود على الجوهر (هرقليتس) ومنحى يغلّب الجوهر على الوجود (بارمنيدس)، وقد ساد الأخير في تاريخ الفلسفة منذ أفلاطون حتّى عصور الفلسفة المتقدّمة قبل ظهور الفلسفة الوجوديّة التي كان سورين كيركيغارد من أوّل من تبنّوها من الفلاسفة.

[5]   أنظر زكي مبارك، الأخلاق عند الغزالي، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، 1988.

[6]   Howard and Edna H. Hong, The Kierkegaard Library, p.66-67.

[7]   Eller, Vernard, “Fact, Faith, and Foolishness: Kierkegaard and the New Quest. The Journal of Religion, vol. 48, No.1 (Jan. 1966) pp. 54-68. Published by the University of Chicago Press.

[8]    أنظر Sorren Kierkegaard, “Fear and Trembling”. First published in 1843, under the pseudo-name Johannes de Silentio (John of the silence), Translated into English 1919.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق