لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

ماريان إيلي مفرّج

ثقافةُ العِلم الجنائيّ وأهميّتُها في السياسةِ العِقابيَّة

إنّ مفهوم السياسة الجنائيّة المعاصرة مفهومٌ حديث التداول والدراسة، إذ إنّه لم يظهر إلّا عندما استُخدم العقابُ وسيلةً للدفاع عن المجتمع، وذلك بقصدِ تقويمِ المجرم وإعادة تأهيلِه للتآلف مع المجتمع ثانيةً. وتُعرف هذه السياسة الجنائيّة اليوم بعِلم الإجرام (Criminologie).

ولا شكّ في أنّ وضعَ تعريفٍ دقيقٍ لعِلم الإجرام أمرٌ بغايةِ الصعوبة كونَ نطاق هذا العلمِ واسع ومتشعّب جدًّا، بحيث يتناول العديد من الثقافات العلميّة التي تتجانس وتتشابك بعضها مع بعض؛ فتارةً يُعرَّف بأنّه علم دراسة أسباب الجريمة، أو علم دراسة عوامل الجريمة، أو علم الجريمة، وتارةً أخرى يُعرَّف بأنّه الدراسة العلميّة للجريمة بصفتها سلوكًا فرديًّا وظاهرة اجتماعيّة.

وفي محاولةࣲ للتوفيق بين التعريفَين، تمّ اعتماد وصف أشدّ دقّة وشمولًا لتعريف هذا العلم، فأصبح يُعرف بالعلم الذي يهتمُّ بدراسة الظاهرة الإجراميّة بغية الوقوف على أسبابها تمهيدًا لاكتشاف أنجع الحلول القانونيّة والاجتماعيّة لمختلف المشاكل التي تطرحها هذه الظاهرة، كما والوصول إلى أنسب الطُرق للقضاء على أسبابها، أو الحدّ من تأثيرها، من خلالِ اعتماد سياسة عقابيّة جنائيّة متناسقة ومتجانسة مع الأنظمة والأعراف والثقافات المعتمدة في كلّ بلد.

فالجريمة بمدلولها العامّ وتعريفها العالميّ هي كلّ سلوك أو فعل أو امتناع عن فعل يخالف قاعدة قانونيّة، وُضعت لتنظيم سلوك الإنسان في مجتمعه، وتُعاقِب عليه. ولكن يبقى أنّ تحديد ماهيّة الجرائم أمر نسبيّ. ففكرة الجريمة لا تتغيّر في جوهرها بل تتغيّر صورها وتَتعدّد باختلاف الأزمنة والأمكنة والثقافات والأيديولوجيات المعتمَدة في كلّ بلد. وهذا ما سنحاول التعمّق فيه في هذه الدراسة.

أوَّلًا - ما هي الجريمة؟

إنّ الجريمة ظاهرة اجتماعيّة رافقت البشريّة منذ غابرِ العصور، فكانت تتنوّع صورُها وفقًا للثقافات والحضارات والمعتقدات السائدة. وقد بذل الإنسان منذ القديم قصارى جهده لمحاربة الجريمة وقمعها بأساليب مختلفة غالبًا ما اتّسمت بالقسوةِ والسطحيّةِ والفرديّة. فكانت مشكلة الجريمة، وأسبابها وأساليب منعها وقمعها، من القضايا الجوهريّة التي شَغلت أذهان الفلاسفةِ والمفكّرين الإغريق القدامى مَن تَناوَلها في كِتاباتهم. ومع ذلك، لم يكن البحث في الجريمةِ وأساليبِ منعها منظَّمًا ضمن أسُسٍ علميّةٍ حيث كان الفلاسفة يُرجعون أسباب ارتكاب الجريمة إلى أرواحٍ شرّيرةٍ تتَقمّصُ في جسدِ المجرمِ وتدفعه لإغضاب الآلهة والإقدام على هذا الفعل المعاقب عليه وفقًا للأنظمة السائدة، أو يُرجِعونها إلى أسبابٍ دينيّةٍ تعتبر أنّ ارتكاب الجريمة خطيئة مميتة يجب المعاقبة عليها.

لذا، كان الفِكرُ السائد حينذاك يَعتبِر أنّ الوسيلة الوحيدة لمعالجة المجرم هي تعذيبه حتّى تُطرَد الأرواح الشرّيرة من جسده أو ترضى الآلهةُ عنه أو يُكفِّر عن خطاياه وتطهُرَ روحه. ومع تطوّر الثقافات والعلمِ والدراسات طوال التاريخ، وانفتاح الناس بعضهم على بعضٍ في مختلف الدول والمجتمعات والقارّات، تكاثرت ظاهرة الجريمة متجاوزةً الحدود الجغرافيّة. وعلى سبيل المثال، شَهِدت جميع الدولِ الأوروبيّة والأميركيّة زيادة هائلة وغير مبَرّرة علميًّا في معدَّل الجرائم. فبرز في أعقاب ذلك "علم الإجرام" (Criminologie) الذي أنشأه علماءُ الإحصاءِ الجنائيّ، ومن أشهرهم: كتيليه، وسزيرلاند، وغِيري، وأعلام المدرسة الوضعيّة الإيطاليّة مع سيزار لومبروزو وأنريكو فيري ورافائيل غارو فالو. وقد أجرى هؤلاء العلماء بحثًا مستفيضًا في أسباب الجريمة وأنماط السلوك الإجراميّ وسمات المجر النفسيّة والعضويّة والفيزيولوجيّة. فكانت أبحاثُهم ونظريَّاتُهم نقطة انطلاق ثقافة "علم الإجرام".

وقد تناولَت دراساتهم الجريمة والمجرم على السواء، وهذه المقاربة كوّنت محور السياسة الجنائيّة المعاصرة وركيزتها وعلم الإجرام. فتَتالَت التعاريف وتعدَّدت، بحيث تمَكّن العلماء أخيرًا من إيجاد تعريف عامّ ودقيق وموجز لعلم الإجرام بأنّه تفسير للظاهرة الإجراميّة من خلال استعراض الأساليب التي تؤدّي إلى الجريمة.

وفي ضوء هذا التعريف، يمكن القول إنّ علم الإجرام يتّسم بدراسة علميّة للواقعة الإجراميّة بوصفها ظاهرة متكرّرة في حياةِ الفردِ والمجتمع. غير أنّ الفقهاء اختلفوا بشأن نطاق هذه الدراسة. فرأى بعضهم أنّه يجب أن تُقتصر على تبيان أسباب الجريمة الفرديّة والاجتماعيّة وتفسيرها، في حين أنّ بعضهم الآخر رأى ضرورة توسيع نطاق البحث ليشمل أيضًا أساليب الوقاية وكيفيّة علاج السلوك المجرم.

وبما أنّه لا يمكن تفسير الظاهرة الإجراميّة إلّا من خلال درس العناصر الأساسيّة التي تكوّنها، وهي: الجريمة، والمجرم، والمجنى عليه، فقد اقتصر علمُ الإجرام على دراسة حصريّة لهذه العناصر بُغيةَ الوصول إلى أسبابِ الجريمة والدوافع الحقيقيّة وراء اقترافها.

ثانيًا - دراسة الجريمة بوصفها ظاهرة اجتماعيّة. تُعتبرُ الجريمة في هذه المقاربة ظاهرةً اجتماعيّة بامتياز، تعود أسبابها إلى المجتمع بالدرجة الأولى. فالجريمة ليست نتيجة خللٍ عضويّ أو نفسيّ عند الإنسان، بل ترجع إلى أسباب اجتماعيّة بحتة، مثل الظروف الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تساهم مساهمةً أساسيّة في تنمية الحسّ الإجراميّ لدى الجاني، وفَرض وجود الخلل العضويّ أو النفسيّ لديه. فإنّ هذا الخلل لا يبرز إلّا في بيئة اجتماعيّة موافقة. يُعَدّ أنريكو فري مؤسِّس علم الاجتماع الجنائيّ، وقد لفت الأنظار إلى أسباب الجريمة الاجتماعيّة في كتابه علم الاجتماع الجنائيّ، الصادر في العام 1881.

ثالثًا - دراسة الجريمة بوصفها ظاهرة فرديّة. ركيزة هذه المقاربة التوسّع في دراسة الجاني وفقًا لصفاته العضويّة والفيزيولوجيّة والنفسيّة التي تميّزه من غيره من الناس. ويُعَدّ لومبروزو أوّل مَن أطلق هذه الدراسة، ووجّه الأنظار إلى سمات الجاني عندما وضع كتابه الشهير الإنسان المجرم، وقدّم فيه التفسير البيولوجيّ للجريمة بصفتها سلوكًا إجراميًّا موروثًا، إذ يتميّز الإنسان المجرم بخصائص عضويّة تميّزه من غيره، وتقوده إلى ارتكاب الجريمة. وأدّت كتابات لومبروزو إلى نشأة «علم البيولوجيا الجنائيّة» أي علم طبائع المجرم، وقد تبعه علم النفس الجنائيّ بتفسيره للجريمة، ليس بصفتها نتيجة خللٍ عضويّ، بل بصفتها حصيلة اضطرابات نفسيّة تصيب الشخصيّة الإنسانيّة بنوع من الخلل فتدفعها إلى ارتكاب الجريمة.

رابعًا - دراسة المجنى عليه بوصفه طرفًا في الظاهرة الإجراميّة. لا تكتمل دراسة الظاهرة الإجراميّة التي هي موضوع علم الإجرام الأساسيّ إلّا بدراسة الطرف الثاني في الجريمة، ألا وهو المجنى عليه (أو الضحيّة). فيمكن المجنى عليه أن يضطلع بدورٍ مهمّ في حصول الجريمة نفسها. أمّا علم الإجرام فيهتمّ بدراسة السمات العضويّة والنفسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة الخاصّة بالمجنى عليه، وكذلك بدراسة العوامل التي تجعل بعض الأفراد عرضةً لوقوع الجريمة أكثر من غيرهم، ودراسة الدور الذي يمكن أن يقوم به المجنى عليه في خلق فكرة الجريمة لدى الجاني أو تسهيل ارتكابها.

إستنتاجات

يتّضح في ضوء ما تقدّم أنّ علم الإجرام متشعّب جدًّا، ينطوي على عناصر كثيرة لا يمكن تجاهلها في دراسة الجريمة والبحث عن أسبابها وسبل معالجتها. وبات من الضروريّ أن تُدرس الجريمة بالاستناد إلى علم البيولوجيا الجنائيّ، وعلم النفس الجنائيّ، وعلم الاجتماع الجنائيّ. وتختصّ كلٌّ من هذه العلوم بدراسة زاوية محدّدة من الجريمة، ويمكن تلخيصها كما يلي:

- علم النفس الجنائيّ ويُعنى بدراسة الجوانب المختلفة لنفسيّة المجرم وغرائزه وانفعالاته؛

- علم الاجتماع الجنائيّ ويُعنى بدراسة علاقة الظروف الاجتماعيّة المختلفة بالظاهرة الإجراميّة، بغية الوقوف على مدى تأثير هذه الظروف في تلك الظاهرة أو تأثّرها بها؛

- علم الأنتروبولوجيا الجنائيّة ويُعنى بدراسة خصائص المجرمين العضويّة والنفسيّة، سواء ما تعلّق منها بتكوينهم البدنيّ الظاهر أو بعمل أجهزة جسمهم الداخليّة أو غرائزهم وعواطفهم.

ومع سرعة تطوّر هذه المقاربة العلميّة الجديدة التي تستند إلى النظرة العلميّة في هذا المجال، تمّ التوصل، وبإجماع غالبيّة إحصائيّي العلم الجنائيّ، إلى أنّ الإجرام ظاهرة اجتماعيّة خطيرة لا تنفكّ تتكاثر بين أفراد المجتمعات. لذا، فإنّ أفضل طريقة لوضع حدٍّ لها هي سنّ قوانين وإقرار إستراتيجيّات تتماشى وحجم هذه الظاهرة الاجتماعيّة وخطورتها، ليس بُغية إنزال العقاب بالمجرم وتعذيبه، بل بُغية حماية المجتمعات والمجرم على السواء، من خلال محاولة وضع آليّات لمعالجة المجرم تهدف إلى تأهيله وتثقيفه وتعليمه، فيصبح قادرًا على الانخراط ثانيةً في المجتمع، كما وبوضع أهداف لترشيد سياسة التجريم تتناسب مع الثقافات السائدة في المجتمع.

 

[1] ماستر في العلوم الجنائيّة وناشطة حقوقيّة.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق