لوحة بريشة الفنان أنطونيو سيزاري، استشهاد الإخوة المكابيّين السبعة – الأمّ المكروبة بجانب أولادها (١٨٦٣)

لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الشمّاس بيار مسعود

لـِمَنْ نشهد؟ وكيف نشهد؟ ما يظهره سفرا الـمَكّابيّين وبعض المبادئ الإنجيليّة بما يخصّ تقديم الشّهادة

الـمُقدّمة

إنّ الشّهادة هي إعلانٌ يؤدّيه الإنسان خدمة للحقيقة الّتي يؤمن بها. ولكن قد يواجه صعوبات عديدة عندما يقدّم إيمانه إلى مجتمعه، فيحاول حينها ألّا يقع في المواربات أو الـمُساومات إطلاقًا، وقد يصل إلى مرحلة الاستعداد لسفك دمه من أجل إظهار قناعته وتعلّقه الكلّيّ بهذه الحقيقة، وذلك في حال تمّ منعه بالإكراه عن خدمتها أو أُجبِرَ على اعتناق واحدةٍ أخرى يَرفُضُها كلّيًّا. فيصبح الاستشهاد حينها اللغة السَّمِيَّة لإعلان هذا الإيمان.

ولكن على أيّ نوعٍ من الشّهادة والاستشهاد نتكلّم هنا؟ وهل يستطيع أيّ امرئ أن يقدّم نفسه شهيدًا للحقيقة الّتي يؤمن بها؟ بالتّالي ما هي الوسائل الّتي تساعد الإنسان على الثّبات في إيمانه؟ وما هي الحقيقة الّتي تُسْتَحَقُّ الشّهادة من أجلها؟ وهل الشّهادة تأخذ معناها الحصريّ فقط بسفك الدّم؟ وما هي النّتائج الّتي تحملها الشّهادة في حال وصولها إلى الاستشهاد؟

هناك أحداث يسردها علينا العهد القديم في سفرَي الـمَكّابيّين حول يهوذا المكّابيّ وإخوته الّذين استعادوا، بعون الله، الحكم الذّاتي القوميّ وحريّة العبادة، وذلك في عهد أنطيوخس الرّابع أبيفانيوس (175-164 ق. م)، إذ حاول الأخير أن يقضي على هذين المرتكزين الأساسيّين لدى اليهود. فخاض يهوذا وإخوته معارك عدّة للحصول على هذه الحريّة من أجل شعبهم[1].

ولا يخفى علينا أنّ الكاتب الـمُلهَم ينظر إلى تاريخيّة ما جرى نظرةً لاهوتيّة، فالأحداث كلّها تفسَّر على أنها نتيجة مشيئة الله لشعبه، كما ولا يُعتبر كلّ شيء تأديبًا للـمُضطَهِدين فحسب، بل من أجل عودة اليهود إلى الطّريق الصّحيح. فانتصارات يهوذا المكّابيّ هي علامة عودة العطف الإلهيّ على الشّعب[2].

ما سنقوم به هو قراءةٌ سرديّة لاهوتيّة لهذين السّفرين وربط معطياتهما بمبادئ يضعها أمامنا العهد الجديد بشخص يسوع المسيح حول: الشّهادة حتّى الاستشهاد في سبيل إعلان الإيمان.

سوف ننطلق من حادثة خيانة عَهدِ اللهِ من قِبَلِ بعض اليهود واتّكالهم على ذواتهم في الحصول على الخلاص؛ إلى صمود بني إسرائيل الباقين في وجه كلّ التّشريعات الوثنيّة حفاظًا على شرائع إلههم الخلاصيّة، إذ تَبَيَّنَ ذلك في الثّورة المكّابيّة الّتي قدّمت أشخاصًا مؤمنين بالله عدّوا أنفسهم في خدمته حتّى الاستشهاد، ويتضمّن هذا تطرّقًا للعهد الجديد بما يخصّ تقديم الشّهادة ببذل الدّم من أجل اسم يسوع المسيح. وصولًا إلى خلاصة نوردها في ختام هذا الـمَقال.

لماذا يُقتل الخائن والـمُضطهِد؟

نورد في مطلع مقالنا كيفيّة قراءة الأحداث العنيفة والدّمويّة الّتي تظهر في سفري الـمَكّابيّين، وخصوصًا الأحداث الّتي تبيّن قساوة بني إسرائيل إمّا بعضهم تجاه بعض أو تُجاه مضطهِديهم.

لقد قام متّتيا الكاهن بقتل أحد اليهود على المذبح الـمقدّس (1مك 2: 24ب-25)، وقد فعل ذلك تنفيذًا للشريعة ودفاعًا عنها. ولكن هل الشّريعة تطلب سفك الدّم كي يُحافَظ عليها؟ من الخطر أن نأخذ هذا الحدث بشكل حرفيّ، فقد لا نفهم هذا التّصرّف، وغيره ممّا سيأتي لاحقًا، إذا لم نَعُد إلى التّشريع الأساسيّ لهذا الفعل الوارد في: تث 13: 7-12، وما حدث أيضًا في: عد 25: 6-15.

إنّ سفر تثنية الاشتراع (13: 7-12) يضع بين أيدينا تشريعًا يقول بقتل كلّ إسرائيليّ يدعو أخاه إلى العبادات الوثنيّة. ولكن علينا أوّلًا أن نعرف الأسباب كي نفهم النّتيجة.

في آ7 من المرجع الأخير ترد كلمة: "الإغراء سِرًّا". وهذه الكلمة لا تحمل معنًى إيجابيًّا، فالإغراء بالسّرّ هو فعل قائمٌ على الكذب والخداع وغسل الدّماغ. يأتي اليهوديّ ويدعو أخاه إلى ديانةٍ يعلم أنّها كاذبة، ويأتيه سرًّا كي لا يراه أحدٌ ويقوم بمنعه. إذًا فالمخادع يذهب إلى أصحاب النّفوس الضّعيفة الّذين لا يُجيدون الدّفاع عن إيمانهم. بالتّالي يتفرّد بأخيه ويقدّم إليه الإغراءات البشريّة كي يقنعه بالكاذبة. هذه الحركة تُبعِد اليهوديّ عن الله تحديدًا، ما يعطيه موتًا روحيًّا محتّمًا، والله لا يرضى بموت أبنائه.

تأكيدًا لذلك فإنّ التّشريع يذكّر بالخروج من مصر (آ11ب). وحدث الخروج هو فعلُ عبور من العبوديّة إلى الحريّة، من الموت إلى الحياة. فاليهودي الّذي يغري أخاه بالابتعاد عن الله يقوم بإعادته إلى أرض مصر ثانيةً (العبوديّة - الموت). فالله أعطى اليهودَ الحياة ولا يريد موتهم ولا موت أيٍّ كان.

هناك أيضًا تنبيه لسامع هذه الخدعة بعدم التّستّر على الشّخص الـمُخادع (آ9) لأنّ هذا الدّاء قد يتفشّى تدريجيًّا بين شعب الله، بالتّالي يُطلَب من اليهود أن يفصلوا هذا الشّخص من بينهم. فيُفهم الفصل كأنّه موت للشّخص الـمَفصول عن الشّعب، فقد بدأ يعبد آلهةً أخرى لا تعطيه الحياة. فليس المقصود ارتكاب جريمة، بل: "الفصل"، لأنّ هذا الشّخص عندما يعبد آلهة أخرى فهو يطلب الموت لنفسه، أي أنّه قتل نفسه بابتعاده عن الله.

بعد هذا نفهم حقيقة أنّ هذا التّشريع يأتي كفعلِ غيرة من الله على الإنسان الخاطئ إذ يمنحه فرصًا متعدّدة للتّوبة ولكن يمنعه في الوقت ذاته من أذيّة غيره.

ننتقل إلى ما حدث في سفر العدد (25: 6-15) مع موسى وألعازار الكاهن.

إنّ بني إسرائيل ضُرِبوا من الله نتيجة عبادتهم آلهةً أخرى، فهم من جلبوا الموت على أنفسهم. وخشية أن يفنى الشّعب كلّه بابتعاده عن الله (آ11ب) طلب الله من موسى أن يقتل (يفصل ويعزل) كلّ الخائنين لعهد الله، من هنا نفهم تصرّف ألعازار على أنّه فعلُ غيرة على شعب الله، فهو كاهن الرّبّ، لذلك قام بفصل الرّجل اليهوديّ عن الشّعب لارتكابه خطيئة خيانة العهد.

بعد هذا يمكن أن نفهم تصرّف الكاهن متّتيا في سفر المكّابيّين الأوّل على أنّه غيرةٌ للرّبّ، فهو كاهن وعليه أن يغار على شعب الله ولا يقبل بموته في حال عبادته آلهة أخرى.

إذًا هذه الحادثة لا تُظهر فعل قتلٍ بقدر ما تبيّن الغيرة على شعب الله وشريعته وبيته. وهذا ما يسرده سفرا المكّابيّين بكثرةٍ، إذ يتكلّمان على معارك عديدة من قِبَلِ اليهود حبًّا بشريعة الله وعدم خيانة عهده الـمُقدّس. فصحيح أنّ الوجه الرّوائيّ البارز هو العنف ولكنّ القراءة اللاهوتيّة تشرح الأحداث على أنّها ثبات في شريعة الله.

وأيضًا بحسب 1مك 7: 47 يظهر مشهدٌ عنيف تجاه شخصيّة نكانور، ولكن هل شعب الله دمويّ وعنيف لهذه الدّرجة؟ إذا قرأنا الأفعال الـمُستخدمة بطريقة رمزيّة نلحظ أنّ بني إسرائيل فعلوا الصّواب، فإنّ هذا الشّخص كان من الـمُضطهِدين لهم بشدّة وإذا لم يتمّ التخلّص منه فقد يتمادى أكثر.

وعندما يقول الكاتب بقطع رأسه ويده يبيّن أنّ هذا الرّجل لم يَعُد له لا حول ولا قوّة على بني إسرائيل، فإنّ رأس الإنسان هو من يفكّر ويخطّط ويأخذ القرارات، واليد هي من تنفّذ، بهذه الحال لم يَعُد هذا الشّخص قادرًا حتّى على التّفكير ضدّ بني إسرائيل. فالله لا يريد موت الكفرة بل يريد أن يحمي شعب إسرائيل منهم[3].

إسرائيل يَجْلِبُ المصائب على نفسه

إنّ سبب ما جرى للشّعب من اضطهادات لا يعود إلى الوثنيّين الـمُحيطين بهم وحدهم بل يعود إلى أشخاصٍ لا خير فيهم من اليهود عزموا على ترك شرائع إلههم، إذ اتّفقوا على الانضمام إلى الأمم الوثنيّة معلّلين ذلك بأنّ الشّرور لحقتهم منذ أن انفصلوا عنهم (1مك 1: 11)، وهذه كانت مأساة اليهود الّتي نجدها في خلفيّة سفري المكّابيّين. فقبلوا بتشريعات الأمم وأحكامها (1مك 1: 12-14)، وفي هذا كلّه خيانة لله تحديدًا الّذي أقام عهدًا معهم. فبشرائعه أراد أن يميّزهم من الوثنيّين المحيطين بهم وذلك ليُفرِدَهُم شعبًا له يبشّر الأمم بخلاصه.

لكن ما حدث هو العكس، فبدل أن يكونوا مؤثّرين ومبشّرين بإله إبراهيم وإسحق ويعقوب، باتوا متأثّرين بالعبادات الموجودة في مجتمعهم. يتبيّن ذلك خصّيصًا عندما "عَمِلُوا لِأَنْفُسِهِم قُلَفًا..." (1مك 1: 15أ) وقد كانت هذه علامة العهد، فعندما ينكرونها ينكرون العهد الّذي أقامه الله معهم، لذلك يصفهم كاتب السّفر "بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ لِعَمَلِ الشَّرِّ" (1مك 1: 15ب).

إذًا بني إسرائيل هم من جلبوا المصائب على أنفسهم فبحسب 2مك 4: 14-17 يتبيّن أنّهم تركوا الله بمخالفتهم الشريعة، وهذا ما جلب عليهم أوضاعًا عسيرة وأعداءً كُثرًا، فالله يدعوهم إلى الخلاص باتّباعه ولكنّهم رفضوا ذلك، فلاقوا الموت. بالتّالي يقوم الله بتأديبهم كي يشعروا بأخطائهم تجاهه وبحاجتهم إليه وحده، لأنّه يريد خلاص شعبه إسرائيل وخلاص من يحيط بهم من الأمم أيضًا (2مك 5: 17-20، 6: 12-17).

ثورة بني إسرائيل لكسب الحريّة

لم يَحِد كلّ اليهود عن اتّباع الرّبّ، فهناك من بقي ملتزمًا به، بالتّالي تعرّضوا للاضطهاد، إذ مُنِعوا من ممارسة ديانتهم، وتمّ تدنيس المدينة الـمُقدّسة والهيكل وإجبارهم على ممارسات وثنيّة ومنها: تناول ما هو محرّم لديهم. فمَنْ قرّر الصّمود في وجه الـمُعتدين نال منهم البلايا والقتل. بالتّالي: "حَلَّ عَلَى إِسْرَائيل غَضَبٌ شَدِيدٌ" (1مك 1: 62-64)، فالأمور المهمّة حُرِموا منها: أورشليم، والـمَقْدِس، وفرحة بيت يعقوب (1مك 3: 45). لذلك بدأوا يحتشدون للدّفاع عن حريّتهمِ الـمَسلوبة (1مك 3: 43).

بالـمُقابل جرت بعض الأمور الّتي أدّت إلى ازدياد الوضع سوءًا. فصحيح أنّ الرّبّ نصر إسرائيل في معاركهم ضدّ مُضطَهِديهم، ولكن نتفاجأ أحيانًا أنّهم كانوا يُهزمون. فعلى عهد يوناتان أخي يهوذا المكّابيّ فشل اليهود بقيادته في حملتهم ضدّ المدعوّ بكّيديس (1مك 9: 46- 49). فلماذا لم يُنْقِذِ الرّبُّ شعبه؟

إنّ الله في هذه المعركة قام بتأديب شعبه وخصوصًا: يوناتان، لأنّهم خاضوا قبلها معركة انتقام لأخيه يهوذا (1مك 9: 42) وقد فعلوها ضدّ أشخاص ينعمون بزفافٍ وحفلة عُرس، فلم تكن المعركة عادلة، غير أنّهم انتقموا لدم يهوذا، وأخذوا هذه الجماعة الـمُبتهجة غدرًا. ولكن عرف يوناتان الفشل لاحقًا ضدّ بكّيديس. فتظهر هنا صورة الله، منذ العهد القديم، الّذي ينبذ الانتقام للدّم وذلك كي يبقى إرساء العدل له وحده وبطريقته الخاصّة.

أصبح للجماعة اليهوديّة شهداؤها في أثناء خوضها الحروب للدّفاع عن ذاتها (2مك 6: 7)، ولكن سنرى مع الكنيسة أنّ الشّهادة أخذت معنًى آخر وهو ذو بعدين:

  • الاقتداء بالمسيح الّذي قدّم نفسه كفّارة عن الجميع.
  • الاشتراك الكامل في عمله الخلاصيّ، فلا تعود شهادة المسيحيّ فارغة بل تحمل معنًى (يو 15: 20)[4].

والمسيح بتقدمة ذاته لا يحقّق تحريرًا قوميًّا مثلما كان في السّابق، بل يحرّر الإنسان من أمرٍ يتعبه أكثر وهو: الخطيئة. وهذا التّحرير هو نهائيّ[5].

وفي هذا المنحى يؤكّد المجمع الفاتيكانيّ الثّاني أنّ محبّة المسيح ظهرت ببذل ذاته من أجلنا، فالّذي يريد أن يحبّ عليه أن يستخدم لغة المسيح نفسها: "بذل الذّات محبّةً برسالةِ الآب ومن أجل الآخرين" (1يو 3: 16). إذًا الاستشهاد يُعتبر عطيّة سامية وامتحان المحبّة الـمُطلَق، وإذا كانت هذه العطيّة لم توهَب للجميع فهذا لا يعني عدم الاستعداد الدّائم لتقدمة الذّات في أيّ مكان وزمان[6].

 

إختيار السّلام

  • القائد النّاجح يختار السّلام بدل الحروب.

بالرّغم من أنّ تقدمة الذّات قد تجلب الانتصار للشّعب المظلوم، إنّ هذا لا يعني أنّ بني إسرائيل كانوا يفضّلون دائمًا السّلاح الّذي يحمل في طيّاته العنف.

يتبيّن في 1 مك 3: 2ب و5-6 غيرة بني إسرائيل على التخلّص من الآثمين الّذين أفسدوهم، والمكّابيّ يُظهِر غيرته على شعبه إذ نقرأ: "وَنَجَحَ الخَلاصُ عَنْ يَدِهِ..."، فقد سمح الله بأن يجعل خلاصه عن يد إنسان لأنّه قائد يغار على شعبه، أي أنّه لا يبحث عن خلاص نفسه فحسب. وهذه فعلًا من صفات القائد النّاجح.

كما أنّ المكّابيّ لم يكترث لكثرة أعدائه وقلّة محاربيه لأنّه اتّكل بالدرجة الأولى على الله لا على قواه وقوى جيشه (1 مك 3: 18ب - 19 و22)، فآمنَ بأنّ الانتصار لا يأتي إلّا من السّماء، والدّليل أنّه لم يُصَب بخيبة أمل، بل غلب أعداءه (1مك 3: 23)، فلو كانت القوّة فقط بالعدد من دون وجود الله لـهُزِمَ الإنسان أمام كثرة أعدائه.

إنّ القائد النّاجح هو الّذي يتقدّم شعبه في ساحات القتال ولا يختبئ خلفهم (1مك 5: 43أ)، بذلك يكون قدوة لكلّ الشّعب في البسالة والتّضحية، فكأنّ به يقدّم ذاته أوّلًا كي ينجو شعبُه. والقائد أيضًا هو من يحاول قدر الـمُستطاع إبعاد الحروب عن شعبه، وذلك لمعرفته بأنّها لن تجلب إلّا الدّماء والدّمار والحقد عليهم، فحتّى لو اضطرّ إلى خوض المعركة عليه اختيار السّلام أوّلًا بدل العنف (1مك 5: 48).

نلاحظ عكس ذلك كلّيًّا بحسب 1مك 5: 55- 63 و67، فعندما يطلب القائد مَجْدَ اسمه ولا يبحث عن خلاص شعبه تحدث له ولشعبه نكسةٌ عظيمة (آ60ج). والغاية الواضحة من المعركة نلاحظها في آ62 فهدفها لم يكن لطلب الخلاص. فقادة هذه المعركة غيّبوا الله واتّكلوا على ذواتهم.

بالنّتيجة يظهر شعب إسرائيل على أنّه لا يقابل الشّرّ بالشرّ، وذلك في سبيل إنقاذ أبنائه من أيّ خطرٍ كان. بحسب 1مك 9: 70 يطلب يوناتان أخو يهوذا المكّابيّ الصّلح مع المدعوّ بَكّيديس كي ينقذ أبناء قومه من الأسر. وفي هذا الحدث يتحمّل يوناتان مسؤوليّة شعبه، وهذا مثال أيضًا للقائد النّاجح.

  • إسرائيل يفضّل السّلام على الحروب.

هناك فعلُ تضحيةٍ يقوم به اليهود تُجاه شعبهم الّذي يحتاج إلى الحماية، وتُجاه أقداسهم الّتي يؤدّون من خلالها العبادة لله (1مك 3: 59)، فحربهم ليست حبًّا بالحرب. وفي هذا كلّه يضعون ذواتهم بين يدي الله ومشيئته: "وَكَمَا تَكُونُ مَشِيَئَتُهُ فِي السَّمَاءِ، فَلْيَصْنَعْ"، فهذا هو إيمان بني إسرائيل.

وبحسب 1مك 2: 64ب تُستَخدَمُ فكرة الشّريعة للذّهاب إلى القتال، ويعطي الكاتب سببًا وجيهًا للتمسّك بالشريعة، وهو التمجيد. فتصبح الشريعة سببًا لتمجيد الإنسان الـمُحارب لأجلها. ولكن هل تستطيع فعل ذلك حقًّا؟

في وقت الاضطهاد لا يبقى لبني إسرائيل إلّا التمسّك بالله[7]، ولا ينفعهم الاتّكال على ذواتهم. فالمعارك تبيّن فعل عبادة لله وليس حبًّا بالقتال والدّم. وإذا أخذنا الأحداث بصورةٍ رمزيّة نفهم أنّ الإنسان، في قمّة صراعاته، لا يكفّ عن عبادة الله، لأنّه الوحيد القادر على تخليصه، فالتعلّق به في الصّعوبات هو خير طريقةٍ للنّجاة منها.

لم يخُض بنو إسرائيل المعارك لإراقة الدّماء أو لمدّ النّفوذ، مثلًا في 1مك 4: 36 و41- 43 يتوضّح هدف الجهاد، وهو: تطهير الهيكل والـمُقدّسات. كما وأنّ يهوذا المكّابيّ لم يكن هو من يشنّ الحروب على الأمم كي يوسّع ملكه ونفوذه بل كانت الأمم المجاورة تتآمر عليه وعلى شعبه كي تهلكهم وتضيّق عليهم الحصار كي لا يقوموا بعبادة إلههم (1مك 5: 3أ و15).

فالحروب كانت للـمُحافظة على الهيكل والـمُقدّسات لضمان استمرار العلاقة بين الشّعب وإلهه، فعندما كانت تدّعي الحاجة إلى خوض معركة كانوا يخوضونها للسّبب المذكور، وإذا كان السّلْمُ يحفظ لهم عبادتهم فضّلوه على الحرب، فبحسب 1مك 6: 60 كان يستطيع اليهود فرض سيطرتهم على من يعادونهم وعدم القبول بالصّلح، ولكن من الواضح أنّ همّهم كان إحلال السّلام.

المسيح يسوع بتقدمة دمه وهبَ الخلاص للعالم، فلم يَكُن موته عبثيًّا بل كانَ خلاصيًّا، وعلى هذا المنوال أيضًا يتابع الشّهداء باسمه شهادتهم، وموتهم لا يأتي انتحارًا وحبًّا بسفك الدّم، بل يأتي من أجل رسالة خلاصيّة باسم المسيح يسوع. فالشّهيد بحسب العهد الجديد هو من يبذل دمه للشهادة الواجبة ليسوع المسيح[8]، فتصبح رسالة الآب الّتي حملها يسوع هي نفسها رسالة المؤمن المسيحيّ، وهذا يخلق اتّحادًا وشركةً وثيقة بين الإنسان والله. ومريم العذراء أعطتها الكنيسة لقب سلطانة الشّهداء بالرغم من أنّها لم تقدّم دمًا ولكنّها حملت شهادة الآلام بمرافقة ابنها وربّها يسوع المسيح (يو 19: 25، لو 2: 35)[9].

إنّ شهادة المسيح هي شهادة للحقّ، أدّاها نحو الرّسالة الّتي أولاه إيّاها الآب[10]. لذلك تُعتبر شهادة المؤمن للمسيح شهادة للحقّ حتّى لو كلّفت سفك الدّم[11]. فيعمل الشهيد جاهدًا كي يأخذ سماته من المسيح الـمُتألّم نفسه: تشديد العزيمة بالنّعمة الإلهيّة ساعة الضّيق، والصّمت والصّبر أمام الاتّهامات والإهانات، والتّغاضي عن آلامه الخاصّة، ومسامحة جلّاديه[12].

الخلاص يأتي من الله وليس من البشر

إنّ شعب إسرائيل كان يسمع الكتاب الـمُقدّس قبل الانطلاق إلى المعركة (2مك 8: 23) فالاتّكال الأوّل هو على الله، فمنه يأتي الخلاص. إضافةً إلى ذلك كانوا يُحْيُونَ الصّلاة وممارسة طقوس التّوبة واللجوء إليه قبل المعارك، ليكون حليفهم وخلاصهم، فالأمم المحيطة بهم تتّكل على قوّتها، بينما بنو إسرائيل يتّكلون على إلههم تحديدًا (2مك 10: 16- 17 و25- 28). ولا ينسى يهوذا المكّابيّ أن يعترف بقوّة الله على قوّة السّلاح (2مك 15: 21ب)، فحضوره بمنح مُتَّقيه النّصرَ.

في حادثة أخرى نرى يوناتان أخا يهوذا المكّابيّ يطلب من الملك ديمتريوس أن يُخرج جنوده من أورشليم لأنّهم يحاربون بني إسرائيل، فوافق الأخير على ذلك شرط أن يؤازره يوناتان في معركته، فقبل يوناتان بذلك من أجل تخليص شعبه (1مك 11: 41- 44). لكنّ الملك خلف بوعده (1مك 11: 53). وأيضًا بحسب 1مك 12: 44- 48 خُدِعَ يوناتان بعروض المدعوّ تريفون بأن يعطيه مدينة بطلمايس.

لا نتفاجأ كثيرًا من هذا الفشل لأنّ يوناتان، ومن أجل تخليص الشّعب، اتّكل على البشر وليس على الله. فالبشر يخلفون بوعودهم بينما الله ثابت تُجاه شعبه، والاتّكال عليه خير نصير لهم (1مك 11: 70- 72).

إنّ مبدأ الاتّكال على الله بالدّرجة الأولى ينطبق على الحياة المسيحيّة اليوم، فالمؤمن لا يؤدّي الشّهادة بقوّته الشّخصيّة بل بإمداد من الرّوح القدس، وإلّا فشلت وبقيت من دون بُعْدٍ مسيحيّ[13]. وهذه العلاقة تتقوّى بالصلاة واللقاء الحيّ مع المسيح. فالشّهادة حتّى الاستشهاد تسبقها حياةٌ روحيّة مستمرّة[14].

الله هو القائد والـمُدافع عن شعبه

هناك أفعال كثيرة تدلّ على أنّ الله هو الـمُدافع عن شعبه (1مك 7: 42ب)، فبهذا تظهر غيرة الرّبّ عليهم وأبوّته تجاههم. وفي المرجع الأخير يظهر بعدٌ تبشيريّ، إذ يطلب اليهود من الله أن يُعَرّفَ خصومَهُم على أقداسه[15] فيعترفوا به إلهًا لهم أيضًا.

وبما أنّ فقدان الهيكل عند اليهود هو بمثابة قطع العلاقة بالله - فهو مكان الصّلاة الأوّل عندهم، وعلى اسم الرّبّ يُدعى (بيته) - فكانوا يطلبون منه ويترجّونه أن يدافع عن بيته، لأنّه خاصّته بالذّات (1مك 7: 37). فبحسب 1مك 9: 55 يتبيّن أنّ المدعوّ بَكّيديس يُضرب بمرضٍ يشلّه عن فعل أيّ شيء حتّى عن إدارة شؤون منزله، وذلك لأنّه شرع يدمّر بيت الله، فهو بذلك يعمل على قطع العلاقة بين بني إسرائيل وإلههم، فحدّه الله عن فعله الأثيم. إذًا هناك اعترافٌ بأنّ الله هو وحده القائد لشعبه (2مك 10: 1 و7أ)، وهو من يساعدهم على تحقيق مقاصدهم، وفي ذلك أيضًا ضمانٌ لهم بحضوره معهم.

إنّ إله إسرائيل يظهر كمن يحارب شعبه ويتقدّمهم في القتال (2مك 10: 29)، وقد نتوقّع أنّ الله يستخدم ما يفوق الطّبيعة لإنقاذ الإنسان لكنّه يستخدم ما خلقت يداه (10: 30ب)، فالله يُسَخّرُ ويجعل الخليقة كلّها تدافع عن الإنسان.

وفي آخر سفر المكّابيّين الثّاني يبيّن الكاتب الـمُلهَم أنّ الله هو وحده من يحفظ بيته من الدّنس (2مك 15: 34ب)، مع أنّ الرواية خارجيًّا تبيّن أنّ الشّعب هو من حقّق الانتصارات، ولكنّ الله هو من كان يقود ويحفظ وينصر شعبه.

الخبرة الـمُعاشة تعزّز الإيمان

هناك أسئلة قد تشغل بال شعب الله الـمُضطهَد والمواجِه الموتَ دائمًا. كيف يمكنهم أن يثبتوا في إيمانهم وهم في شدّة أليمة؟ وما هو الضّامن بأنّ الله لن يتركهم أبدًا؟

هناك بعضُ الأحداث الّتي تبيّن خوف بني إسرائيل من الهزيمة أمام الوثنيّين، وذلك لقلّة عدد جيوشهم مقارنةً بأعدائهم. لذلك نلاحظ وجود تذكير بما فعل الله مع شعبه في الماضي (1مك 4: 9-11 و30 و16: 2، و2مك 8: 19-20).

الذّاكرة الخلاصيّة هي ما تدفع الشّعب للاتّكال على الله ثانيةً وخصوصًا في الأزمات، فالصّعوبات قد تجعل الإنسان ينسى الله ويدخل في صراع إيمانيّ، ولكن قد يعود ويتذكّر ما صنعه الله معه ومع آبائه ويتّكل عليه. فالخبرة الـمُعاشة تجعل الإنسان يثبت في إيمانه. وتأكيدًا لذلك فإنّ الله يخلّص شعبه لأنّه اتّكل عليه تحديدًا: "وَكَانَ فِي ذَلِكَ اليَومِ خَلَاصٌ عَظِيمٌ فِي إِسْرَائِيلَ" (1مك 4: 25).

الاستشهاد يُظهِر الأمانة لعهد الله

إنّ أحد الكتبة، واسمه ألعازار، تعرّض للاضطهاد وأُجبر على أكل الـمُحَرَّم (2مك 6: 18-31). ففضّل الموت على فعل ذلك، بالوقت الّذي كان يستطيع فيه أن ينجو بنفسه، فبموته قام بأمرين:

  • عدم خيانة الله،
  • وتقديم شهادة أمام بني قومه بالصّمود والتعلّق بالله وحده. فقرّر أن يخسر حياته على أن يفقد علاقته بالله.

الأمر ذاته ينطبق على الأخوة السّبعة وأمّهم (2مك 7) الّذين استشهدوا وهم أبرياء وحُرموا من السّلاح، فقرّروا تلقّي العذابات على أن ينكروا عهد الله الّذي أسلمه لشعبه عن يد موسى. ويشدّدون بكلامهم على الحياة الأبديّة الّتي سيمنحهم إيّاها الله مكافأةً لمن يقدّم حياته الأرضيّة في سبيله، فقرّروا أن يحصلوا على ما لا يزول أبدًا.

قد لا يُقبل هذا الموضوع بالمنطق البشريّ ويُعتبر انتحارًا، ولكن أيّهما أفضل للإنسان: الزّائل والفاني أم الأبديّ؟ والإقدام على هذا الفعل بحاجةٍ إلى نعمة الإيمان الّتي يهبُها الله للإنسان، فالمؤمن يسلّم جسده ونفسه إلى الله ويعلم أنّه لن يخسرها أبدًا حتّى وإن خسر الحياة الأرضيّة الفانية ولاقى الآلام الـمُبرّحة.

تأكيدًا لذلك، وضمن العمل الخلاصيّ الّذي حقّقه يسوع للعالم، تُعتبر الآلام جزءًا أساسيًّا من رسالته، وهذا ما تنبّأ به أشعيا حول "العبد الـمُتألّم"[16]. فالأنبياء جميعهم ماتوا من أجل رسالة الله الخلاصيّة، وهذا ما يراه يسوع من مخطّط إلهيّ يتحقّق في شخصه تحديدًا. لذلك فإنّ الموت الّذي يقدّمه المؤمن من أجل المسيح هو إراقة تأخذ معنى الذّبيحة في نظر الله (فل 2: 17)، بالتّالي يرى المسيحيّ في الموت ربحًا ما دام المسيح هو حياته، فلا يمكن اعتبار الموت، بحسب الإيمان المسيحيّ، شرًّا لأنّه أصبح بقيامة المسيح أمرًا غير مُقلِق[17].

بالتّالي إنّ كلّ معمّد قد يتعرّض بفعل المعموديّة لاختبارات مؤلمة لاحقة (مر 10: 38-39)، ولكنّ هذه الشّدّة تُخرِجُ المسيحيّ منها مُمحّصًا، فالإيمان يُكشَف ويُعرف عندما يوضع في نار الشّدائد، من هنا يبلغ الاختبار ذروته بالاستشهاد. ونلاحظ أنّ الكنيسة واقعة دومًا في الاضطهاد ولكنّها منتصرة ومخلَّصَة (رؤ 3: 10)[18].

والكنيسة آمنت دومًا بأنّ رسل المسيح وشهداءه، الّذين سفكوا دمهم شهادةً للإيمان والمحبّة، هم أشدّ اتّحادًا بالمسيح، فسفر الرّؤيا يقدّم شهادةً عن الّذين ماتوا من أجل عدم السّجود للوحش (رؤ 13-14) ولا حتّى التّظاهر بعبادته، لأنّ عبادة الوثن تقف حائلًا أمام سيادة الرّبّ واتّحاده بالإنسان[19]. لذلك تخصّهم الكنيسة بمحبّة خاصّة ملتمسةً شفاعتهم[20].

الحرص على خلاص الإنسان

إنّ يهوذا المكّابيّ لم يكن همّه إحراز المناصب والانتصارات، بل في مقدّمة اهتماماته: الشريعة والعيش بمقتضاها. فكان يرى فيها خلاصًا له وللشعب. وبحسب 1مك 3: 56 يظهر قائدًا ناجحًا وحكيمًا، فلو كان قائدًا يحبّ الحروب والدّماء وقاد شعبه كلّه، من دون استثناء، إلى الحرب لحصل حينها على فشلٍ ذريع. فكان يهمّه الإنسان الذي يخلص بعمله بأحكام الشريعة وليس هي بحدّ حرفيّتها، لأنّه في هذه الحادثة لم يُرِد أن يحرم أيّ امرئ من بناء بيته الّذي يحميه، أو خطيبته الّتي يزمع أن يبدأ معها مشروع حياته، أو العمل الّذي يمنح القوت اليوميّ، وهذا يبيّن الإيمان الّذي في قلب المكّابيّ.

وأيضًا بحسب 1مك 2: 41 يتقدّم الإنسان على الشريعة، فلا نفهم أنّ الثائرين على الملك يقومون بالمعارك عبادةً للشّريعة بل من أجل سلامة الإنسان. إذًا فعل الغيرة على الشّريعة (1مك 2: 50) يجب أن يلحقه فعل غيرةٍ على الإنسان، فإذا كان الله أعطى الإنسانَ الشريعة كي لا يهلك فاليهود هنا يقومون بفعل يشبه فعل الله: الغيرة. فقد حافظوا على الشريعة لخير الإنسان، وإذا ما تخطّوها أحيانًا أخرى فللهدف ذاته.

إضافةً إلى ذلك فإنّ الله نفسه هو من يعتني بالإنسان ويخلّصه، فبحسب 1مك 5: 54 نقرأ صورةً مضخّمة نوعًا ما، أي بعدم إصابة أيّ شخص بمكروه بعد المعركة، ولكن هذا يُظهِر عناية الله وحفاظه على حياة شعبه. وإنْ قُتِلَ أو تضرّر الإنسان فَنَفْسُهُ لا تُفلِت من يد الله نحو الموت، إذ مَن يقدّم ذاته ضحيّة له يمنحه حياةً أبديّة، وقد لاحظنا ذلك في 2مك 7 على لسان بعض الأخوة الشّهداء السبعة وأمّهم.

بنو إسرائيل يبشّرون الوثنيّين بإلههم

إنّ الله لا يريد موت الخاطئ بل تخليصه (2مك 3: 24+) ويقوم بذلك من خلال أشخاص يؤمنون به وبسيادته، وذلك كي يقودوا الوثنيّين بشهادة حياتهم إلى الصّواب (2مك 3: 28ب). فاليهود يُصَلّون ويقدّمون ذبيحة الخطيئة من أجل مضطَهِديهم (2مك 3: 32)، والله بدوره يؤدّب الخاطئ ويدافع عن المظلوم (2مك 3: 38-39).

فشعب إسرائيل كان مكلَّفًا بأن يشهد لله أمام الشّعوب الأخرى، وهذه الشّهادة تحمل طابع الاعتراف بوحدانيّة الله (أش 43: 10-12)[21]، خصوصًا أنّ الأصنام لا يمكنها أن تقيم شهودًا في صالحها (43: 9)[22].

إذًا لم ينسَ شعب الله البعد التّبشيريّ حتّى في شدائده. وما يُدهش أنّ اليهود يسعون لتبشير من يضطهِدُهم تحديدًا (1مك 4: 11)، فثمّة هدف لديهم يريدون تحقيقه: "أن تتعرّف الأمم على إلههم".

فيصبح تخليص الله اليهودَ في حروبهم تبشيرًا للأمم بأنّ إله إسرائيل موجود، يدافع عنهم بينما آلهتهم ليست إلّا هباءً. وقد نجح الأمر في نهاية حياة أنطيوخس أبيفانيوس إذ استطاع أن يعيش توبةً تجاه ما فعله بالشّعب اليهوديّ، فتذكّر كلّ المساوئ والأذى تجاه بيت الله وما فيه من قدسيّة، فظهرت توبته إذ اعترف بأخطائه (1مك 6: 12-13).

الخاتمة

بعد هذا العرض لما سبق نستخلص الأمور التّالية:

  • لا نطلب العذابات والشّدائد والموت، ولكن إذا عارضت طريقنا نواجهها بسلاح الإيمان.
  • بعيدًا عن الله ثمّة خيبة أمل كبيرة، فوحده من يغلب الشّدائد مهما بلغ حدّها.
  • لا تؤدّى الشّهادة للمسيح بعيدًا عن العلاقة المستمرّة به بقدرة الرّوح القدس.
  • يظهر إيمان المسيحيّ في وقت الشدّة وفي قدرته على الثّبات بالمسيح يسوع.
  • ثمن الحريّة هو تقدمة الذّات حتّى الموت.
  • الاستشهاد يخلو من المعنى إذا لم يَكُن وسيلة لتبشير العالم بخلاص الله.

لكن أمام هذه الـمُعطيات الـمَطروحة كلّها، أيّ شهادةٍ واستشهاد تؤدّى في عالم اليوم؟ أيّ خدمة يؤدّيها شهداء اليوم للبشريّة جمعاء؟ ولمن وكيف نشهد نحن المسيحيّين في مجتمعاتنا؟

إنّ لغة عالم اليوم هي القتل والتّهجير والدّمار. لغة عالم اليوم هي سياسةٌ بات ممارسوها يَشَكّكون من حَولَهم بمصداقيّة عملهم. لغة عالم اليوم هي الـمَصالح الّتي تغلب حقوق الإنسان. وغير ذلك من اللغات الّتي تطيح بعالمنا.

إنّ إيماننا المسيحيّ يعلّمنا أن ليس من شاهد وشهيد للحقيقة إلّا واحد: يسوع المسيح. وحده من قدّم نفسه ذبيحة طاهرة نقيّة إلى الآب السّماويّ عن البشريّة الّتي أحبّها "فَبَلَغَ بِهِ الحُبُّ لَهُم إِلَى أَقْصَى حُدُودِهِ" (يو 13: 1ب). فالحقيقة الّتي خدمها يسوع المسيح وقدّم نفسه من أجلها هي حقيقة الحبّ؛ هي الحقيقة الّتي تجلّت على الصّليب.

فمن أراد أن يتعلّم الشّهادة حتّى الاستشهاد عليه فقط أن يضع نصب عينيه حقيقة يسوع المسيح ويعمل بمقتضاها إذ "لَيْسَ لِأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَبْذُلَ نَفْسَهُ فِي سَبِيلِ أَحِبَّائِهِ" (يو 15: 13). فمن أراد أن يحبّ لا يمكنه فعل ذلك بعيدًا عن يسوع فهو الوحيد الّذي بلغ عنده الحبّ كماله، ومَن اتّبع النّاقص كان حبّه وشهادته ناقصَين ومن اتّبع الكامل لن يجيد التكلّم والعمل إلّا بلغة الحبّ.

لائحة المراجع والمصادر

  1. التعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة.
  2. الكتاب المقدّس.
  3. معجم اللاهوت الكتابيّ، دار المشرق - بيروت، 2008.
  4. وثائق المجمع الفاتيكانيّ المسكونيّ الثّاني.
 

*         حاصل على إجازة في اللاهوت في جامعة الرّوح القدس – الكسليك، لبنان. وهو حاليًّا شمّاس في أبرشيّة سورية الكلدانيّة. ويعمل في مركز التدريب والتأهيل المسيحيّ بحلب. 

[1] الكتاب الـمُقدّس، ترجمة الآباء اليسوعيّين، مقدّمة سفري الـمَكابيّين.

[2] الكتاب الـمُقدّس، ترجمة الآباء اليسوعيّين، مقدّمة سفري الـمَكابيّين.

[3] وغير ذلك من الأحداث العنيفة لم نأت على ذكرها.

[4] معجم اللاهوت الكتابيّ، ص462.

[5] معجم اللاهوت الكتابيّ، ص 78.

[6] دستور عقائديّ في الكنيسة، عدد 42.

[7]    التمسّك بالله يكون بالتمسّك بشريعته.

[8]    معجم اللاهوت الكتابيّ، ص 461.

[9]    معجم اللاهوت الكتابيّ، ص 462.

[10]  معجم اللاهوت الكتابيّ، ص 461.

[11] التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، عدد 2472.

[12] معجم اللاهوت الكتابيّ، ص 461-462.

[13] ما معناه إرساء رسالة المسيح.

[14] معجم اللاهوت الكتابيّ، ص 78.

[15] أي أن يعرّفهم ذاته تحديدًا.

[16] معجم اللاهوت الكتابيّ، ص461.

[17] معجم اللاهوت الكتابيّ، ص786.

[18] معجم اللاهوت الكتابيّ، ص46.

[19] التّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة، عدد 2113.

[20] دستور عقائديّ في الكنيسة، عدد 50.

[21] هذه كانت المشكلة الأساسيّة بين إسرائيل والشّعوب الوثنيّة.

[22]  معجم اللاهوت الكتابيّ، ص460.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق