لوريم ايبسوم هو نموذج افتراضي يوضع في التصاميم لتعرض على العميل ليتصور طريقه وضع النصوص ؟

author_article_image

الدكتورة نادين عبّاس

النصُّ بين التقديس والتأويل

أيُّها الغِرُّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ   فاتَّبعْـهُ فكــلُّ عقـــلٍ نبيُّ،

أبو العلاء المعرّي

 

«مِنْ أينَ أوْجَبْتم أنَّ اللهَ اختصَّ قومًا بالنبوَّة دون قومٍ، وفضَّلهم على الناس، وجعلهم أدلَّةً لهم، وأحْوَجَ الناسَ إليهم؟ ومِنْ أينَ أجَزْتم في حكمة الحكيم أنْ يختارَ لهم ذلك، ويُشْلي بعضَهم على بعض، ويؤكِّدَ بينهم العَداوات، ويُكثرَ المحاربات، ويُهلكَ بذلك الناس؟»[1].

ذكر هذه الكلمات «المُلحد» أبو بكر الرازي (ت حوالى 925م)، ونقلها إلينا «الإسماعيليّ» أبو حاتم الرازي (ت حوالى 933م) في كتابه أعلام النبوَّة حيث دوَّن المناظرات الَّتي دارت بينهما حول مواضيع شائكة: النبوَّة، وتناقض الأديان، وهيمنة التقليد على أهل الشرائع، والقدماء الخمسة (البارئ، والنفس، والهيولى، والزمان والمكان)، وحدوث العالم...

ولم يكن الرازي الفيلسوفَ الوحيد الَّذي وُصِف بأنَّه «ملحد»، فصفة الإلحاد كانت تُطلَق في القرآن الكريم وفي العصر الأمويّ من قبَل المعتزلة على مَنْ يرفض الأديان المؤسِّسة[2]. وقد نُعِت مفكِّرون كثيرون بعد ذلك بصفات «الإلحاد» و«الزندقة» و«الكفر» لأسبابٍ دينيَّة أو سياسيَّة، أذكر منهم: أبو عيسى الورَّاق (ت 861م)، وأبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحق الرَّاونديّ (ت 859م)[3]. وقد ناقش هؤلاء إشكاليَّة الاختلافات بين الأديان، أي التباينات والتناقضات في النصوص «المقدَّسة».

وقد تفاوتَت مواقف المفكِّرين، والمتكلِّمين والفلاسفة، في حقيقة الاختلافات بين الأديان. فيمكن التمييز بين موقفَيْن رئيسَيْن:

الموقف الأوَّل يشكِّك في النبوَّة ويعتبر الأديان متناقضة. وأبرز ممثِّليه في العصر العبّاسيّ: الورَّاق، وابن الراوندي، وأبو بكر الرازي.

والموقف الثاني يرى الحقيقة في دينٍ واحدٍ من الأديان «السماويَّة» ويطعن في الأديان الأخرى، ويعتبرها إمَّا باطلة وإمَّا محرَّفة. أذكر من أنصاره: ثاودورس أَبو قرَّة (ت 825م)، والجاحظ (ت 868م)، وعمَّار البصري (القرن 9م)، وحُنَين بن إسحَق (ت 873م)، وعيسى بن زُرعة (ت 1008م)، وعبد الجبَّار المعتزليّ، والغزالي (ت 1111م).

وقد تعدَّدت المناهج الَّتي استُعملَت في الدفاع والهجوم والجدال والمناظرة، أبرزها: المنهج الجدليّ، والمنهج النقليّ، والمنهج المنطقيّ. وغالبيَّة المفكِّرين اعتبروا أنَّ العقلَ هو الحكَم والفصْل في حقيقة الإيمان والأديان.

يقول ثاودورس أَبو قرَّة: «إنَّ الإيمانَ هو اليقينُ بما قد غاب عن المعرفة كما أحاطت به المعرفة... فالناسُ كافَّةً، في الإيمان بما جاء من عند الله، ثلاثةٌ: منهم مَنْ يعطِّل الإيمان بتَّةً، متعظِّمًا عن أنْ يكونَ عقلُه تبعًا لخبرٍ لمْ تُحِط به معرفتُه. ومنهم مَنْ قد بذل عقلَه لقبول خبرٍ يأتيه من الله لا تحيط به معرفتُه، غيرَ أنَّه يهمل إيمانَه ولا يوكل به عقلَه أنْ يحتاطَ له نظرًا، حتَّى يجعلَه في مكانه. ومنهم مَنْ يخضِع ذهنَه للتصديق بخبرٍ يُسنَد إلى الله ولا يستند إلى الله، ولا يخلِّي إيمانه أنْ يعودَ كالسفينة الَّتي لا ربَّان فيها ولا نوتيَّة، بل يدبِّر عقلَه حتَّى يضعَه في مكانه، ثمَّ يرخيه بكلِّ ما خرج من ذلك الموضع الَّذي قضى له العقل بالحقيقة أنْ يستحقَّ أنْ يصدِّقَ في ما أُسنِد من الكلام إلى الله»[4].

ويقول أيضًا إنَّ على الإنسان أنْ يُعمِلَ عقله ليتبيَّن أيَّ دينٍ هو جديرٌ بالتصديق. وفي نظره إنَّ النَّصرانيَّة هي الدين الحقّ: «فمن بين جميع الناس، ليس أحدٌ يقضي له العقل بالرويَّة قضيّة تعدل العيان أنَّه صار مؤمنًا بتدبير عقله، إلَّا مَنِ اعتقد النَّصرانيَّة دينًا»[5]. ولا يلحقُه من قوله هذا إبطالُ التوراة «ما دام الإنجيل قد حقَّقها، ولا تتمُّ النَّصرانيَّة إلَّا بتحقيقها لأنَّ النَّصرانيَّة إنَّما هي الإيمان بالإنجيل وتوابعه وناموس موسى وما بين ذلك من كتب الأنبياء»[6].

وهنا أسأل: أيُّ عقلٍ هو الَّذي أوصَل أبا قرَّة إلى هذه النتيجة؛ أي أنَّ النَّصرانيَّة هي الدين الحقّ؟ هل هو عقلٌ صافٍ مجرَّدٌ من الانتماء الدينيّ، ومن الإيمان بهذا الانتماء؟ أشكُّ في ذلك!

من البديهيِّ أنَّ عقل أبي بكر الرازي الَّذي نُعتَ بالملحد يختلف عن عقل الأسقف أبي قرَّة من حيث المقدِّمات والمنطلقات والمنهج، وإلَّا لما تضاربت النتائج. والواقع أنَّ نظرةً سريعةً إلى الكتب الكلاميَّة، المسيحيَّة والإسلاميَّة، في الفكر العربيّ الوسيط، تبيِّن أنَّ كلَّ فرقةٍ وطائفةٍ كانت تدَّعي أنَّها المُحقَّة في فهم النصوص الدينيَّة، وتأويلها، وسبر أغوارها، حتَّى إنَّها لم تكن تتوانى عن تكفير الفرق والطوائف الأخرى لأنَّ الاختلاف ممنوع! فإشكاليَّة خلق القرآن الَّتي نتج منها ما يعرَف بمحنة الحنابلة، والجدال بين الفرَق المسيحيَّة الثلاث (الملكيّة واليعقوبيَّة والنساطرة) حول كيفيَّة اتِّحاد الطبيعتَين في المسيح مثالان ساطعان في سماء العناد والاستبداد والتكفير.

سأدرس في بحثي هذا موقفَ أبي بكر الرازي من الاختلافات بين الأديان، وهو موقفٌ مشكِّكٌ فيها ورافضٌ لها، وموقفَ متكلِّمٍ مسلمٍ ردَّ عليه هو أبو حاتم الرازي، وموقفَ فيلسوفٍ مسيحيٍّ هو عيسى بن زُرعة. ثلاثةُ مواقف متضاربة وحقيقةٌ واحدة ثابتة: اختلاف الأديان... كنتُ أتمنَّى أنْ أجدَ ردًّا على أبي بكر الرازي من فيلسوفٍ يناقشه من دون انحيازٍ إلى دينٍ بعينه. ولعلَّ ثمَّة مَنْ قام بذلك لكنَّ الردَّ لم يصل إلينا؛ فمعظم الردود على الرازي، وهي كثيرةٌ، مفقودة. وهدفي في بحثي أنْ أبيِّنَ كيف ترجَّح العقلُ المؤمن بدينٍ من الأديان بين تقديس النصِّ الدينيّ وتأويله. وأقصد بـ «تقديس النصِّ الدينيّ» اعتبار نصٍّ بعينه صحيحًا حقًّا عصيًّا على الشكِّ والارتياب؛ وأقصد بـ «تأويل النصِّ الدينيّ» تفسير النصِّ الدينيّ تفسيرًا منحازًا متحيّزًا يقبل ما يتناغم مع هوى المفسِّر ويرفض ما يتنافر معه.

سأفصِّل الكلام على المواقف الثلاثة في النقاط الآتية:

أوّلًا - أبو بكر الرازي: جلالة العقل وتناقض الأديان.

ثانيًا - أبو حاتم الرازي: نسخ الظاهر واتِّفاق الأديان.

ثالثًا - عيسى بن زُرعة: نسخ شريعة موسى وإبطال نبوَّة محمَّد.

أوّلًا - أبو بكر الرازي: جلالة العقل وتناقض الأديان

هو أبو بكر محمَّد بن زكريَّا الرازي، فيلسوف وطبيب، ولد في الريّ[7] العام 856م، درس علوم عصره: الطِّبّ والرياضيّات والكيمياء والمنطق والفلسفة... قال عنه ابن النديم (ت 988م) إنَّه «أوحد دهره، وفريد عصره... وكان كريمًا متفضِّلًا بارًّا بالناس حسن الرأفة بالفقراء والأعلَّاء، وحتَّى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة ويمرِّضهم»[8]. إنتقل إلى بغداد، وتولَّى رئاسة البيمارستان العضدي فيه زمانًا[9]. وضع عددًا كبيرًا من المؤلَّفات، سمَّى ابن أبي أُصيبعة (ت 1270م) منها 232 كتابًا ورسالة، أكثرها في الطِّبّ[10]. توفِّي العام 925م.

لمَّا كانت مؤلَّفات أبي بكر الرازي في نقد الأديان مفقودة فإنَّ اعتمادي سيكون على ما أورده خصومه في عرض أقواله، وأبرزهم أبو حاتم الرازي في ردوده عليه في كتابه أعلام النبوَّة[11]. لذا فإنَّني أعتبر أنَّ ما سأذكره لا يعبِّر عن مذهب الرازي أفضل تعبير ولا يكوِّن صورةً كاملةً لمذهبه، وآمل أنْ يُعثَر في يومٍ من الأيَّام على مؤلَّفاته المفقودة ليتسنَّى لنا التعرُّف على حقيقة مذهبه.

سألخِّص موقف الرازي من النبوَّة والأديان في نقطتَيْن اثنتَيْن:

1 - العقل والنبوَّة

يرى الرازي أنَّ الحكمة الإلهيَّة تقتضي أنْ يتساوى الناس في استعدادهم لمعرفة النافع والضارِّ في حياتهم وآخرتهم، وأنْ لا يفضِّل الله أفرادًا على أفراد، فيكون بذلك لكلِّ فردٍ أتباع، ما يؤدِّي إلى العداء والتنازع: «الأَوْلى بحكمة الحكيم ورحمة الرحيم أنْ يُلهِمَ عباده أجمعين معرفةَ منافعهم ومضارّهم في عاجلهم وآجلهم، فلا يفضِّل بعضهم على بعض ولا يكون بينهم تنازع ولا اختلاف فيهلكوا، وذلك أحْوَط لهم من أنْ يجعلَ بعضهم أئمَّةً لبعض؛ فتصدِّق كلُّ فرقةٍ إمامها وتكذِّب غيره، ويضرب بعضهم وجوه بعض بالسيف، ويعمُّ البلاء ويهلكون بالتعادي والمجاذبات؛ وقد هلك بذلك كثيرٌ من الناس كما نرى»[12].

فالناس في اعتقاد الرازي متساوون في العقل والهمَّة والفطنة. ولو صرف كلُّ فردٍ همَّته إلى طلب علوم الفلسفة لاستطاع أنْ يدركَ ما أدركه هو من علوم؛ فالناس «لو اجتهدوا واشتغلوا بما يُعينهم[13] لاستووا في الهمم والعقول»[14].

ونجد في كتاب الطِّبّ الروحانيّ تمجيدًا للعقل وإيمانًا بقواه وقدراته. يقول الرازي في الفصل الأوَّل من الكتاب، وعنوانُه: في فضل العقل ومدحه: «إنَّ البارئ عزَّ اسمه إنَّما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من المنافع العاجلة والآجلة غايةَ ما في جوهرِ مِثلنا نيلُه وبلوغه، وإنَّه أعظم نِعَم الله عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجداها علينا. فبالعقل فُضِّلنا على الحيوان غير الناطق حتّى ملكناها وسُسْناها وذلَّلناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعُها علينا وعليها، وبالعقل أدركنا جميع ما يرفعنا ويحسن ويطيب به عيشنا ونصل إلى بغيتنا ومرادنا. فإنَّا بالعقل أدركنا صناعة السُفُن واستعمالها حتَّى وصلنا بها إلى ما قطع وحال البحر دوننا ودونه، وبه نلنا الطِّبَّ الَّذي فيه الكثير من مصالح أجسادنا وسائر الصناعات العائدة علينا النافعة لنا، وبه أدركنا الأمور الغامضة البعيدة منَّا الخفيَّة المستورة عنَّا، وبه عرفنا شكل الأرض والفلك وعظم الشمس والقمر وسائر الكواكب وأبعادها وحركاتها، وبه وصلنا إلى معرفة البارئ عزَّ وجلَّ الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما أصبنا. وبالجملة فإنَّه الشيء الذي لولاه كانت حالتنا حالة البهائم والأطفال والمجانين... وإذا كان هذا مقدارُه ومحلُّه وخطرُه وجلالتُه فحقيقٌ علينا أن لا نحطَّه عن رتبته ولا ننزِّله عن درجته، ولا نجعله وهو الحاكم محكومًا عليه، ولا وهو الزِمام مزمومًا، ولا وهو المتبوع تابعًا، بل نُرجع الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، فنُمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه... فإنَّا إذا فعلنا ذلك صفا لنا غايةَ صفائه وأضاء لنا غايةَ إضاءته وبلغ بنا نهايةَ قَصْدِ بلوغنا به. وكنَّا سعداء بما وهب الله لنا منه ومنَّ علينا به»[15].

فالعقلُ إذًا يكفي وحده لمعرفة الخير والشرّ والنافع والضارّ في حياة الإنسان، ولتدبير أمور المعاش وطلب العلوم والصنائع، ولمعرفة أسرار الألوهيَّة. ومن ثمَّ فلا حاجة إلى إرسال الرسل. أمَّا أهل الشرائع فقد أخذوا الدين بالتقليد، وهم ينهَوْن الناس عن التفكُّر في أمور الدين والبحث عن الأصول. ويكفِّرون مَنْ يخالف الأخبار الَّتي يروُونها عن رؤسائهم؛ «من ذلك ما رووه عن أسلافهم: أنَّ الجدل في الدين والمِراء فيه كفر»[16]. وهم كذلك كاذبون يأتون بالخرافات والأخبار المتناقضة؛ من ذلك: «آثار توجب خلق القرآن وأخرى تنفي ذلك، وأخبار في تقديم عليّ وأخرى في تقديم غيره، وآثار تنفي القَدَر وأخرى تنفي الإجبار»[17].

2 - تناقض الأديان

يقول الرازي إنَّ التناقض الَّذي جاء به الأنبياء يدلُّ على أنَّهم لم يُبعَثوا من قبَل الله: «زعم عيسى أنَّه ابنُ الله، وزعم موسى أنَّه لا ابنَ له، وزعم محمَّد أنَّه مخلوق كسائر الناس، وماني وزَرْهِشْت خالفا موسى وعيسى ومحمَّدًا في: القديم، وكَوْن العالم، وسبب الخير والشرّ، وماني خالف زَرْهِشْت في الكَوْنَيْن وعللهما، ومحمَّد زعم أنَّ المسيح لم يقتَل، واليهود والنَّصارى تُنكِر ذلك، وتزعم أنَّه قُتِل وصُلِب... زعمت النَّصارى أنَّ عيسى قديمٌ غيرُ مربوبٍ، وأنَّه قال: جئتُ لأتمِّم التوراة، ثمَّ نسخ شرائعها وبدَّل قوانينها وأحكامها، وأنَّ النَّصارى زعمت أنَّه آبٌ وابنٌ وروحُ القدس...» [18].

ولم يكتفِ الرازي بنفي النبوَّة، بل نفى أيضًا إعجاز القرآن (من حيث النظم والتأليف والمعنى)، فهو برأيه مملوء بالتناقض، وهو أساطير الأوَّلين، وهي خرافات[19]. ولا مجال في بحثي هذا لتفصيل الكلام في هذا الموضوع، فقد اخترتُ الاقتصار على إيراد رأيه في النبوَّة وتناقض الأديان.

وأشير إلى أنَّ الرازي لئن أنكر النبوَّة فإنَّه لم ينكر الألوهة، فهو يؤمن بوجود إلهٍ خالق قديم، لكنَّه يقول بأربعة قدماء آخرين (ذكرتهم سابقًا)، وقد ذكر له ابن النديم كتابًا بعنوان: كتاب أنَّ للإنسان خالقًا حكيمًا[20]. وهو يؤمن بالآخرة والثواب والعقاب[21].

ثانيًا - أبو حاتم الرازي: نسخ الظاهر واتِّفاق الأديان

هو أبو حاتم أحمد بن حمدان بن أحمد الرازي، من كبار دعاة الإسماعيليَّة. إشتهر بدعوته إلى المذهب الفاطمي. أدّى دورًا كبيرًا في الشؤون السياسيَّة في طبرستان وأذربجيان والديلم وأصفهان والريّ. وقد حُفظَت بعض مؤلَّفاته في خزائن الطائفة الإسماعيليّة في الهند، أبرزها كتاب أعلام النبوَّة[22]. أمَّا ابن النديم فقد ذكر له كتابان فقط، هما: كتاب الزينة وكتاب الجامع[23]. توفِّي حوالى العام 933م.

لمَّا كان أبو حاتم الرازي قد توسَّع كثيرًا في ردِّه على أبي بكر الرازي في أعلام النبوَّة فلا مجال في بحثي هنا لدراسة ردوده كلِّها بشكلٍ مفصَّل؛ لذا سأحصرها في نقاطٍ محدودة كما يأتي:

أ - العقل بين التقليد والتأويل

1- يرفض قول الرازي الفيلسوف بتساوي الناس في العقل، ويقول بخلاف ذلك إنَّ الناس متفاوتون في العقل والكَيْس والفطنة، وإنَّهم على طبقات وتفاوت مراتب. والدليل على ذلك أنَّا لا نرى في العالم إلَّا إمامًا ومأمومًا وعالمًا ومتعلِّمًا في جميع الملل والأديان وعند أصحاب الفلسفة. وكذلك فالناس محتاجون بعضهم إلى بعض، غير مستغنين بإلهامهم عن الأئمَّة والعلماء، بخلاف ما يدَّعي الرازي الفيلسوف. وهم يتفاضلون في تحصيل العلوم والصنائع. ففيهم البليد والمجتهد والفَطِن... وهذا موجود في جبلَّة الناس، وهو يدلُّ على حكمة الحكيم الَّذي ساوى بين الناس في طبائعهم في أشياء طُبعوا عليها، كما طُبع عليها سائر الحيوان، مثل طلب الغذاء والتناسل؛ لكنَّه خصَّ البشر بأنْ يكونَ فيهم عالم ومتعلِّم، وإمام ومأموم، وفاضل ومفضول... ليقوم الأمر والنهي، ويقع الثواب والعقاب؛ «وهذا أوْجَبُ في حكمة الحكيم ورحمة الرحيم من أنْ يكونَ سبيلُ البشر سبيلَ البهائم وسائر الحيوان»[24].

2- أمَّا قول الفيلسوف إنَّ أهل الشرائع أخذوا الدين بالتقليد وإنّهم ينهَوْن الناس عن التفكُّر في أمور الدين والبحث عن الأصول، فيردُّ عليه الرازي بالقول إنَّه وغيرَه ممَّنْ يدَّعي الفلسفة قد أوْجبوا التقليد في ما يدقُّ من العلوم، وأجازوا التسليم لرؤسائهم في ما لا تبلغه عقولهم؛ وأنَّ في ذلك دعوة إلى التقليد في ما لا يبلغه الإنسان بعقله. فكيف يجيز ذلك لأتباعه في الفلسفة، وينكر على أهل الدين ذلك ؟![25] ويضيف: «إنَّ أهل الحقِّ والعدل لا يجيزون التقليد في الأصول، مثل: معرفة التوحيد، وأمر النبوَّة، وإثبات الإمامة؛ هذا ما لا يجوز قبوله بالتقليد. فإذا ثبت التوحيد وصحَّ أمر النبوَّة وثبت أمر الإمامة، بعد ذلك يجوز التقليد للإمام الحقِّ العادل العالِم. وليس في جبلَّة البشر أن يبلغوا الغاية من العلم، إذ كان فوق كلِّ ذي علمٍ عليم. وإن سقط التقليد بعد معرفة هذه الأصول كما ذكرنا وكُلِّف الناس كلُّهم أنْ يبلغوا الغاية، فقد كُلِّفوا ما لا يطيقون؛ والله عزَّ وجلَّ أعدل وأرحم بعباده من ذلك، ولا يكلِّف نفسًا إلَّا وُسعَها»[26]. وكذلك فإنَّ القرآن قد دعا في آياتٍ كثيرة إلى التفكُّر في خلق الله والاستدلال عليه من عجائب الصنع والتدبير...[27]

3- أمَّا الخبر الَّذي زعم الفيلسوف أنَّه يوجب ترك النَّظر فقوله: «الجدل في الدين والمِراء فيه كفر»، فإنَّه صحيح؛ ولكن لا بدَّ من تأويل هذا الحديث ليُعرَف المُراد منه. فالجدل ليس معناه النَّظر، وإنَّما معناه الخصومة والتنازع، وهو كفر في الدّين؛ لأنَّه على طريق المغالبة والمعاداة وترك الإنصاف. وقد نهى الله عن الجدل وأمَرَ بالنَّظر على أحسن الوجوه، فقال: ﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[28]. وقال أيضًا: ﴿ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾[29]. أمَّا المِراء فمعناه الخصومة والتنازع. وقد قال بعض أهل اللغة: المِراء هو الجحود. ولكنَّ الملحد خفيَت عليه هذه المعاني، لقلَّة معرفته بلغة العرب؛ فاعتقد أنَّ المُراد بالمِراء والجدل هو النَّظر والإنصاف، واحتجَّ بما لا حجَّة له فيه[30].

4- أمَّا وصف الرازي الفيلسوف أهلَ الشرائع بأنَّهم كاذبون يأتون بالخرافات والأخبار المتناقضة؛ مثل: خلق القرآن وتقديم عليّ وتقديم غيره، والقَدَر والإجبار؛ فإنَّ أبا حاتم الرازي لم يناقش إلَّا مسألة القَدَر، واستند إلى أحاديث نبويَّة ليتَّخذ موقفًا وسطًا يقول: لا إجبار ولا تفويض[31]. أمَّا المسألتان الباقيتان فلم يناقشهما!

ب - محمَّد ينسخ شرائع موسى وعيسى

1- يقول الرازي في جوابه على التناقضات الموجودة في التوراة والإنجيل والقرآن إنَّ أكثرها أمثال مضروبة، وليس هناك اختلاف ولا تناقض فيها. فكلام الأنبياء الَّذي يقدِّره الجهَّال أنَّه متناقض، فإنَّه وإن اختلفت ألفاظه، فإنَّ معانيه متَّفقة؛ لأنَّ الأنبياء والحكماء كان أكثر كلامهم مرموزًا، وكانوا يخاطبون الأمم بالحكمة، وبضرب الأمثال[32]. ومثل هذا موجود في كلام الفلاسفة؛ «فإنَّهم ضربوا الأمثال في كثيرٍ من كلامهم، وذهبوا في ذلك مذهب الأنبياء وسلكوا سبيلهم»[33]. ويضيف: للتحقُّق من صدق كلام الأنبياء والأئمَّة، مثل: موسى وعيسى ومحمَّد يُنظَر في أخلاقهم وسيرتهم؛ فإنَّهم «كانوا مشهورين بالكمال والعقل والتمييز والسياسة والجمع لكلِّ خُلُقٍ محمود»[34]. ثمَّ يتوسَّع في الكلام على أخلاق محمَّد[35]، ويذكر أمثالًا من مختلَف كتب الأنبياء (إنجيل متَّى، إنجيل مرقس، سفر أشعيا...)[36].

2- يقول الرازي إنَّ شرائع الأنبياء كلَّها مؤسَّسة على العلم والحكمة. وكلُّ نبيٍّ ينسخ «ظاهر ألفاظ مَنْ تقدَّمه»[37]. قال الله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾[38]. فهذه الآية تدلُّ على أنَّ شرائعهم كلَّها كانت تدعو إلى دينٍ لا تفرُّق فيه[39]. وقال في آيةٍ أخرى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا﴾[40]. فهذه الآية تدلُّ على أنَّ لكلِّ واحدٍ منهم شريعة غير شريعة صاحبه، ومنهاجًا غير منهاجه. فهذا في ظاهر الأمر مختلف، لكنَّه ليس متناقضًا. فالمقصود أنَّ لكلِّ واحدٍ منهم شريعةً ومنهاجًا في الظَّاهر غير شريعة صاحبه ومنهاجه، ولذلك جاز لهم نسخ ظاهر الشرائع، ومخالفة بعضهم لبعض فيها[41]. ولذا جاز للنبيِّ محمَّد أنْ ينسخَ شرائع موسى وعيسى: «وهكذا كانت سبيل محمَّد في شهادته لموسى وعيسى بالصدق والنبوَّة، وفي نسخه السبت والأحد وإقامته الجمعة بدل ذلك، وفي نسخه شرائعهم»[42].

3- إنَّ الأنبياء لم يختلفوا في أصل الدين وفي توحيد الله، واتَّفقوا على أنّ الله إله واحد لا إله غيره، وأنَّه قديم لا قديم معه، وأنَّه خالق جميع الخلائق من لا شيء، وأنَّه بعث النّبيّين مبشّرين ومنذرين، واختارهم من خلقه واصطفاهم لتبليغ رسالاته، وأنَّه خلق الدارَين؛ الدنيا والآخرة. وجميع الأنبياء دعوا إلى عبادة الله بالأعمال الَّتي اتَّفقوا على أصولها، مثل الصلاة والصيام والزكاة، والقرابين... واختلفوا في الفروع، مثل أوقات الصلاة وعدد ركعاتها، وحدود الزكوات، ومواقيت الصيام. وقد فعلوا ذلك ليظهر المطيع من العاصي والضَّالّ من المهتدي، وليكون الثواب والعقاب على حسب الطاعة والمعصية[43].

4- وأمّا النّصارى وقولهم في المسيح إنَّه ابن الله فإنَّهم ضلُّوا بالتّأويل؛ لأنَّ المسيح لم يعنِ بقوله في الإنجيل إنَّه ابن الله أنَّه ابنُه من جهة الولادة، عزَّ الله أنْ يتَّخذَ صاحبةً وولدًا! لكنَّه قصد أنّ الله رفعه وأعلى منزلته وقرَّبه واختاره واصطفاه وأحبَّه، كما يحبُّ الانسان ولَدَه ويودُّه[44]. أمَّا الاختلاف بين الأديان حول قتل المسيح فيجب أنْ يُرجَع فيه إلى القرآن؛ لأنَّ «الَّذي في القرآن هو حقٌّ وصدق»[45]. وقد جاء فيه: وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ[46]. ومعنى ذلك أنَّهم وإنِ ادَّعوا أنَّهم قتلوه، فإنَّه حيٌّ، رفعه الله إليه، وهو عند الله مكرَّم مسرور لأنَّه شهيد. ويجب أنْ يؤوَّل قول الإنجيل عن موت المسيح وفقًا لما جاء في القرآن. فتبطل دعوى الملحد أنَّ القرآن يخالف الإنجيل في هذا الباب[47].

ثالثًا - عيسى بن زُرعة: نسخ شريعة موسى وإبطال نبوَّة محمَّد

هو أبو عليّ عيسى بن إسحق بن زُرْعة، فيلسوف عربيّ مسيحيّ يعقوبيّ، ولد في بغداد العام 942م. درس الطِّبّ والفلسفة. كان تلميذ يحيى بن عديّ (ت 974م)، ومقرَّبًا منه. قال عنه ابن النديم إنَّه «أحد المتقدِّمين في علم المنطق وعلوم الفلسفة، والنقلة المجوِّدين». وذكر ابن أبي أصيبعة أنَّه كان يعمل في التجارة، وأنَّه عانى من غدر الأنداد، إذ صودرَت أمواله، وأصابته عدَّة نكبات. قام عيسى بترجمة عدّة مؤلّفات فلسفيَّة، كما قام بتفسير بعض النصوص الفلسفيَّة لأرسطو وبرقلس.... ووضع مصنّفات في الفلسفة والطبيعيّات واللاهوت المسيحيّ (التَّوحيد والتَّثليث، والاتّحاد...)، والدّفاع عن الدين المسيحيّ. توفِّي العام 1008م بعد إصابته بمرض الفالج[48].

إهتمَّ عيسى بدراسة العلاقة بين الفلسفة والدين، وقد وضع لهذا الغرض مقالةً بيَّن فيها خطأ اعتقاد الجمهور أنَّ الفلسفة تُفسِد الدين من جهة، وصِدْقَ الحاجة في تَحقيق الشَرائِع إلى العِلْم بالفَلسَفة من جهةٍ أخرى[49]. كما وضع مقالةً ناقش فيها مواضع الخلاف بين اليهود والنَّصارى، وقد حصرها بخمسة مواضِع هي: نسخ شريعة موسى، ومجيء المسيح المنتظر، والتثليث، والاتِّحاد، والقيامة، عنوانها: مقالة عَمَلَها إلى بعض اليهود وهو بشر بن فنحاس بن شُعَيْب الحاسب في سنة سبعٍ وثمانين وثلاثمائة[50]. سأستند إليها لأدرس كيف بيَّن وجوب نسخ شريعة موسى، كما سأستند إلى مقالةٍ أخرى لأبيِّن حججه على إبطال نبوَّة محمَّد، عنوانها: هذا ردُّ أَبي القسم عبد الله بن أَحمد البلخيّ على النَّصارى في كتابه المسمَّى أَوئل الأَدلَّة سأَلني بعض أَصدقائي، أَيَّدهم الله، تصفُّحه والإجابة عنه في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة[51].

تقوم المقالتان على فكرةٍ جوهريَّة هي أنَّ نسخَ شريعة موسى جائزٌ، بل ضروريٌّ، وأنَّ النسخَ «ليس واجبًا في كلِّ شريعةٍ دائمًا بلا نهاية، وأنَّ النسخَ إنَّما يجب إلى حدٍّ ما ثمَّ لا يجوز النسخُ بعد ذلك»[52]. بتعبير آخر، إنَّ المسيحيَّة هي الشريعة التامَّة الداعية إلى الفضيلة الكاملة، لذا يجب أنْ تُنسخَ شريعة موسى لأنَّها أقلُّ منها كمالًا، ولا يجوز أنْ تأتي شريعة بعدها تنسخها لأنَّها لنْ تكونَ أكمل منها.

يستهلُّ عيسى مقالته الَّتي عملها إلى اليهود بذكر أربعة أصول، أو مسلَّمات، يبني عليها أدلَّته العقليَّة والكتابيَّة على وجوب نسخ شريعة موسى، هي:

الأصل الأوَّل: السنن الثلاث:

يقول عيسى إنَّ السنن ثلاث: طبيعيَّة وعقليَّة ووضعيَّة. فالطبيعيَّة تدعونا إلى حيازة النافع واللذيذ، وهي أقدم في الإنسان من جميع السنن. والعقليَّة تدلُّنا على مقدار حاجتنا من الاقتناء. والوضعيَّة، الَّتي سبيلُها التوقيف من البارئ، فتنهج لنا طريق تحصيل الأمور اللذيذة والنافعة.

الأصل الثاني: الارتقاء من السهل إلى الصعب:

إنَّ التوقيف تعليمٌ ما. ولا بدَّ في تعليم المتعلِّم من الترقِّي من الأيسر إلى الأصعب لينقاد المتعلِّم إلى ما يُدعى إليه ويدرك معنى التعليم والتوقيف.

الأصل الثالث: الحسُّ أقدم في الإنسان من الاستدلال:

«إنَّ الحسَّ، وما يُنال به، ويوقَف عليه من قِبَله، أسرع وصولًا إلى النفس وأيسر من الَّذي يُنال بالعقل وبالاستدلال». لذلك يكون مقدَّمًا عند عددٍ أكثر من عدد الناس الَّذين يقبلون الأمور بالاستدلال والعقل.

الأصل الرابع: كلُّ بداية لها غاية:

كلُّ ما ابتُدِئَ به، فله انتهاء وغاية. وعندما يبلغ المبتدئُ غايتَه يكفُّ عن العمل.[53]

بعد أنْ ذكر عيسى هذه المسلَّمات بيَّن وجوب نسخ شريعة موسى من طريقَيْن: طريق قياسيَّة عقليَّة، وطريق كتابيَّة صُحُفيَّة.

1- الطريق القياسيَّة العقليَّة:

يقول عيسى إنَّ موسى هو أوَّل مَنْ سنَّ سُنَّةً مأخوذة عن الله. ولمَّا كان داعيًا لقومٍ يعبدون الأصنام، فإنَّه لم يكن بمقدوره أنْ يجعلَ ما يدعوهم إليه قياسًا عقليًّا، بل نقلهم من الملموس إلى المرئيّ المسموع (الأصل الثالث)، ونقلهم من سُنَّة الطبيعة إلى سُنَّة العقل والتوقيف بأيسر الطرق (الأصل الثاني)، وهي طريق التسوية بينهم، أي العدل؛ وذلك بأنْ أخرجَهم من حال العبوديَّة وجعلهم أحرارًا، وقد كان عالمًا أنَّ سُنَّة التفضُّل أكمل من سُنَّة العدل[54]. يقول عيسى: «فمن البيِّن الظاهر أنَّ العدل، وإنْ كان أمرًا فاضلًا، فإنَّ التفضُّلَ أكملُ في الفضيلة منه، وأتمُّ في الخيريَّة، لأنَّه خُلُقٌ إلهيٌّ، وأفضل أحوال البشر الاقتداء ببارئهم تعالى...»[55] ولمَّا كان البارئ في غاية الجُود «فلا يجوز أنْ يضنَّ علينا بحضِّنا وندبنا إلى فعل فضيلةٍ تامَّةٍ، وهي ممَّا في قدرتنا واستطاعتنا. وفي ندبنا لها، وحضِّنا عليها نسخ شريعة موسى (عليه السلام!)، فقد وجب أنْ تكونَ شريعتُه منسوخةً، وأنْ يكونَ الناسخُ لها هو الداعي إلى سُنَّة التفضُّل»[56].

ولكن ما الدليل على أنَّ سُنَّة التفضُّل هي غاية الفضيلة؟ وأنَّ ناسخَ شريعة موسى لنْ تُنسَخ شريعته؟

يبيِّن عيسى ذلك من النظر في قوى النفس الثلاث: الشهوانيَّة والغضبيَّة والناطقة. أمَّا القوَّة الشهوانيَّة فلمَّا كانت تطلب المقتنيات، فقد دعانا المسيح إلى اطِّراح المقتنيات كلِّها إذا أردنا أنْ نحقِّقَ غاية الفضيلة[57]. ومن البديهيِّ أنَّ مَنْ يرفض المقتنيات كلَّها، صغيرها وكبيرها، ويقتصر على قوت يومه، يتغلَّب على شهواته، ويتجنَّب رذائل كثيرة، ويستفيد فضائل عظيمة[58]. أمَّا القوَّة الغضبيّة ففيها الميل إلى المعاداة، لذلك دعانا المسيح إلى محبّة الأعداء[59]، والإحسان إليهم، والمحافظة عليهم، ومعاملتهم معاملة الأصدقاء. فقال: إنَّكم إن اقتصرتم على أنْ تحسنوا إلى مَنْ أحْسَنَ إليكم، فأين موقع التفضُّل منكم[60]؟ وأُمِرْنا كذلك بأنْ مَنْ لطمنا على إحدى جهتَي الوجه بأنْ نديرَ له الجهة الأخرى[61]. فهل في قمع النفس الغضبيَّة مزيدٌ يُلتمَس على هذا؟[62] أمَّا القوَّة الناطقة، الَّتي العلمُ فعلُها، فقد حضّتنا على الدأب في طلب العلم[63]، حتَّى أنَّه قال إنَّ ملكوت الله محصورةٌ فينا[64]، إشارة منه إلى أنَّ «وقوفنا على المعلومات الشريفة الدائمة الوجود، ومعرفتنا بها المعرفة الحقيقيَّة، هي الملكوت المنتظرة [كذا] لأنَّها تُعلي نفوسنا من الأدناس البدنيَّة، وتجعلها في حيِّز الأشياء الَّتي لا ينالها الانفعال، وترتقي بها عن كلِّ رتبةٍ دنيئة»[65].

فقد تبيَّن أنَّ ناسخ شريعة موسى ندبنا لما ليس في وُسع البشر استعمال ما هو أتمُّ وأفضل منه.

2- الطريق الكتابيَّة:

يعمد عيسى إلى ذكر آياتٍ من العهد القديم تشير إلى وجوب نسخ شريعة موسى: «إنَّ الله لا يؤثر الذبيحةَ الفانية وإنَّما ذبيحة الله هي النفس المتواضعة الخاضعة»[66]. وأيضًا: «قال الله سبحانه إنَّ الأيَّام ستأتي وأعهد إليكم عهدًا مستجدًّا، ليس كالعهد الَّذي عَهِدْتُه إلى آبائكم لمَّا أخْرَجْتُهُم مِن أرضِ مِصْر»[67]. وفي هذا القول تصريحٌ ظاهرٌ بنسخ شريعة موسى[68].

يختم عيسى بالقول: «فقد وضح بما قلناه وجوب نسخ شريعة موسى، ووضح مع ذلك أنَّه ليس يلزم أنْ تُنسَخَ الشريعة الناسخة لها، لكمال الأفعال الَّتي نُدِب لها أهلُها؛ فليس من الحكمة أنْ يندُبَ الله تعالى قومًا إلى فضيلةٍ في غاية التمام ويرسل إليهم مَنْ يندُبهم إلى الرجوع عن الفضيلة الكاملة واستعمال فضيلةٍ هي دون تلك، أو إلى ما ليس بفضيلة. ولأنَّ هذا من المحال ما ينبغي أنْ يكونَ هذا آخر نسخٍ ولا شيء ينسخ بعده، وأنَّ كلَّ داعٍ فإنَّما يدعو إمَّا إلى الفضيلة الأولى، فيكون بمنزلة موسى، أو إلى الفضيلة الثانية، فيكون المسيح، فأمَّا سوى ذلك، فلا سبيل إليه، وذلك مِنْ قِبَل أنَّ الفضيلة بالجملة موقوفة بين أمرَين هما: العدل، وقد أتى به موسى (عليه السلام!)، والتفضُّل، وقد أتى بأقصى ما فيه المسيح»[69].

إنَّ هذه النتيجة الَّتي انتهى إليها عيسى هي إحدى المقدِّمات الَّتي يبني عليها إنكاره نبوَّة محمَّد. وقد فصَّل الكلام على ذلك في ردِّه على أَبي القَاسم البلخيّ في نقده النَّصارى في كتابه المسمَّى أَوئل الأَدلَّة. يوجِّه عيسى سؤاله إلى المسلمين، فيقول لهم: ما الَّذي يريده الله بنا في سنِّ السنن لنا وإرسال الدعاة والأنبياء إلينا؟ هل ينال بذلك نفعًا يخصُّه أو يريد نفعنا؟ من البديهيِّ أنَّه يريد نفعنا؛ لأنَّ المنتفِع هو الَّذي يحوز ما كان يعوزه، ولا شيء يعوز البارئ البتَّة[70]. ولمَّا كنَّا لا نصف البارئ بالبخل، «بل نجعل معنى الجود بالحقيقة في الغاية له»، فيلزم من ذلك أنْ يريدَ لنا البارئ الخير في الغاية والفضيلة في النهاية. ولمَّا كانت الفضائل الَّتي نحن مندوبون لها تنقسم قسمَين العدل والتفضُّل، ولمَّا كان التفضُّل أكمل وأتمَّ فضيلةً من العدل، وهو ما دعانا إليه المسيح، فإنَّه من الشنيع القبيح أنْ يندُبَ البارئ مَنْ يدعونا إلى ما يخالف الفضيلة في الغاية، أي التفضُّل. وهكذا، فإنْ كانت الدعوة الَّتي دعانا إليها محمَّد بن عبد الله هي الفضيلة في الغاية، فما الحاجة إليها وقد تقدَّمت الدعوة إليها؟ وإنْ كانت مخالفة لها، فهي بلا شكٍّ أدنى من فضيلة التفضُّل، وهذا ما لا يمكن أنْ يندُبَنا إليه البارئ الحكيم؛ إذ ليس من فعله أنْ يندُبَ قومًا إلى فضيلةٍ أدنى من الَّتي كانوا قد نُدبوا إليها، وإنْ قصَّر بعض الناس عن بلوغ غايتها[71]. فيتبيَّن إذًا أنْ لا سُنَّة بعد سُنَّة المسيح لأنَّها غاية التفضُّل وأفضل الفضائل، وبانَ الغِنى عن نسخ شريعة النَّصرانيَّة بشريعةٍ أخرى سواها.

في ختام عرض المواقف الثلاثة تتبيَّن بوضوح الاختلافات بين العقول من حيث المقدِّمات والنتائج والغايات... يتَّفق الرازيَّان في إعلاء شأن العقل، وأنَّه أفضل ما وهبه الله للإنسان، لكنَّهما يختلفان في تصوُّر عمل العقل وحدوده. فالعقل عند الرازي الفيلسوف قادرٌ على إدراك أمور الدنيا وأسرار الألوهيَّة شرطَ أنْ يُنمَّى ويُوجَّه، وهو مستغنٍ عن مدَّعي النبوَّة الَّذين لا ينطقون بالحقِّ. وفي اعتقاده أنَّ النَّاظر في الفلسفة لا بدَّ من أنْ يكونَ غير معتقدٍ بشرائع الأنبياء كي تصفو نفسه وتتخلَّص من كدورة هذا العالم؛ إذ «كيف يكون ناظرًا في الفلسفة وهو معتقدٌ لهذه الخرافات، مقيمٌ على الاختلافات، مصرٌّ على الجهل والتقليد؟!»[72]. أمَّا الرازي المتكلِّم فالعقل عنده محكومٌ بالنصِّ القرآنيِّ، النصِّ الحقّ، يقرأ من خلاله النصوص الدينيَّة الأخرى ويؤوِّلها. تأويله موجَّه ينطلق من النصِّ الإسلاميّ يدافع عنه ويثبت صحَّته؛ فهو منحازٌ متحيِّزٌ لما يعتقد أنَّه حقٌّ. منهجه في التأويل بيانيّ يبيِّن مضمون النصِّ انطلاقًا من اللغة وعلومها (البلاغة، والنحو...). بتعبيرٍ آخر، إنَّه عقل مثقَلٌ بالإرث الإسلاميّ (الفقه، وأصوله، والحديث...)، ليس عقلًا صافيًا نقيًّا، وليس بمقدوره أنْ يكونَ غير ذلك! أمَّا عيسى بن زُرعة فمقدِّماتُه دينيَّة، وأدواتُه فلسفيَّة دينيَّة؛ فهو ينطلق من حقيقة «ثابتة»، هي أنَّ الدِّين المسيحيّ هو الأفضل والأكمل، فيخترع ألفاظًا يصف بها الشرائع: العدل والتفضُّل. وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ مقدِّماته ليست «مقدَّسة»، وتقبل النقاش والتفكُّر. يشبه عقلُ عيسى عقلَ الرازي المتكلِّم في تقديس النصِّ الدينيّ الَّذي نشأ كلُّ واحدٍ منهما في أحضانه، وفي تأويل النصوص الأخرى وفقًا لما يمليه عليهما انتماؤهما الدِّينيّ. عقلان أرادا أنْ يحاكما النصّ الدينيّ، وهما أصلًا محكومان...

 

مختصرات المراجع

  • أبو قرَّة، الآب والابن وروح القدس إله = ثاودورس أَبو قرَّة (ت 825م)، «ميمر للأَب الفاضل الكبير ثاودوروس أُسقف حرَّان يحقِّق أَنَّه لا يلزم النَّصارى أَن يقولوا ثلاثة آلهةٍ إذ يقولون الآب إله والابن إله وروح القدس إله. وإنَّ الآب والابن وروح القدس إله ولو كان كلُّ واحدٍ منهم تام على حدته»، في: ميامر ثاودوروس أَبي قرَّة أُسقف حرَّان، تحقيق قسطنطين الباشا، بيروت، مطبعة الفوائد، 1904.
  • أبو قرَّة، ميمر في تحقُّق الإنجيل = ثاودورس أَبو قرَّة، «ميمر في تحقُّق الإنجيل وأنَّ كلما (هكذا) لا يحقِّقه الإنجيل فهو باطل وضعه المعلِّم ثاودورس اسقف حرَّان»، في: ميامر ثاودوروس أَبي قرَّة أُسقف حرَّان، تحقيق قسطنطين الباشا، بيروت، مطبعة الفوائد، 1904.
  • أُصَيبِعة، عيون الأَنباء = ابن أَبي أُصَيبِعة (ت 1270م)، عيون الأَنباء في طبقات الأَطبَّاء، ج 2، ط 4، بيروت، دار الثَّقافة العربيَّة، 1987.
  • بدوي، تاريخ الإلحاد = عبد الرحمن بدوي، من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ط 2، "دراسات إسلاميَّة"، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 1980.
  • الرازي، أعلام النبوَّة = أبو حاتم الرازي (ت حوالى 933م)، أعلام النبوَّة - الرَّدُّ على "الملحد" أبي بكرٍ الرَّازي، ط1، بيروت، دار الساقي، 2003.
  • الرازي، رسائل فلسفيَّة = أبو حاتم الرازي، رسائل فلسفيَّة مضافٌ إليها قِطعًا من كتبه المفقودة، ط 5، تحقيق لجنة إحياء التراث العربيّ في دار الآفاق الجديدة، بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، 1982.
  • الرازي، السيرة الفلسفيَّة = أبو حاتم الرازي، «السيرة الفلسفيَّة»، في: رسائل فلسفيَّة مضافٌ إليها قِطعًا من كتبه المفقودة، ط 5، تحقيق لجنة إحياء التراث العربيّ في دار الآفاق الجديدة، بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، 1982.
  • الرازي، الطِّبّ الروحانيّ = أبو حاتم الرازي، «الطِّبّ الروحانيّ»، في: رسائل فلسفيَّة مضافٌ إليها قِطعًا من كتبه المفقودة، ط 5، تحقيق لجنة إحياء التراث العربيّ في دار الآفاق الجديدة، بيروت، منشورات دار الآفاق الجديدة، 1982.
  • زُرعة، ردّ على البلخيّ = عيسى بن زُرعة (ت 1008م)، «هذا ردُّ أَبي القسم عبد الله بن أَحمد البلخيّ على النَّصارى في كتابه المسمَّى أَوئل الأَدلَّة سأَلني بعض أَصدقائي، أَيَّدهم الله، تصفُّحه والإجابة عنه في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة»، في: مباحث فلسفيَّة دينيَّة لبعض القدماء من علماء النَّصرانيَّة، تحقيق القسّ بولس سباط، القاهرة، المطبعة السُّوريَّة، 1929.
  • سبحاني، عقائدنا = جعفر سبحاني، عقائدنا الفلسفيَّة والقرآنيَّة - كتاب يحتوي على إجابة 53 سُؤالًا فلسفيًّا وقرآنيًّا وتاريخيًّا، ط1، تعريب لجنة الهدى، بيروت، دار الروضة للطباعة والنشر والتوزيع، 1993.
  • عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث = نادين عبّاس، نظريَّة التَّوحيد والتَّثليث الفلسفيَّة عند يحيى بن عديّ في كتابه "الرَّد على الورَّاق" (تحقيق المخطوطات ودراستها)، "مجموعة البحوث العربيّة المسيحيّة"، 3، بيروت، جامعة القدّيس يوسف، مركز الشّرق المسيحيّ للبحوث والمنشورات، 2014.
  • مصري وعبّاس، الفلسفة والشريعة = بيير مصري ونادين عبّاس، "علاقة الفلسفة بالشريعة (مقالة عملها أبو عليّ عيسى بن إسحق بن زرعة لبعض إخوانه يبيّن فيها براءة الناظرين في المنطق والفلسفة ممّا يُقرَفون به من فساد الدين) دراسة ونصّ"، المشرق 92 (2018) 365-399.
  • النَّديم، الفهرست = أَبو الفرج بن النَّديم (ت 988م)، الفهرست، تحقيق رضا-تجدُّد، طهران، 1971.
  • Starr, Epistle = Peter Starr, The Epistle to Bišr b. Finḥās of Ibn Zurcah (m. A.H. 398/A.D. 1008) Edition, Translation and Commentary, Cambridge, Emmanuel College, (Thesis submitted for the Degree of Doctor of Philosophy), 1999.
  • Urvoy, Les Penseurs libres = Dominique Urvoy, Les Penseurs libres dans l'Islam classique: l'interrogation sur la religion chez les penseurs arabes indépendants, Paris, Bibliothèque Albin Michel, Idées, 1996.

 

 

*   رئيسة قسم الفلسفة، ومديرة "مركز لويس پوزيه لدراسة الحضارات القديمة والوسيطة" في معهد الآداب الشرقيّة التابع لكليّة الآداب والعلوم الإنسانيّة في جامعة القدّيس يوسف - بيروت.

[1]   الرازي، أعلام النبوَّة، ص 15.

[2]   Urvoy, Les Penseurs libres, p 38.

يُعتبَر تاركًا أو مرتدًّا مَنْ ينكر أحد أصول الدِّين المشتركة بين جميع الطوائف الإسلاميَّة: التوحيد، والرسالة، والمعاد. راجع: سبحاني، عقائدنا، ص 240.

[3]   يصف عبد الجبَّار المعتزليّ (ت 1025م)، في كتابه تثبيت دلائل النُّبوَّة، الورَّاقَ أَنَّه من الملاحدة الذين أَلَّفوا كتبًا في العصر العبَّاسيّ في الطَّعن على الرُّبوبيَّة وشتم الأَنبياء وتكذيبهم. ويسمِّي من الملاحدة (فضلًا عن الورَّاق): أَبو حفص الحدَّاد وابن الرَّاونديّ والحصريّ (ت 255 هـ). وينقل عبد الجبَّار في كتابه المغني في أَبواب التَّوحيد والعدل (في الجزء الخاصّ بالإمامة) عن أَبي عليّ الجبَّائيّ (ت 303 هـ) قوله: إنَّ مذهب الورَّاق هو الثَّنويَّة، وإنَّ الورَّاق وهشام بن الحكم (ت 179 هـ) وأَبا حفص الحدَّاد وابن الرَّاونديّ قد نقضوا الإسلام؛ لأَنَّ مرادهم كان إبطال الكتاب والسُّنَّة. فهشام بن الحكم قال بالتَّجسيم، وبحدوث العلم، وبالجبر، وغير ذلك ممَّا لا يصحُّ معه التَّوحيد ولا التَّمسُّك بالعدل. أَمَّا ابن الرَّاونديّ فقصدُه في مؤَلَّفاته «التَّشكيك». وأَمَّا الورَّاق «فتمسُّكه بمذاهب الثَّنويَّة ظاهرٌ، وأَنَّه كان عند الخلوة ربَّما قال: بُليتُ بنصرة أَبغض النَّاس إليَّ وأَعظمهم إقدامًا على القتل...». وهذه العبارة قد قال أَبو الحسين الخيَّاط (ت 300 هـ) إنَّ المقصود بها هو عليُّ بن أَبي طالب، أَمَّا عبد الجبَّار فلم يذكر ذلك. راجع: عبّاس، التَّوحيد والتَّثليث، ص 29.

[4]   أبو قرَّة، الآب والابن وروح القدس إله، ص 23.

[5]   أبو قرَّة، الآب والابن وروح القدس إله، ص 26. والجدير ذكره أنَّ أبا قرَّة وضع مقالةً بيَّن فيها صحَّة الدين المسيحيّ وضرورة تصديق ما جاء به الإنجيل. أنظر: أبو قرَّة، ميمر في تحقُّق الإنجيل، ص 71-75.

[6]   أبو قرَّة، الآب والابن وروح القدس إله، ص 27.

[7]   الريّ تبعد بضعة كيلومترات عن مدينة طهران الحاليَّة.

[8]   النَّديم، الفهرست، ص 360.

[9]   أُصَيبِعة، عيون الأَنباء، ص 344.

[10] أُصَيبِعة، عيون الأَنباء، ص 352-361.

[11]   أبرز الَّذين تصدُّوا للردِّ على أقوال الرازي في النبوَّة والإلهيَّات: أبو القاسم البلخيّ (ت 319هـ) رئيس معتزلة بغداد في عصره، والفارابيّ (ت 951م)، وابن الهيثم البصريّ (ت 430هـ)، وابن حزم الأندلسيّ (ت 456هـ)، وأبو المعين ناصر بن خسرو (ت نحو 481هـ) مؤلِّف وشاعر فارسيّ وكان داعيًا إلى المذهب الإسماعيليّ في عهد المستنصر بالله الفاطميّ، وأحمد بن عبد الله الكرمانيّ (ت بعد 411هـ) كبير الدعاة الإسماعيليَّة بجزيرة العراق في عهد الحاكم بأمر الله الفاطميّ. راجع: الرازي، رسائل فلسفيَّة.

[12] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 15.

[13] في الأصل «يعنيهم»، وفي قراءة بدوي «يعينهم»، وهي برأيي قراءة أفضل. راجع: بدوي، تاريخ الإلحاد، ص 169.

[14] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 16-17.

[15] الرازي، الطِّبّ الروحانيّ، ص 17-19.

[16]   الرازي، أعلام النبوَّة، ص 39.

[17] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 40.

[18] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 65.

[19] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 173.

[20] النَّديم، الفهرست، ص 361.

[21] الرازي، السيرة الفلسفيَّة، ص 101. يمكن الاطِّلاع على آرائه الفلسفيَّة في رسائله المنشورة. راجع: الرازي، رسائل فلسفيَّة.

[22] الرازي، رسائل فلسفيَّة، ص 291.

[23]   النَّديم، الفهرست، ص 236.

[24] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 16-18.

[25] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 40.

[26] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 41.

[27]   الرازي، أعلام النبوَّة، ص 44.

[28] سورة العنكبوت، الآية 46.

[29] سورة النحل، الآية 125.

[30]  الرازي، أعلام النبوَّة، ص 43.

[31] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 45-46.

[32] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 66.

[33] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 90.

[34] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 67-68.

[35] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 68-80.

[36] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 81-87.

[37] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 91.

[38] سورة الشورى، الآية 13.

[39] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 91.

[40]   سورة المائدة، الآية 48.

[41] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 91-92.

[42]   الرازي، أعلام النبوَّة، ص 102.

[43] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 123-125.

[44] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 126.

[45]  الرازي، أعلام النبوَّة، ص 131.

[46] سورة النساء، الآية 157-158.

[47] الرازي، أعلام النبوَّة، ص 131-132.

[48] مصري وعبّاس، الفلسفة والشريعة، ص 367-369.

[49] مصري وعبّاس، الفلسفة والشريعة، ص 365-399.

[50] يوافق هذا التاريخ العام 997م.

[51] يوافق هذا التاريخ العام 997م.

[52] Starr, Epistle, p 81-83.

[53] Starr, Epistle, p 91-103.

[54] Starr, Epistle, p 103-107.

[55] Starr, Epistle, p 111-113.

[56] Starr, Epistle, p 113-115.

[57] أنظر: متَّى 10/9-10.

[58] Starr, Epistle, p 119- 123.

[59]   أنظر: متَّى 5/44.

[60] أنظر: متَّى 5/44-46.

[61] أنظر: لوقا 6/29.

[62] Starr, Epistle, p 123-125.

[63] Starr, Epistle, p 125-127.

[64] أنظر: لوقا 17/21.

[65] Starr, Epistle, p 127.

[66] سفر المزامير 51/18-19.

[67] سفر إرميا 31/31-32.

[68] Starr, Epistle, p 131-135.

[69] Starr, Epistle, p 137-139.

[70] زُرعة، ردّ على البلخيّ، ص 55.

[71]  زُرعة، ردّ على البلخيّ، ص 56-57.

[72]  الرازي، أعلام النبوَّة، ص 24.

تحميل بصيغة PDF

تعليقات 0 تعليق